اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية
سور الكتب
سور الكتب

سور الكتب (94)

 

لا‮ ‬يمكن القول بان الاهمية الاستثنائية لهذا الكتاب تنبع من موضوعه‮ ‬،الذي‮ ‬يدور كما‮ ‬يبدو جليا من عنوانه في‮ ‬إطار‮ "‬دراسات الجندر‮" ‬التي‮ ‬اصطلح علي‮ ‬ترجمتها بـ"النسوانية‮" ‬،‮ ‬فمجال الدراسات الغربية مليء وفي‮ ‬كل المجالات‮ ‬،‮ ‬السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفنية‮ ‬،‮ ‬بتلك الأبحاث التي‮ ‬تنطلق من فرضية‮ " ‬مظلومية المرأة‮ " ‬إن جاز التعبير‮ ‬،‮ ‬لتصل إلي‮ ‬نتائج بعضها شديد الأهمية‮  ‬والدلالة،‮ ‬والآخر‮ ‬يدعو للرثاء،‮ ‬رغم الكثير من المنطقية‮ ‬،‮ ‬والتفاصيل الموجعة التي‮ ‬ترد في‮ ‬البحث‮ ‬،‮ ‬إلا أن الفرضية الاساسية عادة ما تضعف النتيجة‮ .‬
لذا‮ ‬يمكن التأكيد علي‮ ‬أن مكمن الأهمية الذي‮ ‬يجعل الكتاب‮ ‬ينتمي‮ ‬للفئة الأولي‮ ‬من هذه الدراسات هو مؤلفة الكتاب جانيت سوزمان‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬حرصت داخل متنه علي‮ ‬التأكيد أن هذا الكتاب ليس‮ "‬دراسة نسوانية‮ ".‬
وسوزمان‮ .. ‬ممثلة ومخرجة مسرحية بريطانية معروفة‮ ‬،‮ ‬ولدت في‮ ‬جنوب أفريقيا‮ ‬،‮ ‬وربما‮ ‬يكون هذا السبب الرئيس في‮ ‬مناهضتها للعنصرية بكافة أشكالها‮ ‬،‮ ‬بما‮ ‬يتضمن العنصرية الذكورية الغربية‮ ‬،‮ ‬الممارسة ضد المرأة‮ .‬
درست سوزمان الموسيقي‮ ‬والفنون المسرحية في‮ ‬لندن‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬عضو بفرقة شكسبير الملكية منذ العام‮ ‬1963‮ ‬ولعبت خلال تلك السنوات أدوار الكثير من بطلات شكسبير‮ ‬،‮ ‬روزالين‮ ‬،‮ ‬أوفيليا‮ ‬،بياترس‮ ‬،‮ ‬كليوباترا‮ ‬،‮ ‬مما‮ ‬يجعلها في‮ ‬هذه الدراسة أقرب ما تكون إلي‮ " ‬شاهد عيان‮ " ‬،‮ ‬منها إلي‮ ‬كاتبة نظرية ترص بنيانا من الكلمات المعقدة‮ .‬
والجدير بالذكر أن جانيت سوزمان رشحت لجوائز البافتا‮ ‬،‮ ‬والجولدن جلوب‮ ‬،‮ ‬عن دورها في‮ " ‬الأميرة ألكسندرا‮ " ‬،‮ ‬ولأن الكاتبة تجيد‮  ‬الفرنسية‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬جانب لغتها الأم الإنجليزية،‮ ‬يمكن اعتبار الكتاب محل العرض دراسة في‮ ‬متن الثقافة الذكورية الغربية ككل في‮ ‬مجال المسرح‮ ‬،‮ ‬وليست في‮ ‬متن الثقافة المسرحية الإنجليزية فقط‮ .‬
  تستعير سوزمان كلمات دانتي‮ ‬في‮ ‬الكوميديا الإلهية قائلة‮ : ‬أنا كما‮ ‬يقول دانتي‮ ‬تخطيت منتصف طريق عمري‮ ‬الذي‮ ‬هو صدي‮ ‬في‮ ‬هذا الكتاب‮ ..‬وبناء علي‮ ‬ذلك فإن لدي‮ ‬القليل من الوقت كي‮ ‬ألقي‮ ‬الضوء علي‮ ‬مهنتي‮ ‬الغريبة‮ ‬،‮ ‬وتخصصي‮ ‬الذي‮ ‬سخرته في‮ ‬غالب الأحايين لتصوير حيوات النساء اللاتي‮ ‬كن الولع والشغف الأكبر لكتاب ومخرجي‮ ‬الدرما‮ .‬
وسط كل صانعي‮ ‬الدراما‮ ‬يبقي‮ ‬شكسبير هو سيدهم‮ ..‬تعترف المؤلفة قبل أن تضيف أن هذا السيد لم‮ ‬يكن أبدًا عادلا‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يحقق التوازن والتنوع المطلوب في‮ ‬شخصياته‮ ‬،‮ ‬
وبالاقتراب من أعمال شكسبير تبقي‮ ‬الملكة كليوباتر هي‮ " ‬ست‮ " ‬الشخصيات النسائية الدرامية‮ ‬،‮ ‬الاكثر إبداعا والأكثر تعقيدا‮ ‬،‮ ‬عشقها قيصر وأنطونيو‮ ‬،‮ ‬وحكمت مصر كملكة‮ ‬– ‮ ‬إلهة،‮ ‬في‮ ‬واحدة من اكثر الفترات التاريخية إثارة للجدل‮ ‬،‮ ‬عندما كانت الإسكندرية هي‮ ‬المدينة الوحيدة خارج الإمبراطورية الرومانية التي‮ ‬تتمتع بكل هذا الرقي‮ ‬والبهاء‮ . ‬في‮ ‬ذلك الوقت أطعمت مصر روما القمح المروي‮ ‬بماء النيل‮ ‬،‮ ‬وشهدت كليو باترا معركة عصيبة‮ ‬،‮ ‬وماتت وهي‮ ‬في‮ ‬الثامنة والثلاثين من عمرها هربا من‮  ‬ذل الهزيمة والأسر‮. ‬
مما لا شك فيه ان مجرد اختيار هذه الملكة عنوانا لمسرحية‮  ‬هو من دلائل عبقرية شكسبير‮ ‬،‮ ‬حيث حياته الحقيقية ظلت محاطة بتفاصيل كثيفة تحجب ما وراءها‮ ‬،‮ ‬ويجب التنبيه علي‮ ‬أن كليوباترا لديها الكثير من المشتركات مع الملكة إليزابيث الأولي‮ ‬تحديدا‮ ‬،‮ ‬ولكنها‮ "‬أجنبية‮ " ‬مما‮ ‬يعني‮ ‬مزيدا من الجرأة في‮ ‬المعالجة دونما خوف من تصوير حياتها وشخصيتها‮ ‬،‮ ‬
كل ملكات شكسبير الأخريات كن بلا زهوة‮ ‬،‮ ‬ملكات مخلوعات بلا حول ولا قوة‮ ‬،‮ ‬كلهن ما عدا كليوباترا والملكة فليومانيا أم كوريو لانوس‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬كانت شخصيتها علي‮ ‬قدر‮  ‬من القوة والمنطق والاتزان لم‮ ‬يتوافر حتي‮ ‬لشخصيات شكسبير الذكورية‮ .‬
