اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

مسرحية جنازة النحات

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

هذا النص ربما‮ ‬يتماس مع الأحداث الجارية في‮ ‬مصر،‮ ‬بطل المسرحية‮ ‬يكشف الجميع أمام أنفسهم،‮ ‬يبين لهم ما اقترفوه في‮ ‬حق الآخرين،‮ ‬ربما تسبب هؤلاء الناس في‮ ‬كوارث لآخرين‮. ‬نحتاج الآن إلي‮ ‬من‮ ‬يخطب في‮ ‬الجماهير الغافلة في‮ ‬تلك المرحلة الحرجة‮.  ‬إن ما‮ ‬يحدث الآن من كوارث متتالية،وفوضي‮ ‬خلاقة،‮ ‬وبلطجة في‮ ‬الشارع وبلطجة فكرية،‮ ‬وهناك من‮ ‬يبثون سمومهم الفكرية في‮ ‬عقول الآخرين،‮ ‬الذين‮ ‬يتبنون بدورهم تلك الأفكار دون وعي‮. ‬الشعب‮ ‬يريد الاعتصام والإضراب في‮ ‬كل مكان وفي‮ ‬كل وقت،‮ ‬لايهمه الآخرين‮. ‬فصول الفوضي‮ ‬تتلاحق،‮ ‬تزيد الفجوات بين الناس وتتسع،‮ ‬وأحداث بور سعيد التي‮ ‬نكأت كل الجروح‮. ‬والأحزاب والجماعات الدينية التي‮ ‬تملك زمام الأمور أهملت واجبها تجاه رجل الشارع الأعزل،‮ ‬الوقت والمكان مناسبان تماما للخيانة،‮ ‬ربما‮ ‬يرتع الجواسيس وعملاء المخابرات في‮ ‬التحرير وفي‮ ‬محمد محمود وفي‮ ‬كل شارع وحارة،‮ ‬وربما في‮ ‬بيوتنا‮. ‬كل من كان‮ ‬يحمل ذرة كراهية تجاه الآخر‮ ‬يفجرها الآن في‮ ‬وجه الجميع،‮ ‬جماعات من البلطجية تتبني‮ ‬أفكارا هدامة وتنفذها دون أن‮ ‬يردعها أحد‮. ‬ما دور مجلس الشعب الآن؟ ماذا‮ ‬يفعل النواب داخل المجلس ويتركون دوائرهم عرضة لنمو الأفكار الخبيثة والبلطجة بكل أنواعها،‮ ‬بدءا من الاستغلال وفرض السيطرة والفوضي‮ ‬والجريمة‮. ‬أظن أن الشعب في‮ ‬هذا العام قد محي‮ ‬أميته تماما فأصبح الجميع‮ ‬يتكلمون ويفعلون ما‮ ‬يشاءون‮. ‬متي‮ ‬يتعلم الشعب معني‮ ‬الحرية وحدودها وواجب كل فرد من المجتمع تجاهها‮. ‬
من هم الشرفاء الذين‮ ‬يخافون علي‮ ‬الوطن؟ أين‮ ‬يعيشون؟ هل الشعب أصبح بلطجيا؟ إذن من سيسقط الشعب الفاسد؟ وهل سنشيع كل‮ ‬يوم جنازة لأحد الشهداء،‮ ‬كما نشيع الآن جنازة النحات‮!!!‬
ويلا سيبرت كاثر(1873-1947) ‮ ‬كاتبة مسرحية وروائية أمريكية،‮ ‬نالت شهرة واسعة برواياتها التي‮ ‬تتناول جبهة القتال،‮ ‬والأحداث العظمي،‮ ‬مثل روايتها‮ " ‬الرواد‮" ‬وحبيبتي‮ ‬أنطونيا‮". ‬نالت جائزة بولتزر عن روايتها‮ " ‬أحدنا‮" ‬1922، التي‮ ‬تدور أحداثها خلال الحرب العالمية الأولي‮. ‬
