اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

كوميديـا الأحـزان

قييم هذا الموضوع
(2 تقيم)

 

 

" مواجهة الموت " مسرحية

" قـُـدمت المسرحية خلال شهري يونيو ويوليو 2011 في القاهرة والإسكندرية، من إنتاج مسرح الغد/البيت الفني للمسرح "

لحــظـات الدفء والقهــر

هــتـــافــــات مـُـتـقـاطعــة

خــــــارج الــدنــيــــــــــــا

مـُـفـتــــرق الطـــُـــــــــرق

لعـــبة التـنـكـر والمحاكمة

كــومـيـديــا الأحــذيــــــــة

حــــوار مع رجــُـل مـيـّـت

حــــــــارس المـــوتـــــــي

حـُـرية أن تحـلم وأن تحب

حــُـجــرة عـــزرائـيــــــــل

ســــرقـــــــــة الأحـــــــلام

الشخصيات :

حــافــظ: عجوز، يحمل فوق ظهره تاريخا مـُـثقلا بالكذب

ضـُـحـي: فتاة جامعية، لها قدرة مدهشة علي البوح والبكاء

يـوسـف: يعيش علي هامش المجتمع، لكنه لا يخشي الموت

نقـرزان: يحلم بأن يقف علي قدميه وأن يطول السماء

الجاويش : يتعامل كصخرة ليس لها قلب، ولا معرفة بالوجع

منـصـور: شاب ثائر رفض كل شيء واختار الحرية

نـــــــدي: فقدت الحـُـب لكنها مازالت تنثره علي الآخرين

شخـصيـات ثانوية أخـري ...

ملحوظة

لكل شخصية درامية صوتان أحدهما صوتها العادي، والآخر صوتها الداخلي الخاص بطريقة تفكيرها، ذلك الذي نسمعه ولا نراها وهي تقوله ..

تم تقديم المسرحية من إنتاج مسرح الغد / البيت الفني للمسرح، خلال شهري يونيو ويوليو من عام 2011  وعرضت علي مسرح الغد بالقاهرة، وعلي مسرح مركز الإبداع بالإسكندرية، أخرجها سامح مجاهد، وصمم الديكور محمد هاشم، وقام بتمثيلها الفنانون : عبد الرحيم حسن، وفاء الحكيم، معتز السويفي، وائل أبو السعود، محمود الزيات، حسن عبد الله، راندا إبراهيم، وكتب الأشعار إبراهيم الحسيني ومن ألحان وغناء أحمد حجازي

ــ 1 ــ

( لحظات الدفء والقهر)

( طـُرق متداخلة، مـُتعرجة، بعضها يرتفع لأعلي، والبعض الآخر يهبط بالتدريج لأسفل، نلمح حالة فوضي : أشجار جرداء، مناشر غسيل، مقلب قمامة، ما يُـشبه شواهد القبور، أحواش سكنية، ... " حافظ " حارس المقابر، وهو رجل عجوز يصعب تحديد عــُـمره،  اشتعل الشيب في رأسه وذقنه، يرتدي جلباباً ومن فوقه بالطو طويل، يحمل عصاً غليظة في يده، يتوكأ عليها، له هيئة توحي بالقـِدم الشديد، يظهر " حافظ " آتياً من عـُمق الفضاء المسرحي بخــُـطي بطيئة ثابتة،  وهو يحمل فانوساً صغيراً في يده، بينما يحمل تحت إبطه مجموعة من الملفات.. يدور الرجل باحثاً عن مكان ما ليـُخبيء فيه هذه الملفات، في دورانه يتأمل وجوه الجمهور المـُـنتشر داخل الفضاء المسرحي)  

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) الأفكار يصنعها الأنبياء وغالباً ما يسرقها الأوغاد.. خــبئوا أفكاركم فاللصوص قادمون ( يـُخبيء " حافظ " ملفات الأوراق داخل صندوق قديم كان مدفوناً بين رُكام الأشياء القديمة) الأنبياء يرفعون الحقيقة في وجه غابة من القوة والكذب، والأوغاد يرفعون الكذب من دون خجل في وجه الحقيقة.. خبئوا أفكاركم وأحلامكم فخلف كل نبي يحلم قاطع طريق.  

( يرفع " حافظ " عصاه ويضرب بها أحد الحوائط.. تكشــــف الإضــاءة عن " يوسف ونقرزان وهما يستيقظان من النوم...)

يوسف : فيه إيه يا عم حافظ، هـوّه الصـُـبح طلـّع والا إيه..؟

نقرزان : إيه ده يا عم، دا الدنيا لسه مضلمة.. مافيش خيط نور واحد ضرب في السما!!

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) شمس اليوم لها طعم الفرحة، ورائحة العطر، لها رقـّة الفراش ونعومة الورد، لها قـوّة العشق ودفء المعشوق.. شمس اليوم تحتاج لمن يـُصادقها، لمن يـُـبادلها حـُـباً بحب، لمن لا يسرقها.. شمس اليوم لو جاءت ولم ننتظرها قد لا تأتي مـرّة أخري.

( يرتكن " حافظ " إلي أحد الجوانب، ويبدأ في غزل كومة من الصوف أمامه)

يوسف : عم حافظ متغيـّـر شويه النهارده يا نقرزان، مش عارف ليه حاسس إنه كان عاوز يقول حاجه.

نقرزان : ( يمشي علي أربع ؛ رجليه ويديه، تماما مثل كلب) عليَّ النعمــة ما فيه أي حاجة، هـوّه زي ما هـوّه، واحنا برضه زي ما احنا شوية صراصيـر بترمــــح في كومة زبالة، ها نموت من الجوع وعمـــرنا ما لقينا ولا لـُقمة عدله ( يبحث نقرزان في كومة القمامة..) مفيش حاجه، ولا فتفوتة عيش حتي

يوسف : إحنا مش فـَتـّشنا الزبالة دي ميت مـرّة امبارح ولا لقيناش حاجه!

نقرزان : ما أنا صحيت م النوم بقي، ربنا ينتقم منه اللي كان السبب،  ومادام صحيت يبقي لازم آكل أي حاجه لإني مش ها أعرف أنام تاني وأنا جعان.

يوسف : كــُـل زبالة بقي!!

نقرزان : ما بحبش طعمها يا لـِمض، وبعدين لمـّا بكتـّـر منها بطني بتوجعني ( متأملا ًما حوله) شكلها كده ماحدش مات برضه النهارده، التـُـرب بتنش م الفضا، يعني مفيش لا قــُـرص ولا شريك ولا رحمة، ولا حتي دعوة نصبـّر بيها حالنا (يلحظ أن " يـــوسف " يـُجهد نفسه في البحث داخل كومة القمامة..) إنت بتعمل إيه يا يوسف؟

يوسف : بادوّر علي الفردة التانية بتاعة الجزمة دي ( يرفع فردة حذاء معه) قلبي حاسس إني أكيد هالاقيها النهارده.

نقرزان : إنت متأكد يعني إنها جـت مع أختها في الزبالة دي؟

يوسف : ماعرفش.. بس برضه ماينفعش أعيش بفرده واحدة.. يرضيك أكمـّل حياتي حافي؟

نقرزان : إيه المـُشكل في كده، ما أنا حافي قـُدامك أهه وعـُمري ما اشتكيت.

يوسف : ما انت اللي عامل في نفسك كده، ماشي مـُرابعة وعامل نفسك كلب، قوم إمشي علي رجليك وبطـّـل هبل.. إنت بني آدم يا نقرزان مش كلب.

نقرزان : أنا راضي زمتك.. عــُـمرك شـُـفت بني آدم عايش العيشه اللي أنا عايشها دي؟

يوسف : أيوه شـُـفت.. أنا اهه وعم حافظ كمان، والميتين دول كلهم بني آدمين برضه بس مابيتكلموش.. قوم امشي علي رجليك بقي.

نقرزان : ما أنا عارفك مش ها تسيبني إلا لما تسمعني مـــوشح كل يوم ده.. يا عم أنا كلب، وداني طـويلـــة وليـّا ديل مخبيه جـوّه البنطلون، باعـُـض وباهـوهـو وبـارفـع رجلي علي الحيط لمـّـا آجي أعمل بيبي.. استريـّحت 

يوسف : الله يقرفك.

نقرزان : شـُفت بقي.. مش باقولك كلب.. عشان تبقي تصدقني (حركة صوتية ضوئية مـُتغيـّرة، صوت موتور عربة قادمة) يا ما انت كـــــريم يا رب عربية الزبالة وصلت.. ابعت بقي ( تتطاير أكياس القمامة فوق رأسي يوسف ونقرزان..) يا سلام يا سلام.. إيه النعيم ده كــُـله.. مـِد إيدك يا يوسف في الخير الكتير ده وافتح الأكياس، أنا حاسس إن ربنا ها يكرمنا بفطار سـُقع، ويمكن كمان نلاقي لك فردة الجزمة التانية.

يوسف : ركز بس في أي حاجة ناكلها الأول.

نقرزان : ( صارخاً من الفرحة) لقيـــــت نـُص رغيف فينو ناشف.. وصـُباع موز رُبعه ضارب..

يوسف : إديني أنا صُبـاع الموز..

نقرزان : أمال ها نغـمّـس الفينو بإيه ..؟ اصبر علي رزقك بس .. إيه ده..؟! ( يجد لافتات قماشية وخشبية كثيرة بالإضافة إلي بعض المنشورات) بـُص كده يا يوسف.

يوسف : ( متأملاً) دي يـُفط.. ( يقــرأ) الحـُـريـّـة.

نقرزان : مالها..؟!

يوسف : مش عارف.. دي يـُـفط متكسـّـرة وداخلة في بعضيها، وحـِتت قـُماش متقطعة عليها كتابة.. إقرا معايا.

نقرزان : ( يقرأ) النظام.

يوسف : البترول.

نقرزان : اللحمة.

يوسف : الرئيس.

نقرزان : الرئيس.. ماله..؟!

يوسف : برضه ماعرفش .. أكيد فيه حاجة بتحصــل بـرّه.. ( يقرأ) أوفر.. الجيش.. الخبز .. الإخوان المسلمين .. الحرب.. الفساد.. السلفيين.. الأحزاب الورقية.. حــُـكم العسكر..

نقرزان : ( بفرح) يا ابن المحظوظة يا يوسف..

يوسف : ( بلهفة) عرفت فيه إيه؟

نقرزان : لقيت لك فردة الجزمة التانية

يوسف : بجد؟

نقرزان : أيوه.. ( يمد يده ليسحب فردة الحذاء) يا ساتر.. مالها تقيلة كده.. شد معايا (يجذبـــان معاً فردة الحذاء، فتخرج لهما " ضـُـحي " من بين كومة  القمامة..) 

ضـُـحي : حاسب يا عم انت وهـوّه، مالكوا بتفعصوا في جزمتي كده ليه..؟!

نقرزان : ( مـُندهشاً..) إنتي مين يا ست انتي، وإيه اللي جابك جـوّه زبالتنا؟!

( لحظة إضاءة زرقاء باردة)

يوسف : ( بالصوت الداخلي) تـُري هل أحلم، لم أتعـوّد أن تزورني الأحلام وعينـاي مفتوحة .. هل جاءت ضـُحي، أم أن الكوابيس مازالت تهزأ بي ؟ 

ضـُـحي : ( كما لو كانت تواصل حديثاً بدأته قبلاً..) هووه.. إيه يا عمنا.. إنت سارح في أنهي ملكوت..؟!

يوسف : انتي ضـُحي..؟

ضـُـحي : أيوه.. عرفت اسمي إزاي.. أنا مشهوره والا إيه ..؟!

يوسف : أنا يوسف..

ضـُـحي : أهلاً وسهلاً.. يوسف مين؟ 

يوسف : أنا يوسف بتاع مصر

ضـُـحي : وأنا ضـُحي .. بس مـش بتاعـة أي حد  ( لـ" نقرزان ") وحضرتك بتاع إيه؟ 

نقرزان : أنا.. أنا نقرزان.. فصيلة دوبرمان أصلي، بس لمـّـا جيت هنا بقيت كلب بلدي عادي جداً.

ضـُـحي : ارحمني يا رب.. هـوّه فيه إيه.. إيه الغرابة اللي انتوا فيها دي..؟! مش شايفه يعني قمصان بالمقلوب ولا دكاتره ولا سور مستشفي العباسية.. يا ساتر.. أنا ماشيـه (تتجه للخروج، ثم تتوقف فجأة..) أنا آسفـه مــــش قصدي أبوظلكوا الزبالة بتاعتكوا (لنفسها..) أنا إيه اللي جابني هنا.. باي باي ( تعود للخروج، يستوقفها "يوسف")

يوسف : ضـُحي.. انتي مش فاكراني بجد..

ضـُـحي : أنا اسمي ضـُحي فعلاً، بس صدقني عـُمري ما شـُفتك قبل كده.. ممكن تسيبني أمشي بقي.

يوسف : (مـُتلعثماً) آسف.. أصل أنا.. قصدي حضرتك (ثم بإصرار يـُعيد طرح السؤال) انتي متأكدة إنك ماتعرفينيش؟

ضـُـحي : (بضيق) متأكدة.. أنا آسفه ليكوا تاني.. كـُـل الحكاية إني جيت هنا غلط.. عربية الزبالة كانت هيه الشيء الوحيد اللي قـُدامي.. استخبيت فيها م الشـُـرطة، وفجأة لقيت نفسي هنا..

نقرزان : ( يلحق بها) معلمة.. معلمة.. هو.. هو هو .. هووو .. هـوّه انتي..؟!

ضـُـحي : إيه معلمة دي.. وبعدين عايز إيه..؟ بتهـوهو ليه وتشد في هدومي..؟!

نقرزان : هو.. هو هو.. هـوّه فيه إيه بيحصل بـرّه..؟

ضـُـحي : بـرّه ..! بـرّه الدُنيا مقلوبة يا سي هو هو .. انتوا بقالكوا كتير هنا والا إيه..!

نقرزان : يعني.. بحساباتكم إنتم ييجي عشر سنين.

ضـُـحي : ( مـُندهشة) بحسابنا إحنا.. ليه.. هـوّه حضرتك وحضرته من كوكب تاني..؟!

نقرزان : لأ.. من دُنيا تانيه.. دُنيا الناس اللي عايشه بفـردة جزمة واحدة، اللي عـُمرها ما شمت غير ريحة الزبالة، ولا عرفت يعني إيه شبع، وها تشبع إزاي؟! هنا مية المجاري مابترويش، ولا فتافيت العيش الناشف المليانة تـُراب بتشبـّـع.