ولكن كانت هناك الليدي‮ ‬ماكبث وأوفيليا ممن‮ ‬يشكلن نوعا من الإخفاق بعد أن‮ ‬يصبحن مجنونات جزئيا‮ ‬،‮ ( ‬رغم أن الملكة مارجريت في‮ ‬مسرحية هنري‮ ‬السادس كانت مثيرة للاهتمام في‮ ‬صغرها كما كانت مليئة بالطموح‮ ) .‬
إيميلدا وديزدمونة ماتتا كلتاهما كونهما أصبحتا محطا لعدم اليقين‮ ‬،‮ ‬كما هي‮ ‬كورديليا في‮ ‬الملك لير‮ ‬،‮ ‬وهيرميون في‮ ‬حكايات شتوية‮ ‬،‮ ‬كلهن تقررت مصائرهن بشكل نهائي‮ ‬خارج إرادتهن وتم التصديق علي‮ ‬الحكم‮ .‬
بنات لير الأخريات كذلك مختلات نفسيا وشهوانيات،‮ ‬لذا‮ ‬ينالن القصاص المستحق من وجهة نظر شكسبير طبعا‮ ‬،‮ ‬أما إيزابيلا في‮ " ‬ميجور فور ميجور‮ " ‬فظلت ضحية رغم أنها كانت مثيرة وتدعو للاهتمام‮ .‬
علي‮ ‬الضفة الأخري‮ ‬وفيما‮ ‬يخص النساء الفقيرات‮ ‬،‮ ‬فقد كان لديهن دائما نفوذ‮ ‬،‮ ‬كن لا‮ ‬يخفن‮ ‬،‮ ‬محبات وحنونات‮ ‬،‮ ‬عاشقات لدرجة توقف القلب‮ ‬،‮ ‬بغايا وخادمات‮ ‬،‮ ‬زوجات‮ ‬يظلمهن أن نصفهن بكلمة واحدة‮ .‬
من كليوباترا إلي‮ ‬ديزدمونا كتب شكسبير شخصيات نسائية مبهرة‮ ‬،‮ ‬ما زالت تقدمها الدراما المعاصرة،‮ ‬ولكننا نستطيع التأكيد أيضا أنه كتب خطوطا درامية بديعة وعلي‮ ‬نفس القدر من الإبهار للمجاميع‮ .‬
أكثر ما شد انتباهي‮ ‬أثناء كتابة‮ " ‬لسن هاملت‮ " ‬ــ تقول المؤلفة ــ هو ذلك الوضع الهش للنساء في‮ ‬الدراما حيث كل هؤلاء النساء الشكسبيريات لم تكافيء أي‮ ‬منهن داخليا‮ ‬،‮ ‬بنفس الطريقة التي‮ ‬جرت مع الشخصيات المذكرة‮ ‬،‮ ‬فلا‮ ‬يوجد هنا مناجاة لنفوسهن ولم تحظ أي‮ ‬منهن بذلك التحليل العلمائي‮ ‬والنفسي‮ ‬اللذين حظي‮ ‬بهما‮  ‬نظراؤهم من الشخصيات الذكورية‮ ‬،‮ ‬طبقا للقواعد والمباديءالمتبعة في‮ ‬مجال النقد الأدبي‮ ‬،‮ ‬انظر علي‮ ‬سبيل المثال ما حظيت به شخصية الملك لير مقابل ما حظيت به شخصية الملكة كليوباترا‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬كانت الشخصية الأقرب لـ"لير‮ " ‬في‮ ‬البناء النفسي‮ ‬والدرامي‮ ‬،‮ ‬
نستطيع أن نؤكد وبكل بساطة أنه ليست هناك مساواة بين لير وكليو باترا‮ ‬،‮ ‬لا علي‮ ‬المستوي‮ ‬الروحي‮ ‬،‮ ‬ولا علي‮ ‬مستوي‮ ‬البناء العقلي‮ ‬والفكري‮ ‬،‮ ‬لكل من الشخصيتين‮ ‬،‮ ‬بل وحتي‮ ‬علي‮ ‬المستوي‮ ‬الميتافيزيقي‮ .‬
لم تبلغ‮ ‬واحدة من نساء شكسبير تلك القمة التي‮ ‬وصل إليها‮ " ‬هاملت‮"  ‬تلك الشخصية التي‮ ‬تم التعامل معها في‮ ‬كل الكرة الأرضية باعتبارها شخصية حقيقية عاشت علي‮ ‬هذا الكوكب‮ ‬،‮ ‬وارتبطت بعقل كل واحد منا رغم أن هاملت لم‮ ‬ينتم إلا لشخصه‮ !‬
اذن‮ ..‬ماذا بعد ؟ تري‮ ‬هل‮ ‬يوجد في‮ ‬أي‮ ‬مكان في‮ ‬هذا العالم مجال تديره النساء أكثر مما‮ ‬يفعل الرجال ؟ أعتقد أن الإجابة هي‮ "‬لا‮ " ‬قطعية‮ ...‬تقول سوزمان‮ .‬
تضيف جانيت‮ : ‬أن الإعدام الذي‮ ‬تم تنفيذه مؤخرا بحق سيدة أفغانية‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬محاطة برجال‮ ‬يهللون‮ ‬،‮ ‬هو الصورة الحقيقية للعالم‮ .. ‬إن ذلك ليس انتحابا ولكنه مجرد ملاحظة‮ .‬
ترصد سوزمان تزايد أعداد الكاتبات في‮ ‬مجال المسرح‮ ‬،‮ ‬إلا أنها تؤكد أن الوقت لازال مبكرا للحكم عليهن‮ ‬،‮ ‬وهل سيكن جزءا من هذا التراث التاريخي‮ ‬أم لا ؟‮.‬
كذلك فإن هناك مخرجات علي‮ ‬درجة عالية جدا من الحرفية مثل المخرجة الفرنسية العظيمة أريان منوتشكين وعلي‮ ‬رأسهن جميعا سيدة فازت بالأوسكار هي‮ ‬كاترين بيجليون ولكن علينا أن نذكر أنفسنا دائما بأن هوليود لا تثق بالنساء‮.‬
كذلك هناك وفرة‮  ‬في‮ ‬الروائيات الجيدات لكن لا‮ ‬يستطيع أحد أن‮ ‬يجادل في‮ ‬أن هذا النوع من العمليات الإبداعية تمارس داخل البيت حيث توافر الأمان الكامل‮ ‬،‮ ‬لكن المسرح والسينما علي‮ ‬العكس تماما‮ ‬،‮ ‬إنهما عالم ضخم هادر لا‮ ‬يزال صعبا للغاية بالنسبة للنساء كي‮ ‬يدخلن مفاوضات بشأنه‮ .‬
في‮ ‬النهاية تعترف سوزمان أنه لا‮ ‬يمكن معالجة الأمر بحسابات‮ " ‬النسوانية‮ " ‬لأنها تخص حسابات العبقرية وحدها‮ ‬،‮ ‬وعلينا أن نعترف أن جل الأدوار الجيدة للنساء علي‮ ‬خشبة المسرح كتبها‮  ‬مؤلفون ذكور‮ ‬،‮ ‬ربما استخدمت النساء مسارح الرهبانيات السود ليراوغن السياسات البيورتانية المتزمتة‮ ‬،‮ ‬إلا أن ذلك لا‮ ‬ينفي‮ ‬أن كاريزما كليو باترا أسرت شكسبير ليخرج شخصية نسائية من أبدع ما‮ ‬يكون علي‮ ‬مر التاريخ‮ .‬
النساء لم‮ ‬يكن مستقلات في‮ ‬أي‮ ‬وقت من التاريخ‮ ‬،‮ ‬وربما لن‮ ‬يكن‮ ‬،‮ ‬إنه القدر المحتوم‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يكن مواطنات من الدرجة الثانية في‮ ‬الدراما كما هن في‮ ‬الحياة نفسها‮. ‬
لا تماري‮ ‬جانيت سوزمان في‮ ‬ذلك‮.‬
   ولاء فتحي‮ ‬

