اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

حمدي‮ ‬عيد‮: ‬حتي‮ ‬في‮ ‬أقسي‮ ‬لحظات حياتي‮ ‬لم أتوقف عن الحلم بعالم أفضل

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

كاتب مسرحي‮ ‬وشاعر عامية عمل مع كبار المخرجين وتميز في‮ ‬كتابة مسرحيات الأطفال وأغانيها‮. ‬إنه الشاعر المتميز حمدي‮ ‬عيد،‮ ‬من أهم أعماله للكبار‮ »‬أوبريت مجلس العنطزة‮« ‬إخراج عبد الغفار عودة،‮ »‬هز الهلال‮ ‬يا سيد‮« ‬إخراج إيمان الصيرفي‮. ‬وللأطفال‮ »‬كوكب الفل‮« ‬إخراج سمير حسني،‮ »‬بقرة جحا‮« ‬إخراج هناء سعد الدين،‮ »‬أحزان ملك العرائس‮« ‬إخراج سامي‮ ‬عبد النبي،‮ »‬أحلام نوسه‮« ‬إخراج مجدي‮ ‬عبيد،‮ ‬كما كتب العديد من أغاني‮ ‬العروض المسرحية للمخرجين سعد أردش ومراد منير وعبد الغفار عودة وزوسر مرزوق وجمال الشيخ،‮ ‬وكمال الدين حسين‮.‬
تعرض عيد للملاحقات البوليسية منذ عام‮ ‬1976‮ ‬وهرب ليلة‮ ‬19‮ ‬يناير‮ ‬1977‮ ‬لمدة ثلاث سنوات ونصف قضاها فارًا في‮ ‬أقاليم مصر وقراها نتيجة اهتمامه بالشأن العام وقضايا وطنه ثم اعتقل‮ ‬8‮ ‬أكتوبر‮ ‬1981،‮ ‬وظل سجينا حتي‮ ‬27‮ ‬مارس متنقلا بين ليمان طره وسجن المرج الذي‮ ‬عذب فيه لمدة أسبوعين مع أربعة أخرين‮.‬
سألته في‮ ‬البداية عن تأثير تجربة المعتقل علي‮ ‬إبداعه وعلي‮ ‬مجريات حياته بشكل عام فقال‮: ‬السجن‮ ‬يمثل أعلي‮ ‬درجات الإحساس بالاختناق بالنسبة للإنسان ويتضاعف هذا الإحساس بالنسبة للفنان ويزداد ثقله أكثر ويصبح أشد عندما‮ ‬يكون الفنان ممتلئا بالحالة الثورية،‮ ‬والسجن من التجارب الإنسانية الأكثر‮ ‬غني‮ ‬لأي‮ ‬فنان‮.‬
البعض‮ ‬يحولها بكل ما تحتويه من طاقة إلي‮ ‬عمل أدبي‮ ‬والبعض الآخر تتسرب جزئيات التجربة التي‮ ‬عاشها‮. ‬أحيانا بشكل مقصود وأحيانا أخري‮ ‬بشكل‮ ‬غير مقصود في‮ ‬أعمال أدبية وفنية مختلفة وأنا أنتمي‮ ‬إلي‮ ‬هذا النوع الذي‮ ‬تقوم القصيدة أو المشهد المسرحي‮ ‬عنده باستدعاء ذلك الإحساس باستخدام الجزء المناسب منه لاستكمال اللحظة الفنية وأبرز أمثلة هذا الاستدعاء مشهد السجن الذي‮ ‬يعيشه‮ »‬سعيد مهران‮« ‬أثناء إعدادي‮ ‬لرواية نجيب محفوظ‮ »‬اللص والكلاب‮« ‬للمسرح،‮ ‬فضلا عن بدء المشهد بطقس‮   »‬العنبرة‮« ‬الذي‮ ‬يمارسه المساجين احتفالاً‮ ‬بالإفراج عن أحدهم،‮ ‬فقد جاء حواره داخل الزنزانة محملا بمشاعر وبمفردات حالة السجن التي‮ ‬امتزج فيها حكي‮ ‬نجيب محفوظ بمخزوني‮ ‬الخاص من الأحاسيس المختلطة بالمرارة والسخرية والإصرار في‮ ‬نسيج واحد‮. ‬وللإلمام بتأثير السجن في‮ ‬تجربتي‮ ‬الفنية‮ ‬يحتاج الأمر بالتأكيد إلي‮ ‬عين أخري‮ ‬فاحصة ومحايدة‮.‬
