اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

المتشائل

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

عن وقائع إميل حبيبي‮ ‬الغريبة
في‮ ‬إختفاء سعيد أبي‮ ‬النحس المتشائل‮ ‬    

الرواية نشرت في‮ ‬سلسلة روايات الهلال العدد‮ ‬474 ‮ ‬يونيو‮ ‬1988
النص
البداية
‮( ‬سعيد‮ ‬يجلس علي‮ ‬خازوق كبير‮ ‬،‮ ‬ظهره في‮ ‬مواجهة الجماهير‮ ‬،‮ ‬حينما‮ ‬،‮ ‬تُعلن بداية المسرحية سعيد‮ ‬يستدير‮ ‬،‮ ‬الخازوق‮ ‬يشير في‮ ‬تشكيله إلي‮ ‬انجلترا وأمريكا وكل من ساعد علي‮ ‬زرع إسرائيل‮ )‬
هديء من روعك‮ ‬يا ابن النحس‮ ‬،‮ ‬واجعل أمرك شوري‮ ‬مع عقلك فما الذي‮ ‬وضعك هذا الموضع‮ !!‬
وهل من المعقول أن تنام في‮ ‬فراشك فتستيقظ فإذا أنت علي‮ ‬خازوق ؟
تأبي‮ ‬هذا الأمر نواميس الطبيعة وأحكام المنطق‮ . ‬
فأنا إذا في‮ ‬حلم لاغير علي‮ ‬الرغم من أنه حلم طويل‮ .‬
فما بالي‮ ‬أظل قاعدا علي‮ ‬الخازوق‮ .‬
لاستر ولاظهر ولا أنيس ولا أنزل ؟
ألا‮ ‬يوجد لي‮ ‬مكان تحت الشمس إلا فوق هذا الخازوق‮ ‬،
ألا‮ ‬يوجد لديكم خازوق أقصر ارتفاعا أقعد عليه ؟
ربع خازوق‮ ‬،‮ ‬نصف خازوق‮ ‬،‮ ‬ثلاثة أرباع خازوق‮ ‬
هذا خازوق في‮ ‬كابوس لامحالة‮ .‬
كابوس عن خازوق‮ ‬
فإذا نزلت عن الآخر نفضت الآخر عن صدري‮ ‬فأعود إلي‮ ‬فراشي‮ ‬
فأتغطي‮ ‬وأتدفأ‮ . ‬فكيف أتردد ؟
أخوف من أن أهوي‮ ‬من هذا العلو الشاهق إلي‮ ‬قاع الهوة‮ ‬،‮ ‬ولكن موضعي‮ ‬هذا هو موضع الوهم علي‮ ‬خازوق الوهم‮ . ‬هيا أحتضن هذا الخازوق بساعديك وبساقيك وبكل مافيك من عزم وحزم وإرادة شديدة عند الشدة‮ ‬،‮ ‬ثم اهبط عليه وئيدا كالسنجاب‮ .‬
‮( ‬يتحسس الخازوق بيديه وقدميه المتدليتين‮ )‬
أملس مثل جلد الثعبان‮ ‬،‮ ‬بارد مثل بروده
‮( ‬صمت مخيف‮ )‬
لن أقوي‮ ‬علي‮ ‬التشبث بهذا الثعبان‮ ‬،‮ ‬وإذا نزلت عليه فأنا واقع لامحالة في‮ ‬القاع‮ ‬،
فيدق عنقي‮ ‬فأتوجع فأموت‮ ( ‬يمسك جيدا في‮ ‬الخازوق ـ‮ ‬يتبت فيه ـ‮ )‬
آه‮ .. ‬واتتني‮ ‬فكرة‮ .. ‬طافت بعقلي‮ .. ‬مرت أمام عيني‮ .. ‬حكاية الساحر الهندي‮ ‬الذي‮ ‬ينصب الحبل فيظل‮ ‬يرتفع في‮ ‬السماء حتي‮ ‬تغيب رأسه في‮ ‬الغيم فيصعد عليه حتي‮ ‬يغيب ثم‮ ‬يعود ويهبط عليه فلا‮ ‬يتأذي‮ ‬بل‮ ‬يسترزق‮ .‬
ولكن ما أنا بساحر هندي‮ ‬،‮ ‬بل مجرد عربي‮ ‬بقي‮ ‬سحرًا في‮ ‬إسرائيل
‮( ‬سعيد‮ ‬يصرخ بأعلي‮ ‬صوته‮ ‬،‮ ‬وأثناء صرخاتة‮ ‬ينزل من أعلي‮ ‬الخازوق إلي‮ ‬الأرض‮)‬
أنا في‮ ‬كابوس‮ .. ‬أنا في‮ ‬كابوس‮ .. ‬أنا في‮ ‬كابوس‮ ‬
‮( ‬سعيد‮ ‬ينظر إلي‮ ‬الخازوق في‮ ‬رعب‮ ‬،‮ ‬يتحسس نفسه‮ .. ‬يجلس‮ .. ‬يستند بظهره عليه‮ .. ‬يروي‮ )‬
الخازوق‮ ‬يا سادة كلنا نجلس عليه‮ ‬،‮ ‬لكن لا أحد منا‮ ‬يري‮ ‬الآخر‮ ‬،‮ ‬كل وخازوقه وحيد،‮ ‬وهذا هو خازوقنا المشترك ـ‮ (‬يشير إلي‮ ‬الخازوق الذي‮ ‬يحمل رمزًا لقوي‮ ‬القهر والطغيان والصهيونية‮ ) ‬لنبدأ من البداية كانت حياتي‮ ‬عجيبة‮ ‬،‮ ‬والحياة العجيبة لاتنتهي‮ ‬إلا بهذه النهاية العجيبة‮.‬
كانت البداية حين ولدت مرة أخري‮ ‬بفضل حمار،‮ ‬ففي‮ ‬الحوداث كمنوا لنا وأطلقوا الرصاص علينا‮ ‬،‮ ‬فصرعوا والدي‮ ‬رحمة الله عليه‮ .‬
أما أنا فوقع بيني‮ ‬وبينهم حمار صائب‮ ‬،‮ ‬فجندلوه فنفق عوضًا عني‮ .‬
إن حياتي‮ ‬التي‮ ‬عشتها في‮ ‬إسرائيل بعد هي‮ ‬بفضل هذه الدابة المسكينة‮ .‬
ألم تقرأ عن كلاب لعقت الماء المشبع بالسم‮ ‬،‮ ‬فماتت‮ ‬،‮ ‬لتنبه أسيادها ولتنقذ حياتهم ؟
وعن الخيول التي‮ ‬فرت بفرسانها الجرحي‮ : ‬تغدو سوابق الريح‮ ‬،‮ ‬فأنفقها الاجهاد بعد أن بلغت بهم مصارف الأمان ؟
أما أنا فأول إنسان‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬ما أعهد أنقذه حمار محرن لايسابق ريحًا ولا‮ ‬يبغم‮ .‬
غير أنني‮ ‬أراني‮ ‬أنسانا فذاً‮ ‬
علمني‮ ‬بحياتك الإنسان الفذ من‮ ‬يكون ؟
أهو الذي‮ ‬يختلف عن الآخرين ؟
أم هو الواحد من هؤلاء الأخرين ؟
فكم من مره التقيت اسمي‮ ‬في‮ ‬أمهات الصحف ؟
ألم تقرأ عن المئات الذين حبستهم شرطة حيفا في‮ ‬ساحة الحناطير‮ ( ‬باريس حاليا‮ )‬
يوم انفجار البطيخة ؟ كل عربي‮ ‬ساب في‮ ‬حيفا السفلي‮ ‬علي‮ ‬الأثر حبسوه‮ ‬،‮ ‬من راجل ومن راكب‮ .‬
وذكرت الصحف أسماء الوجهاء الذين حبسوا سهوًا‮ ‬،‮ ‬وآخرين‮ ‬
الآخرون هؤلاء أنا‮ .‬
الصحف لاتسهو عني‮ ‬فكيف تزعم أنك لاتسمع بي‮ ‬يا محترم ؟
إني‮ ‬إنسان فذ‮ ‬
فلا تستطيع صحيفة ذات اطلاع‮ ‬،‮ ‬وذات مصادر‮ ‬،‮ ‬وذات إعلانات‮ ‬،‮ ‬
وذات ذوات‮ ‬،‮ ‬وذات قرون أن تهملني‮ .‬
إن معشري‮ ‬يملأون البيدر والدسكرة والمخمرة‮ ‬
أنا الأخرون‮ .. ‬أنا فذ‮ !‬
إن اسمي‮ ‬وهو سعيد أبو النحس المتشائل‮ ‬،‮ ‬يطابق رسمي‮ ‬مخلقًا منطقيًا‮ .‬
وعائلة المتشائل عائلة عريقة نجيبة في‮ ‬بلادنا‮ .. ‬يرجع نسبها إلي‮ ‬جارية قبرصية
من حلب لم‮ ‬يجد تيمور لنك لرأسها مكانًا في‮ ‬هرم الجماجم المحزوزة‮ ‬،‮ ‬مع أن قاعدته كانت عشرين ألف ذراع وعلوه كان عشر أذرع‮ ‬،‮ ‬فأرسلها مع أحد قواده إلي‮ ‬بغداد لتغتسل فتنتظر عودته‮ .. ‬فاستغفلته‮ .. ( ‬ويقال ـ وهذا سر عائلي‮ ‬ـ إن ذلك كان السبب في‮ ‬المذبحة المشهورة‮ ) ‬وفرت مع أعرابي‮ ‬من عرب القويسات اسمه أبجر‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬قال فيه الشاعر‮ :‬
يا أبجر بن أبجر‮ ‬يا أنت‮ ‬
‮                     ‬أنت الذي‮ ‬طلقت عام جعت
فطلقها حين وجدها تخونه مع الرغيف بن أبي‮ ‬عمرة‮ ‬،‮ ‬من‮ ‬غور الجفتلك‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬طلقها في‮ ‬بير السبع،‮ ‬وظل جدودنا‮ ‬يطلقون جداتنا حتي‮ ‬حطت بنا الرحال في‮ ‬بسيط من الأرض أفيح متصل بسيف البحر،‮ ‬وقيل أنه عكاءُ‮ ‬،‮ ‬وبقينا مطلاقين حتي‮ ‬قامت الدولة‮.‬
وبعد النحس الأول‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬سنة‮ ‬1948 ‮ ‬تبعثر أولاد عائلتنا‮ ‬،‮ ‬وأستوطنوا جميع بلاد العرب التي‮ ‬لم‮ ‬يجر أحتلالها‮ .‬