ضـُـحي : لأ لا.. أنا مستغرباكوا بصراحة.. إزاي مستحملين القهــــــر ده، فوقوا بقي والا انتوا أدمنتوا الذُل والقرف والخوف.. أنا عـُمري ما شـُفت ناس كده.. أنا.. ( حركة إضاءة مـُتغيـّرة، مؤثر صوتي، تتجمد حركة ضـُحي.. ثم بالصوت الداخــــلي..) لنا أقدارنا ولهم أقدارهم، لم نـُخلق جميعاً لكي نـُمارس أدوار البطولة، بعضنا خـُـلـِق ليـُمارس أدوار الهروب، بينما تفرغ البعض الآخــــــــر لأدوار التنكر والرزيلة.. ( بالصوت العادي إلي يوسف..) أنا آسفه.. ماقصدتش أضايقكم .. سامحوني لو كـُنت غـِلطت.. ( تتوجه للخروج، ثم تقف فجأة) علي فكرة يا.

يوسف : اسمي يوسف..

ضـُـحي : أنا متأكدة إني ماشـُـفتكش قبل كده.. ( ثم لنقرزان .. ) وإنت يا....

نقرزان : نقرزان.. بينادولي نقرزان.

ضـُـحي : إنت بني آدم مش كلب.

( تخرج " ضـُحي ".. لحظة إضاءة خافتة تـُحيل المشهد إلي ما يـُشبه الحلم)

يوسف : نقرزان.. ضـُحي كانت هنا.. مش كده..؟

نقرزان : والله ما أنا عارف يا أخي.. من كــُـتر ما كلمتني عنها بقيت أحس كتير إني باشوفها وأكلمها كمان..

يوسف : يعني إيه.. كـُنا بنحلم..؟! والا اللي حصل ده كان حقيقه؟

نقرزان : أنا معرفش أي فروق بين الحلم والحقيقة، معرفش أصلاً يعني إيه حلم ولا يعني إيه حقيقة، أنا بانام وأصحي وآكل وأشرب وأعمل زي الكلاب وخلاص.

يوسف : (مـُتضايقاً) يعني إحنا ماشـُـفناش ضـُحي وكلمناها مع بعض؟

نقرزان : ( طفولية) ماليــش دعوة بقي.. أنا عايز أعمل زي الكلاب دلوقتي.. دوّر وشك عشان بنكسف.

( تعود الإضاءة لطبيعتها، يرن جرس موبايل..)

يوسف : إيه الصوت ده..؟!

نقرزان : باينه تليفون محمول.. الصوت ده أنا فاكره كـوّيس..

يوسف : يعني إيه..؟!

نقرزان : جهاز كده.. دوّر معايا.. هـوّه قـُصـيـّـر بأنتنـّه.. وممكن تلاقيه بيرعش في إيدك..

يوسف : ماتحترم نفسك..

نقرزان : عليـّا النعمة تليفون محمول.. ( يجده) أهه.. يا تليفوناتك يا زبالتنا.. خـُـد.. قول ألو..  

يوسف : ( يـُعيده إليه) لأ قول إنت..

نقرزان : يا عم امسك بقي .. ( يـُشير له) دوس ع المـُفتاح ده..

يوسف : أهه..

ص.أم ضـُحي : ( عبر الموبايل) ألو.. أيوه يا ضـُحي.. انتي فين يا حبيبتي، طلبتك ييجي ميت مـرّة.. مش بترُدي عليـّـا ليه..؟!

يوسف : ( مـُتردداً) ضـُحي.. أنا.. أنا مش ضـُحي..

ص. الأم : أمال انت مين يا ابني.. هـوّه مش ده رقم ضـُحي..

يوسف : ( يزداد تردداً) أنا.. أنا.. أصل ده..

ص. الأم : أنا آسفــه.. افتكرت إن ده تليفــــون بنتي ضـُحي.. شكلــــي طلبت الرقم غلط..سامحني يا ابني..  ( تـُغلق الخط)..

يوسف : ( صارخاً) ضـُحي..

( يتجمد المشهد، إظلام تدريجي، بينما تظل بؤرة ضوئية مـُضاءة علي " حافظ " الذي يكتب داخل دفتر كبير، الجميع يظهرون في هذه اللحظة  كأطياف داخل المشهد)

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) يوسف لم يكذب عندما قال إنه يعرفها، كانت أجمل لحظة تلك التي يراها فيها، أحبت يداه  دفء يديها، أحبت روحه شلال النور المتدفق من عالمها، لقد سرق منها قــُـبلة ذات مساء جمعهما، منحته تلك الـقُـبلة حـُـزناً أبدياً هائلاً، ومنحته عيناها قـوّة سرية مـُدهشة جعلت بإمكانه مواجهة العالم دون خوف، لكنه كان يخاف .. ضـُحي.. ضـُحي لم تكذب عندما قالت أنها لا تعرفه .. إنها بالفعل لم تعرفه أبداً ..

( إظلام تدريجي للبؤرة الضوئية..)

ــ 2 ــ

( هتافات متقاطعة)

( تشكيل مرئي ببؤر الإضاءة، يـُصاحبه تشكيل صوتي لمجموعة من الهتافات الغير مـُكتملة، مـُجرد كلمات فقط تــُـغلف المشهد، نري " حافظ " وهو يـرُش الماء حول أحد القبور، كما يـُرتب بعض أعواد الورد حول شاهد هذا القبر.. توجـــــد فتاة " نــدي " في بداية العشرينات، ترتدي ملابس الحـِداد، وتقف صامتة في حالة حــــُزن، علي مقربة منهما يقف كل من " يوسف ونقرزان يظهران وكأنهما يـُراقبان المشهد في صمت ..)  

الهتاف : ( يظهــــــــر من خارج الفضاء المسرحي من وقت لآخر..) الموت..

حـافـظ : ( بالصـــــوت الداخلي، ومازال يرش الماء ويــُـنسق الورود) تلك هي السعادة التي لم أعرفها.. أن أزرع الورود داخل مشتل صغير تري أرضه ميـاه النيل، وهذا هو الشقاء الذي عرفته، أن أصير حارساً للقبور أمارس دفن الموتي وقتل الزهور.

نــــدي : ( بحــُزن) خلاص يا عم حافظ.. عماد كده بقي جـوّه القبر.. مش ها أشوفه تاني.. طب إزاي ممكن أعيش بعد كده.. إزاي ها أقدر أقابل الناس واكلمهم وأبص في عينيهم؟

الهتاف : ( يظهر) الحـُــزن.

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) لم يكن هو بنفس هذا الحـُـزن، كان يرسم علي شفتيه ابتسامة رائعة، كان مـُطمئناً، ينتظر بشغف أن تبدأ الرحلة.. هـوّني علي نفسك.. له الأمان ولنا الفوضي والكراهية.

نــــدي : ( بالصوت الداخلي) لم أكـُن أعرف أنهم سيـُطلقون الرُصاص الحي علينا، ذلك فوق تصـوّرنا، إنهم راغبون بقـوّة في صناعة الموت بينما نحن نموت كي نصنع الحياة.. ( تعود لصوتها العادي) كــُـنا مخطوبين، أهلي وأهله فاكرين إن أنا اللي مـوّته.. عشان وديته المـُظاهرة..

الهتاف : ( يعود) الخوف..

نــــدي : أنا انكسرت.. عيني ماعدتش شايفه، ولا قادرة أحسب خطوتي اللي جايه ( بتون أعلي) أنا ماوديتهوش المظاهرة يا عم حافظ، لأ.. هـوّه اللي وداني، ندهلي والفرحة بتلمع جـوّه عينيه، قاللي تعالي أوريكي حبيبتي، خدتني الغيرة ورُحت معاه، وهناك حبينا وجودنا قوي، واكتشفنا مع بعض ولأول مـرّة إن عــُـمرنا ما حبينا حد غيرها.. حبيناها قوي، بس هيه ماحبيتناش!!

يوسف : ( وكأنه يحلم) حبيناها؟!

نقرزان : ( بنفس إحساس الحــُـلم) بس هيـّه ماحبيتناش!!

نــــدي : ( لـ " حافظ ") خلـّي بالك منه يا عم حافظ.. أنا ماليش حد غيره.. عشان خاطري.

الهتاف : العشق..

( تخـرج " نــــدي تتغيـّر الإضـــاءة، يقتـــرب " يوسف ونقرزان " مــن " حافظ ")

يوسف : شـُـفتها يا عم حافظ، فجأة لقيتها قـُدامي، عرفتها بس هيـّه ماعرفتنيش..

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) رُبما هذه هي المـرّة المائة التي يسألني فيها يوسف عن ضـُحي.. ضـُحي صارت أكبر من السؤال وأكبر من الإجابة.. إنها شقاء الواقع وبهجة الأحلام.

يوسف : ( بالصوت الداخلي) أعـرف ما يدور بذهنك إيها العجوز.. أنت تـُكذبني.. لقد رأيتها بالفعل، كانت جميلة كعادتها، قوية برغم الحـُـزن، لها شموخ رائع وقــُـدرة مـُـرعبة علي صناعة الخيال.

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) يوسف ليس مجنوناً وليس عاقلاً، يوسف مطرود من العقل والجنون.. من الواقع والخيال.. من الآخرين ومن نفسه.. لم تبق له إلا مساحة صغيرة من العـُـزلة والألم.

الهتاف : الحلـم.

نقرزان : ( مـُتدخلاً) إيه الصمت المُـريب اللي انتوا فيه ده.. بتفكروا في إيه؟! شفـتها يا عم حافظ والا ماشـُفتهاش..؟ ماتنطق يا عم وتخلصنا.. دي لسه معـديّة من هنا.. 

يوسف : رُد علينا يا عم حافظ..

نقرزان : (بملل) كــُـل مـرّة تحطوني في نفس المزنق ده وبرضه مابيحصلش حاجة، لا عم حافظ بيـرُد علينــا، ولا إحنا بنبطل أسئلة .. ( لـ " حافظ ") إيـه يا عم، هز دماغك، شاور، إعمل أي حركة، لاغينا ما تسيبناش نهاتي كده، إحنا برضه اصحابك.. كلنا في الهم سوا..

( يمد " حافظ " يده بوردة إلي يوسف..)

يوسف : سابتلنا الوردة دي.. ( يهز " حافظ " رأســـه بالموافقة) يعني ماكـُناش بنحلم..؟!

نقرزان : ( مــُـتدخلاً) يعني شـُـفتها أهـُـه.. والله ما عـُـدت فاهم حاجة منكوا انتوا اللتنين، واحد عايش في دور الحبيب، والتاني مصدر الطرشه وعاملي أخرس، ولمـّا آجي أقول لكم أنا كلب ماتصدقونيش.. هـوّه يعني اللي ها يعيش معاكم ها يكون إيه غير كده.

الهتاف : النهار.

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) زي الحلم ما بييجي جَـت، كان ليها جناحين خـُضر، ووش واخد من القمر ابتسامته، نفسها ملا الـدُنيا عـِطر، وصوتها خلي الكـون يرقــُـص، والبلابل ترجع تتعلم الغـُـنا من جديد، قالتلي : مش ها ترجعلي بقي يا راجل يا عجوز.. قــــلت لها لما يؤون الأوان يمكن أقدر أرجع تاني إنسان.

نقرزان : والله العظيم حاسس إنه بيتكلم، سكوته ده مش خالص لوجه الله، فيه حاجة قارصاه من جـوّه، كابسه علي مراوحه، مشلفطه جنبه بمطوة، باختصار حاجة مش طبيعية دخلت في حياته وبوظتها.

يوسف : ( لـ " نقرزان ") اتلهـــــي بقي واسكــُـت.. تعالي معايا

نقرزان : آجي معاك فين؟

يوسف : ضـُحي مشيـّـت من السكة دي.. تعالي نلحقها..

الهتاف : الرحلة..

نقرزان : ما تلم الموضوع ده بقي، وتعالي بينا نرجع لرغيف الفينو الناشف وصـُـباع الموز اللي لسه ماعفنش.. دي حاجات تشرح القلب الحزين..

يوسف : مش مهم.. ( يسحبه وراءه..)

نقرزان : ماتتبطرش ع النعمة لا تزول من وشك.. الزبالة هيه اللي مضمونة، إنما اللي انت عايز تجرينا وراه ده هـوّه اللي مش مضمون..

( يــــرن جرس الموبايل، مـُتردداً يفتح " يوسف " الخط، ويرُد..)

الهتاف : النور.. 

يوسف : أيوه..

ص. ضـُحي : إنت يوسف مش كده..؟

يوسف : أنا..

ص. ضـُحي : لو سمحت موبايلي كان..

يوسف : ضـُحي أنا حاولت ألحقك بس خطواتك كانت أسرع مني 

ص. ضـُحي : لو مـُمكن نتقابل و....

يوسف : إنتي فين دلوقتي..؟

الهتاف : الميدان..

ص. ضـُحي : أنا موجودة جمب...

يوسف : الميدان..

ص. ضـُحي : لو خايف تيجي أنا ممكن..

يوسف : مش عارف إذا كــُـنت لسه خايف وللا لأ.. اللي أعرفه إن أنا عايز أجيلك دلوقتي..

( يجري " يوسف " خارجاً، بينما " نقرزان " مازال مـُستغرقاً في دهشته.. إظلام تدريجي)

ــ 3 ــ

( خارج الدنيا)

( أسلاك شائكة، آثار دماء، بقايا ملابس مـُمزقة، أوراق، صـُحف، أعمدة إنارة ولافتات مـُحطمة،....،... تـغلف المشهد مجموعة من الأصوات المختلطة : رُصاص، نــُـباح كلاب، صراخ، انفجارات،....،.... تــُهيمن أيضاً علي المشهد بــُـقع لونية حمــــراء.. الأجـــــواء كلها داخل المشهد تظهر كما لو كــُـنا نــُـصوّر أحد ألعاب الكومبيوتــر القتالية العنيفة.. "ضـُحي" تـُحاول اختراق حواجز الأسلاك الشائكة، الجاويش "سليمان" يعترضها مـُحاولاً إيقافها..)

الجاويش : (وهـو يـُـصوب بمسدسة في جميع الاتجاهات..) ممنوع..

ضـُـحي : لازم أعـدّي.. الناس بتموت جـوّه..

الجاويش : (باستهزاء) ما يموتوا.. مش هـُمه اللي عملوا في نفسهم كده..

( يظهــــر " حـافـظ  " فـي بؤرة ضوئية مـُنفصلة عن المشهد..)