كتبت ويلا كاثر في‮ ‬مجلة‮ " ‬المنزل‮" ‬الشهرية،‮ ‬والتي‮ ‬تخصصت في‮ ‬مجال قضايا المرأة وأنشطتها،‮ ‬وذلك بعد نجاحها في‮ ‬الكتابة الصحفية في‮ ‬مجلة‮ " ‬منزل المرأة‮". ‬كما أنها ساهمت بنشر قصصها القصيرة وقصائدها في‮ ‬مجلة‮ " ‬ليبرتي‮" ‬ذات الإصدار المحلي‮.‬
كتبت أولي‮ ‬رواياتها‮ " ‬جسر الإسكندر‮"‬1912 ‮ ‬وهي‮ ‬الرواية التي‮ ‬أشاد النقاد بأحداثها الدرامية الثرية وحواراتها الرشيقة من خلال صحيفة نيويورك تايمز‮. ‬لم تخف كاثر إعجابها بهنري‮ ‬جيمس بأنه‮ ‬يمتلك ناصية اللغة وقدرتة علي‮ ‬خلق الأحداث،‮ ‬وفهمه العميق للرغبات البشرية‮. ‬لكنها فضلت الكتاب القدامي‮ ‬علي‮ ‬المعاصرين من خلال قراءاتها المكثفة‮. ‬مثل ديكنز وثاكري‮ ‬وإيمرسون وهاوثورن وبلزاك وفلوبير وتولوستوي‮.‬
‮  ‬في‮ ‬نفس الوقت استمتعت بقراءة جورج إليوت وبرونتي‮ ‬وجين أوستن‮.‬
من أهم أعمالها رواية‮ " ‬الرواد‮" ‬1918، " أحدنا‮" ‬1922، ‮"‬سيدة مفقودة‮" ‬1923، ‮"‬منزل المعلم‮" ‬1925، ‮"‬عدوي‮ ‬القاتل‮" ‬1926،  ‮"‬الموت‮ ‬يأتي‮ ‬للكاهن‮" ‬1927، ‮"‬ظلال الصخرة‮" ‬1931، ومن أعمالها الشعرية ديوان‮ "‬غسق أبريل‮" ‬1903، ومن قصصها القصيرة مجموعة‮  "‬الشباب وميدوسا الجميلة‮" .‬
الشخصيات
ضابط عسكري
بانكر فيليبس
بانكر إيلدر
العمدة
راعي‮ ‬الأبقار
تاجر الفحم والأخشاب
مسئول السكة الحديد
مواطن‮ ‬يوسطن
وزير
محام
مواطنون آخرون
الزمن‮ ‬1905
‮(‬صالة استقبال في‮ ‬بيت ذي‮ ‬بناء ضد الريح‮. ‬تجمعت مجموعة من أبناء المدينة لتوديع أحد أبنائها‮- ‬رجل‮ ‬يتمدد في‮ ‬نعش‮ ‬يتوسط الغرفة‮. ‬سعفة ذهبية موضوعة فوق الغطاء الأسود للنعش‮. ‬الشخص الوحيد الذي‮ ‬يظهر في‮ ‬هذا الجمع هو مواطن ولاية بوسطن‮. ‬يرتدي‮ ‬ملابسه المدنية‮. ‬يجلس بمنأي‮ ‬عن الآخرين قليلا‮- ‬خارج الدائرة‮. ‬صمت‮)‬
الضابط العسكري‮ ‬‮: ‬لنفترض وجود وصية‮ ‬يا فيليبس؟
‮( ‬بانكر فيليبس‮ ‬يضحك بشكل‮ ‬غير مقبول،‮ ‬ويبدأ في‮ ‬تشذيب أظفاره بمطواة ذات مقبض ذهبي‮.)‬
بانكر فيليبس‮ ‬‮: ‬من النادر أن‮ ‬يكون هناك وصية في‮ ‬تلك الحالات،‮ ‬صحيح؟