فلي‮ ‬ذو قربي‮ ‬يعملون في‮ ‬بلاد بلاط آل رابع في‮ ‬ديوان الترجمة من الفارسية وإليها‮ ‬،
وواحد تخصص بإشعال السجائر لعاهل آخر‮ ‬،‮ ‬وكان منا نقيب في‮ ‬سوريا‮ ‬،‮ ‬ومهيب في‮ ‬العراق‮ ‬،‮ ‬وعماد في‮ ‬لبنان‮ . ‬إلا أنه مات بالسكتة‮ ‬يوم إفلاس بنك أنترا
وأول عربي‮ ‬عينته حكومة إسرائيل رئيسا علي‮ ‬لجنة تسويق العلت والخبيزة في‮ ‬الجليل الأعلي‮ ‬هو من ابناء عائلتنا‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬أن والدته كما‮ ‬يقال هي‮ ‬شركسية مطلقة‮ ‬
ومازال عبثا‮ ‬يطالب بالجليل الأدني‮ ‬،‮ ‬ووالدي‮ ‬رحمه الله كان له أياد علي‮ ‬الدولة قبل قيامها‮ .‬
ولما أستشهد والدي‮ ‬علي‮ ‬قارعة الطريق وانقذني‮ ‬الحمار ركبنا البحر إلي‮ ‬عكا‮ ‬،‮ ‬فلما وجدنا أن لاخطر علينا وأن الناس لاهون بجلودهم‮ ‬،‮ ‬نجونا بجلودنا إلي‮ ‬لبنان حيث بعناها واسترزقنا‮ ‬
هذه هي‮ ‬شيمة عائلتنا ولذلك سميت بعائلة المتشائل‮ ‬
فالمتسائل‮: ‬نحت كلمتين اختلطتا علي‮ ‬جميع أفراد عائلتنا منذ مطلقتنا القبرصية الأولي‮ . ‬وهاتان الكلمتان هما المتشائم والمتفائل‮ .‬
خذني‮ ‬أنا مثلا فإنني‮ ‬لاأميز التشاؤم عن التفاؤل فأسال نفسي‮ : ‬من أنا‮ ‬،‮ ‬أمتشائم أنا أم متفائل ؟
أقوم في‮ ‬الصباح من نومي‮ ‬فأحمده علي‮ ‬أنه لم‮ ‬يقبضني‮ ‬في‮ ‬المنام‮ ‬،‮ ‬فإذا أصابني‮ ‬مكروه في‮ ‬يومي‮ ‬أحمده علي‮ ‬أن الأكره منه لم‮ ‬يقع‮ .. ‬فأيهما أنا‮ ‬،‮ ‬المتشائم أم المتفائل‮ ‬
ووالدتي‮ ‬من عائلة المتشائل أيضا‮ ‬،‮ ‬وكان أخي‮ ‬البكر‮ ‬يعمل في‮ ‬ميناء حيفا‮ ‬،‮ ‬فهبت عاصفة اقتلعت الونش الذي‮ ‬كان‮ ‬يقوده وألقته معه في‮ ‬البحر فوق الصخور‮ ‬،‮ ‬فلموه وأعادوه إلينا إربًا إربًا‮ ‬،‮ ‬لارأس ولا أحشاء‮ ‬،‮ ‬وكان عروسًا ابن شهر‮.‬
فقعدت عروسه تولول وتندب حظها‮ . ‬وقعدت والدتي‮ ‬تبكي‮ ‬معها صمتًا‮ .‬
ثم إذ بوالدتي‮ ‬تستشيط وتضرب كفًا بكف وتبح قائلة‮ : ‬
‮( ‬مليح أن صار هكذا وما صار‮ ‬غير شكل‮ )‬
فما ذهل أحد سوي‮ ‬العروس التي‮ ‬لم تكن من العائلة فلا تعي‮ ‬الحكم‮ ‬،‮ ‬ففقدت رشدها وأخذت تقول في‮ ‬وجه والدتي‮ : ‬ماله شكل‮ ‬ياعجوز النحس‮ (‬هذا اسم والدي‮ ‬رحمه الله‮)‬
أي‮ ‬شييء بعد هذا‮ ‬يكون أسوأ منه ؟
ولم‮ ‬يرق والدتي‮ ‬نزق الشباب‮ . ‬فأجابتها بهدوء‮ ‬،‮ ‬وكأنها تقرأ في‮ ‬المنديل‮ :     ‬
أي‮ ‬تخطفي‮ ‬في‮ ‬حياتي‮ ‬يا بنية
‮ ‬أي‮ ‬تهربي‮ ‬مع رجل آخر‮ .‬
والحقيقه أنها هربت بعد سنتين مع رجل آخر‮ .‬
فلما سمعت الوالدة‮ ‬،‮ ‬رددت لازمتها‮ : ‬فلماذا لانحمده ؟
فأيهم نحن‮ ‬،‮ ‬المتشائمون أم المتفائلون ؟
صبرًا‮ .. ‬صبرًا‮ ‬،‮ ‬ولاتتسائل‮ : ‬من هو سعيد أبو النحس المتشائل هذا ؟
لم‮ ‬ينبه في‮ ‬حياته فكيف ننبه له ؟
عكا هي‮ ‬مدرستي‮ ‬الثانوية ويعاد هي‮ ‬حبي‮ ‬الأول‮ . ‬وفي‮ ‬القطار التقينا وصاحبتي‮ ‬
‮( ‬يعاد الحيفاوية‮ ) ‬التي‮ ‬كانت مثلنا تتأبط مزودتها وتتعلم في‮ ‬مدرسة البنات العكية‮ ‬،‮ ‬وتعود معنا‮ ‬،‮ ‬إلا أنها كانت تنزوي‮ ‬في‮ ‬باب المقصورة المشقوق‮ ‬،‮ ‬فعلقتها‮ .‬
فنادتني‮ ‬ذات صباح أن أفسر لها كلمة بالإنجليزية‮ . ‬فلما عجزت عنها فسرتها لي‮ ‬وقالت‮ : ‬أقعد فصرت‮ . ‬أقعد معها في‮ ‬الذهاب والعودة فأحببتها حبا جما‮ . ‬فقالت إنها أحبتني‮ ‬لأنني‮ ‬خفيف الظل وضحكتي‮ ‬عالية‮ .‬
ولكن‮ ‬غيرة زميل من زملائي‮ ‬جعلتني‮ ‬أبكي‮ ‬بدون صوت‮ ‬،‮ ‬فقد وشي‮ ‬بي‮ ‬إلي‮ ‬مدير مدرستها‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬أحال كتابه إلي‮ ‬مدير مدرستنا‮ ‬،‮ ‬فاستدعي‮ ‬جميع طلاب حيفا القطاريين وهاج وماج ثم قال‮: ‬حيفا عكا بحر‮ ‬،‮ ‬بينهما بحر مايجوز في‮ ‬حيفا لايجوز في‮ ‬عكا‮ . ‬هذه مدينة محافظة منذ أيام صلاح الدين‮.‬
فتذكرت المغفور له الرحالة أبا الحسن محمد ابن أحمد بن جبير الكناني‮ ‬،‮ ‬الأندلسي‮ ‬،‮ ‬الشاطبي‮ ‬،‮ ‬البلنسي‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬بات ليلتين في‮ ‬خان عكاوي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬زمن صلاح الدين‮ ‬،‮ ‬فكتب عنها أنها‮ ( ‬تستعر كفرًا وطغيانا‮ ) ‬وأنها‮ ( ‬مملوءة كلها رحبسًا وعذره‮ ).‬
وكان جدي‮ ‬لأبي‮ ‬رحمهما الله‮ ‬،‮ ‬الذي‮  ( ‬خطفت‮ ) ‬امرأته الأولي‮ ‬يعلمنا منذ الصغر قائلا‮ : ‬فعلت ذلك لأنها من عكاء‮ ( ‬وكان‮ ‬يمطها توكيدا‮ ) ‬فتنطحت للمدير وصحت في‮ ‬وجهه همسًا‮ : ‬ولكنها ليست من عكاء‮ .‬
فطردنا من مكتبه‮ ‬،‮ ‬وكتب إلي‮ ‬أهلها‮ ‬،‮ ‬فأرسلوا من ضربني‮ ‬في‮ ‬المحطة‮ ‬،‮ ‬فازددت هيامًا بها‮ ‬،‮ ‬فضربت زميلي‮ ‬الذي‮ ‬وشي‮ ‬بنا‮. ‬وأما‮ ‬يعاد التي‮ ‬لم تعد إلي‮ ‬القطار منذ كتاب المدير إلي‮ ‬أهلها فلم أعثر لها علي‮ ‬أثر‮ ‬،‮ ‬ولكن قلبي‮ ‬ظل مجروحا بحبها‮. ‬من الضروري‮ ‬أن أعرفكم‮ ‬يا سادة بخصلة أخري‮ ‬أصيلة من خصال عائلتنا العريقة،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬التساؤل وإلي‮ ‬أننا مطلاقون‮ .‬
كان والدي‮ ‬حين أستشهد أخي‮ ‬،‮ ‬يستشف الأرض تحته فلم‮ ‬يكشف الكمين الذي‮ ‬كمن له وأودي‮ ‬بحياته‮.‬
ووالده من قبله شجَ‮ ‬رأسه بحجر الطاحون لأنه كان‮ ‬ينظر في‮ ‬الأرض بين قدميه فلم‮ ‬يقم بعدها‮ .‬
فهذه شيمة عائلتنا‮ ‬،‮ ‬نظل نبحث تحت أقدامنا عن مال سقط سهوًا من صرة عابر سبيل‮ ‬يبدل حياتنا الرتيبة تبديلاً‮ ‬وثق‮ ‬يا محترم بأنه ما من عجوز في‮ ‬طول بلاد العرب وعرضها‮ ‬،‮ ‬يسبق رأسها بقية جسمها‮ ‬،‮ ‬وتدب مقوسة مثل رقم‮ ‬8 ‮ ‬إلا ولها صلة قربي‮ ‬بنا‮ .‬
أما أنا فقررت ألا أموت مقوس الظهر كأسلافي،‮  ‬فمنذ نعومة أظفاري‮ ‬أقلعت عن البحث بين قدمي‮ ‬عن كنز للخلاص‮ ‬،‮ ‬بل رحت أبحث عنه فيما فوق‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬هذا الفضاء الذي‮ ‬لا نهاية له‮ . ‬