انتهي‮ ‬حديث الرجل فتكلمت‮ ‬يقول شاعر السلفادور‮ »‬روكي‮ ‬دالتون‮« ‬لقد وصلت إلي‮ ‬الثورة عن طريق الشعر ويمكنك أن تصل إلي‮ ‬الشعر عن طريق الثورة‮. ‬فهل الأمرين مرتبطين لديك بهذه الطريقة؟ قال‮: ‬الفن والثورة كلاهما هدفه الأخير هو تغيير العالم والوصول به إلي‮ ‬الحالة الأجمل،‮ ‬وأنا لم أستطع أن أخرج من أسر هذا المفهوم طيلة حياتي‮ ‬وحتي‮ ‬أقسي‮ ‬اللحظات عشتها أحلم بالعالم الأمثل ولم أكتب نثرً‮ ‬أو شعرًا إلا باتجاه المساهمة في‮ ‬تجميل الحياة ومحاولة الوصول بها إلي‮ ‬الأسمي،‮ ‬ويمكن بالطبع تقييم حجم هذه المساهمة أو مقدار تأثيرها الكيفي‮ ‬قل أو كثر،‮ ‬لكن الذي‮ ‬لا‮ ‬يقبل التقييم بوجهة نظري‮ ‬هو قدر التمسك بذلك التلازم الدائم والمستقر في‮ ‬تجربتي‮ ‬الفنية بكاملها بين الفن والثورة‮.. ‬سألته عن المسرح المحاصر بقيود مرئية وصريحة في‮ ‬بعض الأحيان وغير مرئية وغامضة في‮ ‬أحيان أخري‮ ‬كثيرة؟ فقال‮: ‬للأسف الشديد أجهزة الدولة المعنية بالمسرح كانت هي‮ ‬المحاصر الأكبر له علي‮ ‬مدي‮ ‬العقود السابقة فمنذ منتصف السبعينيات والتوجه الواضح للدولة هو العمل علي‮ ‬إخراج المسرح من دائرة التأثير‮. ‬والحديث عن تجربة واحدة معينة بشكل مبتسر سيكون أقل بكل تأكيد مما‮ ‬يجب إبرازه وكشفه باعتباره المخطط الإجمالي‮ ‬الذي‮ ‬تكثفت جهود الأجهزة الرسمية للدولة لكي‮ ‬تسيده وقد مرت هذه الجهود بمرحلتين رئيسيتين مكتملتي‮ ‬المعالم ونقطة الفصل بينهما هي‮ »‬فاروق حسني‮« ‬فالمرحلة التي‮ ‬قبله كانت مرحلة حصار المسرح من خارجه بالرقابة وبالعنف الإداري‮ ‬المباشر مع الاحتفاء بمنتج المسرح التجاري‮ ‬والمساعدة علي‮ ‬ترويجه من خلال أجهزة الإعلام الرسمية وتبنيه كمشروع‮ ‬يؤدي‮ ‬إلي‮ »‬نصف الغرض‮« ‬طالما أن الدولة لم تكن قد وضعت‮ ‬يدها بعد علي‮ ‬مشروعها الكامل الذي‮ ‬يمثل البديل الناجز ويستطيع أن‮ ‬يؤدي‮ »‬كل الغرض‮« ‬أما المرحلة الثانية فقد بدأت في‮ ‬التشكل مع اكتمال سيطرة فاروق حسني‮ ‬علي‮ ‬تفاصيل المشهد الثقافي‮ ‬واستجلابه للمشروع المسرحي‮ ‬البديل الذي‮ ‬تم زرعه وتسريبه إلي‮ ‬مركز العقل المسرحي‮ ‬حتي‮ ‬يخرج المنتج المسرحي‮ ‬دائما مفرغ‮ ‬المضمون ومنزوع الرسالة حيث تم اختصاره في‮ ‬مسرح الجسد الأقرب‮ ‬غالبًا إلي‮ ‬العري‮ ‬والمحاط ببعض الإبهار الشكلي‮ ‬والتهويمات الموسيقية‮ »‬اللا مصرية‮« ‬إلا فيما ندر بحيث‮ ‬يتم بناء الجدار العازل بين ما‮ ‬يقدمه المسرح وبين جمهوره القادم من منطقة الوجدان المصري‮.‬