 

العلاقة بين الواقع والخيال‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬أكثر ما‮ ‬يلفت النظر في‮ ‬مسرحية‮ " ‬السفينة‮ " ‬التي‮ ‬صدرت مؤخرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة للشاعر والناقد الأدبي‮ ‬د‮. ‬محمد السيد إسماعيل‮ ‬،‮ ‬بمقدمة د‮. ‬عمرو دوارة،‮ ‬ضمن سلسلة‮ " ‬إبداعات الثورة‮ " . ‬أعرف أن علاقة الواقع بالخيال أمر لا‮ ‬يخلو منه عمل أدبي‮ ‬أو إبداعي‮ ‬بشكل عام‮ ‬،‮ ‬ولكن ما أقصده هنا‮ ‬يتعلق بكون مسرحية‮ " ‬السفينة‮ " ‬تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬موجة الكتابة التي‮ ‬تحسب علي‮ ‬إبداعات الثورة‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعني‮ ‬أن خيالها‮ ‬يرتبط ارتباطا كبيرا وأساسيا بالثورة وينهل من حضورها الذي‮ ‬يمتد من الأسباب‮  ‬الاجتماعية والسياسية والثقافية التي‮ ‬مهدت لها والقوي‮ ‬المتنازعة والمتفاعلة فيها‮ ‬،‮ ‬مرورا بتفاصيلها وأحداثها وانتهاء بمآلاتها والأشواط التي‮ ‬قطعتها وما‮ ‬يتهددها من أخطار الثورة المضادة‮ . ‬الخيال هنا ـ كما في‮ ‬الكثير من كتابات المناسبات ـ‮ ‬يظل أسيرا للواقع‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬الرغم من المعالجات المختلفة‮  ‬التي‮ ‬يحاولها المؤلفون‮  ‬لاصطياد الواقع في‮ ‬شبكة الخيال‮ ‬،‮ ‬قلا‮ ‬يبقي‮ ‬أمام هؤلاء الكتاب سوي‮ ‬الفن‮ ‬،‮ ‬والخيال الفني‮ ‬الذي‮ ‬يجاهد لكي‮ ‬يغترب بالمناسبة عبر الشكل والأدوات‮ . ‬هنا في‮ ‬هذه المسرحية‮ ‬يمكننا أن نلمح هذه المجاهدة التي‮ ‬يقوم بها محمد سيد إسماعيل من أجل أن‮ ‬يحيل الواقع‮ (‬الذي‮ ‬يعرفه الناس جيدا‮ )  ‬إلي‮ ‬صورة فنية تسكن اللغة برموزها ومجازاتها‮ . ‬نص السفينة‮ ‬يتخلي‮ ‬عن البنية التقليدية التي‮ ‬تنمو إلي‮ ‬الأمام بحمولاتها من شخصيات وأفعال وصولا إلي‮ ‬عقدة‮  ‬يعقبها حل‮ ‬،‮  ‬ويعتمد بدلا من ذلك علي‮ ‬مجموعة من الرموز الدالة اجتماعيا والتي‮ ‬يتشكل عبرها الصراع الأساسي‮ ‬في‮ ‬النص‮ ‬،‮ ‬يستدعي‮ ‬الكاتب من الواقع بعض إشاراته‮  ‬الدالة ليعيد إنتاجها وتركيبها في‮ ‬مواقع علاماتية‮  ‬جديدة تحتلها في‮ ‬بنية أشمل‮ ‬،‮ ‬ويمكننا هنا التعرف مثلا علي‮ ‬بعض الحوادث المشهورة مثل واقعة الاعتداء علي‮ ‬الصحفي‮ ‬المعارض‮  ‬عبد الحليم قنديل‮ "‬عشان‮  ‬تتكلم عن أسيادك كويس‮ " ‬وكذا واقعة قتل أحد الأشخاص ببورسعيد‮  ‬بيد الشرطة بينما كان‮ ‬يحاول الاقتراب من موكب الرئيس لتسليمه شكوي‮ ‬،‮ ‬هناك إشارات إلي‮ ‬بيع القطاع العام‮ ‬،‮ ‬جملة المخلوع‮ " ‬خليهم‮ ‬يتسلوا‮ " ‬شعار‮ " ‬فكر جديد‮ " ‬الذي‮ ‬رفعه الوريث ورجاله كشعار للحزب‮ .. ‬إلخ‮  . ‬كما حاول الكاتب‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬سعيه للتخلص من سطوة زمن‮  " ‬الثورة‮ " ‬تفكيك أحداثها وبعض تفاصيلها وإعادة تشغيلها في‮ ‬النص عبر‮  ‬آليات زمنية مختلفة‮ ‬،‮ ‬وقد رأيناه‮ ‬يقدم مشاهد من الثورة باعتبارها رؤي‮ ‬لعدد من الشخصيات‮ ‬،‮ ‬استباقا لوقوعها في‮ ‬الواقع واستعاضة بها عن حدوثها وإيحاء بهذا الحدوث أيضا‮ . ‬يقول المساعد للراوي‮ : ‬تتحدث كأنك تراه‮ . ‬فيرد الأخير‮ : ‬أتحدث كأنني‮ ‬ربيته علي‮ ‬عيني‮ ‬وانتظرت خروجه القريب‮ . ‬ويقول شاب في‮ ‬موضع‮ : ‬الأمر‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬كثير من التضحيات‮ ‬،‮ ‬أن تملأ الدماء ميدانا بكامله‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يفقد الآلاف عيونهم أو أذرعهم‮  ‬أو أرجلهم‮ ‬،‮ ‬أن تدهس السيارات الأجساد‮ . ‬كما‮ ‬يقول الشاب عن‮ " ‬السيد المهيب‮ " : ‬لن‮ ‬يتحرك بعد ذلك إلا محمولا بطائرة‮ ‬،‮ ‬أو محمولا علي‮ ‬نقالة‮ . ‬هكذا‮ ‬يقوم النص بعملية تحريك للزمن فنري‮ ‬صورا من الواقع محمولة علي‮ ‬رؤي‮ ‬استباقية لكثير من شخصيات النص‮ ‬،‮ ‬وتتداخل مشاهد وأزمنة مختلفة واقعية ورمزية لتصنع بنية مفارقة لبنية الزمن الطبيعي‮  ‬،‮ ‬مشيرة إلي‮ ‬محاولة الكاتب تحدي‮ ‬سطوة الصورة الواقعية للثورة وتغريبها في‮ ‬بنية‮ ‬غير تقليدية‮ ‬،‮ ‬ومع ذلك‮ ‬يظل أفق الخيال‮  ‬الذي‮ ‬يفتحه النص مرهونا بواقع‮ ‬،‮ ‬موضوعي‮ ‬،‮ ‬نشترك في‮ ‬معرفته جميعا‮ ‬،‮ ‬يسوق الموضوع إليه‮ ‬،‮ ‬ومن ذلك‮ ‬يقول الراوي‮ : ‬لكن من قال إن هناك فرقا بين الواقع والخيال‮ ‬،‮ ‬الخيال هو الابن‮ ‬غير البار للواقع‮ ‬،‮ ‬الابن المشاكس‮ ‬،‮ ‬العنيد المتمرد‮ ‬،‮ ‬خفيف الروح الذي‮ ‬يتسلق ثلاثين طابقا‮ ‬،‮ ‬لا لشيء إلا لكي‮ ‬يحرق علما لا‮ ‬يود رؤيته‮ .  ‬هكذا نجد في‮ ‬جملة الراوي‮ ‬ما‮ ‬يؤكد إشكالية الخيال في‮ ‬مثل هذه النصوص التي‮ ‬ترتبط وتتبع موضوعا محددا‮ ‬،‮ ‬الخيال‮ ‬يظل ملاصقا للواقع وإن تمرد فهو الابن المشاكس الذي‮ ‬لا‮ ‬يتعدي‮ ‬أقصي‮ ‬إمكانيات هذا الواقع وأكثرها تحقيقا لطاقاته ؛ الشاب الذي‮ ‬صعد مبني‮ ‬السفارة الإسرائيلية وأنزل العلم وقام بإحراقه‮ . ‬
في‮ ‬مقدمته‮ ( ‬الثورة المصرية بعيون المسرح‮ ) ‬أضاء د‮. ‬عمر دوارة مساحات واسعة من علاقة المسرح بالثورة‮ ‬،‮ ‬راصدا ما مهد وصاحب وعبر عن ثورة‮ ‬يوليو من عروض مسرحية وكذلك‮  ‬ثورة‮ ‬يناير‮ ‬،‮ ‬كما قدم دوارة دراسة حول نص‮ " ‬السفينة‮ " ‬انتهي‮ ‬منها إلي‮ ‬القول بأن النص بإيجابياته وسلبياته‮ ‬يعد بلا شك إضافة جديدة لمكتبة النصوص المصرية والعربية وإن أخذ علي‮ ‬النص عدم قابلية ما قدمه الكاتب من وصف للمكان للتحقق علي‮ ‬خشبة المسرح‮ ‬،‮ ‬كذلك رأي‮ ‬عدم أهمية لوجود الراوي‮ ‬ومساعده‮ . 

محمود الحلواني  ‬
          

 