حـافـظ : ( يكتب، ثم بالصوت الداخلي) قالوا له أنت جزء من النظام، فإذا ما سقطـَ سقطت، أخبروه وهماً بأنه مالك القوة والحقيقة والعدل.. عرفوه بنفسه إذ لم يكن يعرفها.. أفرغوا دماءه وملأوا عروقه زيتاً وغضباً وكراهية فكانت الطاعة، وقالوا له كــُـن فكان، وأصبح الذي كان بشراً مجرد آلة لضرب البشر

ضـُـحي : افهمني بس.

الجاويش : مافهمش.. اللي يموت يموت، واللي يعيش يعيش، أنا ماليــش صالح بالكلام ده كله.. أنا هـِنا بانفذ الأوامر.

ضـُـحي : صدقني.. الناس اللي جـوّه ماتستهلش الموت.. الناس دي جـَـت هنا علشانك وعشاني، بيدفعوا حياتهم عشان يجيبوا لنا حياة أفضل.. لازم يعيشوا.

الجاويش : ( باستهزاء أكثر) وانتي داخلة بقي علشان تديهم لايفات جديدة..؟!

ضـُـحي : ( باستغراب) لايفات جديدة! انت مش فاهم وشكلك مش عايز تفهم، فكــّــر.. ربنا مش عاطيك الدماغ دي عشان تدفنها تحت الكاب، انت مش طوبة مـرميـّـة في الشارع أي حد يشيلها ويضرب بيها (مـُشيرة لرأسـه) ده مـُخ مش بطيخة.. فكر قبل ما تمـوّت الناس.

الجاويش : (بلا مـُبالاة) انتي فاكره الناس اللي جـوّه دول بيموتوا بسهولة، دا كل واحد منهم معاه ييجي خمسين لايف، تموّتي الواحد منهم يطلع لك ميـّـه غيره من تحت الأرض، وبرضه مابيموتش (تمـُر " نـدي " من أمامه في مـُحاولة لاختراق الحواجز) بـُصي كده (يضربها بالرصاص فتقع مـُكـوّمة علي الأرض، ثم تنهض مـُسرعة مـُحاولة الهروب..) 

نـــــدي : ( صارخة) آآآه..

الجاويش: شـُـفتي.. ها تروح تشحـن بلايفات جديدة وترجع تاني.. دول ولا العفاريت الزرق.. قطط ليها ييجي سبعين روح..

ضـُـحي : (صارخة) كفايه بقي حرام عليكوا.. انتوا ليه بتتعاملوا معانا وكأنكوا في لعبة ولازم تكسبوها..

الجاويش: (مـُحاولاً تفتيش حقيبة يدها بفظاظة..) طب إيه اللي معاكي في الشنطة دي، فرجيني كده؟

ضـُـحي : انت مالك، مالكش دعوة بيـّا.. انت صعبان عليـّا والله لإنك طوبة، وشكلك عـُـمرك ما ها تفهم.. سيبني..

الجاويش : (بتحدٍ) مش قبــل ما أعرف إيه اللي في الشنطة دي (يـُخرج سكيناً صغيـراً من ملابسه، يـُمزق به حقيبتها، فتقع منها عــُـلب أدوية..) علب دوا.. مش قــُـلت لك داخله تديهم لايفات جديدة.. فـُكك بقي م الحوارات السـَـكة دي وباني علي حقيقتك..

( تـُعاود " نـــدي " المـــــرور، فيعود الجاويش لضربها بالرصاص، فتقع ثم تتماسك وتقف لتــُـُعــــاود الهروب مـرّة أخري..)..

نــــدي : ( بالصوت الداخلي) لماذا لا تأتي.. أنا انتظر، انتظر الرحلة إلي الجانب الآخـر من النهر، حيث يرقد العشق والعدل والأمان..

ضـُـحي : ( بالصوت الداخلي) الموت علي أيديهم أصبح لـُـعبة، وصارت الشـــوارع والبيوت والميادين هي ساحة اللعب.. أما البشر فهم حطب اللــُـعبة.. وقودها الذي لا ينفذ.. ( أثناء كلماتها يـُعاود الجاويش إطلاق الرُصاص علي " ندي تقترب " ضـُحي " منها، ثم بصوتها العادي) اتسندي عليـّـا..

نــــدي : ( بصوت واهــن) ماتخـــافيش، ياريتهم يقدروا يموتوني.. كان زماني استريحت..

ضـُـحي : ( مـُتسائلة) قد كده بتكرهي الدنيا..

نــــدي : بالعكس.. قد كده بحب الحياة..

(تضاء بؤرة  "حافظ")

حـافـظ : (بالصوت الداخلي) الموت كائن خـُــرافي، يمتلك أسرار الرهبة، يدُك الأرض بخطواته فيـُـفـزع من عليها، ستظل له حـُـرية الظهور والتعـرّي أمامنا، بينما سنظل نحن نمارس حـُـرية الاختباء منه حيث لا مهــرب.. ( يختفي)..

( " ضـُحي وندي " تخرجان في تثاقل، الجاويش يتحدث في الموبايل..)

الجاويش : أرجوك يا باشا متحرمنيش من الفرصة الغالية دي.. حضرتـــك مش متصـوّر ده بيبسطني قد إيه.. أنا رهن إشــارة جزمة حضرتك يا أفندم، عارفهـــا يا باشا أوضة عزرائيل .. ( برغبة) دي حياتي كلها جواها  ( بالصوت الداخلي) حجرة عزرائيل.. المتعة كلها هناك، رعشة البدن وانتفاضة الشهوة.. أنا هناك أصبح كائناً آخر أقوي وأعظم، هناك يصير الحمقي مـُجـرّد حبـّات رمل يدهسها حذائي..

( لحـــــظـة إضـــــــاءة مـُتغيـّرة، يختفي الجاويش، يدخل " يوسف " مذعوراً وكأن أحدهم يـُطارده، المكان يمتليء بالجرحي والمـُصابين.. أصوات التآوهات تـُشكل إيقاعاً رئيسيا ًمـُـوحشا للمشهد)

يوسف : ( مـُحاولاً الهروب من أسر ذلك الشخص الوهمي) كفــايه .. كفايه بقي .. أنا عــمــلـــت لك إيه عشان تعمل فيـّـا ده كله.. أنا مش مع حــــد ضد حد.. أنا لوحدي.. أنا حتـّي لسه  مش فاهـــــــــم فيه إيه .. طب فهمني الأول .. يعني عايــز مني إيه .. طب إنت مين.. ظـــابط والا إنسان عادي، مصري والا أجنبي .. مسلم والا مسيحي والا يهودي.. انطق.. بتضربني ليه ..؟! (يقع مـُكـوّماً علي الأرض، يتفادي ضربات وهمية.. يـُعاود النهوض..) هـوّه أنا غلطت فيك.. طب أنا آسف علي الغلـــط اللي أنـا مش عارفه.. انت مابتتكلمش ليه.. طب إنت عارف انت بتضربني ليه، وللا انت بتضرب من غير ما تعرف.. بتضرب واحد برضه مايعرفش هـوّه بينضـرّب ليه ..؟ آآآه (يتـدحرج علي الأرض مـُتفادياً الضربات، يرتكن إلي جوار أحد المصابين)

مُصاب :1قـرّب جنبي.. هنا أمان شويه..

يوسف : هـوّه فيه إيه..؟ إيه الدم اللي علي هدومك ده..؟!

مُصاب :1دي رُصاصة كسرت لي حـتـة من عضمة الكتف..

يوسف : طب اتسند عليـّـا وأنا هاوديك المستشفي..

مُصاب :1(وهو يتركه) مش مستاهله، أنا أقدر أروّح لوحدي، كملوا انتوا بس، وإنشاء الله ربنا ها يكرمنا.

يوسف : ( لآخر) ياه.. إنت بتنزف جامد..

مُصاب: مش ها يجري حاجة، لو مـُـت دمي ده ها يطرح بني آدم تاني، ولو عشت هاقدر أرفع راسي..

يوسف : ( لفتاة مُصابة) هيـّه عـينيكي راحت إزاي..؟

مُصاب :1زي ما يكون كان بينشن عليها، وهـوب لقيت النني بيدحرج قـُـدامي..

يوسف : رايحه فين؟

مُصاب :1راجعة تاني..

يوسف : إنتي متأكدة إنك شايفه طريقك..؟!

مُصاب :1(وهي تخرج) لمـّـا بيقلعوا لينا عين، جسمنا كله بيتبدر عيون..

 ( يظهر " حافظ " في بؤرته)

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) لم أتعوّد أكل أعضاء الموتي، إنهم عادةً يأتون إليّ وقد التهم الواحد منهم نصف أخيه.. تأمل ما تقرأ وما تري فبين رُكام السطور تختفي بـُحيرة دماء بحجم الكون (يختفي)

 ( يوسف بمفرده، تشكيل ضوئي / صوتي ؛ حيث يتم إلقاء بؤر ضوئية سريعة ومتلاحقة علي أماكن مختلفة من الفضاء المسرحي، يدخل " مُصاب 3 " وهو يمشي بصعوبة حاملاً بين يديه كومة من الأعضاء البشرية)

مُصاب: شيل معايا.. ساعدني.. مش ها أقــدر أكمـّـل لوحدي..

يوسف : إنت شايل إيه..؟

(حركة إضاءة مـُـتغيـّـرة، يختفي " مـُـصاب 3 " ويظهر  " حافظ  " وهو يحمل كومة الأعضاء البشرية)

حـافـظ : ( مـُـستمراً في استخدام الصوت الداخلي.. يـُعـدد ما يحمله) ده دراع واحد كان بيحلم يطول القمر، وده قميص عليه دم ابن عمي، لسه فيه ريحته وعرقه طول النهار وهو بيجري ورا اللقمة، ودي رجل راجل عجوز فضل يحاول بيها العمر كله عشان يعدي البر التاني، ويوم ما قـرّب يقدر اتقطعت، وده كف بنت كانت بتشاور ناحية الطريق، ودي شنطــة عيـّـــل صـُغـيّـر كان راجع من المدرسة ( يـُردد كالتلاميذ) ألف أرنب ينط ويلعب.. باء بطة تعوم في الميه.. تاء تفاحة ناكلها هم.. كان لسه بيتعلم حروف الكلام،  ودي خوذة عسكري مات من غير ما يعرف هو مات ليه ولا مين اللي موته، ودي حته من جلابية راجل فلاح ساب زرعتة وجه يدوّر علي كرامته ( مـُـنهمراً في تعداد الأشياء) ودي ساعة أخويا.. ودي سبحة شيخ، وده صليب قـسيــس، ودي عيون ست كبيرة كانت جايه تدوّر علي ولادها، تلاقيها دلوقتي مش قادرة تعيـّـط عليهم،.. يا تري مين اللي هايعـيـّـط عليهم وعلينا.. كلها حاجات لميتها م الشوارع والميادين، ومـــــاشي بيها يمكن أهاليهم لو شافوها يتعرفوا عليهم؟!

 ( يظهر " مُصاب" مرة أخري، يتناول كومة الأعضاء من " حافظ  "، يمد يده بها إلي الجمهور دون أن يقترب منهم

مُصاب: حد منكم يعرف الناس دي..؟

 ( يختفي " مصاب 3 بينما يعود " حافظ " إلي مكانه )

يوسف : ( صارخاً) إحنا فين هنا.. أرجوكم حد يفهمني ( ثم بالصوت الداخلي) انفتح عــُـمري علي الحقيقة.. إنها مُذهلة ومُـروّعة، لأول مـرّة أشعر بكل هذا الخجل.. لماذا هربت..؟! لماذا استبدلت الناس والأماكن والأفكــار بأكوام القمامة وشواهد القبور وصمت الموتي.. اعترف بالجـُـبن.. بالتخاذل.. اعترف بالعار.. أعترف بأنني عـِشت خارج الدنيا.. انهار الآن حائط الخوف الذي كنت احتمي به، انكشف الآن ظهري وتعـريّـت.

( يقترب أحد المُصابين " منصور وهو شاب في منتصف العقد الثالث من العمر، يقترب من " يوسف يمد له يده..)

منصور : تعالي معايا.. أنا اسمي منصور.. 

يوسف : ها توديني فين..؟! أنا مش شايف قــُـدامي ولا شايف أي حاجه..

منصور : الحال من بعضه.. أنا كمان رجليـّا متصابه ويادوب  ماشي بالعافيه..

يوسف : طب اتسنـّـد عليـّـا ووريـّـنا السكة منين..

( يتجهــــان للخروج، حركة إضاءة مـُتغيـّـرة، إضاءة علي " حافظ " وهو يفتح صندوقه القديم لـيــُخـرج الملفات منه مـُـنظفاً التـُراب من فوقها..)

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) الموتي بشر طيبون، انكسرت شوكتهم، لم تعـُـد لهم إرادة ولا صوت.. الموتي لا يثورون..هكذا علمونا وهكذا نعرف.. هـُم فقط ينتظرون الرحمة.. مثلهم انتظر هنا.. إما أن يأتيني الموت أو تأتيني الرحمة..

( تضيق البؤرة الضوئية علي " حافظ " وهو يحمل الملفات بين يديه، ثم إظلام فــُجائي)

ــ 4 ــ

( مفترق الطــُـرق)

( إضاءة خافتة، يظهر " حافظ " مـُنهمكاً في الكتابة علي ضوء الفانوس)

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) اليوم تصل العربة إلي نهاية الشوط، لم تبق إلا خطوات قليلة علي مفترق الطرق، الخيول التي تجرها أنهكـتها الرحلة، خط الشيب في أعمارها، ودب السوس في حوافرها.. تمزقت جلودها وخارت قواها.. لم يعـُـد يـُجدي العناد.. اليوم تأتي خيول نهارية جديدة لتختار الطريق.

( وقـــــع أقدام ثقيلة، يتوقف حـافـظ عن الكتابة، يرفع رأسه إليها، يقف مـُرتعداً، يظهر كما لو كانت هناك قـوّة تجذبه بعـُنف..)