كان من سبقنا‮ ‬يبني‮ ‬فوق من سبقهم‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬جاء جيل الأثريين‮ ‬يحفرون من تحت ويهدمون من فوق‮ ‬،‮ ‬فإذا صرنا علي‮ ‬هذا المنوال سنبلغ‮ ‬الدناصير‮ ‬،‮ ‬فقد قيض لنا ونحن في‮ ‬المدرسة الابتدائية أستاذ مغضوب عليه مولع بعلم الفلك حكي‮ ‬لنا حكايات العباس بن فرناس وجول فيرن‮ ‬،‮ ‬وتعصب للفلكيين العرب القدماء‮ ‬،‮ ‬من ابن رشد الذي‮ ‬كان أول من درس بقع الشمس حتي‮ ‬البتاني‮ ‬الحراني‮ ‬الذي‮ ‬أول من استنتج أن معادلة الزمن تتغير تغيرا بطيئا مع مر الأجيال‮ .‬
فقد كان العرب حين‮ ‬يفكرون أسرع حركة حتي‮ ‬من دوران الأرض حول شمسها‮ ‬،‮ ‬فأصبحوا الآن‮ ‬يتخلون عن ملكة التفكير لغيرهم‮ .‬
كان العرب حين‮ ‬يفكرون‮ ‬يعملون ثم‮ ‬يحلمون لاكما‮ ‬يفعلون الآن‮ ‬يحلمون ثم‮ ‬يظلون‮ ‬يحلمون‮. ‬ومنذ ذلك الحين وأنا أحلم بأن‮ ‬يذكرني‮ ‬التاريخ حين‮ ‬يذكر الأقدمين‮. ‬وبقيت أحلم علي‮ ‬هذا المنوال حتي‮ ‬جندلوا والدي‮ ‬رحمة الله عليه وقامت دولة إسرائيل حين أيقنت أنني‮ ‬مهم‮ ‬،‮ ‬تشجعت وذهبت عصرًا بالباص إلي‮ ‬وادي‮ ‬الجمال‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬شاطيء البحر تحت منارة اللاتين‮ ‬،‮ ‬حيث كان والدي‮ ‬رحمة الله قد شيد لنا بيتا بعرق جبين أخي‮ ‬الذي‮ ‬مزقه الونش إربًا‮ ‬،‮ ‬ولم أخبر أحدًا بنيتي‮ ‬علي‮ ‬هذه المغامرة‮ ‬،‮ ‬فلما عبرت خط السكة الحديد‮ ‬،‮ ‬وترحمت علي‮ ‬شاعرنا مطلق عبد الخالق الذي‮ ‬دهمه القطار وهو‮ ‬يعبر الخط من هذا المكان‮ ‬،‮ ‬تذكرت كلمة نوح إبراهيم‮ (‬الدين لله والوطن للجميع‮) ‬فأسرعت إلي‮ ‬خالتي‮ ‬أم أسعد التي‮ ‬تكنس كنيسة الكاثوليك منذ طفولتنا فوجدتها تكنس الحوش في‮ ‬المكان الذي‮ ‬تركناها فيه فقلت في‮ ‬نفسي‮  : ‬الحمد لله أن شيئا لم‮ ‬يتغير‮ ‬،‮ ‬ولامكنسة أم أسعد المصنوعة من عيدان العليق‮ ‬،‮ ‬وانحنيت علي‮ ‬يدها أقبلها فصاحت‮ : ‬أنا محصية‮ ‬يا خواجه‮ ! ‬لفظتها‮ " ‬محصية‮ " ‬كما‮ ‬يلفظها العسكر وأسرعت إلي‮ ‬غرفتها وأنا وراءها لا أفهم شيئًا‮ ‬،‮ ‬وقامت إلي‮ ‬أيقونة ستنا مريم المعلقة فوق فراشها المرتب فأزاحتها‮ ‬،‮ ‬فإذا بكوة في‮ ‬الجدار أخرجت منها صرة من قماش أبيض‮ ‬،‮ ‬فكتها مديرة بظهرها لنا حرصًا علي‮ ‬ما في‮ ‬الصرة‮ ‬،‮ ‬وكانت تردد‮ ‬ياعذرا هذي‮ ‬مصاري‮ ‬الجهاز‮ !! ‬ثم مدت‮ ‬يدها بقسيمة الإحصاء‮ ‬،‮ ‬المطوية بعناية وصاحت بصوتها الضعيف‮ : ‬أنا محصية وفي‮ ‬رعاية سيدنا المطران‮ . ‬فماذا تريد مني‮ ‬يا خواجه ؟
فصحت بها‮ : ‬أنا سعيد‮ ‬يا خالتي‮ ‬فكيف تنسين ؟
قالت‮ : ‬من سعيد ؟
قلت‮  : ‬الطيراوي‮ ‬ــ ففي‮ ‬وادي‮ ‬الجمال‮ ‬يظنون كل قروي‮ ‬أنه من الطيره ـ
فدارت علي‮ ‬نفسها عدة دورات‮ .. ‬فأخذتها بين‮ ‬يدي‮ .. ‬وجلسنا علي‮ ‬الديوان وهي‮ ‬تسألني‮ ‬عن والدتي‮ ‬وعن أختي‮ ‬وعن لبن الطيره الذي‮ ‬يصلح لشيخ المحشي‮ ‬
قلت‮  : ‬وبيتنا ؟
قالت‮ : ‬سكنوه‮ !‬
قلت‮  : ‬فهل تعرفينهم ؟
قالت‮ : ‬أنت تري‮ ‬ياولدي‮ ‬كيف خبا سراجي‮ ‬،‮ ‬وكل الخواجات خواجات ولم‮ ‬يعد أحد‮ ‬يصطاد سمكًا‮ .‬
قلت‮  : ‬فهل‮ ‬يستقبلوني‮ ‬إذا زرت بيتنا‮ ‬
قالت‮ : ‬علمي‮ ‬علمك‮ ‬يا ولدي‮ ‬،‮ ‬ورسمت علي‮ ‬صدرها إشارة الصليب فودعتها وقد أثارت هذه الإشارة هواجسي‮ ‬فلما مررت من أمام بيتنا‮ ‬،‮ ‬ورأيت هناك‮ ‬غسيلا منشورًا خانتني‮ ‬شجاعتي‮ ‬فتظاهرت بأنني‮ ‬جئت أتنزه علي‮ ‬شاطيء البحر‮ ‬،‮ ‬وأخذت أذهب وأعود من أمام بيتنا‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬كل مرة أهم بأن أطرق الباب فتخونني‮ ‬شجاعتي‮ .‬
حتي‮ ‬أمسي‮ ‬المساء فخرجت امرأة تلم الغسيل‮ ‬،‮ ‬فنظرت نحوي‮ ‬ثم هتفت بأمر‮ ‬،‮ ‬فأسرعت مبتعدًا‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬رأيت رجلاً‮ ‬في‮ ‬مثل سنها‮ ‬يخرج ويجمع معها الغسيل‮ ‬،‮ ‬قلت في‮ ‬نفسي‮ ‬هذه خدعة‮ .. ‬فكيف‮ ‬يجمع رجل‮ ‬غسيل بيته ؟
هذه فعلة لم‮ ‬يفعلها أبدًا والدي‮ ‬رحمة الله‮ ‬،‮ ‬مع أنني‮ ‬لا أذكر والدتي‮ ‬إلاعاجزة وكثيرة الهم فازددت سرعة حتي‮ ‬أصبحت في‮ ‬الشارع الرئيسي‮ ‬،‮ ‬أمام فيلات موظفي‮ ‬حيفا العرب الذين بنوها ورحلوا إلي‮ ‬لبنان‮ ‬،‮ ‬ليبنوا‮ ‬غيرها وليرحلوا‮ .‬
وكان الظلام قد أطبق‮ ‬،‮ ‬وكنت تعبًا وخائفًا من هذه المغامرة‮ ‬،‮ ‬والطريق طويل‮ .‬
وكان‮ ‬يمر بين الفينة والفينة عامل‮ ‬يهودي‮ ‬،‮ ‬عرفت ذلك من ثياب العمل التي‮ ‬كانت عليهم‮ . ‬وكانوا جميعهم متوسطي‮ ‬العمر‮ . ‬فالشباب والشابات في‮ ‬الجيش‮ .‬
ولم أكن أحمل ساعة فاحتجت إلي‮ ‬معرفة الوقت لعل الباص‮ ‬يمر‮ .‬
فبأية لغة أسأل هؤلاء الناس عن الوقت ؟
فإذا سألتهم بالعربيه كشفوا أمري‮ ‬
فبالإنجليزية أثرت شكوكهم‮ ‬
فرحت أستعيد ما أذكره من كلمات عبرية حتي‮ ‬تبادر إلي‮ ‬ذهني‮ ‬أن السؤال عن الوقت بالعبرية هو‮ : (‬ماشاعاه‮) ‬،‮ ‬والذي‮ ‬وجهته‮ ‬يومًا إلي‮ ‬فتاة قرب سينما أرمون‮ ‬،
فتشتمت عورة أمي‮ ‬بالعربية الفصحي‮ .‬
فلما أقبل أحد هؤلاء العمال نحوي‮ ‬أطلقتها‮ ( ‬ماشاعاه‮ ) ‬؟
فتريث ثم هش قي‮ ‬وجهي‮ ‬،‮ ‬ثم كشف عن رسغه‮ ‬،‮ ‬ثم صاح‮ ( ‬أخت‮ ) ‬فلم أكن كسولا فتذكرت أن‮ (‬أخت‮) ‬هذه هي‮ ‬ثمان بالألمانية‮ ‬،‮ ‬فترحمت علي‮ ‬جارنا خريج شنلر‮ ‬،‮ ‬وعدت مطمئنا إلي‮ ‬وادي‮ ‬النسناس مشيًا علي‮ ‬الأقدام وأنا مزمع علي‮ ‬تعلم اللغة العبرية‮ .‬
وفيما بعد تذكرت فيما كنا تعلمناه في‮ ‬المدرسة عن فك رموز الهيروغليفية‮ ‬،‮ ‬فأخذت أقرأ أسماء الدكاكين بالإنجليزية‮ ‬،‮ ‬فأقارن الحرف الإنجليزي‮ ‬بقرينه العبري‮ ‬علي‮ ‬لوحة الدكان حتي‮ ‬فككت الحرف،‮ ‬فتابعته في‮ ‬الجريدة العبرية وتكلمتها أسرع مما قرأتها‮ ‬،‮ ‬وأخذني‮ ‬الآمر عشر سنين حتي‮ ‬ألقيت أول خطاب تحية باللغة العبرية‮ ‬،‮ ‬وكان أمام رئيس بلدية حيفا فسجلها في‮ ‬صحيفتة سابقة‮ .‬
أما العجيب في‮ ‬الأمر الآن فهو أن صباني‮ ‬نابلس‮ ‬،‮ ‬بعد ربع قرن من هذا الكلام‮ ‬،‮ ‬أتقنوا اللغة العبرية في‮ ‬أقل من سنتين‮ ‬،‮ ‬ولما تحول أحدهم إلي‮ ‬صناعة الرخام علق علي‮ ‬مدخل جبل النار لافتة بالخط الكوفي‮ ‬المقروء جيدًا عن مصنع‮  "‬الشايش‮" ‬الحديث لصاحبه مسعود ابن هاشم ابن أبي‮ ‬طالب العباسي‮ .‬