الضابط العسكري‮ ‬‮: ‬يقول الرجل العجوز أن هارفي‮ ‬قام بعمل جيد مؤخرا‮.‬
بانكر الدر‮ ‬‮: ‬أظن أنه‮ ‬يقصد بذلك،‮ ‬أن هارفي‮ ‬لم‮ ‬يسأله أن‮ ‬يرهن المزيد من الحقول مؤخرا،‮ ‬لذا‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يستمر في‮ ‬تلقي‮ ‬تعليمه‮.‬
الضابط العسكري‮ ‬‮: ‬لا أتذكر أن هارفي‮ ‬لم‮ ‬يكمل تعليمه‮.‬
‮( ‬ضحك عام‮. ‬يبدو أن مواطن بوسطن مندهش وقلق حيال ذلك الأمر‮. ‬يخرج الوزير منديلة ويسعل بقوة داخله‮. ‬بانكر فيليبس‮ ‬يطبق المطواة سريعا‮.)‬
بانكر فيليبس‮ ‬‮: ‬من المؤسف جدا أن أبناء الرجل الهرم لا‮ ‬يرتدون ملابس لائقة‮.‬
العمدة‮ ‬‮: ‬لا‮ ‬يعملون معا‮.‬
بانكر فيليبس‮ ‬‮: ‬أنفق مالا كثيرا علي‮ ‬مشروع‮  ‬هارفي‮ ‬ليدير مزارع الماشية،‮ ‬لتدر دخلا‮ ‬يصب في‮ ‬مشروعات ساند جريك‮.‬
بانكر الدر‮ ‬‮: ‬لو كان هارفي‮ ‬بقي‮ ‬في‮ ‬البيت،‮ ‬وعمل كممرض فأي‮ ‬فائدة كانت‮...‬
بانكر فيليبس‮ ‬‮: ‬ذهبوا ليحصروا المخزون في‮ ‬مزرعة الرجل،‮ ‬من المؤكد أنهم حضروا جميعا‮. ‬لكن الرجل العجوز كان‮ ‬يجب أن‮ ‬يثق في‮ ‬كل شيئ خاص بالمستأجرين‮.‬
العمدة‮ ‬‮: ‬خدعوه في‮ ‬كل مكان وفي‮ ‬كل الأوقات‮.‬
راعي‮ ‬الأبقار‮ ‬‮:  ‬لم‮ ‬يتعامل هارفي‮ ‬مع المخزون بشكل جيد‮.‬
الضابط العسكري‮ ‬‮: ‬ليس لديه وازع لذلك‮.‬
راعي‮ ‬الأبقار‮ ‬‮: ‬تتذكر عندما اشتري‮ ‬بغال ساندرز منذ ثماني‮ ‬سنوات،‮ ‬عندما عرف الجميع في‮ ‬البلدة أن زوج أم ساندرز أعطاها لزوجته كهدية زفاف قبل ثمانية عشر عاما،‮ ‬وكانت البغال كبيرة حينئذ‮.‬
‮(‬يضحك الجميع مرة أخري،‮ ‬ويمسك المجند قدمية التي‮ ‬أصابها تشنجا عضليا وهو فرح كالأطفال‮. ‬يجلس المحامي‮ ‬بهدوء،‮ ‬مطأطئ الرأس‮.)‬
تاجر الأخشاب‮ ‬‮: ‬لم‮ ‬يكن هارفي‮ ‬يهتم بشئ بشكل عملي‮.‬
مسئول السكة الحديد‮ ‬‮: ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يهتم بالعمل‮.‬
تاجر الأخشاب‮ ‬‮: ‬أتذكر المرة الأخيرة التي‮ ‬كان فيها في‮ ‬البيت،‮ ‬في‮ ‬اليوم الذي‮ ‬رحل فيه،‮ ‬عندما خرج الرجل العجوز من الحظيرة ويده مربوطة،‮ ‬ليقوم بتوصيل هارفي‮ ‬إلي‮ ‬محطة القطار،‮ ‬وكان كال مووتس‮ ‬يقوم بتصليح السياج،‮ ‬واقترب هارفي‮ ‬خطوة للأمام وقال بصوته الأنثوي‮ : "‬كال مووتس،‮ ‬كال مووتس‮! ‬من فضلك تعال واملأ الصناديق‮." ‬