حـافـظ : ( بصوته العادي ذلك الذي نسمعه ونراه) كفايه بقي ماعدتش قادر، أنا مش ها كتب غير اللي أنا شايفه.. شيل اللي انت جاي بيه ده وابعد عني ( ثم مـُحاولاً تهدئة الشخص الوهمي) أرجــوك بلاش عنف.. اللي بيننا حدوتة، اختلفنــــا عـلي تفـاصيلها أو اتفقنا فده مايديكش الحق إنك تضطهدني بأكاذيبك.. ( يجري " حافظ " ليختطف دفتره مـُـقلبا صفحاته بجنون) الكذب هنا بقي أكبر من الحقيقة.. لأ دا بقي هـوّه الحقيقة، بقي زي مخلوق ضخم وشكله جميل، عيونه ملـوّنه وكلامه ناعم بيتسرسب جـوّه الودان ويملاها بالسم، بقي بحر كبير ساكن جواه ييجي مليون نداهه، والحقيقة بقت مخلوق مـُـشـوّه، بشع، أنيابه طويلة وضوافره مليانه عقارب وبوم، قلبه مخنوق وعيونه بتبكي وجسمه بيشلب دم.. مخلوق مطرود وهربان في بلاد الله الواسعة، لا حد يعرف طريقه ولا حد يتمني مـُـقابلته.. كفايه لغاية كده، ماعدش فـ عــُـمري مكان لكذبة جديدة..

( يعود " حـافـظ " لمكانه، يـُحاول الكتابة فلا يستطيع، يدخل " نقرزان " حاملاً معه كتاباً قديماً..)

نقرزان : ( مـُـعاتباً) أنـا شـُـفتك يا عم حافظ.. شـُـفتك وانت بتتكلم.. والله العظيم ما بقيت فاهمك.. يعني انت كنت بتضحك علينا العـُـمر ده كله وعامل أخرس..

حـافـظ : نقرزان يا ابني أنا..

نقرزان : مش ها أصدقك.. شكلك كذبة كبيرة يا عم حافظ، أنا اعتبرتك أبويا اللي ماشوفتوش، الشجرة اللي بتضلل من حر الشمس وتدفيّ من برد الدنيا.. لحظة الأمان اللي بتسند عليها، طلعت لحظة خوف وقلق ووجع.. ( صارخاً) ضحكت علينا وإحنا عمرنا ما ضحكنا عليك.. إنت مين يا عم حافظ؟!

حـافـظ : ( بانكسار) أنا بني آدم غلبان، عمري ما قدرت أدافع عن نفسي، لفيت كتير وشـُـفت ناس أشكال وألوان، شـُـفت حاجات حلوة كتير، وشـُـفت حاجات وحشه أكتر، قابلت ملوك ورؤساء وقياصرة وسلاطين، وعشت مع فـُــقرا وغلابه وشحاتين، شـُـفت الشمس وهيه بتطلع علي أول يوم خلقه ربنا، وبرضه هاشوفها وهيـّه بترحل عن آخر يوم ها تعيشه الدنيا، أنا الكذب والحقيقة، القاتل واللي اتقتل، الحبيب والمحبوبة، الوفاء والخيانة، الحرب والجنود، النصر والهزيمة، أنا الثورة والثوار، أنا اللي شايف كل حاجه، وأنا برضه اللي مش شايف حاجه أبداً.

نقرزان : (مـُتعجباً) ما هو أنا مش بسألك عشان تلخبطني.. إيه كل الحاجات اللي بتقول عليها دي.. مدينة نصر والجيزة، بولاق الدكرور والعجوزرة، فاكر نفسك رجل المستحيل.. إنت بتبصلي كده ليه.. كلمني علي أدي وبلاش اللفة الطويلة دي.. سؤالي واضح وبسيط : إنت مين؟!

حـافـظ : قلت لك اللي أعرفه، بجد يا ابني أنا معرفش بالظبط أنا مين.. يمكن إنت اللي تقدر تعرف..

نقرزان : (ساخراً) ولمـّا أعرف ابقي أقول لك مش كده..؟! بـُص يا عم حافـــــــظ، من فترة كده لقيت الكتاب ده، ( يفتحه) بضــرب بعيني كده قمت لقيت صورتك جـوّاه.. استهجيت الحروف وقريت، لقيتك متصـوّر الصورة دي سنة 1805، في اليوم اللي مسك فيه محمد علي حـُكم مصر زي ما هـوّه مكتوب، بعد الصورة دي بييجي عشرين تلاتين صفحة، لقيت صور تانية وتالته، أفهم بقي.. إنت إيه اللي وداك هناك..؟

 ( صوت طلق ناري، تدخل " ضـُـحي وهي تجري، إضاءة مـُتغيـّرة..)

حـافـظ : ( مـُندهشاً) ضـُحي.. 

ضـُـحي : ( خائفة) أرجوكم خبوني عندكم..

حـافـظ : مين اللي بيجري وراكي يا بنتي..؟!

ضـُـحي : ناس كتير مش عارفه عددهم بالظبط، معاهم بنادق وشوم، سنج ومطاوي، مش عارفه ها يعملوا بكل الحاجات دي إيه، ما كفايه حاجه منهم ها تمـوّتني وخلاص..

نقرزان : ( وهو ينظر للخارج) متخافيش.. دول مشيوا من الناحية التانية، إنتي علي طول كده، إما هربانه وإما مرميه في الزبالة..!

ضـُـحي : مرمية في الزبالة.. الملافظ سعد يا أخي..

نقرزان : أنا آسف، بس ها أجيبه منين السعد ده، لو تسمعوا كلامي وتعاملوني علي إني كلب ماكنش حـد ها يزعل مني..

ضـُـحي : إيه يا عم حافظ، أفـــهـــم إزاي البني آدم ده إنه مش كلب.. ( لنقرزان) قولتلي اسمك إيه..؟

نقرزان : نقرزان..

ضـُـحي : والله العظيم انت بني أدم يا.. يا إيه..

نقرزان : نقرزان برضه.. أنا مستغربكم انتوا الاتنين.. عم حافظ كل الدنيا عارفاه، حتي من غير ما ينطق بكلمة، وهـوّه برضه يعرف كل الناس ( ساخراً) بس مايعرفش نفسه.. ( لـ " ضـُحي ") وانتي كمان.. كلنا نعرفك بس انتي ماتعرفيناش، زي ما تكوني مصممة إنك ماتعرفيناش!!

ضـُـحي : ( بالصوت الداخلي) ربما أخطأت لكنني لم أكن أعرفه بالفعل.

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) كان يـُجهد نفسه في الظهور لكنها لم تكن تراه.. كان يتعذب لكنها أبداً لم تشعر بعذابه 

نقرزان : ( بالصــــــوت الداخلي) أشعر أن الجميع يحتقرني.. ( ساخراً) ولكن .. هل بإمكاني أن أغضب من ذلك ..؟ غالب الأمر أنني أحتقر نفسي أيضاً ..

ضـُـحي : ( بصوتها العادي) أنا آسفه..

نقرزان :  إسمي نقرزان..

ضـُـحي : أنا آسفه يا نقرزان مش قصدي بس.... ( تـُغـيــّر الموضوع) باقول إيه هـوّه فين صاحبك..

نقرزان : اسمه يوسف..

ضـُـحي : هـوّه فين..؟

نقرزان : بيدوّر عليكي..

ضـُـحي : في أنهي مكان..؟

نقرزان : في كل مكان.. ع البحر وفي النيل، في المساجد والكنايس والمعابد، في الغيطان والصحرا، في الشوارع والبيوت.. هنا وهناك، في بلاد بـرّه وفي بلاد جـوّه..

ضـُـحي : بقاله كتير..؟

نقرزان : من زمان ومن دلوقتي، من بـُـكـره ومن بعده.. الحلم إنه يلاقيكي، وماحدش عارف إذا كان ده ها يحصل والا لأ.. ( تتركز بؤرة ضوئية علي " نقرزان الذي ينهمر في الحكي..) أنا كمان بادوّر عليكي من أيام ما كــُـنت عايش في أوضه بسقـف خشب قــُـدام سوق العبور، كنت باقضـي نـُـص اليوم أدوّر عليكي، وفي النص التاني بجمـّع حبايات الفاكهة والخضار اللي كانت بتقع من الشيالين في السوق، كنت بافرح قوي لمـّـا أشوف عربية جايه محملة، كنت باحس إن جوعي ليه آخر وإن تعبي طول النهار أخرته أكلة حلوة، أو قرشين أبيع بيهم اللي لميته.. 

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) الفقر حدوتة لتسلية الأغنياء وهم يجمعون ثرواتهم..

نقرزان :.. التـُجار سابوني.. عصفور صـُغيـّـر بيلقط رزقه من الفتافيت اللي بتتحشر بين سنانهم، وفـ يوم خدني واحد منهم وشغلني عنده صبي، وفـ وقت الراحة بتاعي كان بيبعتني فيلته أحمي له الكلاب.. 

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) كان نقرزان يـُـدرك أنه يقع، وكانت كل حركة مقاومة منه تعني الدخول أكثر إلي قلب اللعبة.. لعبة الأغنياء الذين صنعوا بغناهم كــُـفر الفقراء..

نقرزان : وفي يوم جه ابنه الصـُغيـّـر يلعب معايا أنا والكلاب، قام المعلم ضربني ضرب ماشوفتوش طول عمري، وقال لي : إزاي يا حيوان تلعب مع سيدك، انت نسيت نفسك والا إيه، انت يادوبك كلب من الكلاب.. وقبل ما تنشف دموعي كانوا ادوني ختم علي قفايا بإني كلب.. والراجل وابنه وعيلتهم وجيرانهم وجيرة الجيرة ماسابونيش يوميها إلا لمـّـا هوهوّت بصوت عالي، ومشيت قدامهم مـُـرابعة.. وفي آخر اليوم حطوا في إيدي عشرة جنيه، وقالوا لي ياللا علي أمك.. الموضوع اتحـوّل للعبة، بقيت كل ما أشوف الراجل أو ابنه أو حد من جيرانه انحني بسرعة، وامشي علي رجليه وإيديه وأهوهو، وأمي تفرح بالعشرة جنيه، لغاية ما جه يـوم ماقـدرتش أرفع ضهــــري، بقيت كلب بجد.. هو .. هوهو.. هو .. ( تتسع البؤرة الضوئية.. " ضـُحي " اختفت، مازال " نقرزان " سارحاً في حكايته) عرفتي إزاي بقيت كلب، واتأكدتي إني طول عـُـمري بادوّر عليكي؟ 

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) الفقراء ليس لهم اختيار، رغم أن الله منحهم العقل، بينما الأغنياء لهم الدنيا، فقد منحهم الله الثروة، ومنحوا هم أنفسهم الجشع والجبروت فأورثونا مخافة الذل فذللنا.

( يكـتشف " نقرزان " أنه بمفرده، يبحث عنها في جميع الاتجاهات فلا يجدها، يــُطأطيء رأسه في بـُـطـء وينحني علي الأرض مـُتخذاً وضعية الكلب.. إظلام تدريجي..)

ــ 5 ــ

( لعبة التنكر والمحاكمة)

( فضاء غير مـُحـدد، الإضاءة هي التي تــُحدد تفاصيله الرئيسية، يظهر يوسف آتيـاً من العــُمق)

يوسف : ( بالصوت الداخلي) كأنها غير موجودة، بحثت عنها في كل الدنيا، قال من رآها أنها فقـــــدت كثيراً من بهائها، لم تعد لها تلك الرهبة، إنها تحتاج لمن يعيد حفـر ملامحها، لمن يـُـزيل التـُـراب عن جـــــسدها، كي يظهــر حـُـسنها القديم ( تبدأ هنا لعبة الاختفاء والتنكر، حيث تظهر " ضـُحي " وتختفي، بينما يـُحاول يوسف اللحاق بها.. فقط نستمع إلي ضحكـاتها العالية، ثم بصــوت يوسف العادي) ضـُحي.. ليه كل ما بالمحك بترجعي تضيعي تاني، تعبت، نفسي انقطع وحيلي اتهد، لو مش عاوزاني قولي لي، وماتسيبينيش واقف في النـُـص كده لا طايل سما ولا طايل أرض..

 ( " ضـُحي " تواصل ظهورها واختفاءها، يظهر الجميع : " نقرزان، ندي، منصور " من أماكن مختلفة، يـُحيطون بها، يـُلقون عليها وروداً، شيلان بيضاء، حمراء، سوداء.. مازالت ضحكاتهــا تتعالي..)

نقرزان : لا طايل أبقي بني آدم ولا طايل أبقي كلب!!

منصور : مانكرش إني بحبك.. وبرضه باحس في لحظات تانيه إني بكرهك..

نــــدي : ليه كل حاجه حلوة بتديها لغـيـرنا..؟ أنا اديتك اللي أقدر عليه، ومستعدة أديكي أكتر.. 

 ( يدخل إناس آخرون، تتصاعد الأصوات، تـُشكل انفجاراً صوتيـــــاً، تصرخ " ضـُحي تقع علي الأرض، يبتعد الجميع.. فقط يبـقي " يوسف " مـُـنكسراً، يظهر " حافظ " في مكانٍ مرتفع.. المشهد يوحي بأجواء المحاكمة..)

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) كانت اللحظة مـُـذهلة، كانت تقـف في عنفوان وقـوّة بينما كان جسدها هدفاً مـُـباحاً للغزو، التف حولها الجميع، منافقون وأبرياء، قتلة وعـُـشاق، مخلصون وأعداء.. 

 ( تتواجه " ضـُحي ويوسف بينما يـُـعاود الجميع الانتشار من حولهـما في دائرة يتخذون فيها جميعاً وضعية الأجنة..)

يوسف : فاكراني..؟

ضـُـحي : كنت لسه في سيرتك ..

يوسف : في المستشفي قالوا لي إن جروحك كتير..

ضـُـحي : ياريتها تيجي بس علي قد الجروح.. أنا آسفه إني بهدلتك معايا..

يوسف : ( حالماً) فاكره أيام الجامعة، ماكـُناش بنفارق بعض، كانوا كــُـل زمايلنا بيحسدونا، ويوم ما قررنا نرتبط اتلموا كلهم حوالينا، أسامة عزمنا علي الغدا، وسارة قدمت لينا بوكيه ورد، ودعاء جابت لنا دبلتيــن، فاكره يوميها جمال غنا لنا إيه.. كان حاضن عوده وبيقول..

ضـُـحي : ( مـُقاطعة) أستاذ يوسف أرجوك ماتسرحش بخيالك، أنا حقيقي مـُـتعاطفة معاك، بس أنا فعلاً ماتعرفتش عليك غير النهارده..

يوسف : (مـُنفعلاً) إنتي ليه غاويه تعذبيني، عـُمرك ما اعترفتي بيـّا ولا حبتيني زي ما حبيتك، إنتي كده دايماً بتنسي اللي بيحـبك ويقدرك وبتجري ورا اللي بيخدعك، ورا اللي بيقولك إنك جميلة وماحصلتيش وكل حاجه فيكي زي الفـُــل، مش ورا اللي بيصارحك بعيوبك عشان تبقي أجمل.. 

نقرزان : فاكره أول مرة قلتلك فيها إني بحبك؟!