الورد البلدي‮ ‬مسرحية شعرية صدرت مؤخرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة،‮ ‬وضمن سلسلة‮ »‬إبداعات الثورة‮« ‬اعتبرها المخرج الكبير والأستاذ الأكاديمي‮ ‬د‮. ‬جمال‮ ‬ياقوت ثورة في‮ ‬كتابة المسرح الشعري،‮ ‬وذلك في‮ ‬مقدمته لها التي‮ ‬تضمنها الكتاب،‮ ‬كما أشاد‮ ‬ياقوت بلغتها الشعرية البسيطة التي‮ ‬تجمع‮ - ‬حسب رأيه‮ - ‬ما بين جماليات الصورة وبساطة المعني،‮ ‬وقد أدي‮ ‬ذلك إلي‮ ‬اتساع مساحة اللقطات الجمالية في‮ ‬النص بما‮ ‬يعطي‮ ‬مساحة واسعة للمخرج الذي‮ ‬يتناول هذا النص لتقديمه في‮ ‬صورة عرض مسرحي‮ ‬موسيقي،‮ ‬كذلك أشار‮ ‬ياقوت إلي‮ ‬أن النص‮ ‬يمثل توثيقا مهما لفترة من أهم الفترات التي‮ ‬يعيشها المجتمع المصري،‮ ‬وأكد علي‮ ‬أنه الأول الذي‮ ‬يطرح قضية الثورة المصرية في‮ ‬صورة درامية متكاملة‮.‬
النص بسيط وجميل معاً،‮ ‬وفي‮ ‬ظني‮ ‬أنه‮ ‬ينتمي‮ ‬إلي‮ ‬ما عرف باسم‮ »‬الأوبريت‮« ‬الغنائي،‮ ‬أكثر من انتمائه للمسرح الشعري،‮ ‬حيث‮ ‬يقوم علي‮ ‬اللغة الشعرية المغناة،‮ ‬التي‮ ‬تنقل المواقف المختلفة للشخصيات،‮ ‬وتشكل مجمل تحولات النص،‮ ‬دون اعتبار كبير لإحكام حبكة درامية تتجسد خلالها شخصيات وأفعال،‮ ‬فالمواقف ووجهات النظر المختلفة التي‮ ‬من المفترض أن تقوم عليها الدراما تنقلها الأغاني‮ ‬كنوع من الإخبار عن التناقضات ولا تتجسد في‮ ‬أفعال وحركة،‮ ‬وهذا ليس عيبا في‮ ‬النص إلا إذا نظرنا إليه باعتباره نصاً‮ ‬دراميًا،‮ ‬وأما إذا نظرنا إليه من داخل البنية التي‮ ‬ارتضاها لنفسه،‮ ‬تلك البنية الغنائية والاستعراضية فسوف نجده متسقا مع ذاته جماليا ومكتملاً‮ ‬وفق صيغته الغنائية‮.‬
وقد نجح الشاعر بشكل كبير في‮ ‬إدارة النص‮ ‬غنائيا،‮ ‬وكانت حواراته الشعرية وأغنياته تتسم بالبساطة والرهاقة في‮ ‬التعبير عن المواقف المختلفة،‮ ‬وقد اخترنا بعضا من هذه الحوارات للتدليل علي‮ ‬جودة صياغات الكاتبة الشعرية‮.‬
الشرطي‮: ‬الواد راسه عنيده‮ ‬يا فندم
بس خلاص سيطرنا عليه
الرئيس‮: ‬مش عايزين ثغرات أمنية
خبي‮ ‬العسكر في‮ ‬الحرامية
واهجم ع الأحلام الخضرا
لا الأحلام تطرح ذرية
الشرطي‮: ‬ح اهجم بالإرهاب والكوره
والإعلام أبو عين مكسوره
والجرنان أبو حبر مخادع
والفزاعه أم لسان واقع
الرئيس‮: ‬مش عايزين ثغرات أمنية
الشرطي‮: ‬طب والعلم وأهله‮ ‬يا افندم
الرئيس‮: ‬قبل الفجر بساعه هاتوه
لو ماسافرش ابقوا اعتقلوه‮.. ‬إلخ
وفي‮ ‬إحدي‮ ‬الأغنيات‮ ‬يقول‮:‬
‮»‬كلنا خالد سعيد‮.. ‬كلنا سيد بلال
كلنا مطلع نشيد‮.. ‬لحنه بيهز الجبال
كلنا قدمنا روحنا‮.. ‬وانتي‮ ‬ذوقتي‮ ‬لنا روحك
مش مهم تطيب جروحنا‮.. ‬المهم تطيب جروحك
‮(...) ‬كلنا سيد بلال‮.. ‬كلنا خالد سعيد‮«‬
ويتحدث عن الثورة بأنها‮:‬
‮»‬الثورة مش بنت امبارح‮.. ‬ولا شاب طاش وعجوز ناصح
الثورة جماهير مصرية‮.. ‬من توشكا للبحر المالح
في‮ ‬كل أسبوع‮ ‬يوم جمعة‮.. ‬وف كل جمعة العزم‮ ‬يزيد
مصر الشباب للنور طالعه‮.. ‬مرشوشه سكر قبل العيد‮..‬
كما‮ ‬يقول عن الاستقطاب الحادث في‮ ‬المجتمع المصري‮ ‬بفعل فاعل‮:‬
‮»‬قسمونا خيار وقتَّه
وانتفش ريش المؤامرة
‮»‬لن تنالوا البر حتي‮«‬
تعملوا من ثاني‮ ‬ثورة‮«‬
هناك إذن مهارات شعرية واضحة،‮ ‬وقدرة في‮ ‬إدارة السرد والإيقاع فيما بين المقاطع والحوارات والمشاهد بما‮ ‬يؤكد أحقية هذا النص بالعرض في‮ ‬المسرح الغنائي‮.‬

محمود الحلواني

 

يستدعي‮ ‬الكاتب أحمد الأبلج في‮ ‬مسرحيته الجديدة‮ »‬غنائم الملاعين‮« ‬حادثة تاريخية،‮ ‬بغض النظر عن مدي‮ ‬صدقها لأننا لسنا هنا بإزاء التاريخ،‮ ‬لينسج منها خيوطًا درامية تتماس بقدر‮ ‬يكاد‮ ‬يكون متطابقًا مع الراهن حيث‮ ‬يكشف من خلالها فساد السلطة سواء السياسية أو الدينية أو التنفيذية،‮ ‬ويكشف كذلك‮ ‬غياب الوعي‮ ‬لدي‮ ‬العامة وإن استثني‮ ‬منهم نفرًا قليلاً‮ ‬يقودهم عمران الذي‮ ‬تلقي‮ ‬قدرًا من التعليم مما‮ ‬يوحي‮ ‬بأن الكاتب هنا‮ ‬يعول علي‮ ‬النخبة في‮ ‬تثوير الشعب وقدرتها علي‮ ‬كشف ألاعيب السلطة دائمًا ورغبتها الصادقة في‮ ‬مقاومتها‮.‬
الدراما هنا تقليدية وهذا ليس حكمًا بالقيمة لها أو عليها‮.. ‬فالمهم كيف أدارها الكاتب وهل كان واعيًا باللعبة أم أن الخيوط انفرطت منه وتشعبت وأدت إلي‮ ‬الارتباك‮.‬
واقع الأمر أن الكاتب هنا أدار لعبته بمهارة وحرفية شديدتين،‮ ‬ونجح إلي‮ ‬حد كبير في‮ ‬لعبة التشويق والتصاعد الدرامي‮ ‬الذي‮ ‬يجعل القارئ‮/ ‬المشاهد‮ ‬يلهث وراء الأحداث التي‮ ‬تتكشف رويدًا رويدًا،‮ ‬حتي‮ ‬يصل إلي‮ ‬النهاية ويمسك بالتفاصيل كاملة‮.. ‬فالكاتب لا‮ ‬يكشف أوراقه هكذا دفعة واحدة بل‮ ‬يأخذنا معه بخبث شديد ويجعلنا مشددوين ومشدوهين لما‮ - ‬ربما‮ - ‬يحدث‮.‬
خمسة مشاهد مرتبة بعناية فائقة لا تستطيع أن تحذف مشهدًا دون أن‮ ‬يختل البناء ويرتبك حتي‮ ‬اللوحة الثانية في‮ ‬المشهد الثاني‮ ‬وهي‮ ‬اللوحة التي‮ ‬تستدعي‮ ‬فيها الصبية أحد أفراد الشرطة لإنقاذها ممن‮ ‬يتحرشون بها،‮ ‬ثم تفاجأ أن الشرطي‮ ‬نفسه‮ ‬يتحرش بها‮.. ‬قد‮ ‬يري‮ ‬البعض أن حذفها لن‮ ‬يخل بالبناء لكنها في‮ ‬ظني‮ ‬تحدث نوعًا من التراكم الذي‮ ‬يؤدي‮ ‬إلي‮ ‬تأكيد معني‮ ‬بعينه‮.. ‬فإذا أضفنا إليها اللوحة الثالثة من نفس المشهد تأكد لدينا فساد الشرطة وشيوع النصب‮.‬
الجميل في‮ ‬أمر هذا النص أنه مكتوب بخبرتي‮ ‬الكتابة والمشاهدة‮.. ‬بمعني‮ ‬أنه ممتع علي‮ ‬مستوي‮ ‬القراءة الأدبية‮.. ‬وممتع كذلك عند تصوره وقد تحول إلي‮ ‬عرض حي‮ ‬علي‮ ‬الخشبة‮.. ‬وهذه‮ -‬في‮ ‬ظني‮- ‬ميزة لا تتوافر في‮ ‬كثير من النصوص المسرحية‮.‬
أيضا ما‮ ‬يميز هذا النص المكتوب قبل خمس سنوات من الآن هو ظزاجته وصلاحيته لكل العصور والأوقات‮.. ‬وإذا نظرنا إلي‮ ‬هذا النص في‮ ‬ظل الصراع الدائر الآن بين العسكر والإسلاميين ورغبة كل منهما في‮ ‬السيطرة علي‮ ‬مقاليد الحكم لتصورنا أن النص مكتوب منذ شهرين أو ثلاثة مثلاً‮ ‬وهذه ميزة مهمة حيث‮ ‬يبدو الكاتب وكأنه تنبأ في‮ ‬نصه بما‮ ‬يحدث الآن‮.‬
الموضوع ربما لا جديد فيه‮ .. ‬صراع علي‮ ‬الغنائم‮ ‬يدور أبدًا بين السلطات‮.. ‬أكاذيب باسم الدين‮.. ‬استغلال لجهل الناس وفقرهم‮.. ‬قصة حب بين شاب مكافح وابنة تاجر كبير‮.. ‬حكام‮ ‬ينهبون الشعب ويثقلون كاهله بالضرائب‮.. ‬شراطة فاسدة‮.. ‬ونصابون وحواة‮ ‬يستغلون طيبة وسذاجة الشعب‮.. ‬لكن البناء الدرامي‮ ‬المحكم والمعالجة الواعية التي‮ ‬لا تميل إلي‮ ‬نصرة الخير علي‮ ‬الشر في‮ ‬النهاية هي‮ ‬ما‮ ‬يعطي‮ ‬لهذا النص إشراقته وجماله‮.. ‬وكذلك هناك الحوار المتدفق والأحداث المتسارعة والقدرة علي‮ ‬بناء الصورة أو المشهد والمسحة الكوميدية اللطيفة‮.. ‬كل ذلك‮ ‬يعطي‮ ‬متعة للقارئ‮/ ‬المشاهد‮.. ‬فضلاً‮ ‬عن أنه‮ - ‬في‮ ‬ظني‮ - ‬يسهل كثيرًا من مهمة المخرج حيث لا نتوءات ولا ارتبكات في‮ ‬الصياغة أو البناء تحول دون سلاسة الإخراج وسهولته‮.‬
‮ ‬يسري حسان