‮"‬والشايش‮" ‬هو الرخام بالعبرية فليست الحاجة هي‮ ‬أم الإختراع فقط بل أيضا مصلحة كبار القوم هي‮ ‬التي‮ ‬أرخصت أمهاتهم فقالوا‮ : ‬الذي‮ ‬يتزوج أمي‮ ‬هو عمي‮ !‬
ومن مصالحهم أيضا أن‮ ‬يحولوا بينهم وبين ملكهم‮ ‬
ولكن الأمر لم‮ ‬يقف عند هذا الحد‮ . ‬فقد رحت أتعجب من جهل العامل اليهودي‮ ‬
باللغة العبرية حتي‮ ‬أقنعت نفسي‮ ‬أن هذه الدولة ليست بنت معيشة فلماذا لا أحفظ خط الرجعة ؟
فقلت‮ : ‬مالي‮ ‬غير المحامي‮ ‬عصام الباذنجاني‮ ‬،‮ ‬وصديق ابن عم الوزير الأردني‮ ‬،‮ ‬وأخيه الروح بالروح‮ ‬،وقد حول بيته الكبير في‮ ‬شارع عباس إلي‮ ‬صومعة‮ ‬ينفث منها اللهب كلما زاره صحفي‮ ‬أجنبي‮ ‬
حتي‮ ‬الشيوعيين الذين اعتبرهم وزير الأقليات أخطر طابور خامس في‮ ‬عقر الدولة‮ ‬،‮ ‬أعتبرهم ابن الوزير الأردني‮ ‬مارقين علي‮ ‬العروبة وعلي‮ ‬دينها‮ ‬،‮ ‬وكان لا‮ ‬يعترف بهم ـ بالدولة وبصحفها ـ فيرفض أن‮ ‬يقابل من رجال الصحافه سوي‮ ‬الأجانب‮ . ‬فلا تظهر تصريحاته إلا في‮ ‬التايمزين ـ تايمز لندن‮ ‬،‮ ‬وتايمز نيويورك‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬أمهات الصحف في‮ ‬بلاد العرب‮ ‬،‮ ‬من النيل إلي‮ ‬بردي‮ .‬
ونحن زعماء العمال في‮ ‬اتحاد عمال فلسطين‮ ‬،‮ ‬أخرجنا صفير التعجب من شفاهنا المزمومة علي‮ ‬وقاحته القومية حين سمعنا أنه رفض تعليم ابنه في‮ ‬الجامعة العبرية في‮ ‬القدس‮ ‬،‮ ‬بل بعثة إلي‮ ‬كمبردج ـ إلي‮ ‬كمبردج‮ !‬
وعدنا نذم شفاهنا في‮ ‬صفير الدهشة‮ ‬
فلما أرخي‮ ‬الليل سدولة تسترت به وطرقت بابه فتوقفت قرقعة أحجار النرد‮ ‬،‮ ‬وفتح لي‮ ‬وهو‮ ‬يخشخش بالزهر‮ .‬
فمسيت عليه‮ ‬،‮ ‬فأدهشته الزيارة‮ ‬،‮ ‬فلما رأيت أحد زملائي‮ ‬من زعماء اتحاد عمال فلسطين عنده وكان‮ ‬يلاعبة وقدهم بالخروج حين دخلت لم أخف دهشتي‮ .‬
فحياني‮ ‬وقال‮ : ‬جاري‮ ‬
فتنحنحت علي‮ ‬سبيل الموافقة‮ ‬،‮ ‬وبقيت أتنحنح حتي‮ ‬خرج‮ ‬
ولما أنتهيت من أعداد ما لابن العم الوزير الأردني‮ ‬من مناقب‮ ‬،‮ ‬ولما انتهي‮ ‬الباذنجاني‮ ‬من التحسر علي‮ ‬مصيري‮ ‬الأسود‮ ‬،‮ ‬ومن الوعد بالعفو عند المقدرة‮ ‬،‮ ‬سردت علي‮ ‬مسامعه ما وقع في‮ ‬مغامرتي‮ ‬،‮ ‬وما وقع في‮ ‬رأسي‮ ‬من نتائج‮ .‬
باركني‮ ‬وقال‮ : ‬يفرجها‮ ‬،‮ ‬
ولكنه لم‮ ‬يفرجها‮ ‬،‮ ‬فما أن وطأت قدماي‮ ‬عتبة النادي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬صباح اليوم التالي‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬أستدعاني‮ ‬يعقوب إلي‮ ‬غرفته فإذا وراء مكتبه رجل ربعه‮ ‬،‮ ‬وضع فوق عينيه نظارة سوداء وأسدل الستائر‮ ‬،‮ ‬فقلت هذا ضرير وأقبلت عليه‮ ‬،‮ ‬وأخذت‮ ‬يده في‮ ‬يدي‮ ‬مسلما حتي‮ ‬لا أحرجه في‮ ‬عماه فزجرني‮ ‬يعقوب وصاح‮: ‬تأدب‮ !!‬
فوقفت متأدبا‮ .‬
فقال‮ ‬يعقوب‮ : ‬هذا رجل كبير‮ ‬،‮ ‬وجاء‮ ‬يحدثك علي‮ ‬أنفراد‮ ‬،‮ ‬فلا تخف عنه شيئا وتركنا لوحدنا‮ ‬،‮ ‬فما أن أطبق علينا الباب حتي‮ ‬انتفض الرجل الكبير واقفا فلم‮ ‬يزد طولة سوي‮ ‬شبر‮ .‬
وصاح إننا نعرف أين كنت أول أمس‮ !‬
فقلت في‮ ‬نفسي‮ ‬إذ لم‮ ‬يكن هذا ضريرًا فأنه أطرش‮ ‬،‮ ‬فاقتربت من أذنه وصحت‮ :‬
ــ أردت أن أستنشق هواء البحر‮ ‬،‮ ‬ممنوع ؟
فلطمني‮ ‬فلم‮ ‬يخطيء الهدف‮ .‬
فقلت في‮ ‬نفسي‮ ‬لا أطرش ولا ضرير بل هو رجل كبير حقًا‮ ‬
فتصاغرت له وقلت‮ : ‬اسأل عني‮ ‬
فصاح‮ : ‬أم أسعد‮ ‬
فقلت في‮ ‬نفسي‮ : ‬حتي‮ ‬أنت‮ ‬يا أم أسعد‮ ‬
فصاح‮ : " ‬أخت‮ " ‬ولفظها ألمانية فصحي‮ ‬
فقلت في‮ ‬نفسي‮ : ‬مابقي‮ ‬إلا أن‮ ‬يسألني‮ ‬عن ليلتي‮ ‬السوداء في‮ ‬بيت الباذنجاني‮ ‬
فصاح‮ : ‬النرد‮ ‬
فارتميت علي‮ ‬الكرسي‮ ‬،‮ ‬ووضعت رأسي‮ ‬بين راحتي‮ ‬وأنا أهتز‮ ‬يمينًا وشمالاً‮ ‬مثلما عودتنا الوالدة‮ ‬،‮ ‬ثم وجدتني‮ ‬أقول فيما‮ ‬يشبه العويل‮ : ‬والله العظيم لا أعرف عن ابن عمي‮ ‬الوزير الأردني‮ ‬غير اسمه فصاح في‮:‬
ـ هل هو ابن عمك لزمًا ؟
قلت ـ والله العظيم لا‮ .‬
عاجلني‮ ‬ـ لماذا ؟
فتحيرت كيف أرد علي‮ ‬سؤاله هذا‮ ‬،‮ ‬ولكنه كان قد هدأ‮ ‬،‮ ‬وقام إلي‮ ‬،‮ ‬وربت علي‮ ‬كتفي‮ ‬أبويًا وقال‮ :‬
ليكن هذا درسا لك‮ ‬،‮ ‬ولتعلم أن لدينا وسائل حديثة نضبط بها حركاتك وسكناتك‮ ‬،
حتي‮ ‬ماتهمس به أضغاث أحلامك‮ ‬،‮ ‬وبأجهزتنا الحديثة نعرف كل مايدور في‮ ‬هذه الدولة وخارجها‮ ‬،‮ ‬فلا تعد إليها مرة ثانية‮ .‬
ولكنني‮ ‬ظللت أهتز‮ ‬يمينا وشمالاً‮ ‬لايخرج من فمي‮ ‬غير‮ :‬
أنا تيس‮ .. ‬أنا تيس‮ !!‬
حتي‮ ‬خرج بعد أن أنزل نظارتة السوداء عن عينيه‮ ‬،‮ ‬فرحت أترحم بصوت عالٍ‮ ‬علي‮ ‬والدي‮ ‬الذي‮ ‬كان أول من أدرك هذه الحقيقة عني‮ .‬
فالله‮ ‬يستر عرضك‮ ‬يا أم أسعد‮ ‬،‮ ‬ويستر عرضك‮ ‬يا‮ " ‬أخت‮ " ‬ووالله العظيم أستطيع أن أذهب آني‮ ‬شئت‮ ‬،‮ ‬وأستطيع أن أفكر بما شئت‮ ‬،‮ ‬
ولكنني‮ ‬كنت تيسا حين طرقت باب الباذنجاني‮ ‬،‮ ‬وكان والدي‮ ‬رحمه الله محقًا‮ ‬،‮ ‬كان دائما‮ ‬يغلبني‮ ‬في‮ ‬رقعة النرد حتي‮ ‬إذا قلت له‮ : ‬أنت‮ ‬غلاب بها‮ ‬يا أبي‮ ‬
قال‮ : ‬لا‮ ‬يا بني‮  ‬إن كل أصحابي‮ ‬يغلبونني‮ ‬ولكنك تيس‮ !‬
ولما قررت أن لا أبقي‮ ‬تيسًا‮ ‬،‮ ‬لم أخبر الرجل الكبير برأيي‮ ‬في‮ ‬جهازه الحديث وتذكرت فجري‮ ‬الموعود في‮ ‬مدينتي‮ ‬حيفا الحبيبة‮ ‬،‮ ‬فاشتدت علي‮ ‬الهواجس‮ ‬،‮ ‬وخرقت كلمات ذي‮ ‬المهابة أذني‮ ‬حينما قلت له‮ : ‬انصحني‮ ‬
قال ـ لن تجديك نصيحتي‮ ‬إلا أنني‮ "‬سمعت في‮ ‬بلاد فارس حكاية عن فأس ليس فيها عود ألقيت بين الشجر‮ . ‬فقال الشجر لبعض ما ألقيت هنا هذه لخير‮ ‬،‮ ‬فقالت شجرة عادية‮ : ‬إن لم‮ ‬يدخل في‮ ‬أست هذه عود منكن فلا تخفنها‮"‬،‮ ‬إذهب فهذه الحكاية لا تصلح للعود‮ ‬،‮ ‬قلت‮ ‬
ـ فهل أستطيع‮ ‬يا ذا المهابة أن ألقاك مرة ثانية‮ ‬،‮ ‬قال‮ : ‬