يوسف : فاكـــرة لمّا قـُلت رأيي فيكي بصراحة حصلي إيه؟! اتهموني بإني شيوعي، وخـُـد عندك بقي، شلاليت ولكاكيم واقسام وإوض ضلمه.. ولاد الحلال ساعتها قالوا لي مفيش غير حل واحد يطلعك م الأزمة دي.. تطـوّل دقنك وتدروّش وتشيلك سبحة طويلة قد ألف حباية، وفعلاً اتدروشت..

منصور : فـــاكـرة لمّـا رسمت لك سهم وقلب وشوية عصافير بتغني..

يوسف :  ( ساخراً) رجعوا برضوا خدوني، واتهموني المـرّة دي بإني جماعات إسلامية، وخـُد عندك تاني، خوازيق ومسامير وكلاب سعرانة.. ولاد الحلال ماسابونيش برضه، جولي تاني وقالوا لي مابدهاش بقي، انت تطـوّل شعرك وتمضغ لبانة وتسقط البنطلون وتقف ع النواصي تعاكس بنات طول النهار، وبالليل عيش بقي يا معلم، وقضيها برشام وحـُقن وبانجو م اللي قلبك يحبه.. وبرضه اتمسكت، بس المـرّة دي كانت غريبة شويه، بصراحة الناس اختلفوا ع التهمة، دعارة والا مخـدرات .. وفـ عز الخناقة جالهم راجل كبير جداً، جزمته الميري تيجي بمتين واحــــــد منهم، وقال لهم يا أغبيا، ده مش شيوعي ولا جمــاعات ولا بتاع نسوان، ده راجل غلبان وطيـّــب، سيبوه يخرج ( لحظة صمت) استغربت قوي، يعني محدش ضربني ولا دخلني فـ..، ولا حط عصاية فـ..، ولا لبسني..، مفيش حاجة خالص.. خرجت أجري في الشوارع وأنا باصرخ م الفرحة.. الغــريب في الأمر إن محدش شاف صراخي ولا فرحتي، ولمـّـا روّحت لأهلي ماعرفونيش..

نقرزان : لو تقدر تهرب اهرب.. ها تروح فين، هنا غـُـربة وهناك غـُـربة..

يوسف : رجعت قسم الشرطة أجري، قالوا لي عايز إيه، إحنا ماشـُـفـناكش قبل كده، قــُـلت لهم طب ادوني بطاقة أو جواز سفر.. أي ورقة تثبت إن أنا موجود، قالوا لي يا ابني اسمك مش موجود عندنا في أي سجل من السجلات الحكومية، انت بالنسبة ليـنـا ماتـوّلدتش ولا جيت الـدُنيا من أصله عشان نديك بطاقة، شكلك ساقط قيد .. امشي يا ساقط .. أنا..أنا مش ساقط، أنا موجود.. أرجوكم ماحـــــدش يعاملني علي إني هوا، أنا مش هوا.. مش هوا.. أنا.. أنا هوا!! 

نقرزان : أنا هوا!!

منصور : أنا هوا!!

نـــــدي : أنا هوا!!

( تتكــــــــرر الجــمــلـــة بــإيــقــاع متصاعد إلي أن يقطعها " يوسف "..)

يوسف : أما صحيح أنا بني آدم غــبي، إزاي بعد ده كــُـله باطلب منك تعرفيني.. ( بحسرة) اعذريني، كان عندي أمل لو الدنيا كــُـلها أنكرتني، انتي بالذات ماتنكرينيش.

ضـُـحي : خلصت.. قــُـلت كل اللي عندك.. رميت همومك عليـّـا، استريـّحت؟!

يـوسف : أيوه استريـّحـت.

ضـُـحي : ها ترجع تتعذب تاني لو قــُـلت لك إني برضه ماعرفكش، احتمال تكون فعلاً عديت في حياتي، كلمتني في يوم من الأيام، سهرنا مع بعض في مكان، ويمكن أكون كمان عرفتك بجد، وبعد كده نسيتك في زحمة الدُنيا.. مش عارفه.

يوسف : ياما وقفت علي بابك..

ضـُـحي : طب ليه ماعديتش الأسوار..؟!

يوسف : حـُراسك كانوا بيمنعوني..

ضـُـحي : كــُـنت اصرخ.. 

يوسف : صوتهم دايماً كان أعلي من صوتي..

ضـُـحي : قاوم..

يوسف : ماقدرتش.. قطعوا لساني، وربطوا إيدي، وغموا عينيـّا، وانتي هناك في دنيا تانيه.. دنيا مزوقينهالك من بـرّه وملونينها بكل ألوان الطيف..

ضـُـحي : طب كــُـنت قــُـلت لي!!

يوسف : ده انتي حتي ماكلفتيش نفسك تمدي إيدكي جـوّه الزواق وتشوفي العفـن اللي ساكن فيه..

ضـُـحي : ( ثم بالصوت الداخلي) الألوان لمـّـا بتكتر بتزغلل العين، بتخلي القلب مش قادر يفرق بين اللون الطبيعي وبين الزواق، الورد كان مالي المكان، والطيور بترسم بجناحاتها بدل الغنوة عشرة، والفراش بيلـوّن الدنيا ويعطرها.. ( بتون صوت آخر يميل للانفعال) إزاي ماقدرتش أحس إن ده كله ربيع صناعي.. أنا .. أنا آسفه..

يوسف : ياريت كان ينفع الأسف.. الدنيا خلاص بتضلـّـم، الشمس بتروّح، واللي جاي ليل ربنا واحده العالم إيه اللي ها يجرا فيه.

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) غداً أزمة جديدة، عندما تتعقد الأمور يـُصبح ذلك هو المبدأ، رُبما كانت ضـُحي تـُـريد رجلاً أذكي كي يـُـشبع عـقـلها، وأقوي كي يستطيع حراستها وإرواء عطشها.

( تخـرج " ضـُحي الجميع يترقبها في صمت حتي تختفي.. يـُــوجــــــه الجميع نظرهم إلي الاتجاه الذي خرجت منه..) 

يوسف : حاسبي..

نقرزان : ( بنفس اللهفة) الـدُنيا ضلمه..

منصور : والحرامية ماليين الطريق..

نـــــدي : واللي بيكره أكتر م اللي بيحب ..

يوسف : ( بلهفة مـُتزايدة) شايفين اللي أنا شايفه..؟

الجميع : فيه إيه..؟!

يوسف : ضـُحي داخله علي نفق ضلمه..

منصور : مش قادر أشوف كويـّـس.. ( وهو يجري خارجاً) أنا ها ألحقها..

الجميع : منصور..

يوسف : مش قادر أتحرك..

نــــدي : حاول.

نقرزان : حاو .. حاو .. ول ( وهو ينحني علي الأرض) هو .. هو .. هو هو .. هو..

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) في آخر كل طريق توجد حـُجرة سفلية ومـُظلمة وغارقة في الكراهية، يجتمع فيها الحـُـرّاس دوماً، ليـُـمارسوا بعضاً من عاداتهم السرية القـذرة ( ثم بأداء إيقاعي مـُـنغم) القتل.. السرقة.. الحرق.. النفي... الغدر.. الرجم.. الجلد.. الذبح.. الضرب.. السحل.. الكي.. السلخ.. السجن.. القهر.. العهر.. القبح.. التضليل.. التعتيم.. التخوين.. التكدير.. التجويع.. التسويف.. التشهير.. التكفير..

( يـُـعيد " حافظ " ترديد ذلك بشكل مختلط ومتصاعد، بينما  يتجـمــــد الجميع علي وضعية النظر في الاتجاه الذي خرجت منه " ضـُحي " و " منصور ".. إظلام تدريجي..) 

ــ 6 ــ

( كوميديا الأحذية

( عبر تقنية المسرح الأسود، نري مجموعة من المسئولين يظهرون كالأشباح داخل فضاء حجرتهم السرية، أهم ملمح يظهر منهم بوضوح أحذيتهم، التي تتفاوت في أحجامها وأشكالها المخيفة وحركتها الثابتة تارة، والمرتعشة تارات أخري..)

مسئول1 : ها نبيعها إمتي..؟

مسئول2 : أول ما نحـِس إن مصالحنا بتتهدد..

مسئول3 : ماتنسوش إن هيـّـه أمنا، وخيرها أبونا وعمنا..

مسئول: (ضاحكاً بسخرية) ازرع الشر يقلعك.. بينا نلحق نخـرّطها للوز قبل ما تخـرّطنا للكتاكيت!!

المسئولة : بقول إيه ما تيجوا في الأول نغيـّـر الكراسي، يمكن الكتاكيت تحس بتغييـر وتهمد شويه..

منصور : ( بصوت يظهر كما لو كان آتياً من خارج المشهد) مش قادر..

 (حركة فوضي مع لحظة إضاءة مـُتـغـيـّـرة، يتبادل الجميع الكراسي، ثم يلتفون حول تورتة كبيرة ويـُقسمونها..)

مسئول: مفيش فايدة من تغيير الكراسي دي عالم بقر يابا، أنا باقترح نهرب ونسيبهالهم ينعـرّوا فيها.. ( بتون صوت آخر) اتفضل حتة تورتة.

المسئولة : ونسيبها تخرب.. ( بتون آخر) أنا عايزة حتتي بالكريمة..

مسئول4 : (بسخرية) ما هي ها تخرب أكتر لو قعدنا فيها.. زوّد الشيكولاتة شويه، ماتبقاش بخيل..

مسئول: وها نعمل إيه في الفلوس والدهب والآثارات .. إديني شوكة لو سمحت..

مسئول2 : حمّـل وإجري، الجـِراب ياما يساع.. سيبلي الفـُزدقة دي..

منصور : حرام عليكوا..

مسئول: اللي مضايقني وعامل لي كالو في نافوخي إني مش ها أعرف آخد الفـلل بتاعتي وكرسي الوزارة، دنا منجد أمه بالألماظات .. دوقني كريزاية كده 

المسئولة : عشان كده بيقولوا عليكوا فاسدين، آه منكم يا وحشين ( وهي تأكل) إيه الطعامة دي، التورتاية هاتاخد من بـُـقي حتة..

مسئول: اسم الله عليكِ يا ست خضرة يا شريفة، فاسدين إيه يا قـُـطة، ماتفتحيش يا ختي صوتك علينا قوي كده..

منصور : ارحموني بقي..

المسئولة : ( مـُـدافعة) أنا ماســــرقتش أكتر من تلاتين مليار بس، هاتشلقولي والا إيه ..؟ دي ماكنــتش كلمة دي .. ( وهي تناوله) خـُـد استطعم دي كده وانساني.. 

مسئول: هاتي ياختي، ومن غير ما أقول هم يا جمل، أوعي تكوني باصة ع السبع تلاف فدان والكام بنك وشوية الشركات والقري السياحية اللي عندي، دول ولامحصلين ولا مدبقين.. أنا عايز أحدق بقي.

مسئول3 : حسرة عليـّـا أنا محلتيش غير مرتبي، 3 مليون ملطوش أول كل شهر، يعني بالمـُـخـتصر شحات.. إلحسوا صوابعكوا بقي هيه دي الســُـنة..

منصور : كفاية كده..

( حركة ضوئية، صوتية متغيرة، هرج ومرج يسود الجميع..)

المسئولة : إيه ده، نويتو خلاص، طب خلصوني بسرعة..

مسئول1 : أنا عايز أعمل الأول... أنا جاي قبلكوا كلكوا ماتهزروش ..

مسئول3 : بشويش يا جماعة، بالعقل، كلنا ها نعمل..

مسئول2 : الحاجات دي مبتتأجلش، وأنا مش قادر أصبر.. 

مسئول1 : مش ها ينفع نعمل كلنا في وقت واحد..

مسئول3 : (صارخاً) اللي واقف في وشي يوسع..

منصور : هافطس تحت رجليكوا ياولاد الكلب

المسئولة : متسربعين علي إيه كل واحد يستني دوره..

مسئول4 : ريحة النشادر خنقت المكان مش قادر استحمل ..

 ( حركة صوتية، ضوئية متغيرة، يختفي المسئولون الخمسة، بينما يظهر " منصور " غاضباً وهو يمسح جسده من المياه التي علقت به)

منصور : كفايه بقي، خنقتوني الله يخرب بيوتكم، إحنا في دورة ميه مش في البرلمان ولا الوزارة، عمال أصرخ م الصبح تحتيكم ولا انتوا حاسين بيـّـا، حلـفـتـلكم علي المصحف والإنجيل والتوراة إني بني آدم مش مكتب، ولا حتي تورتاية ولا مبولة، وإنتوا مفيش فايدة بلدوزارات واخدة فـ وشها ومقلعة، عملتوها عليـّـا يا ولاد الكلب، أعمل أنا إيه دلوقتي في الروايح اللي خارجة من كل حتة فيـّـا دي؟!

( يـُـنظف " منصور " نفسه وملابسه، يظهر صوت خطوات ثقيلة تهبط درجات سلم دورة المياه، يظهر حذاء الجاويش الميري في أول الأمر، ثم يظهر الجاويش بعد ذلك.. يـُـفاجأ بابنه " منصور ").. 

منصور : ( مـُندهشاً) بابا..

الجاويش : ( غاضباً) برضه خرجت وكسـّـرت كلامي يا منصور..

منصور : بابا أنا كنت..

الجاويش : كنت إيه يا منصور.. إنت مش عارف مصلحتك، العيال دي هرشت مخك.. الله يخرب بيت الفيس بوك ع اللي عملوه، هو الفيس زفت ده والعيال اللي قاعدين جواه مالهومش كبير..

منصور : أرجوك يا بابا، العيال دي فاهمة حقوقها وواجباتها كويس.. 

الجاويش : وإيش عرفكم إنتم بأي حاجة، انتوا كفاية عليكم تاكلوا وتشربوا وتتعلموا وخلاص..

منصور : زينا زي البهايم يعني ( بالصوت الداخلي) الجهل نعمة والوعي دوامة لعينة ما أن تدخل إليها حتي تصاب بكل أمراض الدنيا، ليتنا كــُـنا بهائم، كــُـنا أرحنا واسترحنا، ماذا يـُـريد منـّـا الآباء، أن نشبههم.. لم يخلق الله لغة التشابه، خلقناها وسويناها نحن، الله ليس ماكينة تصنع البشر بلمسة زر، لقد رزقنا الله رأياً، فلما نقتله، إنه لم يمنحنا رزيلة القتل..

الجاويش : انت بتبرطم بتقول إيه ..؟! قسماً بالله العظيم يا منصور لو شفتك بره البيت تاني في الأيام السودة دي ماني ضربك إلا بالجزمة ( يـُـحاول " منصور " الخروج) علي فين .. ؟!