مسئول السكة الحديد‮ ‬‮: ‬هذا هو هارفي‮.‬
الضابط العسكري‮ ‬‮: ‬سمعته عندما صاح وهو بعد رجل كبير،‮ ‬وكان‮ ‬يرتدي‮ ‬ملابسه الداخلية الطويلة،‮ ‬واعتادت أمه أن تخيفه بجلدة تمسكها في‮ ‬الحظيرة،‮ ‬لأنه ترك الأبقار تغرق في‮ ‬حقول الذرة،‮ ‬عندما كان‮ ‬يسوقها نحو البيت من المراعي‮.‬
راعي‮ ‬الأبقار‮ ‬‮: ‬قتل بقرة من أبقاري،‮ ‬بقرة من جيرسي‮ ‬أصيلة،‮ ‬كانت تنتج لبنا من أجود الألبان،‮ ‬والرجل العجوز حزن من أجلها‮. ‬وكان هارفي‮ ‬يشاهد الشمس وهي‮ ‬تغرب وراء المستنقعات عندما فرت البقرة،‮ ‬وقال إن‮ ‬غروب الشمس كان رائعا‮.        ‬
‮ ( ‬يضحك الجميع‮.)‬
مواطن بوسطن‮ : ( ‬يقف‮)‬‮ ‬أنا آسف‮... ‬أعرف إنني‮ ‬لست من هنا‮.. ‬أقصد أنني‮ ‬لست واحدا منكم‮.. ‬لا أعرف شيئا عن بلدتكم‮ ‬،‮ ‬ولا أحاول أن أتكلم دون استئذان،‮ ‬لكن‮.. ‬أشعر بإنني‮ ‬ملتزم بأن أسأل سؤالا‮.. ‬هل من الممكن ذلك‮.. ‬أنكم لا تدركون‮.. ‬أنكم‮ ‬غير واعين‮.. ‬بأن سعف النخلة الموجودة علي‮ ‬ذلك النعش لا تعني‮ ‬شيئا لكم؟‮ (‬ينظر حوله بارتياب‮) ‬كان هارفي‮ ‬ميريك نحاتا عظيما‮. ‬كنت تلميذا من تلاميذه‮. ‬كان‮ ‬يشار إليه بالبنان في‮ ‬عالم الفن‮.‬
‮( ‬وقفة‮)‬
بانكر فيليب‮ ‬‮:  ‬الخطأ الذي‮ ‬اقترفه الرجل العجوز،‮ ‬أنه أرسل الصبي‮ ‬للمدرسة في‮ ‬الشرق‮. ‬هناك احتشدت في‮ ‬رأسه فكرة السفر لباريس وكل تلك الحماقات‮.‬
مواطن بوسطن‮ ‬‮: ‬لكن‮.. ‬لكن أعماله عرضت في‮ ‬أعظم متاحف أوربا‮.‬
بانكر فيليب‮ ‬‮: ‬كل ما كان‮ ‬يحتاج إليه هارفي‮ ‬دورة تدريبية من الدرجة الأولي‮ ‬في‮ ‬كلية التجارة في‮ ‬مدينة كنساس‮. ‬
مواطن بوسطن‮ ‬‮: ‬كلية التجارة؟ أنا‮.. ‬لا أظن أنكم تفهمون‮.‬
بانكر فيليب‮ ‬‮: ‬أوه،‮ ‬نحن نفهم تماما‮.‬
مواطن بوسطن‮ ‬‮: ‬لكن‮. ‬
راعي‮ ‬الأبقار‮ ‬‮: ‬كان‮  ‬الإنفاق صعبا علي‮ ‬ميريك،‮ ‬لكنهما كانا متماسكين جدا‮.‬
العمدة‮ ‬‮: ‬ربما عالج تلك المسألة بالويسكي‮. ‬
مواطن بوسطن‮ ‬‮: ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يرتاد الحانات‮.‬
الوزير‮ ‬‮: ‬لم‮ ‬يكن أقرباؤه لأمه‮ ‬يعيشون طويلا،‮ ‬وهارفي‮ ‬لم‮ ‬يكن ذا بنيان قوي‮. ‬