 

 

ضمن سلسلة‮ »‬إبداعات الثورة‮« ‬التي‮ ‬تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة،‮ ‬صدر مؤخرًا كتاب‮ ‬يضم مسرحيتين للشاعر والكاتب المسرحي‮ ‬أحمد سراج وهما‮: »‬القلعة والعصفور‮« ‬و»فصول السنة المصرية‮ - ‬الجسد والنبوءة‮« ‬كما ضم الكتاب ورشة للناقد د‮. ‬محمد فكري‮ ‬الجزار،‮ ‬عنوانها‮ »‬دراما الثورة‮.. ‬من ترميز الحلم إلي‮ ‬توثيق الحكاية‮« ‬في‮ ‬المسرحيتين إشارة إلي‮ ‬أن زمن كتابة النص الأول‮ »‬القلعة والعصفور‮« ‬هو‮ ‬يناير‮ ‬2010‮ ‬أي‮ ‬قبل ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير بعام كامل،‮ ‬بينما زمن كتابة النص التالي‮ "‬فصول السنة المصرية‮« ‬هو‮ ‬2011‮ ‬بعد الثورة‮. ‬وهي‮ ‬الإشارة التي‮ ‬أسس عليها الناقد وانطلق منها لتأويل العناوين ومن ثم النصين المسرحيين معتبرًا أن نص‮ »‬القلعة والعصفور‮« ‬نص ما قبل الثورة،‮ ‬نص رمزي،‮ ‬جاء لأن الحكاية كانت لا تزال في‮ ‬دائرة الرجاء،‮ ‬وما أن دخل الرجاء دائرة التحقق‮ - ‬مع الثورة‮ - ‬حتي‮ ‬انكشف‮  ‬الرمز عن رموزه وتجلت الحكاية‮ - ‬أقرب إلي‮ ‬الطبيعية‮ - ‬فصولاً‮ ‬أربعة أمّا الحكاية في‮ ‬النصين كما‮ ‬يرصدها د‮. ‬فكري‮ ‬الجزار فهي‮ ‬حكاية التحرر والانعتاق‮.‬
أشار الجزار إلي‮ ‬أن النص الرمزي‮ ‬يمثل وعي‮ ‬الكاتب في‮ ‬لحظة سابقة عن الثورة،‮ ‬وقد أراد إعطاء ما‮ ‬يعتمل في‮ ‬سيكولوجية جماعته شكله ورؤيته وخطابه من خلال نصه الرمزي،‮ ‬كما أعتبر أن النص الواقعي‮ ‬قصد فيه الكاتب وعي‮ ‬الجماعة في‮ ‬لحظتها الاستثنائية وقد أراد المؤلف أن‮ ‬يلتقط منها الجوهري‮ ‬الذي‮ ‬يتكرر في‮ ‬تنوع ظاهراتها،‮ ‬ويكون إنجازه الإبداعي‮ ‬أنه تمكن من القبض علي‮ ‬ذلك الجوهري‮. ‬يقف الناقد كثيرًا أمام العنوانين فيؤول‮ »‬القلعة والعصفور‮« ‬بأن مفردة‮ »‬القلعة‮« ‬تمثل عالم الوهم،‮ ‬بينما تمثل مفردة‮ »‬العصفور‮«  ‬حلم الانعتاق،‮ ‬في‮ ‬إشارة إلي‮ ‬أن المسرحية تتنبأ بالثورة وتسعي‮ ‬إليها عبر مسلكها الرمزي،‮ ‬وهو ما‮ ‬يختلف عن مسرحية‮ »‬فصول السنة المصرية‮« ‬التي‮ ‬يري‮ ‬الناقد أنها‮ »‬أقرب ما تكون إلي‮ ‬الدراما التسجيلية لولا أن شخوصها وأحداثها‮ ‬غير متعينة واقعيًا،‮ ‬ذلك لأن الواقع في‮ ‬هذه المسرحية هو سيد النص،‮ ‬ولا وجود فيه إلاّ‮ ‬للشعب ممثلا في‮ ‬بعض الشخصيات‮.‬
في‮ »‬القلعة والعصفور‮« ‬يقول د‮. ‬فكري‮ ‬الجزار‮ »‬يحاول المؤلف تعرية مملكة الوهم‮ »‬القلعة‮« ‬وتفكيك بنيته،‮ ‬وفي‮ ‬السبيل للتحول الممكن من الوهم إلي‮ ‬الحقيقة،‮ ‬الذي‮ ‬يبتغيه النص،‮ ‬لا‮ ‬يجد المؤلف للثورة الأكثر أمنًا،‮ ‬غير ما‮ ‬يطلق عليه‮ »‬الثورة من داخل القصر‮« ‬ولكن من خلال حامل‮ »‬الوعي‮ ‬الممكن‮« ‬بتعريف‮ »‬جولد مان‮« ‬له،‮ ‬أو لنطلق عليه‮ »‬رجل الحقيقة‮« ‬ذلك الرجل الذي‮ ‬يشكل إضاءة كاشفة في‮ ‬النص،‮ ‬يترتب عليها أن‮ ‬يري‮ ‬الجميع المملكة عارية وأن نفاق رجالها واحتيالهم‮ ‬يجعلها علي‮ ‬ما هي‮ ‬عليه‮.‬
يستبدل المؤلف في‮ ‬هذه المسرحية‮ »‬القلعة والعصفور‮« ‬بالخيط الدرامي‮ ‬تقنية‮« ‬اللغز‮ - ‬الحل‮" ‬حتي‮ ‬أنه لا‮ ‬يمكن لأحد التعرف علي‮ ‬قصة المسرحية إلاّ‮ ‬من خلال متابعة الحوار،‮ ‬أما نص‮ »‬فصول السنة المصرية‮« ‬فتظهر عبقريته‮ - ‬في‮ ‬رأي‮ ‬الناقد‮ - ‬في‮ ‬التأليف ما بين الإبداعي‮ ‬والتوثيقي‮ ‬علي‮ ‬مستوي‮ ‬الحدث ومستوي‮ ‬اللغة‮.‬
المسرحيتان نصان مفتوحان علي‮ ‬المحتمل،‮ ‬حسب رؤية الناقد د‮. ‬فكري‮ ‬الجزار الذي‮ ‬أوضح أيضًا أن النصين معا صالحان لقراءة واقع الثورة المصرية وانفتاحها علي‮ ‬كل الاحتمالات،‮ ‬مؤكدًا صدقية وعي‮ ‬الكاتب ومعللاً‮ ‬قوله بأن ماتلا إسقاط الفرعون في‮ ‬النص بعد الثورة من محاولات لاستعادة القلعة وإخراج الشعب مرة أخري،‮ ‬واختطاف الفتاة مرة أخري،‮ ‬وإعادة إنتاج الواقع بنفس الشروط القديمة،‮ ‬برعاية شيخ التجار،‮ ‬هو نفسه ما‮ ‬يحدث في‮ ‬واقعنا بعد الثورة‮.‬
صدر لأحمد سراج من قبل عدد من الأعمال منها‮ »‬ديوان الحكم للميدان،‮ ‬مسرحية القرار،‮ ‬مسرحية زمن الحصار،‮ ‬دراسة تاريخية عن آخر أيام العرب في‮ ‬الأندلس‮«.‬

محمود الحلواني

 

»المداولة بعد الحكم« مسرحية صدرت نهاية 2011 ضمن سلسلة »نصوص مسرحية« التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة للكاتب المسرحي ممدوح فهمي، صدرت المسرحية بمقدمة للناقد فتحي العشري.

