اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

عز الدين نجيب‮.. ‬الالتزام ليس ضد التجريب وحرية التعبير

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

عز الدين نجيب‮.. ‬فنان تشكيلي‮ ‬من أهم فناني‮ ‬جيله اكتسب تميزه من ارتباط أعماله بحياة الناس‮.‬
متعدد المواهب‮. ‬كتب القصة القصيرة والنقد الأدبي‮ ‬والنقد التشكيلي‮ ‬كواحد من قلائل معدودة في‮ ‬هذا المجال‮. ‬وما‮ ‬يهمنا هنا أكثر هو كونه مصممًا للديكور المسرحي‮ ‬ومنفذًا له‮. ‬من أهم أعمال عز الدين نجيب في‮ ‬المسرح تصميم وتنفيذ ديكور عرض‮ »‬ليالي‮ ‬الحصاد‮« ‬لمحمود دياب،‮ ‬إخراج عباس أحمد وعرض‮ »‬حكاية راجل‮« ‬تأليف وإخراج خالد حمزة،‮ ‬عرض‮ »‬رأس المملوك جابر‮« ‬لسعد الله ونوس،‮ ‬إخراج مراد منير والذي‮ ‬نال عنه الجائزة الأولي‮ ‬للديكور في‮ ‬المهرجان الختامي‮ ‬للثقافة الجماهيرية عام‮ ‬1979‮. ‬أعتقل عز الدين نجيب وسجن ثلاث مرات الأولي‮ ‬في‮ ‬1‮ ‬فبراير‮ ‬1972‮ ‬لمدة شهرين في‮ ‬سجن الاستئناف ثم سجن القلعة والمرة الثانية في‮ ‬يناير‮ ‬1975‮ ‬لمدة ستة أشهر في‮ ‬ليمان طرة والمرة الثالثة في‮ ‬1997‮ ‬لمدة‮ ‬22‮ ‬يومًا فقط انتهت بفضل ضغوط الرأي‮ ‬العام في‮ ‬الداخل والخارج،‮ ‬وأعتقد أنه الفنان الوحيد الذي‮ ‬سجن في‮ ‬عهد مبارك علي‮ ‬خلفية الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات المعترضة علي‮ ‬تعديل قانون الأراضي‮ ‬الزراعية الذي‮ ‬أضر بصغار المزارعين ضررًا بالغًا‮.‬
حاورت الرجل حول هذه التجربة بصفة خاصة وتجارب حياته عامة‮.‬
قلت له‮: ‬السجن‮ ‬يشكل معاني‮ ‬كثيرة للإنسان ومعاني‮ ‬أكثر للفنان ومن المؤكد أنها تؤثر علي‮ ‬حياته ومن ثم علي‮ ‬إنتاجه الفني؟ قال‮: ‬لاشك أن تجربة السجن والاعتقال من أغني‮ ‬التجارب‮. ‬إنها تدعم داخل الإنسان صلابته فيما‮ ‬يؤمن به أو‮ ‬يدافع عنه خاصة إذا كانت هناك جماعة من المسجونين بينهم حوار وعلاقة إنسانية دافئة‮. ‬الإنسان ليس اتجاهًا ذا بعد واحد وإنما هو متعدد الاتجاهات‮. ‬ومن الممكن أن‮ ‬يكون الإنسان القوي‮ ‬جدا في‮ ‬لحظات أخري‮ ‬ضعيفًا جدا وينهار والعكس وقد أفادتني‮ ‬تجربة السجن في‮ ‬إمكانية التنوع والتسامح‮. ‬المعني‮ ‬الثاني‮ ‬أن الحرية أثمن ما وهبه الله للإنسان‮. ‬والأسمي‮ ‬في‮ ‬معني‮ ‬الحرية أن‮ ‬يدفع المثقف ثمنا من حريته وأن‮ ‬يضحي‮ ‬بطيب خاطر من أجل حرية الآخرين‮. ‬إذا آمن‮  ‬المثقف بذلك ولم‮ ‬يعد مجرد شعار‮. ‬المعني‮ ‬الثالث الذي‮ ‬خرجت به أن الدائرة الكهربائية بين المثقف وقضية الاعتقال تكتمل عندما‮ ‬يجد المثقف صدي‮ ‬لها خارج السجن وحدث هذا التعاطف الكبير في‮ ‬تجربة‮ ‬97‮ ‬فقد وجدت هذا الاحتضان لي‮ ‬ولقضيتي‮ ‬من كافة أطياف المثقفين والرأي‮ ‬العام‮. ‬