منصور : ماشي..

الجاويش : عارف إنك ماشي .. أنا بسألك علي فين .. ؟

منصور : ( بتردد) علي.. علي أول الطريق اللي ها يوصلنا لبـُـكره.. 

الجاويش : ( مُنفعلاً) مفيش طريق، مفيش بكره، مفيش أي حاجة... ع البيت دوغري، مش عايز فضايح ولا عايز أسمع كلمة ناقصة من حد، والا عاوزهم يقولوا الشاويش سليمان ماعرفشي يربي ابنه ( لنفسه) دا إيه المصيبة السودة دي ( بالصوت الداخلي) هؤلاء الأبناء ملاعين، يظنون أنهم يفهمون الدنيا أكثر منا  ( ضاحكاً بسخرية) لابد من كسر أنوفهم وتحطيم رؤوسهم الفارغة وإخافتهم برفع الأحذية.

 ( يضيء " حافظ " مصباحه، ويظهر في خلفية المشهد، يظهر وكأنـه يواجه الجاويش في تحـدٍ ظاهر، برغم المسافة التي تفصلهما)

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) الأبناء خلقهم الله للمستقبل، وخلقنا نحن للحاضر .. نحن لا نعرف عنهم شيئاً حتي نهددهم برفع الأحذية.. إننا نستحق الرثاء وهم يعلمون، بينما هم يستحقون المديح وهم لا يطلبون.. هذه البلاد لا تعرف شيئاً عن أبنائها.. إنها تزرعهم في الوحل، بينما هم يرتقون الدرجات إلي النور.. 

( يختفي " حافظ ".. يعود الجاويش لضحكاته الساخرة بدرجة صوتية أعلي، يـُـحاول بها إخفاء رعشة خوف سرت في كيانه.. إظلام تدريجي)

ــ 7 ــ

( حوار مع رجل ميت)

( شوارع جانبية ضيقة.. أصوات لبعض كلمات الهتافات السابقة مـُـتـــداخلة بشكل يصعب فصله، تدخل " ضــُحي " منهكة القوي، تجلس بجوار أحد الحوائط، تسند رأسها عليه في استرخاء

ضُــحي : ( لنفسها بالصوت الداخلي) الكذب.. لم أعهد نبياً يكذب، علمتنا وسائل الإعلام وخصيان من يحكم أن من يحكم.. نبي أرسلته العناية المركزة إلينا، رجل مـُـفلتر، مُـعقم، لا يمسسه الباطل من خلفه ولا من أمامه، جاء إلينا وتحت جناحيه كتالوجاً بأسماءه الفـُـضلي لنناديه بها، اليوم نكتشف الكذبة، كذبة الخصيان الذين صنعـــــــوا الحاكم وعقموه وقطّعوه وفتـتـوه وأرسلوه إلي شعــبه مُعلباً.. هم لم يعرفوا لأنهم باعوا رؤوسهم، إن تاريخ الصــــلاحية قد انتهي وآن وقت إعدام العبوة (بصوتها العادي) اللي مجنني ومطيـّـر النوم من عيني الناس اللي بتكذب ليل نهار دي ما بتتكسفش، مالهاش أهل يقولولهم عيب كده، يعني الراجل من دول لمـّـا يروّح آخر النهار وعينه تيجي في عين مراته مابيحسش بأي لحظة خجـل، إزاي بيبقي راجل معاها وهو كان من ساعتين بيــــ.. بيكذب، إزاي بيحس بيها ومن ساعتين كان جلده تخين ومابيحسش بأي حاجة، إزاي بيبقي راجل ومش راجل في نفس اليوم ( تلحظ بجوارها شاباً يـُعطي ظهره للجمهور) أنا .. أنا آسفة لو كنت ضايقتك أو دوشتك،  أنا ماعرفش إن فيه حد هنا، أكيد بتستريح شوية من المشوار، البلطجية النهاردة مروّقينا جامد.. والفلول زايطة ع الآخر، طوب وزلط وشوم ورشاشات، ده غير الجمال والبغال والسيوف والكذالك.. ما انت عارف، مش عايزه أفسر في وشك بقي، يعني تشكيلة م اللي قلبك يحبها تقولشي حرب، أنا عن نفسي إتكسعمت النهاردة، مابقاش فـيـّـا حتة سليمة ( للشاب) إنت باصص لفين كده، باصص لفوق ليه.. مستني النجدة تجيلك من فوق .. صح .. والله عندك حق، وحياة ربنا ربنا ماهـيـسيبنـا، ربنا مابيحـبـش البلطجة، ولا الكذب ولا الناس اللي جلودها تخـينـة.. أنا مـُـتـأكده لمـّـا الواحد بيعوز حاجة بجد من قلبه بتتحقـق له، ربنا مش ممكن يخـزل الملايين دي كلها، لازم يعطيهم الأمان.. ( تون مختلف) أنا كمان طول عـُمري بادوّر ع الأمان.. لفيت الـدُنيا ومالقيتهوش، اتولدت في الصعيد، وطفولتي عـِـشتها في أمريكا وكملتها في أوروبا، واتربيت في بلاد الخليج، كان فيه أمان، لكن مش عارفه إحساس الخوف اللي معشش جوايـّـا كان ببجيلي منين..؟! نظرات الناس هناك كانت بتعريني، وكلامهم بيحـرجني، أرضهم ناعمة بس بتشـوّك، كان فيه حتة ضلمه قــُـدامي طول ما أنا ماشيه حاسه إني هادخل جـوّاها وأتوه، حسيـّـت بالأمان لمـّـا دخلت الجامعة هنا، بس أمان كان مليـّـان بالإهانة، أول قلم خدته علي قفايا كان.. كان لمـّـا حبيت بجد.. تاني شلوت كان بسبب أبويا وأمي.. أبويا وأمي بقي اتعرفوا علي بعض في مظاهرات الطلبة اللي كانت بتطالب بمحاكمة المسئولين عن هزيمة 67? واتجوّزوا في مظاهرة 72،  وقتها كانوا بيسألوا مع الملايين : هـوّه إحنا ليه مش بنحارب إسرائيل ونرجـّـع سيناء..؟ تعرف اتجـوّزوا فين ..؟ في الشارع في وسط المظاهرة، كان فيه نــاس بتبكي، وناس بتضحك، وناس بتصرخ.. ياااه.. الدنيا دي عامله زي مثلث كبير، فيه ناس وشوارع وكذب، لمـّـا الكذب بيزيد الناس بتنزل الشوارع، لإن البيوت بتضيـق عليهم وتخنقهم.. تعرف بعد ما اتجوزوا وسافروا ولفوا الدنيا، رجعوا تاني بعد خمس سنين علشان يتطلقوا في نفس الشارع اللي اتجوزوا فيه.. الكلام ده كان سنة 77، أبويا ساعتها كان موافق علي كامب ديفيد، وأمي كانت رفضاها، ورجعت الناس تاني من حواليهم تبكي وتضحك، أما أنا بقي فكنت باصرخ.. أصلي لفيت وراهم بلاد الدنيا، وفي الآخر نسيوني، رمولي شوية فلوس ورموني ، قالولي عيشي حياتك .. انفتحي علي العالم.. اتلطمت من باب لباب ومن إيد لإيد، لغاية ما بقيت كده.. إوعي تكون فاكرني مجنونة عشان باحكيلك، أنا بس مخنوقة وكنت محتاجة حد يسمعني، حد ميعرفنيش، عشان لا يشمت فيـّـا ولا يمصمص شفايفه ويديني نصيحة فارغة.. تعرف إيه هي اللحظة الوحيدة في حياتي اللي لقيت فيها الأمان، لحظة وجودي مع الناس في الشوارع والميادين، يااااااه.. ماتتخيلش كم الدفا والحـُـب والسماحة كان واصل لغاية فين.. جنة.. لقيت أب وأم وأخ وأخت، حسيت بالعـــيـلـه لأول مـرّة.. يوووه.. أنا باحكـيـلـك ليه، ما انـت معانا أهه وعارف، سلام بقي أنا راجعة للناس، باحس برعشة غريبة لمـّـا أبعد عنهم.. برضه بتبص فوق، إيه يا عم عينيك رايحة لغاية فين ( تمد يدها لتهز كتفيه فيقع علي الأرض، تندهش لموته، ثم بالصوت الداخلي) لم أكن أعرف أنني كنت أتحدث مع رجلٍ ميـّـت، ما الفرق بين ما كـُـنا عليه قبل اليوم، وبين ما نأمل أن نصير، لقد كــُـنا جميعاً أموات، أو هكذا كانوا يعتبروننا، لا قيمة لمـّـا يصدر عـنـّـا من أقوال أو أفعال، لقد تفننوا في قتلنا، تارةً بالسم وأخري بالفساد، بالمخدرات، بالخوف، بالاغتصاب، بالفراغ، بالفوضي، بالسرقة، بالتجاهل ( بانفعال مكتوم)  اليـوم نصرخ لا لشيء إلا لكي نقول : نحن مازلنا نعيش.. إما نحن وإما هـُـم.

( تنظر " ضـُحي " إلي الأمام في تحـدٍ.. تخطو خطـوة إلي الأمام.. إظلام تدريجي..)

ــ 8 ــ

( حارس الموتي)

( " حافظ " ســـــارحـاً في خيالاته، وهو يكتب شيئاً باهتمام.. يدخل " نقرزان ")

نقرزان : برضه لسه قاعد بتكتب.. الدنيا من حواليك بتتشقلب في اليوم ييجي ميت مرة، وانت ولا كأنك هنا.. ريـّـحني وجاوبني ع السؤال اللي محيـّـر بالي، وقول لي انت مين يا راجل يا عجوز؟

حـافـظ : تفتكر ها تستريـّـح يعني لو حكيت لك حدوتة وعيطتلك في آخرها، وقلت لك الحدوتة دي أنا، وده اللي حصل لي..؟!

نقرزان : ( بطفولية) إنت بتعاملني ليه كده يا عم حافظ، دا انت الوحيد اللي كـُـلنـا بنعـرّي نفسنا قــُـدامه من غير ما نخاف ولا ننـكسف.

حـافـظ : ماتزعلش مني يا ابني، أنا يادوب حـِتـة حـارس بيحـرُس شويـّـة ميـّـتيـن، هـُمـّـه دول كل أصحابي وأهلي، أعرف عنهم كل حاجة، أساميهم، أنسابهم، عائلاتهم، عاشــــــوا فين، ماتوا ازاي، كانوا سـُـعـدا والا أشقيا.. ( يـُشير لأحد شواهد القبـــور) هــنا مدفون مدحت، وهنا جمال، وهنا ناصر، وهناك جرجس...

نقرزان : ( مــُـنبهاً) عم حافظ..

حـافـظ : ( مـُسترسلاً دون توقف) وهنا عاصم، ودا أيمن، ودا محمد، ودي مريم، ودي بهية، ودي طفلة صـُـغيـّـرة اسمها سارة..

نقرزان : ( مـُقاطعاً دون جدوي) كل ما بتقول انت مين باتوه أكتر..

حـافـظ : ( مـُسترسلاً بنفس الحالة) هنا مفيش مواعيد ولا رسميات ولا تشريفة، هنا البيه زي الباشا زي الغفير، هنا القاتل والمقتول والقاضي مع بعض، هنا الكافر والمؤمن واللي مش في باله..

نقرزان : ( صارخاً) طب إنت مين في كل دول ..؟

حـافـظ : هنا الـدُنيا كلها نايمه جمب بعضها بدون خناقات ولا صراعات ولا مصالح ..

نقرزان : لخبطتني أكتر ما أنا متلخبط..

حـافـظ : ( بحسرة) الكـُـل هنا بدون ألقاب ولا شهادات ولا حسب ولا نسب.. الكل هنا نايم جمب بعضه في سلام..

نقرزان : ( قبل أن يتركه) كفارة يا عم حافظ.. لازم بعد ما ترجعلي من اللفة الطويلة دي أقولك كفارة.. لمـّـا سألتك انت مين مكنش قصدي تـتـوّهني وتنسيني أنا اللي مين.. الله يسامحك يا راجل يا طيب..

( يستدير " نقرزان " ليخرج، يستوقفه " حافظ " الذي يستخرج ملفات الأوراق المدفونة)

حـافـظ : استني يا نقرزان..

نقرزان : إيه تاني يا عم حافظ..

حـافـظ : لمـّـا تضيق بيك الدنيا، وجسمك يخــُـش في بعضه، وتـتـحـشـر جوّه هـدومك.. لما تحـِس إن الهوا من حواليك بيخلص، واللي باقي منه لا قادر يعمل نسمة ولا مكفي يملا صدرك.. لحظتها يبقي الموت نعمة , لكن لو الموت مجاش، بلاد الدنيا مش ها تساعدك، ولا ها تخبيك لو نويت تهرب.. أنا هنا كده، لا قادر أعيش ولا أموت ولا استخبي ولا حتي أهرب!!

نقرزان :  ماتضلمهاش أكتر ما هيه  ضلمة يا عم حـافـظ..

حـافـظ : أنا عايش لليوم ده..

نقرزان : لليوم اللي تضلمها فيه، وتغشلق خالص..

حـافـظ : لأ.. لليوم اللي أقدر أقول فيه لأ من غير ما أخاف.. لليوم اللي أفتح فيه كل ملفات الفساد اللي قاعد أحرسها من سنين زيها زي الميـّـتين..

نقرزان : فيها إيه الملفات دي يا عم حافظ..؟

( مؤثر صوتي مـُـناسب مع تغـيـّـر في مسارات الإضاءة.. يظهر بعدها " حافظ وكأنه أصبح أكثر من شخص .. بانفعالات كثيرة ومتباينة، صوته يتعدد ويـُـصبح أصواتاً مختلفة التونات والنبرات.. )..