ـ متي‮ ‬شئت‮ ‬،‮ ‬تعال إلي‮ ‬هذه الديا ميس‮ ‬،‮ ‬قلت‮ : ‬
ـ في‮ ‬أية ساعة‮ ‬يا ذا المهابة‮ ‬،‮ ‬قال‮ :‬
ـ حين تخور‮ ‬
قالها واختفي‮ ‬فبقيت وحدي‮ ‬أتخلل في‮ ‬الدياميس وأهيم في‮ ‬ديماس حتي‮ ‬أتعثر بآخر لكي‮ ‬أزور صاحبي‮ ‬في‮ ‬دياميس عكا‮ ‬،‮ ‬فإني‮ ‬محتاج إليه‮ ‬،‮ ‬فبالغت في‮ ‬الخضوع لرؤسائي‮ ‬طوال الأسبوع‮ ‬،‮ ‬وقد قر قراري‮ ‬أن أفعلها وأن أتسلل إلي‮ ‬عكا‮ ‬يوم السبت‮ .. ‬وهو‮ ‬يوم عطلتنا وكان السبت الذي‮ ‬وقع الاختيار عليه‮ ‬،‮ ‬هو اليوم الحادي‮ ‬عشر من آخر شهر في‮ ‬سنه‮ ‬1948 ‮ ‬ذات الكف العفريتية‮ ‬،‮ ‬فأنا لا أنسي‮ ‬هذا التاريخ الذي‮ ‬أصبحت فيما بعد أؤرخ به حياتي‮ ‬ما قبل وما بعد في‮ ‬مساء الجمعة‮ ‬،‮ ‬عشية السبت‮ ‬،‮ ‬كنت منزويا في‮ ‬داري‮ ‬أجمع شتات أفكاري‮ ‬علي‮ ‬أسلم طريق أختاره في‮ ‬تسللي‮ ‬إلي‮ ‬عكا صبيحة الغد‮ ‬،‮ ‬وكنت أطفات النور وآويت إلي‮ ‬فراشي‮ ‬مبكرًا حتي‮ ‬لا تزورني‮ ‬جارتنا الأرمينية العانس التي‮ ‬ماكانت تطيب لي‮ ‬إلا حين نشرب حتي‮ ‬نثمل‮ .‬
أنا حتي‮ ‬أحسبها صغيرتي‮ ‬يعاد‮ ‬
وهي‮ ‬حتي‮ ‬تحسبني‮ ‬كبيرها سركيس‮ ‬
وكان من عادتها أن تنشط نشوتها بالتمتمة الإنجليزيه من كلارك جيبل وشارل بواييه وأشبا ههما‮ .. ‬فلبستني‮ ‬آفتها‮ ‬،‮ ‬فصرت أتمتم مثلها بما‮ ‬يقال وبما لا‮ ‬يقال‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬أنني‮ ‬لعنت في‮ ‬اليوم السابق الباذنجان وكل من‮ ‬يستطيبه فقامت‮ ‬غاضبة دفاعًا عن الباذنجان‮ ‬
المحشو بالبرغل واللحم فما احتبست‮ .‬
لذلك قررت من باب اليقظة‮ ‬،‮ ‬ألا أفتح لها الليلة الباب‮ ‬،‮ ‬وأنا في‮ ‬هذه الهواجس ومثلها‮ ‬
إذ بطرق علي‮ ‬الباب قلت‮ : ‬جاءت‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬لن أفتح لها ولن أعتذر عما بدر مني‮ ‬في‮ ‬حق الباذنجان‮ . ‬فعاد الطارق‮ ‬يطرق فراودتني‮ ‬النفس الأمارة‮ ‬،‮ ‬فقلت أفتح لها ولا أتمتم‮ .. ‬هي‮ ‬مسكينة وأنا مسكين‮ . ‬وفتحت الباب فإذا أمامي‮ ‬امرأة وسط‮ ‬،‮ ‬ذابلة السحنة وخضراء العينين تسألني‮ ‬في‮ ‬استحياء ورجفة‮ : ‬سعيد ؟؟
فأخذتني‮ ‬المفاجأة‮ ‬،‮ ‬فانعقد لساني‮ ‬وأنا أنظرفي‮ ‬عينيها الخضراويين وأطلب من نفسي‮ ‬ملحًا أن أتذكر هذا الوجه الذابل‮ ‬،‮ ‬لابد أنها من قريباتي‮ ‬في‮ ‬القرية أو جاءت من وراء الخطوط فما جاء بها في‮ ‬هذه الليلة الليلاء ؟
قلت همسًا‮ : ‬تفضلي‮ ‬
قالت‮ : ‬أختي‮ ‬يعاد تحت فهل تصعد ؟
فبدأت أشك فيما أري‮ ‬وفيما أسمع‮ .‬
لقد كنت حين تلح الحاجة عليَّ‮ ‬ويستفزعني‮ ‬الفراغ‮ ‬،‮ ‬أقعد مفتوح العينين‮ ‬،‮ ‬أو أمشي‮ ‬مفتوح العينين‮ ‬،‮ ‬فلا أري‮ ‬سوي‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬فأقبض بيدي‮ ‬علي‮ ‬يدها‮ ‬،‮ ‬ثم أضمها إلي‮ ‬صدري‮ ‬،‮ ‬فنروح في‮ ‬غيبوبة‮ ‬،‮ ‬لم أقم منها مرة وأنا في‮ ‬مكتبي‮ ‬في‮ ‬اتحاد عمال فلسطين
إلا علي‮ ‬أبي‮ ‬مصطفي‮ ‬الأعرج وهو‮ ‬ينقض عليّ‮ ‬بعصاةٍ‮ ‬لأنني‮ ‬تركته‮ ‬ينتظر خارج المكتب نصف نهار‮ ‬،‮ ‬بعد أن قلت له‮ ‬ينتظرني‮ ‬ربع ساعة‮ ‬،‮ ‬فألقاني‮ ‬في‮ ‬غيبوبة أخري‮ ‬
ـ هل حقا أنت أخت‮ ‬يعاد‮ .. ‬قالت نعم فهل تصعد‮ ..‬
ـ‮ ‬يعاد‮ .. ‬يعاد‮ .. ‬قلتها وقفزت فرحًا ونزلت جريًا لكنها نبهتني‮ ‬أن لا‮ ‬يصح أن أنزل لها بثيابي‮ ‬الداخلية،‮ ‬قالت عد والبس ثيابك وأنا أناديها ففعلت ما نصحتني‮ ‬أن أفعله‮ ‬،‮ ‬ورحت أتراكض بين الغرف وأنا البس ثيابي‮ ‬تارة‮ ‬،‮ ‬وألقي‮ ‬في‮ ‬المرحاض بما احتوته منافض السجائر من بقايا أعقابها الملوثة بأحمر شفاة أخري‮ ‬،‮ ‬فانسكب الماء علي‮ ‬الآرض فانسحبت عليه‮ ‬،‮ ‬فوقعت علي‮ ‬يدي‮ ‬وركبتي‮ ‬،‮ ‬فلما سحبت حبل ماءٍ‮ ‬الشطف فلم‮ ‬ينهمر‮ ‬،‮ ‬ملأت دلوًاوألقيته فيه‮ ‬،‮ ‬وإذ أنا علي‮ ‬هذا الحال إذ بي‮ ‬أجد‮ ‬يعاد أمام قدمي‮ ‬بعد طول الغيبة‮ .. ‬فقالت ـ جازاك‮ ‬
فانتصبت واقفًا والماءان‮ ‬يتصببان من وجهي‮ ‬،‮ ‬ماء الوجه وماء المرحاض فتهالكت علي‮ ‬أقرب مقعد ورحت أبكي‮ ‬،‮ ‬فتراكضت‮ ‬يعاد وأختها نحوي‮ ‬،‮ ‬وجففتا الماء ودموعي‮ ‬،‮ ‬وطمأناني‮ ‬علي‮ ‬أن كل شييء‮ ‬يتصلح فأي‮ ‬شييء هذا الذي‮ ‬يجب أن أصلحه؟
فقالت‮ ‬يعاد معاتبة‮ : ‬أنت تعرف‮ ‬يا سعيد‮ ‬،‮ ‬سامحك الله مافعلت بأبي‮ ‬وبالآخرين‮ ‬
ولكنني‮ ‬سامحني‮ ‬الله لم أفهم شيئا‮ .‬
فقالت أخت‮ ‬يعاد أن‮ ‬يعاد جاءت اليوم من الناصرة‮ ‬،‮ ‬مشيًا علي‮ ‬الأقدام عبر شفا عمرو
فابطن فوق الجبال وحيدة‮ ‬،‮ ‬لتخبر أختها في‮ ‬حيفا بأن والدهما قد ألقوا القبض عليه في‮ ‬الناصرة وبأنني‮ ‬أنا سعيدُُُُُُُُ‮ ‬ُ‮ ‬السبب في‮ ‬القبض عليه‮ ‬
فصحت‮ .. ‬أنا ؟‮!‬
فقالت‮ ‬يعاد‮ : ‬كلهم‮ ‬يقولون أنت‮ .. ‬أنت رأس الخيش‮ ‬يا سعيد‮ ‬
ـــ أنا‮ !!‬
صاحت‮ : ‬وأبوك من قبلك ؟
ومن خلال العتاب المشبع بالخيبة وبايماني‮ ‬المغلظة أنني‮ ‬لايمكن أن أخرب بيت أحد من الناس‮ ‬،‮ ‬فكيف ببيت‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬فهمت أن أبا‮ ‬يعاد كان قد هاجر مع عائلتة من حيفا إلي‮ ‬الناصرة‮ ‬،‮ ‬وذلك بعد لغم الرفنيري‮ ‬الأول‮ ‬،‮ ‬فلما سقطت عاصمة الجليل دعا الجيش الأهالي‮ ‬إلي‮ ‬تسليم أسلحتهم‮ . ‬فلما أبلغهم رئيس البلدية أن لاسلاح في‮ ‬الناصرة سوي‮ ‬طاولات شيش البيش التي‮ ‬انكبوا عليها في‮ ‬الساعات التي‮ ‬رفع فيها منع التجول‮ ‬،‮ ‬بدأت عمليات التطويق‮ ‬،فطوقوا الحارة الشرقية التي‮ ‬التجأت إليها العائلة‮ ‬،‮ ‬وحشروا الرجال في‮ ‬الأرض الخلاء عند الجابيه وراء كنيسة الأقباط‮ ‬،‮ ‬طول النهار في‮ ‬الحر الأوار وبدون ماء مع أن الجابية كانت تفيض تحت أقدامهم ماء مقدسة من عين العذراء المقدسة وقالت‮ ‬يعاد إنها هي‮ ‬التي‮ ‬ذكرت الشيوعيين ببيت الشعر الذي‮ ‬جعلوه عنوان نشرتهم والتي‮ ‬وزعوها في‮ ‬أثناء التطويق‮: ‬
كالعيس في‮ ‬البيداء‮ ‬يقتلها الظمأ‮ ‬
‮                               ‬والماء فوق ظهورها محمول‮ ‬