قسم الكاتب مسرحيته إلي ثلاث »مداولات« يمكن القول إنها ثلاثة نصوص مسرحية قصيرة ومكتملة، تختلف عن بعضها البعض اختلافًا كبيرًا من حيث التشكيل الدرامي وأسلوب تقديمه، وكذلك من حيث الشخصيات والديكور. وقد أغري الكاتب بضمها معًا في حزمة مسرحية واحدة وتسميتها »مداولات« نظره لها باعتبارها - علي الرغم من اختلافها - تمثل حلقات متشابهة في قضية واحدة خطط الكاتب لأن يعالجها في مسرحيته وهي قضية »غياب العدل« وهي التيمة التي وحَّدَت بين الثلاث »مداولات« أو الثلاث حلقات مسرحية التي احتواها الكتاب، دون أن يطلق الكاتب علي أي منها اسمًا مخصوصًا. وكأنما يؤكد من خلال عدم تحديد وتخصيص الأسماء هنا علي وحدة هذه النصوص وكونها نصًا واحدًا.

لم يبتعد الكاتب كثيرًا، علي المستوي الرمزي، في معالجته لموضوع »غياب العدالة« فقرن في نصوصه أو حلقاته الثلاث بين وحدة الثيمة وما يدل عليها وهو »وجود المحكمة« هذا الوجود الملموس للمحكمة في النصوص - وإن اختلفت أشكاله - يكاد يكون هو العنصر المهيمن، وهو الدال الممثل للفكرة، أو التيمة. كانت الطبقات الاجتماعية الدنيا هي المادة التي اشتغل عليها الكاتب واستقي منها موضوعات مسرحيته، ليصل من خلالها إلي تأكيد ما قرره مسبقًا عن غياب العدالة، فكانت معالجاته، محاولات مختلفة لتجسيد المعني المقصود والفكرة المسيطرة.. يأتي »الحكم« لديه »قبل المداولة« الأمر محسوم هنا .. يشير الكاتب إلي »قدر« واقع لا محالة، ولا فكاك منه.

تختلف معالجات الكاتب لموضوعه من حلقه لأخري، ومع هذا الاختلاف يمكننا أن نلحظ اختلافًا في الرؤية التي تطرحها كل حلقة من الحلقات الثلاث.

كما يمكننا أن نلمح أن الكاتب يقدم أكثر من مستوي لتيمته، فهناك أكثر من مصدر يمكن أن نضع أيدينا عليه من مصادر غياب العدالة، أو الظلم في حلقات المسرحية الثلاث. فهناك الظلم الاجتماعي المبني علي قوانين بشرية اصطنعها البشر لأنفسهم، وهو »الفاعل« في الحلقتين الثانية والثالثة، وهو ما يختلف عن الفاعل في الحلقة الأولي لغياب العدالة، أو الظلم هنا الفاعل كما تسميه الشخصية هو »الحظ - الظروف« ونحن لا يمكن أن ننسبه للمجتمع هذه المرة. فالمجتمع هنا - في الحلقة الأولي - رحيم وإنساني وهو ما تمثل في احتضان التاجر »مختار« للطفل الضال »صلاح« وتربيته في بيته، ومعاملته معاملة الابن حتي كبر »صلاح« وأصبح معيدًا في الجامعة، بالإضافة إلي عمله مع الأب في أعمال التجارة وهي بالملايين، كذلك يختاره الأب زوجًا لابنته. وفي هذا ما يبرئ المجتمع هذه المرة من غياب الرحمة والعدالة، إلاّ أن أمرًا يحدث يهدم كل شيء، مجهولون يقومون بقتل الأب بغرض سرقة أمواله، ويتهم صلاح بارتكاب هذه الجريمة بسبب وجوده في نفس المكان لحظة القتل. يتخلي الجميع عن صلاح بما في ذلك الأم (زوجة القتيل) التي كانت تحنو عليه، والابنة »الخطيبة« التي كانت تحبه، وكذلك سيدة الملجأ الذي نشأ فيه، ليتحول شهود النفي الذين استدعاهم صلاح للشهادة لصالحه أمام المحكمة لشهود إثبات. فيحكم عليه بالإعدام، بإيداعه مصحة نفسية لإصابته بالجنون، جراد جريمة لم يرتكبها.

هنا غياب العدالة يتعلق بالقدر في المطلق، وهي رؤية ربما كان منبعها فلسفة العبث. ذلك خلاف ما يمكن أن نعتبره في الحلقتين الثانية والثالثة »قدرًا اجتماعيًا« وهو ما تنسجه وتتحكم فيه تراتبية السلطة وعلاقات الإنتاج في المجتمع، وهو ما يدفع الفتاة الصغيرة الفقيرة للعمل كخادمة، لا تجد خلاصًا لنفسها وشرفها إلاّ بقتل مخدومها الشاب الذي كان يحاول اغتصابها، فتتم إدانة الفتاة ويحكم عليها بأن تودع »الأحداث« لصغر سنها.

كذلك فإن هذا القدر الاجتماعي (إذا جازت التسمية) هو ما يدفع المواطن الفقير »زلعة« إلي قفص الاتهام لأنه حاول أن يغيَّر من القانون الاجتماعي السائد والصارم، بأن سرق لمولوده اسم »شريف« بعد أن كان القانون الاجتماعي القائم قد صرف له اسم »خيشة« حسب وضع آبائه وأجداده الاجتماعي.. وكان الأب يحلم ويبحث عن مستقبل مختلف لولده، هذا المستقبل »المقسوم« لطبقة أخري تصرف لها الأسماء الشريفة والجليلة مثل شريف ونبيل، وجميل إلخ.. وكان لابد لمواجهة حلم الأب الذي سمي »سطوًا« علي اسم »شريف« لابنه أن يواجه بالإعدام.

تنوعت أساليب الكاتب في الحلقات أو المداولات الثلاث، وإن حافظ فيها علي تقنية تقسيم المسرح إلي ثلاث مناطق ديكورية وحدثية تتناوب عليها الإضاءة باستثناء الحلقة الأخيرة. فبينما استخدم في الحلقة الأولي شكلاً فانتازيًا كسر القوانين والأطر الواقعية، واستفاد من منطق الحلم.

نري الكاتب يكاد يكون ميلودراميا في الحلقة الثانية،  وأمَّا الحلقة الثالثة فقد حولها الكاتب إلي »مسخرة هزلية« من أوضاع المجتمع الطبقي.

 

في هذا الكتاب يقدم الممثل والمخرج والأكاديمي الدكتور محمد عبدالمعطي وجبة دسمة تدور حول مسرح الطفل عالمياً ومحلياً، ومع أن هذه الوجبة، وتلك المحاولة ليست الأولي في مجال مسرح الطفل، فإن هذا الكتاب له خصوصية، ويحمل تفرداً عن بقية محاولات الرجل أو غيره في هذا المجال.

فمن العنوان ومبكراً جداً يحدد المؤلف هدفه سريعاً متخذاً من كلمات ثلاث (المعاصرالتربويةالجمالية) محوراً لهذه الدراسة والتي خرجت بدورها في ثلاثة فصول ... الأول منها بحث عن النشأة الأولي والتطور التاريخي لمسرح الطفل في العالم، عبر عقود القرن العشرين في أوروبا وآسيا وأفريقيا تحت مختلف نظمها السياسية ومناخها الثقافي، محاولاً البحث عن المضامين الفكرية والتربوية وعلي تطور أشكالها الجمالية الإبداعية الخادمة للمجالين التعليمي والتثقيفي، وهذا ما جذب المؤلف إلي إجراء فحص لتاريخ هذا المسرح وتراكماته الإبداعية، ومنجزاته العلمية وقدراته الرائعة في بناء النشء في مختلف بلاد العالم علي مر العصور.