راعي‮ ‬الأبقار‮ ‬‮: ‬مع ذلك،‮ ‬لاجدال في‮ ‬أن هارفي‮ ‬كان‮ ‬ينظر باستمرار إلي‮ ‬النبيذ عندما‮ ‬يكون أحمرا،‮ ‬وكذلك الأنواع الأخري،‮ ‬وبالتأكيد أصابته بفقدان الاتزان‮.‬
‮( ‬يضحك الجميع مرة أخري‮. ‬فجأة وقف المحامي‮ ‬وضرب بيده علي‮ ‬باب الردهة‮. ‬أصبح وجهه أحمرا واستشاط‮ ‬غضبا‮. ‬جفل الآخرون بشكل تلقائي‮. )‬
المحامي‮ ‬‮: ‬أيها السادة،‮ ‬كنت معكم من قبل،‮ ‬عندما جلستم عند نعوش الأطفال الذين ولدوا وتربوا في‮ ‬تلك البلدة‮. ‬وإذا كنت أتذكر تماما أنكم كنتم‮ ‬غير مقتنعين عندما عاينتموهم‮. ‬علي‮ ‬أي‮ ‬حال،‮ ‬ما الخطب؟ لماذا‮ ‬يكون الشباب المحترمون نادرين كندرة المليونيرات في‮ ‬الأرض الجدباء؟‮ ‬يبدو للغريب أن هناك شيئا ما في‮ ‬بلدتكم التقدمية‮. ‬لماذا أسرف روبن ساير ألمع المحامين الشبان الذين عرفتموهم،‮ ‬في‮ ‬الشراب بعد أن تخرج من الجامعة مباشرة،‮ ‬وزور شيكا وانتحر؟ لماذا‮ ‬يموت ابن بيل ميريت بسبب حالة عصبية في‮ ‬صالون بولاية أوماها؟ لماذا‮ ‬يُقتل ابن السيد توماس هنا في‮ ‬صالة قمار؟ لماذا أحرق الشاب آدم طاحونته ليدمر شركات التأمين ويذهب إلي‮ ‬السجن؟ سأقول لكم لماذا؟ لأنكم لم تزرعوا إلا المال والخبث في‮ ‬عقولهم طوال الوقت‮. ‬ارتدوا البنطلونات القصيرة،‮ ‬لأنكم اشتكيتم منهم،‮ ‬مثلما تشتكون الآن،‮ ‬اتخذنا صديقينا فيليب وإلدر مثلا أعلي،‮ ‬مثلما اتخذنا أجدادنا جورج واشنطن وجون آدمز‮. ‬لكن حظ الأولاد السيئ أنهم كانوا صغارا وقليلي‮ ‬الخبرة في‮ ‬العمل،‮ ‬عندما تركتوهم هناك،‮ ‬وكيف أنهم‮ ‬يقارنون ضباط الشرطة بهؤلاء الفنانين كفيليبس وإلدر؟ أردتم أن‮ ‬يكونوا أوغادا ناجحين‮. ‬كانوا فاشلين‮.. ‬ذلك هو الفرق‮. ‬كان هناك صبي‮ ‬واحد هو الذي‮ ‬تربي‮ ‬في‮ ‬تلك المنطقة الحدودية،‮ ‬بين أحضان الشر والحضارة،‮ ‬لم‮ ‬يصل به الحد إلي‮ ‬الحزن‮. ‬وأنتم كرهتم هارفي‮ ‬ميريك لأنه نجح بشكل أكثر من الصبية الآخرين الذين فاتهم قطار النجاح‮. ‬إلاهي،‮ ‬إلاهي،‮ ‬كيف كرهتموه‮!  ‬يطيب لفيليبس،‮ ‬هنا أن‮ ‬يقول أنه‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يشتري‮ ‬ويبيع لنا كل شيئ في‮ ‬أي‮ ‬وقت‮ ‬يرغب فيه،‮ ‬لكنه عرف أن ما كان لهارفي‮ ‬أن‮ ‬يعطي‮ ‬عابثا بنكه ومزارع ماشيتة جملة واحدة‮. ‬وكذلك عدم التقدير،‮ ‬سيؤثر هذا القرار علي‮ ‬فيليبس بشكل حاد‮. ‬النمرود العظيم‮ ‬يظن أن هارفي‮ ‬شرب حتي‮ ‬الثمالة،‮ ‬ومن كلام النمرود وكلامي‮ ‬يستنتج الكاهن إلدر أن هارفي‮ ‬كان‮ ‬يمتلك حرية لا حدود لها في‮ ‬أموال الرجل الكهل‮- ‬ربما لا تصل إلي‮ ‬اعتبارات البنوة‮. ‬حسنا،‮ ‬يمكننا أن نتذكر جميعا الصوت الحاد الذي‮ ‬أقسم به الكاهن إلدر أمام المحكمة المدنية أن أباه كان كاذبا،‮ ‬وكلنا‮ ‬يعرف أن الرجل العجوز قد خرج من تلك الشراكة مع ابنه صفر اليدين كحمل مجزوز الفرو‮. ‬لكنني‮ ‬ربما أتكلم بشكل شخصي،‮ ‬ومن الأفضل أن أدخل مباشرة في‮ ‬الموضوع‮. ‬كنا نذهب أنا وهارفي‮ ‬ميريك‮  ‬إلي‮ ‬المدرسة في‮ ‬أقصي‮ ‬الشرق‮. ‬كنا نتحرق شوقا للمستقبل،‮ ‬وكان هدفنا أن تفخروا جميعا بنا‮ ‬يوما ما،‮ ‬وأن نكون رجلين عظيمين‮. ‬حتي‮ ‬أنا لم أتخل عن إحساس الفكاهة،‮ ‬أيها السادة أردت أن أكون رجلا عظيما‮. ‬عدت إلي‮ ‬هنا لأمارس المهنة،‮ ‬ووجدت أنكم لم تريدوا علي‮ ‬الأقل أن أكون رجلا عظيم الشأن‮.‬
‮ ‬أردتم أن أكون محاميا فظا‮- ‬أوه،‮ ‬نعم‮! ‬محاربنا القديم هنا أراد مني‮ ‬أن أزيد راتبه التقاعدي،‮ ‬لأنه كان‮ ‬يعاني‮ ‬من آلام في‮ ‬معدته‮. ‬أراد فيليبس دراسة هندسة جديدة،‮ ‬تضع مزرعة الأرملة‮ "‬ولسن‮" ‬الشابة بجوار طريقه الجنوبي،‮ ‬أراد إلدر أن‮ ‬يقرض مالا بخمسة في‮ ‬المائة في‮ ‬الشهر،‮ ‬ثم‮ ‬يجمعه،‮ ‬ستارك العجوز هنا أراد أن‮ ‬يحتال علي‮ ‬النساء العجائز في‮ ‬فيرمونت،‮ ‬في‮ ‬أن‮ ‬يستثمرن دخولهن السنوية في‮ ‬رهانات عقارية حقيقية لا تساوي‮ ‬الورق الذي‮ ‬تكتب عليه‮. ‬أوه،‮ ‬أردتموني‮ ‬بشدة،‮ ‬وستحتاجون إليّ‮ . ‬تظاهرتم بأنكم تكنون لي‮ ‬احتراما،‮ ‬ولا تزالون تقفون وتلقون بالطين علي‮ ‬هارفي‮ ‬ميريك،‮ ‬وستقولون إنكم لم تدنسوا روحه،‮ ‬ولم تصفدوا‮ ‬يديه‮. ‬أوه،‮ ‬إنكم تميزون المسيحيين كثيرا‮! ‬ذات مرة رأيت اسم هارفي‮ ‬في‮ ‬صحيفة تصدر من شرق البلاد،‮ ‬جعلت رأسي‮ ‬يشرئب مثل كلب مجلود،‮ ‬ومرات أخري‮ ‬عندما أردت أن أفكر فيه في‮ ‬مكان آخر في‮ ‬العالم،‮ ‬بدلا من أن‮ ‬يكون خنزيرا متمرغا،‮ ‬ينجز عمله العظيم ويعتلي‮ ‬مكانة عاليه ونظيفة ارتقاها بنفسه‮. ‬ومن أجلنا؟‮ ‬