قاستدعاهم الحاكم العسكري‮ ‬،‮ ‬فلما أنكر أن‮ ‬يكون الجيش قد منع جمال الحارة ودوابها عن ماء الجابية‮ ‬يوم التطويق‮ ‬،‮ ‬حاولوا أن‮ ‬يفهموه أن الأمر تورية‮ ‬،‮ ‬فثارت ثائرتة دفاعًا عن كرامة بني‮ ‬الإنسان الذين لايصح تشبيههم بالدواب ـ حتي‮ ‬لو كانوا أعداءنا العرب ـ ثم قال‮ ( ‬لقد أصبحتم مواطنين مثلكم مثلنا‮ ) ‬وطردهم من حضرته‮ .‬
وكان الجيش أثناء التطويق قد نحي‮ ‬جانبا كل من أرشد إليه رأس الخيش‮ ‬،‮ ‬ثم نقلهم إلي‮ ‬سجن الجملة علي‮ ‬اعتبار أنهم‮  ‬أسري‮ ‬حرب‮ . ‬وكان والد‮ ‬يعاد من بينهم فما رأس الخيش هذا ؟؟
قالت‮ ‬يعاد‮ : ‬رجل أخفوا رأسه بعديلة‮ ‬،‮ ‬ثقبوا فيها ثلاثة ثقوب،‮ ‬لعينية وفمه‮. ‬وأقعدوه وراء طاولة تحوطها عسكر‮ ‬،‮ ‬وكان رجالنا‮ ‬يمرون أمامها فيتحققونهم‮ ‬،‮ ‬فإذا أهتز رأس الخيش للأمام مرتين نحو الرجل عن‮  ‬بقية الرجال أخذوه‮ ‬،‮ ‬فاخذوا في‮ ‬التطويق الواحد‮ ‬،‮ ‬مالايقل عن خمسمائة رجل وولد أسري‮ ‬حرب‮ ‬،‮ ‬فلماذا فعلتها‮ ‬يا سعيد ؟
ولقد أقنعت‮ ‬يعاد وأختها بأنني‮ ‬لم أكن رأس الخيش‮ ‬،‮ ‬ولكنني‮ ‬منذ تلك الليلة أصبحت خرقة الخيش‮ !!‬
كانت‮ ‬يعاد قد جاءت من الناصرة إلي‮ ‬حيفا دون إذن من السلطة ـ فهي‮ ‬متسللة ـ وكانوا‮  ‬يدخلون البيوت من أبوابها في‮ ‬لحظة بحثا عن هؤلاء المتسللين فإذا وجدوهم نقلوهم في‮ ‬ظلام الليل إلي‮ ‬مشارف جنين‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬السهل الواقع بينهما وبين قرية المقيبله الذي‮ ‬كان الجيش البريطاني‮ ‬معسكرا فيه‮ ‬،‮ ‬فلما انجلي‮ ‬خلف لنا فيه ألغاما كثيرة‮ ‬،‮ ‬أضاف إليها عساكر العرب وعساكر اليهود ألغامًا وذلك لأن خط المواجهة الأول كان‮ ‬يقوم هناك‮ ‬،‮ ‬فلما وضعت الحرب أوزارها علي‮ ‬صدورنا‮ ‬،‮ ‬إنفجر أحدهم تحت أقدام أولاد صندله وهم عائدون إلي‮ ‬أمهاتهم من المدرسة‮ ‬،‮ ‬فقتل علي‮ ‬الطريق سبعة عشرمنهم‮ ‬،‮ ‬كما جاء في‮ ‬البيان الرسمي‮ ‬،‮ ‬غير الجرحي‮ ‬الذين ماتوا فيما بعد‮ . ‬وفي‮ ‬حينه جمعنا‮ ‬يعقوب وألقي‮ ‬علي‮ ‬مسامعنا محاضرة عن الشيوعيين أعداء السامية‮ ‬،‮ ‬الذين‮ ‬يحرضون الناس علي‮ ‬الإضراب والتظاهر مدعيين أن اللغم هو لغم إسرائيلي‮ . ‬
قال‮: ‬بما أن جمعيتنا‮ ‬،‮ ‬اتحاد عمال فلسطين هي‮ ‬منظمة ديمقراطية‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬دولة ديمقراطية‮ ‬،‮ ‬فأنتم أحرار في‮ ‬أن تعلنوا أن اللغم هو من بقايا الإنجليز أو العرب‮ .‬
فلما تنطح زميلنا الشلفاوي‮ ( ‬كان مشلول اليد اليمني‮ ) ‬وقال إنه قرأ في‮ ‬بيان الشيوعيين أنهم‮ ‬يتهمون الحكومة بالإهمال في‮ ‬تنظيف الطريق من ألغام الحرب‮ ‬،‮ ‬أجابه‮ ‬يعقوب‮ : ‬نعلم أن زوج أختك واحد منهم‮ ! ‬فانشل لسان الشلفاوي‮ ! ‬ولذلك إتفقنا علي‮ ‬أن بيت أخت‮ ‬يعاد هو بيت لامأمن فيه علي‮ ‬أختها المتسللة‮ . ‬وأتفقنا وأنا خافض البصر‮ ‬،‮ ‬أن تبيت‮ ‬يعاد الليلة في‮ ‬بيتي‮ ‬حيث أفردت لها‮ ‬غرفة خاصة‮ ‬،‮ ‬وأنا خائف أن تسمعا خفقان قلبي‮ . ‬وحلفتني‮ ‬أخت‮ ‬يعاد بعرض أختي‮ ‬أن أصون عرضها وقالت لي‮ : ‬
ـ وهي‮ ‬لك إذا شئت فيما بعد شرعًا‮ .‬
وودعتنا وانصرفت‮ ‬،‮ ‬وأنا مبهور الأنفاس‮ ‬،‮ ‬وقد تشابك في‮ ‬ذهني‮ ‬عرض أختي‮ ‬الضائع ويعاد التي‮ ‬لقيتها فجأة والتي‮ ‬دخلت إلي‮ ‬غرفتها وأغلقت عليها الباب وأخذت تبكي‮ ‬وتتشنج بصوت مسموع‮ ‬،‮ ‬وأنا مستلقي‮ ‬علي‮ ‬فراشي‮ ‬أمام بابها لاأنام ولا أقوم‮ ‬،‮ ‬لاهي‮ ‬تكف عن البكاء ولا أنا أكف عن الاستلقاء‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬سمعتها تنادي‮ : ‬
ـ سعيد‮ ‬
فتظاهرت بأنني‮ ‬نائم‮ ‬
ـ سعيد‮ ‬
فحبست نفسي‮ ‬
فإذا هي‮ ‬تفتح الباب بيننا‮ ‬،‮ ‬فأغمضت عيني‮ ‬،‮ ‬فشعرت بأنها تسوي‮ ‬اللحاف فوقي‮ . ‬ثم سمعت وقع خطواتها وهي‮ ‬تسير الهوينا نحو دورة المياه‮ ‬،‮ ‬ثم تغتسل‮ ‬،‮ ‬ثم تعود من حيث جاءت وتترك الباب مفتوحًا بيننًا فتحًا خفيفًا‮ . ‬
فكيف أقوم الآن ؟
ستعلم حينئذ أنني‮ ‬مستيقظ‮ . ‬فكيف لم أرد علي‮ ‬ندائها ؟ إنها حبي‮ ‬الأول وبعد هذه الليلة أصبحت حبي‮ ‬الأبدي‮ . ‬فكيف تركتها تبيت في‮ ‬بيتي‮ ‬،‮ ‬وحيدة ولم أقل لها كلمة واحدة ؟‮ ‬
قبلة واحدة ؟ هل أنا جبان ؟ وإذا كنت جبانا ؟ فكيف لم أجبن أمام صاحبة سركيس ؟‮ ‬
فماذا أفعل الآن ؟ وإلي‮ ‬متي‮ ‬أظل مستلقيا ؟
ولكنني‮ ‬لم أستلق طويلاً‮ ‬فقد كان المستلقي‮ ‬الأبدي‮ : ‬الفجر‮ ‬يداهمني‮ ‬من النافذة الشرقية‮ ‬،‮ ‬وكنت راقدًا أحبس أنفاسي‮ ‬،‮ ‬مثلما‮ ‬يحبسها ولد طلع الفجر عليه وقد بلل فراشه فينتظر عجيبة تنقذه من مصيبة،‮ ‬فإذا طرق علي‮ ‬الباب شديد‮ ‬،‮ ‬نفضني‮ ‬فألقاني‮ ‬في‮ ‬غرفة‮ ‬يعاد التي‮ ‬كانت واقفة وقد ارتدت جميع ثيابها‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬ترتجف جزعًا‮ .‬
قالت‮ : ‬هل جاءوا‮ ‬
قلت‮  : ‬لست أدري‮ ‬
قالت‮ : ‬فمن الطارق‮ ‬
قلت‮  : ‬لست أدري‮ ‬
قالت‮ : ‬إغلق الباب عليّ‮ ‬ولاتخبرهم بوجودي‮ ‬هنا بعرضك‮ !‬
واشتد طرق الباب وسمعنا لغطًا‮ .‬
فهمست‮ : ‬يا حياتي‮ ‬
فهمست‮ : ‬ليس الآن‮ .. ‬ليس الآن‮ ‬
قلت لها‮ : ‬أنت لي‮ ‬
قالت‮    : ‬فيما بعد‮ .. ‬فيما بعد‮ ‬
قلت‮     : ‬بل الآن‮ .. ‬الآن‮ .‬
فابتعدت عني‮ ‬،‮ ‬فتشبست بها‮ ‬،‮ ‬ففرت إلي‮ ‬غرفتي‮ ‬،‮ ‬فوقعنا علي‮ ‬السرير فسمعنا الباب الخارجي‮ ‬ينخلع‮ . ‬فانخلع ضلعي‮ ‬الشمال‮ ‬،‮ ‬فأغلقت الباب عليها‮ ‬،‮ ‬ووقفت أمامهم في‮ ‬ثياب النوم‮ ‬
لقد كانوا عساكر‮ .. ‬قلت لهم ماذا تريدون‮ ‬
قالوا‮ : ‬تفتيش‮ ‬
قلت‮ : ‬لماذا خلعتم الباب
فأزاحني‮ ‬أحدهم من أمامه فانتشروا في‮ ‬البيت‮ ‬ينبشون الدواليب ويقلبون الأدراج‮ ‬
قالوا‮ : ‬هل أنت وحدك هنا ؟
قلت‮ : ‬وحدي‮ ‬
وكنت في‮ ‬هذه الأثناء قد لبست بنطلوني‮ ‬وقميصي‮ ‬مستحكمًا أمام باب الغرفة التي‮ ‬اختبأت فيها‮ ‬يعاد،‮ ‬واستللت بطاقة تدل علي‮ ‬نسبي‮ ‬إلي‮ ‬اتحاد عمال فلسطين فكفوا عن النبش والكش‮ .‬