أما الفصل الثاني فعرض فيه المؤلف للعديد من المحاولات الجادة لمسرح الطفل وسمات التحديث والتجريب في ثماني دول أوروبية وأفريقية وآسيوية وأمريكية، مع إلقاء الضوء علي بعض المحاولات المهمة في مصر، وكان الهدف تاريخي أو تأريخي أكثر منه عرضاً نقدياً، لذلك خرج الفصل الثالث والأخير في صورة عرض وتحليل ونقد لنماذج مختارة من مسرحيات الطفل الأوروبي والآسيوي والأفريفي.

بدأ المؤلف بتقديم نبذة عن مؤلف كل نص وبلده ودوره في مسرح الطفل، متنقلاً من المسرح الإيراني إلي الإنجليزي ثم الإيطالي والهولندي والبرتغالي والألماني والسويدي إلي أن أنهي الكاتب دراسته تلك بعرض نقدي ممتع وسريع لبعض عروض المسرح المصري للطفل، وهي جميعها من إخراج المؤلف (د. محمد عبدالمعطي)..

أما النصوص فهي .. (عصفورة الجنة لـ بيومي قنديل –  قميص السعادة لـ السيد حافظجريدتنا لـ شوقي خميسمؤتمر الحيوانات لـ د. يسري خميس).

الكاتب في رحلته تلك حول العالم، حاول أن يقطف من كل بستان زهرة تخص فن المسرح، وخاصة مسرح الطفل، ولكنه في تجواله وترحاله قد أهمل بعض الأماكن، وبعض النقاط، أو بالأحري لم يكن أكثر عمقاً وتفصيلاً في أجزاء كان لابد لها من العمق والموضوعية.

ومع ذلك لا يمكننا إلاّ القول إن جهد المؤلف واضح جداً، وثقافته الموسوعية لاجدال عليها، وإنما المهم والأهم في تلك القضية مدي استفادة مسرح الطفل في مصر من خبرات وثقافة د. محمد عبدالمعطي، الذي مازال لديه الكثير

د. محمود سعيد

.

 

تنهض مسرحية‮ "‬المؤرقون‮" ‬للكاتب عماد مطاوع علي‮ ‬أنقاض هزائم قديمة تكبدتها شخصياتها في‮ ‬الماضي،‮ ‬فكفت تحت وطأة هذه الهزائم،‮ ‬عن الفعل،‮ ‬وراحت‮ ‬– رغمه‮ ‬– تجتر الإحساس بالهزيمة فيما بينها‮.‬
في‮ ‬غيبة الفعل الحي‮ ‬تتحول حوارات الشخصيات إلي‮ ‬مواجهات قاسية،‮ ‬تتحول الشخصيات إلي‮ ‬محققين تارة وإلي‮ ‬متهمين تارة أخري،‮ ‬ويتحول الضحك إلي‮ ‬مرارة‮ (‬ينخرطان في‮ ‬موجة من الضحك‮.. ‬لكنه ضحك عبثي،‮ ‬نشعر من خلاله بأنهما لا‮ ‬يضحكان وإنما‮ ‬يبكيان من الخيبة والهزيمة‮).. ‬في‮ ‬غيبة الفعل تحاول الشخصيات ستر أنفسها بالأقنعة لهذا نقرأ كثيرًا عبر حوارات الشخصيات كلمات شديدة التهذيب مثل‮ "‬يا سيدي‮"‬،‮ ‬أيها المحترم،‮ ‬أنا رجل محترم،‮ ‬أنا امرأة محترمة‮ "‬إلخ‮.. ‬غير أن هذه اللغة‮ "‬القناعية‮" ‬لا تلبث أن تتحطم تحت ضغط الهزائم التي‮ ‬تطفو علي‮ ‬السطح‮.‬
حالة من الأرق تطارد تلك الشخصيات‮ "‬المعزولة‮" ‬وقد نجحت المسرحية في‮ ‬تجسيد تلك العزلة فيما دبرته لشخصياتها من مكان وزمان‮ "‬مساحة فارغة بين مجموعة بنايات‮" ‬وضعهم في‮ ‬عزلة عن العالم،‮ ‬يحيط بهم الفراغ‮ ‬والصمت‮. ‬كذلك جرَّد الكاتب شخوصه فلم‮ ‬يجعل لهم أسماء فهم‮ (‬رجل‮/‬1  ‮ - ‬رجل‮ /‬2  ‮ - ‬امرأة‮ ‬– ‮ ‬شرطي‮) ‬جردهم من الانتماء فلا زمان معين أو مكان،‮ ‬شخصيات معلقة في‮ ‬فراغ،‮ ‬كأنما‮ ‬يريد الكاتب أن‮ ‬يضعنا أمام عدسة مكبرة،‮ ‬ليواجهوا هزائمهم بلا أمل في‮ ‬النجاة‮ ‬– ‮ ‬لا أمل ولا مستقبل‮.. ‬بل ماض‮ ‬يطل برأسه ليكشف أزمات هذه الشخصيات‮.. ‬حوار لا‮ ‬ينمو حرا ليؤسس لمساحة من التعاطف الإنساني‮ ‬والرغبة في‮ ‬التواصل،‮ ‬مع الآخر،‮ ‬بل هو أشبه بحجر ثقيل‮ ‬ينزاح ببطء عن وعي‮ ‬الشخصيات لتتكشف‮ ‬– ‮ ‬رغما عنهما‮ ‬– ‮ ‬مواطن الأزمات والهزائم،‮ ‬وقد أجاد الكاتب تطوير الحوار مستخدمًا الإثارة والإيحاء،‮ ‬والتكشف الهين،‮ ‬كما أجاد صنع مصائر شخصياته عبر سوء الفهم والالتباسات التي‮ ‬صنعها بحرفية ليؤكد أيضًا بالإضافة إلي‮ ‬أخطاء الشخصيات التي‮ ‬تسببت في‮ ‬هزائمهم‮.. ‬سوء الحظ الذي‮ ‬يلازمهم‮.. ‬ليصبح الخطأ قسمة بينهم وبين العالم،‮ ‬وهكذا الإدانة المسرحية عبارة عن بنية درامية بسيطة،‮ ‬وحدة لا انقطاع فيها تقوم علي‮ ‬حافز درامي‮ ‬واضح‮ ‬يعمل علي‮ ‬تشغيلها ونمائها وهو الأرق‮.. ‬أربع شخصيات مصابة بالأرق لأسباب مختلفة‮ ‬غير أنها تجتمع حول هزيمة هذه الشخصيات أمام ذواتها،‮ ‬وفساد علاقتها بالعالم،‮ ‬ويأسها من التواصل معه‮. ‬الأرق،‮ ‬عدم القدرة علي‮ ‬تجاوز الهزيمة هو ما‮ ‬يحرك هذه الشخصيات ليس إلي‮ ‬الفعل في‮ ‬العالم،‮ ‬وإنما لتعذيب الذات‮.‬
الأرق هو ما‮ ‬يشكل الحوار ويقف وراءه،‮ ‬ويدفع الشخصيات دفعًا إلي‮ "‬التكشف‮".. ‬ليس الأرق إذن هو الأزمة التي‮ ‬تعيشها الشخوص وتعانيه،‮ ‬إنما هو‮ "‬عرض‮" ‬لمرض أكثر خفاء،‮ ‬لا تصرح به المسرحية تمامًا عبر حواراتها ولا تسميه،‮ ‬إنما تومئ به‮. ‬لا نتفق مع عبثية هذه الشخصيات وما تعانيه،‮ ‬وهو ما أثارت إليه د‮. ‬إيمان عز الدين في‮ ‬مقدمتها للمسرحية،‮ ‬كما لا نتفق مع أن المسرحية تتماشي‮ ‬مع مسرح العبث كما أشارت،‮ ‬فالمسرحية كما أشرنا،‮ ‬تنهض في‮ ‬بنية درامية أرسطية بسيطة،‮ ‬تعتمد علي‮ ‬حافز واضح في‮ ‬تناميها،‮ ‬كما تقدم عبر الحوارات وإن بشكل خفي‮ ‬تاريخيًا لشخصياتها،‮ ‬يبرر أزماتها ويقدم أسبابًا موضوعية لما تعانيه من أرق‮. ‬فأحدهما أهدرت إنسانيته في‮ ‬المعتقل بينما كان‮ ‬يظن أنه‮ ‬يصنع لنفسه ولوطنه المجد،‮ ‬وقد تم اعتقاله بسبب كتاب له في‮ ‬السياسة،‮ ‬فضح فيه السلطة الغاشمة،‮ ‬وما ترتب علي‮ ‬ذلك الاعتقال من ضياع لأسرته التي‮ ‬لم‮ ‬يعد‮ ‬يعرف عنها شيئًا بعد خروجه‮.. ‬وقد خرج من المعتقل متشككًا في‮ ‬المعاني‮ ‬والأفكار التي‮ ‬كان‮ ‬يؤمن بها ومحبطًا أيضًا‮. ‬آخر‮ ‬يعاني‮ ‬عدم القدرة علي‮ ‬التواصل مع زوجته جنسيًا وعاطفيًا فيسعي‮ ‬لتعويض فساد هذه العلاقة عبر إثبات فحولته مع نساء أخريات،‮ ‬كذلك كانت المرأة التي‮ ‬تواجه نظرة المجتمع المتدنية لها بالسخرية من كبار شخصياته والإيقاع بهم عبر مصيدة الجنس‮.‬
تلجأ هذه الشخصيات إلي‮ ‬المسكنات والخمر والجنس والأقنعة من أجل إسكات الألم،‮ ‬غير أن هذه المسكنات وإن أفلحت في‮ ‬التشويش علي‮ ‬الألم لبعض الوقت،‮ ‬فإنها لم تفلح في‮ ‬اجتثاث منبع العذاب ومسبب الأرق،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬لابد أن تنتهي‮ ‬عنده الشخصية إلي‮ ‬الانتحار كحل نهائي‮ ‬يتجاوز بها الألم والانتحار بأشكال مختلفة‮.‬
المؤرقون للكاتب عماد مطاوع هذه المسرحية الفائزة بالمركز الأول في‮ ‬جائزة ساويرس الثقافية عام‮ ‬2011‮ ‬ وقد أعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة طباعتها بعد فوزها بالجائزة وكانت قد طبعت من قبل في‮ ‬طبعة أولي‮ ‬عام‮ ‬2008‮ .