حـافـظ : ( بصوت 1 ) فيها كـُــل حـــيـاتــــك.. فيها تعليمك.. ( بصوت 2 ) ألف باء اللي بيعترف بيها المجتمع، مش اللي خلقها ربنا، ألف إسرق، باء بـوّظ، ته تلعب بالفلوس لعب ( بصوت 3 ) فيها زراعتك.. القمح اللي عـُـمره ما بيكفي، الأرض اللي بتبور واللي بتتسرق، واللي بتندفع رشاوي، والفاكهة اللي مابتتكلش، اللي مالهاش لا لون ولا طعم ولا ريحة، اللي مزروعة بمية المجاري، والمبيدات المسرطنة والبلا الأزرق.. ( بصوت 4 ) فيها تاريخك اللي بيتسحب من تحت رجليك حته حته.. إلحق دي حته من تاريخ الفراعنة مسافرة بره، إمسك دا نشيد إخناتون اللي علم البشرية التوحيد، شوفه هربان علي فين، هنا مكان قدم عيسي، وهـنـا كـلم موسي ربنا، وهنا آل البيت عاشوا، الدُنيا كلها عدت علينا وسابتلنا ذكرياتها.. ذكرياتها دي إنت، ومعناها ده معناك.. ( بصوت ( 5 فيها كمان حروبك، مش حروبك اللي بره .. لأ .. دي حـروبك اللي بينك وبين نفسك، اللي بين الأب وابنه، بين الكبير والصغير، بين الغني والفقير، بين اللي هنا واللي هناك، بين الدُنيا والآخرة، بين اللي ينفع واللي ماينفعش، واللي مش نافع خالص.. ( ثم بصوت 1 مرة أخري) فيها صحتك.. مرضك ودواك، والسم اللي بيشربوهولك ليل نهار، مد إيدك بقي وكــُـل رغيف العيش بالزلط، وغمـّـس بشوية الفول اللي السوس جاب داغه، وخـُـد نفس مليان تراب وكــُـح دم.. ماتخافش مش ها تموت .. في الآخر ها يدوك حقنة..

نقرزان : ( مـُـندهشاً) أي.. حقنة..؟!

حـافـظ : ( بنفس الصوت الأخير) يا تتعالج وتخف يا تموت وبرضه ها تخف.. ها تخف الضغط عن البلد، ما إحنا كتير، وبرضة مش ها يرحموك، ها يدفعوا أهلك دم قلبهم، عشان يقدروا ياخدوا جثـتـك ويدفنوها..

نقرزان :  ( صارخاً) كفايه يا عم حافظ.. أنا دوخت

حـافـظ : الصـُـناع في بلدنا..

نقرزان : كفايه.

حـافـظ : التجار....

نقرزان : كفايه.

حـافـظ : بتوع الدين....

نقرزان : كفايه.

حـافـظ : والدنيا....

نقرزان : كفايه.

حـافـظ : والعيشة....

نقرزان : كفايه.

حـافـظ : واللي عايشنها....

نقرزان : كفايه.

حـافـظ : واللي مش قادرين يعيشوها..

نقرزان : ( صارخاً فيه) ما قــُـلنا كفايه.. إيه يا عم حافظ السواد اللي شايله جـوّه قلبك ده؟، يا راجل ده أنا اتنبح صوتي وأنا عمّال أقول لك كفايه.. كفايه.. افرض بقي حد افتكرني من بتوع حركة كفايه.. أروح أنا في أبو نكله، لا فضلت كلب ولا بقيت بني آدم.. ماتشيلش فـ نفسك قوي كده يا عم حافظ  (لنفسه) ده كان إيه اليوم الإسود ده، يا عم.. البلد كلها علي كف عفريت، يا خادها وطار بيها يا قـِـدرنا نفلت ووقفنا علي رجلينا من تاني..

حـافـظ : ( وكأنه يـُـكمل) يا اندفنا جـوّاها واتقـفلت سيرتنا..

نقرزان : يا ساتر عليك.. دايماً مسوّدها في وشي، كل ما افتح خــُـرم إبرة عشان يخــُـش منه النور تسدهولي وتقعدنا في الضلمة، أنا ماشي يمكن ألاقي حبة نور في حتة تانيه..

( يخرج " نقرزان ".. يظل " حافظ " متجمداً مكانه.. إظلام تدريجي)

- 9 ــ 

( حــُـرية أن تـحلم وأن تــُـحـب)

( بؤرة ضوئية صغيرة جداً، تتسع ببطــء لتكشف عن لافتة تحملها " نـدي ".. اللافتة مكتوب عليها " هــُـنا مات.. هــُـنا أنتظر "..)

نــــدي : ( بالصوت الداخلي) يقولون في قريتنا إن الإنسان عندما يموت تتحـوّل روحه إلي عصفور، أو يتحلل جسده ليـُــنبت شجرة .. الأرواح الطيـّـبة دائماً ما تعود في صورة أجمل.. ( يصدح في أرجاء المكان صوت غناء أحد البلابل) المـُلك لك.. لك.. يا صاحب المـُلك..

 ( تقترب " ضُحي "  لتدخل الـــبــــؤرة الضوئية)

ضُـحي : اللي بتعمليه ده مش ها يرجعه..

نــــدي : بس ها يضمن الحياة لناس غيره، وها يخليهم يقدروا يعشقوا زي ما عشقنا 

ضُـحي : تسمحيلي أشيل اليافطة دي عنك شويه.

نــــدي : تسمحيلي إنتي أمسح دمعتك دي؟

ضُـحي : غصب عني.. اللي عرفتهم معظمهم فهموّني إن مفيش حــُـب في الدنيا.

نــــدي : ربنا عـُـمره ما خلق حد من غير حـُـب.. بـُـصي حواليكي.. دُنيتك هنا مسكونة بالحـُـب.. هو اللي علمني كده، كانت أول كلمة قالهالي بحبك.. ما عندوش شقة ولا وظيفة ولا فلوس ولا حاجة أبداً، بس بيحبني.. أنا كمان حبيته من أول لحظة اتقابلت فيها عيوننا.. حــُـبنا كان بيدي لكل حاجة معني، بيخلي الدُنيا كلها تتعرف علي بعضها من جديد، حـُـبنا هو التـِـركة اللي ورثناها، هو الفرحة اللي مشبعانا، والغنوة اللي بتسلينا طول الطريق، من غيره كــُـنا بنضيع، هو الحاجة الوحيدة اللي عرفت الناس بوجودنا، حــُـبنا لسه موجود، الموت عـُـمره ما فـرّق بين اتنين بيحبوا بعض .. بـُـكره ها تشوفي وهافكرك!! 

ضُـحي : ( وهي تتركها تخرج.. ثم بالصوت الداخلي) مرةً أخري أتذكر لعبة الحــُـراس والأسوار والأكاذيب، إنهم لا يجيدون إلا لغة الكراهية، ولا يعرفون للحـُـب أي معني.

نــــدي : ( بالصوت الداخلي) الحــُـب سيثأر لنفسه.. إنه حكمة التاريخ وقوة الحاضر، وأهم ثمرة للحرية، وسيد كل المتمردين..

( تتسع البؤرة الضوئية.. يظهر منصور بجانب " ندي ")

منصور : إديني اليافطة أشيلها أنا.. زمان إيدك وجعتك.. استريحي شويه.. 

نــــدي : ( وهي تــُعـطيه اللافتة، ثم بالصوت الداخلي) مـرّة أخري يأتي منصور ويحمل عني بعضاً من حـُـزني..

منصور : ( بالصوت الداخلي) الحــُـزن يـُـصيـّـرنا أجمل، والعـشق الذي لا يـُـنهيه الموت يجعلنا ملائكة.. نـدي أنا معكِ أنتظر..

 ( إظلام تدريجي تتزامن معه إضاءة تدريجية علي " ضـُحي ويوسف ")

ضـُـحي : أنا أهه قـُـدامك من غير حـُـرّاس ولا أبــــواب ولا أسوار.

يوسف : أكيد لسه باحلم .

ضـُـحي : مفيش فرق كبير بين الحلم والواقع.

يوسف : في الحلم بابقي براحتي، باقدر أتكلم، أجري، أطير، باقدر أشوفك والمسك 

ضـُحي : وفي الواقع؟؟

يوسف : باتحرم من كل الحاجات دي، باطلع من دايرة أخـُـش في التانية، وأول ما أعدي سور ألاقي التاني اتبني قـُدامي.

ضـُـحي : بس أنا واقع فيه شوية حلم.. وحلم فيه شوية واقع.

يوسف : لمـّـا بنحلم بنحس إننا جـوّه حقيقة، ومابنعرفش إننا كــُـنا بنحلم إلا لمـّـا نصحي.. ( تختفي " ضـُحي يصرخ " يوسف " عالياً) أنا زهقت م اللعبة دي، زهقت من هروبك، زهقت من إنكارك، زهقت من خوفي.. أنا مش عايز منك حاجة.. نفسي بس في ابتسامة، إيد تطبطب، كلمة تمسح دمعة (بصوت عاتب حزين) علي فكرة بقي جالك ييجي مليون اتصال كلهم بيطمنوا عليكي ومعرفتش أطمنهم .. هاقولهم إيه يعني.. كل ما تديني ميعاد وأروحلها تهرب مني .. بصراحة معرفتش أرد..

 ( يدخل الجاويش بخــُـطـــي ثـابتــة وثقيلة، يقف في مواجهة " يوسف " ..) 

الجاويش : ( ساخـــــراً) هيـّه مين دي اللي بتروحلها وتهرب منك..؟

يـوسف : انت مالك، شوف شـُـغلك بعيد عني..

الجاويش : ( بابتسامة عريضة) ما هو انت شـُغلي..

يـوسف : يعني إيه أنا شـُـغلك؟

الجاويش : مش هـوّه إنت برضه يوسف بتاع مصر اللي بيدوّر علي ضـُـحي اللي مش بتاعة حد أبداً؟

يوسف : ( مـُتردداً) آه.. لأه.. أصل موبايلها .. و....

الجاويش : موبايلها.. آه.. ماله بقي موبايلها.. مافيهوش شبكة؟

يوسف : مانتوا وقعتوها!

الجاويش : (ساخراً) إنت كمان شبكتك ها تقع النهاردة؟

يوسف : أنا ماعنديش موبايل .. دا بتاعها هيـّه..

الجاويش : ( بسخرية أكثر، وهو يـُردد الكلمة) آه.. بتاعها هيه.. طيب اتفضل حضرتك..

يوسف : علي فين؟!

الجاويش : هاوديك.. عندها..

( يسحــب الجــاويش " يوسف "من ياقة قميصه ويجره وراءه... إظلام تدريجي)

ــ 10 ــ

( حـُجـرة عـزرائيل)

( " يوسف " مربوط علي عروسة التعذيب الخشبية، بينما الجاويش يضربه بقسوة بالكرباج، يظهر الجاويش وهو يتلذذ بعملية الضرب)

الجاويش : ( وهو يضربه) انطق بقي.. ماتجننـيـّـش.

يوسف : ( مــُتـألماً) ماعنديش حاجة أقولها يا شاويش، أنا يادوب لقيت موبايلهـا، وكنت بادوّر عليها عشان أديهولها.

الجاويش : ( بغضب) يتحـــرق الموبايل علي صاحبته ع البلد اللي جه منها.. أنا باقولك اصرخ، أنا باضربك يا حمار..  ( يزداد قسوة في ضربه)..

يوسف : ( صارخاً) آآآه.. كفاية بقي، اعتقني لوجه الله .. ارحمني أبوس إيدك.

( يتوقف الجاويش عن الضرب بمجرد سماع كلمة " أبوس إيدك ")

الجاويش : قــُـلت إيه.. سمعني تاني كده..؟

يوسف : اعتقني لوجه الله.

الجاويش : ( مـُهدداً بعودة الضرب) آخر كلمة يا روح أمك!!

يوسف : أبوس إيدك..

الجاويش : ( بشهوانية) اتفضل ( يمد يده) بوس..

يوسف : تفتكـر يعني لو بـوست إيدك ميت مـرّة ها تبطل تضربني؟!

الجاويش : ( بانفعال) إنت مش ها تبطـّـل ألاعيبك دي ( يـُعاود ضربه) ورحمــة أمي مانا سايبك إلا راكع تحت رجليـّـا .

يوسف : إنت لا يـُـمكن تكون بني آدم.. انت حيوان.. آلة مابتفصلش..

الجاويش : ( باستغراب) حيوان دي وفهمناها، إنما آلة دي تطلع إيه..؟ شـِتمة دي ياله..؟

يوسف : يا عم مش شتيمة ولا حاجة .. أنا آسف .. مش قصدي ..آآه

الجاويش : ( بغضب مـُتزايد) أنا عقلي ها يوّج، وصرختك المايصة دي بتعذبني.. أنا أكتر حاجة بتخنقني إني أضرب حد وهـوّه ساكت، أصرخ وسمعني صرختك  خليني أتمزّج.. الصرخة لمـّا تكون طالعة خـِشنة من راجل بشنبات بتدوّخني، بتطيـّـرني في السما، ولا ميت سيجارة حشيش يكـيـّـفوني زيـّـها.. ( يضربه بسادية مـُفرطة.. يصرخ " يوسف " من الألم)

يوسف : (صارخاً ..) آآآه

الجاويش : أيوه كده..أصرخ كمان.. عاوز أطير أكتر.. أكتر ( يزداد الضرب ويتعالي نهجان الجاويش..) اصرخ .. بصوت أعلي.. كمان.. كمان.. ( يصرخ الجاويش هو الآخر صرخة شهوانية، ثم يرتمي علي الأرض في حالة نشوة واضحة وهو يحـــتضن كـُرباجه..) آآآه.. ( لحظة صمت، ينخفض نهجان الجاويش) تعبتني يا ابن الكلب.. آآآه.. بس تعبك حلو.. ( يقف مـُتراخياً، يتجه ببطـء ناحية حذاء كبير " بيادة " برقبة طويلة، ويلتقطه، ويجلس مـُفترشاً الأرض وهو يـُنظفه..) فيه رجاله تانية أوزي كده بجـِتة بيضا وناعمة، عليهم صرخة نسواني ما بتشبعنيش.. وأنا لازم أشبع.. أنا هنا الكــُـل في الكــُـل.. ( صارخاً) أنا هنـــا الملك.. ربنا فوق وأنا تحت، وأي حد يخـُـش هنا لازم يبقي تحت ( صت سارينة إنذار تدوّي في المكان، يرتبك الجاويش، يجري ذهاباً وإياباً ما بين " البيادة " والباب.. يقف لحظة مـُتذكراً) آه.. ده الوارد الجديد ( صارخاً) إبعت..

 ( يتم قذف أحد المعتقلين الجدد إليه من الخارج، يقترب الجاويش منه ليركله بقدمه، فيـُفاجأ بأنه ابنه " منصور "..)

الجاويش : اوعي يا ابن الكل... ب.. ( مــُـندهشاً) منصور..

منصور : ( مـُتفاجئاً هو الآخر) بابا..