إلا أن الذي‮ ‬بدا رئيسا عليهم شك في‮ ‬الغرفة التي‮ ‬وقفت أمام بابها المغلق فأزاحني‮ ‬عنه ليفتحه‮ ‬،‮ ‬فتسمرت مكاني‮ ‬،‮ ‬فصاح افتح‮ ‬،‮ ‬فقلت لاشييء هناك‮ ‬،‮ ‬فثار‮ ‬غضبه وتقدم من الباب ليفتحه‮ ‬،‮ ‬فمددت ذراعي‮ ‬علي‮ ‬طولهما وقد قررت أن أستشهد‮ . ‬فنظر وراءه إلي‮ ‬جماعته وضحك فلم‮ ‬يضحكوا‮ .‬
فأمرهم أن‮ ‬ينقضوا عليّ‮ ‬فترددوا‮ ‬،‮ ‬فزعق‮ . ‬فانقضوا دفعة واحدة‮ .‬
وجرجروني‮ ‬حتي‮ ‬أخرجوني‮ ‬خارجًا‮ .‬
ثم دحلوني‮ ‬علي‮ ‬الدرجات من الطابق الثالث فظلت الأيدي‮ ‬تتقاذفني‮ ‬وأنا مدحول حتي‮ ‬وجدتني‮ ‬في‮ ‬فناء الدرج تحت أقدام‮ ‬يعقوب ويدي‮ ‬متشبسة ببطاقة اتحاد عمال فلسطين‮ ‬،‮ ‬وأنا أمدها متعمدًا نحو عينيه فلا تبلغهما‮ ‬
فصاح‮ : ‬إنني‮ ‬أعرف من أنت‮ ‬ياحمار‮ ‬،‮ ‬قم وأبلغني‮ ‬بما حدث‮ ‬
ولكنني‮ ‬لم أفعل‮ .‬
فقد سمعنا من فوق صراخا أنثويًا‮ ‬،‮ ‬وصوت لطمات وركلاً‮ ‬وجلبة،‮ ‬وتطلعنا إلي‮ ‬فوق فإذا بمعركة حاميه تدور بين‮ ‬يعاد وبضعة عساكر آخرين وهم‮ ‬يحاولون ألايروا مايحدث‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬تقاوم وتصرخ وتركل بقدميها وعضت كتف أحدهم فصاح من الألم وولي‮ ‬بعيدًا‮ ‬،‮ ‬وظلوا‮ ‬يدفعونها وهي‮ ‬تقاومهم وتركلهم حتي‮ ‬ألقوا بها في‮ ‬فناء الدرج‮ ‬،‮ ‬فهبطت علي‮ ‬قدميها منتصبة القامة ورأسها في‮ ‬السماء‮ . ‬وقال أحدهم وهو‮ ‬يلهث‮ : ‬متسللة فصرخت‮ : ‬هذه بلدي‮ ‬،‮ ‬داري‮ ‬،‮ ‬وهذا زوجي‮ !‬
فتكاثروا عليها ودفعوها أمامهم إلي‮ ‬سيارة كانت قد امتلات بالخلق من أمثالها وذهبوا‮: ‬
وسمعتها والسيارة تذهب تنادي‮ ‬بأعلي‮ ‬صوتها‮ : ‬سعيد‮ ‬يا سعيد ولايهمك فأنني‮ ‬عائدة‮ .‬
لكنها لم تعد‮ ‬،‮ ‬لكن واحدًا من المتسللين العائدين وضع في‮ ‬يدي‮ ‬خلسة ورقة‮ ‬،‮ ‬فاذا هي‮ ‬رسالة منها لم أقرأها إلا بعد أن وثقت من خلو المكان من الجهاز‮ .‬
وهي‮ ‬الورقة السرية الوحيدة التي‮ ‬احتفظت بها لكي‮ ‬أقنع نفسي‮ ‬بأنني‮ ‬قادر علي‮ ‬تحدي‮ ‬الجهاز‮ ‬،‮ ‬ولأنني‮ ‬اعتبرتها عقد زواج‮ .‬
كتبت‮ ‬يعاد‮ :‬
أرجو ممن‮ ‬يجد هذه الرساله أن‮ ‬يوصلها إلي‮ ‬زوجي‮ ‬سعيد أبي‮ ‬النحس المتشائل ـ وادي‮ ‬النسناس ـ حيفا سعيد‮ ‬يازوجي‮ !‬
الوداع‮ ‬،‮ ‬الوداع‮ ‬ياحبيبي‮ ‬،‮ ‬إنني‮ ‬أنتظرالموت عبر الحدود ولكنني‮ ‬أموت وأنا مطمئنة أنك ستنقذ والدي‮ ‬من السجن‮ ‬،‮ ‬سلم علي‮ ‬أختي‮ ‬،‮ ‬واعتني‮ ‬بأولادها الوداع‮ .. ‬الوداع‮ ‬يا حبيبي‮ .. ‬زوجتك‮ ‬يعاد‮.. ‬فلما علمت أنها لم تمت‮ ‬،‮ ‬قررت أن لي‮ ‬زوجه في‮ ‬جنين‮ ‬،‮ ‬أو في‮ ‬مخيم لاجئين فأخذت أهتم بجمع الشمل‮ .‬
وكنت حريصًا علي‮ ‬الاستماع إلي‮ ‬رسائل المغتربين إلي‮ ‬ذويهم من إذاعة عَّمان‮ .‬
ولكنني‮ ‬لم أقم أبدًا علي‮ ‬توجيه تحية إليها في‮ ‬برنامج‮ ( ‬سلام وتحيه‮ )‬
الإسرائيلي‮ ‬،‮ ‬وكان‮ ‬يستهل بأغنية فريد الأطرش‮ (‬أحبابنا‮ ‬ياعين ماهم معانا‮ ‬،‮ ‬رحنا وراحوا عنا‮ ‬،‮ ‬ماحدش منهم إستني‮ . ‬عيني‮ ‬يا عيني‮ ) ‬فأمسح الدموع عن عيني‮ ‬في‮ ‬غفلة الجهاز‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬لم تبق إذاعة عربية إلا أذاعت مثل هذا البرنامج‮ .‬
هذه تبدأه‮ ( ‬راجعون‮ ‬،‮ ‬راجعون‮ ) ‬وتلك‮ " ‬وسلامي‮ ‬لكم‮ ‬يا أهل الأرض المحتلة‮ " ‬وأخري‮ " ‬يا مرسال المراسيل عالدرب القريبة‮ ‬،‮ ‬خدلي‮ ‬بدربك هالمنديل واعطيه لحبيبي‮ " ‬حتي‮ ‬اختلط الحابل بالنابل فضاعت‮ ‬يعاد كلها‮ . ‬فلما وقعت حرب الأيام الستة‮ ‬،‮ ‬وصار مرسال المراسيل‮ ‬يهتف‮ " ‬نصر من الله وفتح قريب‮ " ‬لم أعد أبكي‮ ‬علي‮ ‬يعاد بل علي‮ ‬حالي‮ ‬وبدون أي‮ ‬خوف من الجهاز لأن الجميع تجهز‮ .‬
ذلك أن‮ ‬يعقوب رثي‮ ‬لحالي‮ ‬،‮ ‬فلحقني‮ ‬إلي‮ ‬الساحة التي‮ ‬حشرونا فيها‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬الزاوية بين شارع الجبل وشارع عباس‮ ‬،‮ ‬فأخرجني‮ ‬قبل أن‮ ‬يبدأ الفرز‮ ‬،‮ ‬وقبل أن ألتقي‮ ‬رأس الخيش‮ . ‬ولما حكيت له ماجري‮ ‬مع‮ ‬يعاد‮  ‬وعدني‮ ‬أن‮ ‬يتدبر الأمر مع أولي‮ ‬الأمر وأن‮ ‬يجدوا‮ ‬يعاد‮ ( ‬حتي‮ ‬لوكانت في‮ ‬قطر‮ ) ‬وأن‮ ‬يعيدوها إليّ‮ ‬ثم ربت علي‮ ‬كتفيّ‮ ‬وقال‮ :‬
ـ بشرط واحد‮ ‬ياسعيد وهو أن تكون ولدًا طيبًا‮ .‬
فأومأت ــ
ـ حاضر‮ ‬
قال‮ : ‬وأن تخدمنا بأمانة‮ ‬
قلت‮ : ‬حاضر‮ ‬
وكل ذلك حرصًا علي‮ ‬مستقبل‮ ‬يعاد المسكينة‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬وعد أن‮ ‬يعيدها إليّ‮ ‬
وقال‮ : ‬بالطبع سيطول الأمر بعض الوقت‮ ‬
ولكنه طال طوال الوقت‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬كل انتخابات جرت في‮ ‬هذه البلاد كان‮ ‬يقنعني‮ ‬بأنه حال الانتهاء من فرز الأصوات سيأخذني‮ ‬إلي‮ ‬بوابة مندلباوم لاستقبال‮ ‬يعاد‮.‬
ـ فهات همتك ـ‮ ‬
فكنت لا أنام ولا أهدأ‮ ‬،‮ ‬فألاحق الشيوعيين‮ ‬،‮ ‬وأحرض عليهم‮ ‬،‮ ‬وأنظم الاعتداء عليهم‮ ‬،‮ ‬وأشهد ضدهم‮ ‬،‮ ‬واندس في‮ ‬صفوف تظاهراتهم‮ ‬،‮ ‬فأ قلب صناديق القمامة في‮ ‬طريق التظاهر‮ ‬،‮ ‬وأهتف بسقوط الدولة‮ ‬،‮ ‬لتبرير اعتداء الشرطة عليهم‮ ‬،‮ ‬وأوسوس في‮ ‬آذان الشيوخ أنهم مزقوا القرآن الكريم في‮ ‬الأعظمية‮ ‬،‮ ‬وأجلس علي‮ ‬صندوق الاقتراع من السادسة صباحًا حتي‮ ‬منتصف الليل‮ .‬
ولا أنال أجرًا علي‮ ‬هذه الهمة سوي‮ ‬إحياء الوعد بعودة‮ ‬يعاد أما بقية زملائي‮ ‬في‮ ‬الهمة‮ ‬،‮ ‬فكانوا‮ ‬يترقون في‮ ‬المناصب المخصصة لنا‮ . ‬
فالشلفاوي‮ ‬صار عضو كنيست‮ ‬،‮ ‬ونظمي‮ ‬الشاويش أصبح شاويشا‮ ‬،‮ ‬وعبد الفتاح داهن زقمه صار مدير مدرسة‮ ‬،‮ ‬وزوجته مديرة مدرسة‮ ‬،‮ ‬وابنته معلمة‮ ‬،‮ ‬مع أن ابنه وقع في‮ ‬يد الشيوعيين فبعثوه‮ ‬يتعلم الطب في‮ ‬موسكو‮ .‬
مابقي‮ ‬بدون أجر‮ ‬غيري‮ ‬وغير‮ ‬يعقوب الذي‮ ‬أصبحت أنا أجره‮ ‬،‮ ‬فلما دمجوا اتحاد عمال فلسطين في‮ ‬الهستدورت عينوه موظفا في‮ ‬الدائرة العربية وأنا تحت‮ ‬يده‮ .‬