انتهي‮ ‬حديث الرجل الذي‮ ‬تلمست فيه الصدق وعدت لأسئلتي‮ ‬قلت له‮: ‬يقول شاعر السلفادور روكي‮ ‬دالتون‮ »‬لقد وصلت إلي‮ ‬الثورة عن طريق الشعر ويمكنك أن تصل إلي‮ ‬الشعر عن طريق الثورة‮«. ‬
هل الارتباط بين الفن والثورة وثيق عندكم إلي‮ ‬هذا الحد؟‮ ‬
قال‮: ‬الفن‮ ‬يحرض علي‮ ‬الثورة لكنه لا‮ ‬يخلق الثورة والثورة أيضا لا تخلق الفن وإنما تحرض علي‮ ‬الفن‮. ‬لابد أن‮ ‬يكون هناك الفنان والفنان‮ ‬يعني‮ ‬الموهبة والموهبة تعني‮ ‬الخلق والابتكار فإذا لم‮ ‬يوجد من الأصل الفنان الموهوب فمهما كانت قوة الثورة فلن تخلق فنا‮.." ‬بابلو نيرودا مثلا،‮ ‬إلهام الثورة نابع من إلهام الشعر داخله أي‮ ‬أن الشعر والثورة تعانقا وهنا روعة الإبداع‮. ‬بالنسبة للفن التشكيلي‮ ‬لم نجد إلا نادرًا أن‮ ‬يولد فنان داخل الثورة‮ ‬،‮ »‬بيكاسو‮« ‬مثلا في‮ ‬أعماله عن ثوار إسبانيا خاصة لوحته الشهيرة‮ »‬جرنيكا‮« ‬الثورة صححت مساره وطهرته من بعض عيوب الرأسمالية والبرجوازية التي‮ ‬احتضنته‮. ‬هنا العلاقة تبدو ملتبسة خاصة وأن اللغة التشكيلية ليست جماهيرية مثل الشعر أو المسرح‮. ‬المسرح هنا هو البطل لأن تأثيره القوي‮ ‬يكتسح أي‮ ‬مؤثرات أخري‮. ‬
وعن تجربته في‮ ‬مواقع الثقافة الجماهيرية بعد‮ ‬67‮ ‬قال‮:‬‮ ‬كان المسرح هو أفضل وسيلة فقدمنا‮ »‬الزوبعة‮« ‬لمحمود دياب و»عيلة الدوغري‮« ‬لنعمان عاشور و»السبنسة‮« ‬لسعد وهبة و»جمهورية فرحات‮« ‬ليوسف إدريس‮. ‬هذا كان من خلال قوافل الثقافة‮  ‬في‮ ‬كفر الشيخ وقبلها في‮ ‬بورسعيد أعوام‮ ‬65 ‮ ‬و66‮. ‬كان المسرح أداة ثورية حقيقية‮.‬
قلت له‮: ‬هناك ما أطلق عليه المسرح المحاصر فربما لا تخرج التجربة للنور بسبب تعنت أجهزة إنتاج الدولة تجاه التجربة وربما تخرج إلي‮ ‬النور ويحاصرها التيار السلفي‮ ‬أو أجهزة أخري‮ ‬لا‮ ‬يروقها تيار التنوير؟‮ ‬
قال‮: ‬هناك بعد تاريخي‮ ‬في‮ ‬موضوع الفن المعاصر‮.. ‬عندك مثلا تيارات سلفية تقاوم فكرة التجسيد في‮ ‬الفن التشكيلي‮. ‬طول عمرها ضد الفن الذي‮ ‬يمثل الأشخاص‮. ‬لأنه حرام‮. ‬هذا نوع من الحصار لكن هناك حصارًا أشد علي‮ ‬مدي‮ ‬رحلة الفن وهو حصار التجاهل لأن الفن لا‮ ‬يمثل أهمية أو ضرورة للجمهور‮. ‬الفنان التشكيلي‮ ‬غريب‮. ‬الغربة فرضت عليه‮. ‬الشق الثاني‮ ‬هو عدم تذوق‮ - ‬نتيجة ضعف الثقافة البصرية‮ - ‬الثقافة التشكيلية‮. ‬إنها مسئولية الدولة علي‮ ‬مدي‮ ‬أجيال‮. ‬النظام الثقافي‮ ‬لا‮ ‬يضع في‮ ‬مخططاته شيئا اسمه تنمية الذوق الجمالي‮ ‬أو الثقافة البصرية لا في‮ ‬المدارس ولا في‮ ‬الجامعة‮.‬
الحقيقة أن الفنانين وصلوا إلي‮ ‬حد الاستشهاد‮. ‬الاستشهاد ليس بالضرورة القتل إنما القتل المعنوي‮.. ‬أن‮ ‬يعيش الفنان ويموت مجهولا أو محاصرًا أو مضطهدا من أجهزة الدولة وهو‮ ‬يري‮ ‬أن الآخر في‮ ‬مجالات الفن الأخري‮ ‬يأخذ حقه كاملا وزيادة ويكرم في‮ ‬المناسبات‮. ‬هذا أكثر مثال‮ ‬ينطبق عليه معني‮ ‬الحصار‮.‬