الجاويش : ( مـُرتعداً) منصور.. لأ  ( يجري بلا إرادة باتجاه " البيادة ثم يركع أمامها متوسلاً..) لأ.. دا منصور.. منصور ابني.. أنا أعرفه أكتر منكم، أنا اللي مربيه، دا عــُـمره ما عمل أي حاجة وحشه.. منصور دا كـِبر قـُدام عيني يوم بيوم ياباشا.. مش معقولة تيجوا النهاردة وتقولولي دا عايز يقلب نظام البلد.. أنا مقدرش يا بيه، مقدرش أزحفه علي بطنه ولا ألبسه قميـــص النوم ولا أندهله وأقول له يا سعاد، مقــــــدرش يا سعـــــــادة البيه.. صرخته ها تموّتني ( يظهر وكأن أحــــــدهم يربط يديه خلف ظهره، ثم يوقعه علي الأرض) اربطني ياباشا.. زحفني أنا علي الأرض.. اعملوا فيـّـا اللي انتوا عايزينه بس منصور لأ.. صرختي تحت أمركوا بس منصور لأ.. مقدرش.. مقدرش..(يصلب نفسة علي عروسة التعذيب الخشبية..يقع ..يتدحرج علي الأرض..)

منصور : ( مرعوباً من المنظر) بابا.. بابا..

الجاويش : ( مازال في تأوهاته وتقلباته علي الأرض، وكأن أحدهم يضربه بالكـُرباج) آه.. آه.. لأ، برضه ماقدرش.. آآآه..

( الجاويش يتلوي بعنف..  يظهر " حافظ " في مكان مرتفع، وكأنه يسيطر علي المشهد..)

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) لو كان الذي فجر قد مورس عليه الفجر ما امتدت يده إلي الخطيئة، لو كان الذي كفر قد عرف ماهية نفسه، لسكن قلبه الإيمان، اليوم يذوق الذي أشعل النار طعم الحريق.. 

 ( يختفي حافظ.. يهمد الجاويش تماماً من الألم، يتراخي جسده.. إظلام تدريجي، فقــــــط تظــــل هناك بؤرة ضوئية صغيــرة مـُسلطة علي الحذاء.. بينما يتعالي صوت نهجان واضح.. إظلام فجائي)  ــ 11 ــ

( سرقة الأحلام

( عـدّة بـؤر ضوئيــــــة مـُتنقلـــــة بين الجميع، تـُـضاء أولاً بؤرة علي " يوسف ونقرزان ")

نقرزان : إيه يا صاحبي من إمتي الضرب بيوجعنا..؟!

يوسف : لمـّا بييجي من واحد شبهك، ليه نفس ملامحك، والمفروض إن ليه نفس وجعك..

نقرزان : هـوّن علي نفسك، كلنا في الهم شبه بعض..

( إظلام .. ثم إضاءة علي " ضُحي والتي تظهر وكأن هناك من يـُطاردها)

ضـُـحي : أرجوكم سيبوني بقي .. لازم أعدي البر التاني ( تــُقاوم أشخاصاً وهميين يـُحاولون عرقلتها، فقط تظهر ضحكاتهم وصرخاتهم المجنونة) لو ماعـَـدِتش النهــــاردة مش ها عدي تاني أبداً.. (تتمزق ملابس " ضـُحي " من فــوقها، تمزيقها يـُحدث صوتاً مـُخيفـاً.. تختلط دموعها بكلماتها.. ثم بالصوت الداخلي) علي الضفة الأخري من النهر، تجلس الحياة مـُستـرخية داخل خيمتها الوردية، تـُمشـّـط شعرها الطويل، وتنثر رذاذ العطر من حولها، ينسال النور من بين كفيها ليغمـُـر الدُنيا.. تتأود، تتثني، تتمايل، تبتسم، تفتح أحضانها،.. تمنح الدفء وتساقط عدلاً شهياً.. ( تتمزق آخر قطعة ملابس عليها، تصرخ بعنف وترتمي علي الأرض، ثم بصوتها العادي) كفايه بقي.. الوجع بيزيد وماعدش علي جسمي حاجة تسترني..

( إظلام، ثم إضاءة علي " حافظ حيث يظهر وهو يـُقلـّب في صفحات دفتره الكبير شاطباً بعض السطور منه)

حـافـظ : ( بالصوت الداخلي) لقد جئت إلي هـُـنا بإرادتي، لكنها من كثرة مـُعاشرة الموتي تبلدت، فصرت رجلاً بذاكرة ميتة يحـرُس الموتي.. هل جاءت تلك اللحظة التي استطيع أن أسترد فيها إرادتي لأخرج للحياة حارساً للأحياء؟ ( وهو يواصل شطب السطور في هيستيرية) كل ده كذب .. كذب..

( إظلام.. ثم إضاءة علي الجاويش و " منصور ")

الجاويش : سامحني يا منصور.. النهارده بس صدقتك.. أنا كـُنت غلط وانت صح..

منصور : ارفع راسك يابا مش هاستحمل أشوفك كده..

الجاويش : صعب يا ابني.. اللي قعد طول عـُمره يبـُص تحت، رقبته تنكسر لو بص لفوق!!

منصور : حاول يابا..

الجاويش : ماعدش ينفع ما يقدر ع القـُدرة إلا ربنا..

 ( يـُطأطيء الجاويش رأســـــــه.. إظلام، ثم إضاءة علي " نــدي "..)

نــــدي : ( بحــُزن) الحي أبقي م الميـّت.. طب هـوّه الميت مــــــات ليه، مش عشان الحي يعيش وهـوّه رافع راسه.

( إضاءة تدريجية تثبت عند درجة خافتة بحيث تسمح برؤية الجميع وكأنهم أشباح..)

نقرزان : مش قادر أقف، شكلي اتعـوّدت أمشي مـُـرابعة..

الجاويش : سامحني يا يوسف يابني، اللي فيه داء لا يعذبه، لا يموته ..

منصور : زي ما نكون أدمنـّـا الخوف.. إيه اللي حصل لينا؟!

يوسف : دلوقتي بس مش حاسس بأي خوف جـوايـّـا.

 ( تـــــزيد درجة الإضاءة، تـتضح ملامح الجميع بدرجة أكبر.. " ضـُحي " مـُتكـوّمة علي الأرض..)

ضـُـحي : أنا الرُمح وأنا الرامي.. أنا الفرس وأنا الخيـّـال.. أنا اللي ضرب واللي انضرب.. أنا اللي كسر واللي انكسر..)

( يدور الجميع حول " ضـُحي " في دوائر مـُتداخلة، يخلعـون بعضاً من ملابسهم ويـُلقونها عليها..)

يوسف : استري نفسك....

ضـُـحي :  ( تــُكرر) أنا الخوف وأنا اللي خاف....

نــــدي : ماتخافيش.

ضـُـحي : أنا الحــُـب....

منصور : كـُـلنا حواليكي..

ضـُـحي : وأنا الكــُـره....

يوسف : قومي..

ضـُـحي : أنا البحر....

الجاويش : حاولي تــُـقفي علي رجليكي..

ضـُـحي : والنيل....

نقرزان : وريلنا السكة..

ضـُـحي : والجبل....

نــــدي : شاوري..

ضـُـحي : أنا الدفا....

الجاويش : شدي حيلك..

ضـُـحي : والريح....

منصور : لو انكسرتي..

ضـُـحي : والمطر....

يوسف : كـُلنا ها ننكسر..

ضـُـحي : أنا الأدان والترانيم والصلاة .

حـافـظ : ( مازال مـُحتفظاً بمكانه المـُرتفع، وبصوته الداخلي) لم يبق علي ظهــــور الفجر إلا قـُدرة العيون علي رؤيته..

 ( أصوات الجميع تتصاعد بشكل انفجاري، حركتهم تزيد، تتداخـــل الدوائر التي يصنعونها بحركتهم، تــُـطلق رصاصة من خــــــارج الفضاء المسرحي، تــُـصيب الجاويش الذي يقع صارخاً)

منصور : ( صارخاً) بابا..

الجاويش : ( بصعوبة) سامحوني .. سامحوني كلكم.. ( يـُحاول خلع شرائط رتبته العسكرية) ساعدني يا منصور يا ابني.. ( يخلعها) أيوه ..هاتها.. ( يرميها بعيداً عنه) مش عايز أقابل ربنا وأنا كده.. ( يموت.. يتصاعد صوت أحد البلابل..)

منصور : لأ.. ماتمتش دلوقتي.. أنا لسه محتاجلك..

نقرزان : ( يحاول جاهداً الوقوف) أكيد هاقدر أقف، ما هو ربنا لو.. لو عايزني كلب كان عملني كده.. أنا  ( بصعوبة) أنا بني آدم..

( تقترب " نـــدي " من " منصور تــُربت علي كتفه، تـُساعده علي الوقوف، تمسح دمعته..) 

نــــــدي : بيتهيألي كان فيه كلمة عايز تقولها لي..

منصور : (بصعوبة ..) أنا.. أنا مش قادر..

نــــــدي : أقولها لك أنا.. منصور.. أنا بحبك..

( ينهمر " منصور " في نوبة بكاء..)

نقرزان : ( مازال في محاولاته) مش قادر..

حـافـظ : من يمد يده إلي السماء تأتيه النجوم، ومن يحني الخوف ظهره لا يري إلا الوحل..

يوسف : حاول تاني..

نقرزان :  ( صارخاً) آآآه.. ( يقف مـُنتصباً لأول مـرّة) أنا.. أنا قدرت  أعملها يايوسف... قدرت أقف!!

 ( مؤثر صوتي من إضاءة قوية علي مجموعة من الأحذية المدنية والعسكرية الضخمة الحجم، والموجودة فوق أحد الأماكن المـُرتفعة " حافظ  " يقف في الجهة الأخري من الأحذية حاملاً بين يديه مجموعة الملفات.. يــُـلقيها واحداً بعد الآخر أثناء كلماته فوق رءوس الجميع)

حـافـظ : برغم الموت مازالت الأحذية تتضخم أكثر..

الجميع : ( لـ " ضـُـحي ") قومي.. اصلبي طولك..

ضـُـحي : ( بصعوبة) مش قادرة..

حـافـظ : إنها تـُمارس سطوتها..

الجميع : ( لـ " ضــُحي ") حاولي..

حـافـظ : تنصب شراكها..

ضـُـحي : ( تقف وهي تصرخ) آآآآه..

حـافـظ : وتـُقيم ألعابها القذرة..

الجميع : اتقدمي..

حـافـظ : الله لم يخلق الألعاب القذرة..

 ( يتحد الجميع ومعهم " ضـُـحي " في كــُـتـلـة واحدة، ثم يتقدمون خطوة للأمام..)

الجميع : ( معاً في هتاف واحد) الشعب..

حـافـظ : ولم يخلق الأحذية القذرة..

الجميع : ( معاُ) خلاص..

حـافـظ : الله لم يخلق الفساد..

الجميع : ( معاُ) أسقط..

حـافـظ : الله خلق البشر ومنحهم الرحمة..

الجميع : ( معاً) النظام.. ( يـُرددون الجملة مـُـكتـملـة مـرّةً أخري..) الشعب .. خلاص .. أسقط .. النظام..

 ( " نــدي " تنهار تماماً، تضحك وتبكي في نفس الوقت، تترك الجميع، تبتعد عنهم، تظهر كما لو أن مساً من الجنون قد أصابــها.. تقترب " ضـُـحي " منها..)

ضـُـحي : نـدي.. مالك.. ( مازالت " نـدي " تــُـهذي بكلمات غير مفهومة..) نــدي.. إحـنــــا نجـحـنا.. خلاص.. البلد عملت ثورة..

نـــــدي : ( تتضــح بعض كلماتها وهي تــُهذي..) مين.. إزاي.. ثورة.. هيـّه فين الثورة دي ..؟!. أنا إيه اللي جابني هنا..؟! ( تبتعد مذعورة عن الجميع) انتوا مين..؟! هـوّه فين.. حبيبي كان واقف جمبي.. وديتوه فين..؟! ( تـُخاطب شخصاً وهمياً) حاسب.. الـرُصاص في كــُـل حتة.. أهه.. أنا شايفاه.. بيبـُـصلي بعنيه.. أنا مش مجنونة..أنا أعقل منكوا كلكوا.. بصوا كويس.. أهه بيعاكسني.. حوشوه عني.. لأ.. آه.. الرصاص.. ها يموتنا كلنا.. خبوني.. واستخبوا انتوا كمان.. أهه.. الـرُصاص جاي من كــُــل حتة.. ماما.. خــبيـنــــي يا ماما.. ( تتكـوّر علي الأرض، تتخذ وضع الجنين في بطن الأم.. ترتعش رعشات خفيفة..)

الجميع : ( يـُرددوا بأداء فيه نوع من التخاذُل.. تتواري فيه نغمة الإحساس بالنصر الكامــل ) الشعـــب.. خلاص.. أسقط.. النظام.. ( يرددون الجملة مرة أخري ببطــء وتخاذل أكبر) الشعب.. خلاص.. أسقط النظام..

 ( الجميع يــُديرون ظهورهم ببطــء للجمهور، " حافظ " يحمل مصباحة الصغير، ثم  يتجـوّل داخل فضاء المنظر)

حـافـظ : تلك تركيبة قدرية.. مضي الليل.. مضي من باعونا وشردونا وصنفونا وعذبونا.. مضي الليل ونحن الآن في انتظار الفجــر.. سقطت رأس الأفعي، لكن جسدها مازال ينتفض بقـوّة.. سقط جدار الخوف، ومازالت عشرات الجدران الأخري باقية.. هــُـنـا مـُـتعهد حــُـريات ، وذاك مزوّر أفكار، وهذا مستثمر ثورات، وهناك مـُـشعل فـِـتـن دولية، ومازال يطل برأسه مؤلـِـه حــُـكام، وطوائف محتكروا صكوك التوبة، وخلف الصورة يتخفي قاتل أحلام، ومُـصدِر أوهام، ومُهرب ثروات قومية.. تـُـجـار الآلام اليوم أكثر من كل الأيـــــام.. علي بـُـعد خـطوات يأتي الفجـر.. خـبئـوا النور.. خبئـوا أحلامكـم.. خـبئـوا ثوراتكم فخـلـف كل نبي يحـلـم يوجد صانع شر، وخلف كل ثائر يـُـضحي يختفي قاطع طريق.. إيها السادة.. مازلنا في انتظار الفجر..

( خفوت تدريجي في الإضاءة، تبقي فقط بؤرتان ضوئيتان تتناقلان بسرعة بين مجموعة البشر وبين الأحذية، حتي يثبت الضوء أخيراً علي مجموعة البشر.. ثم إظلام..)  

 

معلومات أضافية

  • النص المسرحي: كوميديـا الأحـزان
  • تأليف: إبراهيم الحسيني
  • معلومات عن المؤلف:
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٤٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here