ولم تنقذني‮ ‬الهمه التي‮ ‬أبديتها في‮ ‬الخدمة من‮ ‬غضب‮ ‬يعقوب‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬لم تنقذه من‮ ‬غضب الرجل الكبير ذي‮ ‬القامة القصيرة‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يضع علي‮ ‬عينيه نظارة سوداء في‮ ‬الغرفة المعتمة المسدلة الستائر فما أن تظهر نتيجة انتخابات حتي‮ ‬يستصبحني‮ ‬هائجا مائجا‮:  ‬
ـ راحت‮ ‬يعاد عليك‮ ‬،‮ ‬كيف سمحت للشيوعيين بأن‮ ‬ينالوا كل هذه الأصوات‮ ‬،‮ ‬فأرد عليه بدهشة‮ ‬
ـ أنا‮ .. ‬فيرد عليّ‮ ‬باستنكار‮ ‬
ـ‮ ‬يا الله خيرها في‮ ‬غيرها‮ ‬
وعلي‮ ‬الرغم من كل أفعالي‮ ‬ظللت أشعر براحة الضمير‮ ‬،‮ ‬إنني‮ ‬أنشد التقاء‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تزوجت فصار السر الذي‮ ‬بيني‮ ‬وبين‮ ‬يعقوب أن نعيد‮ ‬يعاد‮ ‬،‮ ‬يؤرقني‮ ‬كما لو أنه الخيانة الزوجية‮ ‬،‮ ‬فأخذ‮ ‬يعقوب‮ ‬يضغط بكل ثقله علي‮ ‬هذا الجرح‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬التقيت‮ ‬يعاد فيما‮ ‬يكون فيه اللقاء في‮ ‬إسرائيل ـ في‮ ‬السجن ـ‮ ‬
والأصح أنني‮ ‬كنت خارجًا منه،‮ ‬أما كيف دخلت السجن فذلك حين أفرطت في‮ ‬الولاء حتي‮ ‬أصبح في‮ ‬عرفهم تفريطًا‮ ‬،‮ ‬وذلك حين كنت أستمع في‮ ‬ليلة من الليالي‮ ‬الست العفريتية إلي‮ ‬الإذاعة العربية من محطة إسرائيل ـ إحتراسًا ـ‮  ‬
فأتاني‮ ‬صوت المذيع وهو‮ ‬يدعو العرب المهزومين إلي‮ ‬رفع أعلام بيضاء فوق أسطح منازلهم‮ ‬،‮ ‬فينامون في‮ ‬بيوتهم آمنين‮ .‬
فاختلط عليّ‮ ‬أمر هذا الأمر‮ : ‬أيهم‮ ‬يأمره المذيع‮ ‬
ـ مهزوم هذه الحرب أم مهزوم رودس ؟
قلت انهزم أسلم عاقبة‮ !‬
واقنعت نفسي‮ ‬بأنه إذا ظهر خطئي‮ ‬حملوه علي‮ ‬حسن نيتي‮ ‬وبياض طويتي‮ ‬،‮ ‬فصنعت من بياض فراشي‮ ‬علمًا أبيض علقته علي‮ ‬عصا المكنسة ونصبتها علي‮ ‬سطح بيتي‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬شارع الجبل في‮ ‬حيفا ولاء الافراط في‮ ‬الولاء للدولة‮ .‬
ويادلالة علي‮ ‬من تدلين‮ !‬
‮ ‬فما أن أشرف علي‮ ‬الناس هذا الشرشف‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬شرفني‮ ‬معلمي‮ ‬يعقوب بزيارة عاطل ـ أي‮ ‬خلوا من السلام عليكم ـ فلم أرد التحية‮.‬
وكان‮ ‬يصرخ‮ : ‬انزله‮ ‬يا بغل‮ !‬
فانزلت رأسي‮ ‬حتي‮ ‬لامست قدميه وأنا أقول‮ :‬
هل عيونك ملكًا علي‮ ‬الضفة‮ ‬يا صاحب الجلالة؟
فأخذ‮ ‬يعقوب تبلابيبي‮ ‬ـ وراح‮ ‬يدفعني‮ ‬علي‮ ‬الدرج نحو السطح وهو‮ ‬يشنشن‮ : ‬الشرشف‮ ‬،‮ ‬الشرشف‮ ! ‬حتي‮ ‬بلغنا موضع المكنسه‮ ‬،‮ ‬فانتزعها‮ ‬،‮ ‬فحسبت أنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يضربني‮ ‬بها‮ ‬،‮ ‬فتعاركنا راقصين رقصة العصا‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬تهاوي‮ ‬علي‮ ‬حافة السطح وهو‮ ‬يبكي‮ ‬ويقول‮ : ‬
ـ رحت‮ ‬يا صديق العمر ورحت معك‮ ! ‬فقلت‮ ‬
ـ إنني‮ ‬رفعت الشرشف علي‮ ‬عصا المكنسه ملبيا أمر المذيع من محطة الإذاعة الإسرائيلية
قال‮ : ‬حمار‮ .. ‬حمار‮ ‬
قلت‮ : ‬ماشأني‮ ‬إذا كان حمار ؟
ولماذا لا تستخدمون مذيعين سوي‮ ‬الحمير ؟
فأفهمني‮ ‬أن المعني‮ ‬بالحمار هو أنا‮ ‬،‮ ‬أم مذيعو القسم العربي‮ ‬في‮ ‬محطة الإذاعة الإسرائيلية فكلهم عرب‮ ‬،‮ ‬ولذلك أساءوا صياغة النداء فالتبس الأمر عليك‮ ‬يا أحمق‮ ! ‬فدافعت عن بني‮ ‬قومي‮ ‬الذين‮ ‬يعملون في‮ ‬محطة الإذاعة‮ ‬
قائلاً‮ : ‬ماعلي‮ ‬الرسول إلا البلاغ‮ . ‬يهتفون بما‮ ‬يلقنون وإذا كان رفع العلم الأبيض علي‮ ‬عصا مكنسة‮ ‬يسييء إلي‮ ‬جلال الاستسلام فإنكم لاتجيزون لنا حمل أي‮ ‬سلاح سوي‮ ‬المكانس وأما إذا كانت المكانس قد أصبحت منذ إندلاع نيران هذه الحرب سلاحًا أبيض فتاكاً‮  ‬لايجوز لنا حمله إلا بإذن فإنني‮ ‬معكم أباً‮ ‬عن جد‮ ‬،‮ ‬وأنت تعلم‮ ‬يا صديق العمر بإخلاصي‮ ‬المفرط للدولة ولأمنها ولقوانينها‮ ‬،‮ ‬ماهو معلن منها وماسوف‮ ‬يعلن‮ ! ‬وكان صديقي‮ ‬يعقوب‮ ‬يستمع إلي‮ ‬هذياني‮ ‬وهو مشدوه الفم لايقوي‮ ‬علي‮ ‬كفكفة الدمع المنسكب علي‮ ‬وجنتيه‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يقوي‮ ‬علي‮ ‬كفي‮ ‬عن الهذيان حتي‮ ‬تمالك جأشه فأوضح لي‮ ‬ماوقعت فيه من التباس قرر رئيسنا الرجل الكبير ذو القامة القصيرة‮ ‬،‮ ‬أنه ليس التباسا بل نفير بشق عصا الطاعه علي‮ ‬الدولة‮.‬
قلت‮ : ‬كلها عصا مكنسة‮ ‬
قال‮  : ‬نداء المذيع موجة نحو عرب الضفة أن‮ ‬يرفعوا الأعلام البيضاء استسلامًا أمام الاحتلال الإسرائيلي‮ ‬،‮ ‬فما شأنك أنت في‮ ‬ذلك في‮ ‬حيفا التي‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬قلب الدولة‮ ‬،‮ ‬ولا أحد‮ ‬يعتبرها مدينة محتلة؟
قلت‮ : ‬زيادة الخير خيرين‮ ‬
قال‮  : ‬بل إشارة إلي‮ ‬أنك تعتبرها مدينة محتلة‮ ‬،‮ ‬فتدعو إلي‮ ‬فصلها عن الدولة‮ .‬
قلت‮ : ‬إن هذا التأويل لم‮ ‬يدر في‮ ‬خاطري‮ ‬أبدًا‮ .‬
قال‮  : ‬إننا لا نأخذكم علي‮ ‬مايدور في‮ ‬خواطركم‮ ‬،‮ ‬بل علي‮ ‬مايدور في‮ ‬خاطر الرجل الكبير‮ .‬
‮        ‬وهو‮ ‬يري‮ ‬أن العلم الأبيض‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬رفعته علي‮ ‬سطح بيتك في‮ ‬حيفا‮ ‬،‮ ‬هو دليل علي‮ ‬أنك تقوم بحركة إنفصالية عن الدولة ولا تعترف بها‮ .‬
قلت‮ : ‬إنك تعلم علم اليقين أنني‮ ‬مفرط في‮ ‬خدمة الأمن ولا أفرط فيه‮ ‬
قال‮  : ‬أصبح الرجل الكبير‮ ‬يعتقد بأن إفراطك هو تمويه علي‮ ‬تفريطك‮ ‬،‮ ‬ويستعيد‮ ‬
‮        ‬الرجل الكبير أصلك وفصلك فيجد الأدلة علي‮ ‬أنك تتغابي‮ ‬ولكنك لست بغبي‮ .‬
قلت‮ : ‬ألم‮ ‬يسأل الرجل الكبير لماذا لم أولد سوي‮ ‬عربي‮ ‬؟
‮        ‬ولماذا لم أجد لي‮ ‬وطناً‮ ‬سوي‮ ‬هذه البلاد ؟؟‮ ‬
تمت بجمد الله

 

‬أبو العلا عمارة


وبعونه

معلومات أضافية

  • النص المسرحي: المتشائل
  • تأليف: ‬أبو العلا عمارة
  • معلومات عن المؤلف:
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥١

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here