الآن بما إننا حاربنا وكذبنا وعرقنا،‮ ‬وكرهنا المتعثرين الذين خاب سعيهم بشدة،‮ ‬بطريقة تعرفها مدينة صغيرة‮ ‬غربية تماما،‮ ‬وماذا لدينا لنقدمه لها؟ ما كان لهارفي‮ ‬ميريك أن‮ ‬يصنع‮ ‬غروب الشمس فوق موكبكم،‮ ‬لكل ما فعلتموه معا،‮ ‬وأنتم تعلمون ذلك‮. ‬لست أنا من‮ ‬يقول لماذا،‮ ‬في‮ ‬الحكمة الإلهية التي‮ ‬لا‮ ‬يعلمها أحد،‮ ‬عبقري‮ ‬ينعته الجميع بالكراهية وباحتساء المياة المريرة،‮ ‬لكنني‮ ‬أريد من مواطن بوسطن أن‮ ‬يعرف أن الهراء الذي‮ ‬كان‮ ‬يسمعه هنا الليلة،‮ ‬هو التكريم الوحيد الذي‮ ‬يناله أي‮ ‬رجل عظيم بحق من ثلة مريضة،‮ ‬تغير دفة الموضوعات،‮ ‬كالكلاب المحترقة،‮ ‬وكأسماك القرش التي‮ ‬تعيش في‮ ‬مياه ضحلة كهؤلاء الحاضرين الممولين من المدينة الساحلية‮- ‬في‮ ‬مدينة‮ ‬يرحمها الله‮!‬
‮( ‬دفع المحامي‮ ‬يده في‮ ‬اتجاه مواطن بوسطن وهو‮ ‬يمر بجواره‮ ‬– ثم أمسك بمعطفه واختفي‮ ‬خلال المدخل‮. ‬يقف مواطن بوسطن لبرهة قلقا‮)  ‬
مواطن بوسطن‮ ‬‮: ‬الـ‮.. ‬اليوم الذي‮ ‬مات فيه‮.. ‬بعد تليف كلتا رئتيه قد أوقف كل احتمالات الشفاء‮.. ‬السيد ميريك طلب مني‮ ‬أن أقوم بالتجهيزات‮- ‬التي‮ ‬تكفل عودة جثمانه إلي‮ ‬وطنه‮. ‬قال لي‮ ‬بالحرف الواحد‮ "‬إنه ليس مكانا‮ ‬يدعو للسرور أتمدد فيه،‮ ‬بينما العالم‮ ‬يتحرك ويفعل ويتحسن‮." ‬ثم أضاف قائلا‮ "‬لكن‮ ‬يبدو كما لو أننا‮ ‬يجب أن نعود إلي‮ ‬المكان الذي‮ ‬أتينا منه في‮ ‬النهاية‮." ‬قال لي‮ ‬أنكم ستأتون لتلقوا نظرة إليه،‮ ‬وأنكم بعد أن تبوحوا بمكنونكم،‮ ‬فلن‮ ‬يخشي‮ ‬من حكم الله‮. ‬لم أفهم ما قصده في‮ ‬ذلك الوقت‮- ‬لم أفهمه‮. ‬لسوء الحظ،‮ ‬أري‮ ‬أنه كان محقا‮.‬
‮( ‬يخرج مواطن بوسطن‮. ‬صمت‮.) ‬
الجندي‮ ‬‮: ‬من السيئ جدا أنه لا‮ ‬ينتمي‮ ‬إلي‮ ‬مكان أو آخر‮. ‬سأقوم بإعداد الجنازة بنفسي‮. ‬جنازة تليق برجال‮ ‬يحظون بسمعة طيبة‮.‬
إظلام بطئ

 

ترجمة‮ : ‬عبد السلام إبراهيم

معلومات أضافية

  • النص المسرحي: جنازة النحات
  • تأليف: ‬ويلا كاثر
  • معلومات عن المؤلف: ترجمة‮ : ‬عبد السلام إبراهيم
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٤٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here