توجهت إليه بسؤال حول القيد الذي‮ ‬يشكله الالتزام الحزبي‮ ‬علي‮ ‬الفنان وكيفية تعامله مع هذه المسألة؟‮ ‬
فقال‮: ‬الأصل لدي‮ ‬الفنان هو الحرية وهي‮ ‬تعني‮ ‬الانتقال من بستان إلي‮ ‬بستان طالما كان لدي‮ ‬الفنان التزام إنساني‮ ‬وفكري‮ ‬تجاه قضية ما أو مشروع إنساني‮. ‬لكن ليس بالضرورة أن‮ ‬يكون هذا المشروع وليد حزب‮. ‬لكن لابد أن نقول من جانب آخر إن الالتزام أمر ضروري‮ ‬للمبدع سواء كان فنانا أو كاتبا أو مسرحيا‮.. ‬إلخ‮. ‬هنا الالتزام‮ ‬يتمثل في‮ ‬القيم الإنسانية والأخلاقية‮. ‬هذه هي‮ ‬الأسس العامة وبعد ذلك تتنوع الرؤي‮ ‬والأساليب والاتجاهات‮. ‬الالتزام ليس ضد التجريب وليس ضد حرية التعبير بكل أشكالها‮ .. ‬من أجل هذا أحترم كتابًا عظيمًا جدا‮ »‬لروجيه جارودي‮« ‬اسمه‮ »‬واقعية بلا ضفاف‮« ‬صدر في‮ ‬الستينيات،‮ ‬لأنه وضع داخل إطار الواقعية والالتزام فنانين مثل الشاعر‮ »‬سان جون بيرس‮« »‬بابلو بيكاسو‮« ‬لماذا؟ لأنهم عبروا تعبيرا عميقا عن معان إنسانية حتي‮ ‬لو كانت بأساليب تتجاوز الواقعية‮. ‬إنما من‮ ‬يقولون إن حرية التعبير حق حتي‮ ‬لو سخرت من الشعب ومن الجمهور مثلما تري‮ ‬في‮ ‬بعض أشكال فن ما بعد الحداثة الذي‮ ‬يقدم أشياء تستفز المشاهد وتسخر منه بأشكال عبثية في‮ ‬الفن فأنا لا أستطيع أن أطلق علي‮ ‬هذا حرية تعبير‮. ‬قم بهذا في‮ ‬قاعة عرضك الخاصة أمام مريديك‮. ‬لكن لا تقدمه لعموم الجماهير‮. ‬لابد أن تحترم الجماهير حتي‮ ‬تحترمك‮. ‬
فسألته‮: ‬هل اخترت طريقك بإرادتك وهل تشعر بالندم الآن؟‮ ‬
قال‮: ‬الحياة اختيار وأنا اخترت طريقي‮ ‬منذ البداية وفي‮ ‬فترة من الفترات كانت الأبواب مفتوحة أمامي‮ ‬لمناصب عليا ومواقع مهمة في‮ ‬السلطة لكنني‮ ‬فضلت عليها شيئين الأول أن أكون حيث‮ ‬يكون الشعب البسيط والثاني‮ ‬أن‮ ‬يكون فني‮ ‬وكتابتي‮ ‬في‮ ‬خدمتي‮. ‬دفعت ثمنًا‮ ‬غاليًا‮.. ‬لكني‮ ‬لم أندم قط‮. ‬ربما قد‮ ‬يكون بعض الندم لأنني‮ ‬في‮ ‬كثير من الأوقات‮ ‬غلبت العمل العام علي‮ ‬احتياج العمل الفني‮ ‬والإبداعي‮. ‬كانت مسألة وقت فراغ‮. ‬وفي‮ ‬يوم من الأيام وقفت مع نفسي‮ ‬وقفة شديدة لأقول إنه آن الآوان لأن‮ ‬يأخذ الفنان حقه وكنت وكيل وزارة حينذاك وتقدمت بطلب للتفرغ‮ ‬للفن وحصلت علي‮ ‬منحة تفرغ‮. ‬لكن ما حدث أنه لم تمر‮ ‬غير أسابيع قليلة حتي‮ ‬تم اعتقالي‮ ‬فأرغمت إرغاما علي‮ ‬أن أدخل مرة أخري‮ ‬في‮ ‬خضم العمل العام‮.  ‬
ومع ذلك فإنني‮ ‬لم أندم وقد عبرت عن كل هذه التجارب في‮ ‬أعمالي‮ ‬الفنية‮. ‬ليس فيها أي‮ ‬مهادنة أو تراجع أو ندم‮.‬

سليم كتشنر

معلومات أضافية

  • الاسم:
  • الفن: تمثيل
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٥

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here