ومع كل تقدم في‮ ‬هذا الاتجاه ومع كل نجاح في‮ ‬توسيع الفاصل بين المسرح والمواطن ومع كل تمكين للنموذج المشوه‮. ‬أصبح ممكنا الإجهاز علي‮ ‬مجموعات المبدعين المخلصين للنموذج الأصل المنتمي‮ ‬لفن المعني‮ ‬والكلمة والقيمة الفكرية والجمالية بخطوطها المتشابكة بكل المهارة والعمق‮. ‬ووصل المخطط لقمته عندما استكمل فاروق حسني‮ ‬امتلاك آلية منظمة قادرة علي‮ ‬الفرز والتصنيف ولها أصابعها المتوغلة داخل الجسم المسرحي‮ ‬بفرقه ومؤسساته والممتدة داخل الجسد الثقافي‮ ‬عموما وأصبحت فلسفة الدولة بوضوح هي‮ ‬الطرد والتهميش والإقصاء والحصار تجاه البعض والاستيعاب والامتصاص والدفع إلي‮ ‬الجري‮ ‬داخل حدود‮ »‬الحظيرة‮« ‬للبعض الآخر وانطلاقا من تلك الرؤية الأشمل‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتم رصد كافة أشكال التدخل الناعم والبيروقراطي‮ ‬الذي‮ ‬دائما ما‮ ‬يوصل إلي‮ ‬الهدف بدون أساليب علنية ومفضوحة والتي‮ ‬يمكن أن أحدد منها خلال تجربتي‮ ‬ما لا‮ ‬يعد ولا‮ ‬يحصي‮ ‬من الحالات التي‮ ‬يصل بعضها إلي‮ ‬مرحلة الكوميديا والتي‮ ‬يمكن تقسيمها في‮ ‬النهاية إلي‮ ‬نوعين أولهما‮ ‬يتم بالتعليمات السرية وبواسطة المرتبطين عضويا بالأجهزة والنوع الثاني‮ ‬يحدث تلقائيا بمبادرات العدد الأكبر من الدائرين في‮ ‬فلك المنظومة دون وعي‮ ‬والذين لبعضهم مصالح شخصية ضيقة وبعضهم‮ ‬يمارس تنافسا وهميا ومفترضا وليس له وجود حقيقي‮ ‬علي‮ ‬الأرض‮. ‬البعض‮ ‬يعادي‮ ‬من باب المجاملة لأحد ما أو من باب أخذ الحذر والحيطة وضمان السير في‮ ‬الاتجاه الآمن والبعض‮ ‬يعرقل لمجرد الإهمال العادي‮ ‬والمجرد‮. ‬المهم أن الكل‮ ‬يؤدي‮ ‬دوره في‮ ‬المنظومة وهو متأكد أن ما‮ ‬يفعله لن‮ ‬يزعج رؤسائه في‮ ‬حالة وجود أي‮ ‬نوع من أنواع الشكوي‮ ‬الشخصية أو الرسمية بل علي‮ ‬العكس فإن مناخ التشكي‮ ‬كلما زاد كلما أدرك المسئولون من ذوي‮ ‬التوجه الواعي‮ ‬أن ما قصدوه قد تحقق وأن آلية الحصار والتهميش والطرد أصبحت مستقرة وفعالة وتعمل طوال الوقت وحتي‮ ‬بدون أي‮ ‬حاجة إلي‮ ‬المتابعة والرقابة‮. ‬والتفاصيل الداخلة في‮ ‬حيز تجربتي‮ ‬الشخصية وفي‮ ‬حدود مشاهداتي‮ ‬العينية التي‮ ‬تصادف أن بعضها كان بالقرب من مستويات أحيانا تتلامس مع مستوي‮ ‬المحافظين والوزراء وبعضها الأكثر بالطبع أبطاله هم صغار وكبار الموظفين‮.‬
انتهي‮ ‬حديث حمدي‮ ‬عيد المسهب والدقيق في‮ ‬الوقت نفسه،‮ ‬فسألته عن الالتزام الحزبي‮ ‬وتعارضه مع حرية الإبداع؟ فقال‮: ‬افتراض أنه من الممكن حدوث تناقض بين الأفكار الفنية لأي‮ ‬مبدع والأفكار العامة للحزب الذي‮ ‬ينتمي‮ ‬إليه هذا الفنان‮ ‬يعني‮ ‬ببساطة أن هذا الفنان لم‮ ‬يحسن اختيار الحزب الذي‮ ‬يتوافق مع اعتقاداته وانحيازاته الفكرية‮. ‬ومفهوم الالتزام الحزبي‮ ‬يتمحور أكثر حول المواظبة علي‮ ‬المشاركة في‮ ‬الفعاليات العامة والاجتماعات الحزبية والانتظام في‮ ‬دفع الاشتراك ولعب دور في‮ ‬الدعوة لأفكار الحزب ولكن هذه الدعوة تكون عادة بالطريقة التي‮ ‬يجيدها كل عضو‮.‬
بالنسبة لأعضاء الفنانين تكون باستخدام أدواتهم ومهاراتهم الفنية‮. ‬وشخصيا لم أواجه خلال فترات ارتباطي‮ ‬بكيان حزبي‮ ‬أي‮ ‬إحساس بالتعارض بين خطاب الحزب وبين ما أتبناه من أفكار أحاول أن أضمنها مسرحياتي‮ ‬أو قصائدي‮ ‬حتي‮ ‬الموجه منها للأطفال‮.‬
أخيرا قلت له‮: ‬الحياة اختيار‮. ‬هل اخترت طر‮ ‬يقك وهل ثمة شعور بالندم‮ ‬يعتريك؟ فقال‮: ‬بالتأكيد الحياة اختيار والمعاناة الكبري‮ ‬في‮ ‬تحديد شكل هذا الاختيار والانحياز إلي‮ ‬أفكار محددة تكون في‮ ‬المراحل الأولي‮ ‬للتكوين والتي‮ ‬تكون فيها المسارات متنوعة ومتعددة والتأثيرات المختلفة تحيط بك وأنت‮ ‬غير مكتمل القدرة علي‮ ‬الفرز والمقارنة،‮ ‬والحقيقة أن الصدفة تلعب أحيانا أدوارًا أساسية في‮ ‬الدفع نحو اختيار من الاختيارات وفيما‮ ‬يخصني‮ ‬فإن ملابسات حياتي‮ ‬الخاصة والمناخ المحيط كانت كلها مشكلة لحزمة من العوامل التي‮ ‬دفعتني‮ ‬بقوة نحو اختياري‮ ‬الرئيسي‮ ‬والأخير بالانحياز لمنظومة الأفكار الاشتراكية وتبني‮ ‬مصالح الطبقات الشعبية التي‮ ‬كنت ومازلت أنتمي‮ ‬لها ولو عاد بي‮ ‬الزمان إلي‮ ‬لحظة الاختيار مائة مرة فلن‮ ‬يتغير اختياري‮ ‬ولو كان لي‮ ‬حرية التدخل في‮ ‬مسيرة حياتي‮ ‬السابقة فإنني‮ ‬قد أغيّر أو أبدّل أو أحسّن أو أطوّر بعض التفاصيل والمواقف الجزئية ولكن داخل اختياري‮ ‬الرئيسي‮ ‬الثابت نفسه الثابت والذي‮ ‬مازلت أعتقد بصحته ومازلت مستعدا لدفع المزيد من الثمن لكي‮ ‬يتمكن من تشكيل المنهاج الحاكم لعلاقات البشر والذي‮ ‬يؤدي‮ ‬إلي‮ ‬عدالة حقيقية وحرية كاملة للعقل والروح‮.‬

 

سليم كتشنر

معلومات أضافية

  • الاسم:
  • الفن: تمثيل
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٤٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here