محمود الحلواني‬

 

سيدة المتوسط،‮ ‬كتاب جديد للكاتب المغربي‮ ‬محمد زيطان صدر ضمن منشورات ومضة‮ "‬سلسلة المكتبة التاريخية‮" ‬الكتاب‮ ‬يعد الحلقة الثالثة في‮ ‬ثلاثيته المسرحية المكونة من‮ "‬حدائق لوركا‮" ‬و‮"‬غجر منتصف الليل‮". ‬
سيدة المتوسط‮ - ‬كما‮ ‬يصفها المتابعون‮ - ‬تتشكل من التفاعل الخلاق بين الدراما والتاريخ‮. ‬وهي‮ ‬كما‮ ‬يشير البعض تترجم هذا الوعي‮ ‬التاريخي‮ ‬وسعي‮  ‬زيطان إلي‮ ‬كتابة ما لم‮ ‬يقل عبر تخييل سردي‮ ‬يتخد من البناء الفني‮ ‬والجمالي‮ ‬أساسا لخلق دلالات جديدة،‮ ‬انطلاقا من القدرة علي‮ ‬إعادة الخلق،‮ ‬ونسج علاقات حميمية بين السيدة الحرة والقوي‮ ‬الفاعلة في‮ ‬المسرحية ليحدد المصائر المختلفة علي‮ ‬نحو درامي‮ ‬مزوداً‮ ‬بخبرته المعرفية،‮ ‬وبماء شفشاون الذي‮ ‬جعله لا‮ ‬يحس بالعطش وهو في‮ ‬رحلته في‮ ‬صحراء الأحداث التاريخية‮. ‬وتتسم هذه المسرحية‮ - ‬المكونة من فصل أول‮ ‬يضم أربعة مشاهد،‮ ‬وفصل ثاني‮ ‬يضم خمسة مشاهد،‮ ‬وفصل أخير‮ ‬يضم ثلاثة مشاهد‮ - ‬بشخوصها الفاعلين بشكل قوي‮ ‬في‮ ‬فضاءات النص المسرحي‮: ‬السيدة الحرة الشخصية المحورية في‮ ‬المسرحية‮. ‬خير الدين بارباروسا،‮ ‬والماطاموروس،‮ ‬وسيلينا،‮ ‬ومرجانة الموريسكية،‮ ‬وابن الدراج،‮ ‬والصيرفي،‮ ‬والنحاس،‮ ‬والجنديان،‮ ‬والكهل خوسيه‮. ‬
ولعل في‮ ‬الافتتاحية التي‮ ‬يهيمن فيها الفضاء‮ - ‬ساحة عامة بمدينة‮ ‬غرناطة‮ - ‬إشارة لمكون المكان وأهميته في‮ ‬هذا العمل المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬يصور مشاهد من معاناة المورسكيين وهو ما‮ ‬يمكن ملاحظته في‮ ‬قول الماطاموروس‮ "‬سنضرم النار في‮ ‬الكتب وأسفار المورسكيين‮. ‬إنا عددناها وأحصيناها فكانت بالآلاف المؤلفة‮.. ‬ما نحن بآمنين إذا لم نحرق كل مصنفاتهم وقريضهم ومخطوطاتهم التليدة‮." ‬
إن صوت السيدة الحرة التي‮ ‬لن تظهر إلا في‮ ‬المشهد الثاني‮ ‬في‮ ‬هذا العمل المسرحي‮ ‬لا‮ ‬يكتسب مشروعيته انطلاقا من التأريخ المعهود لمسار هذه المرأة،‮ ‬وإنما في‮ ‬الحركية،‮ ‬والحيوية التي‮ ‬تتمتع بها في‮ ‬عالمها الجديد الذي‮ ‬نسجه محمد زيطان عبر سياق الملاءمة ذلك أن مسرحية‮ "‬سيدة المتوسط‮" ‬بوصفها دالا تشكل عبر سياقات مخصوصة‮ ‬يستقي‮ ‬مدلوله لدي‮ ‬محمد زيطان انطلاقا من تقاطعاته التاريخية والجمالية،‮ ‬وعلاقاته السوسيولوجية انسجاما مع رؤية لوسيان‮ ‬غولدمان لبنية العمل الأدبي،‮ ‬لأن محمد زيطان ليس مؤرخا‮ ‬يعيد سرد الأحداث،‮ ‬ولكنه مبدع‮ ‬يعيد تأويل الأحداث عبر التخييل السردي‮ ‬مستثمرا العلاقة القوية بين المسرح والتاريخ،‮ ‬ومقترحا نصه المسرحي‮ ‬بوصفه نصا خصبا بسماته الفنية والجمالية،‮ ‬فضلا عن درامية المحكي،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فحقيقة حياة السيدة الحرة لدي‮ ‬محمد زيطان لا‮ ‬يمكن فهمها إلا علي‮ ‬ضوء فصول هذه المسرحية التي‮ ‬يمكن وصفها بعملية تأويلية للتاريخ‮ ‬يحضر فيها الإنساني‮ ‬أكثر من الجرح الدامي‮ ‬لسقوط‮ ‬غرناطة والأندلس‮. ‬
ولاشك أن هذا التأويل خلق متعة مضاعفة في‮ ‬هذا العمل المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬حافظ علي‮ ‬خصوبة الدلالة التاريخية،‮ ‬وحافظ أكثر علي‮ ‬درامية سيرة السيدة الحرة التي‮ ‬وسمها محمد زيطان بسيدة المتوسط التي‮ ‬هي‮ ‬ابنة أمير شفشاون علي‮ ‬بن موسي‮ ‬بن راشد بن علي‮ ‬بن سعيد ابن عبد الوهاب بن علال بن عبد السلام بن مشيش‮ (‬917هـ‮ - ‬1511 م‮) ‬فهي‮ ‬شريفة النسب علمية إدريسية حسنية،‮ ‬وقد ولدت السيدة الحرة بشفشاون حوالي‮ ‬سنة‮ (‬900هـ‮ - ‬1493 م‮) ‬بمدينة شفشاون،‮ ‬وتربت ونشأت في‮ ‬بيت جهاد،‮ ‬فقد كان والدها الأمير علي‮ ‬بن موسي‮ ‬بن راشد،‮ ‬مختط مدينة شفشاون،‮ ‬وقائدها،‮ ‬وتلقت تعليمها علي‮ ‬يد أشهر العلماء والفقهاء بهذه المدينة،‮ ‬مما لا شك فيه أن هذه التربية ساهمت في‮ ‬جعل السيدة الحرة تحصل علي‮ ‬ثقافة واسعة انعكست علي‮ ‬تصرفاتها وقراراتها فيما بعد.وهي‮ ‬الأخت الشقيقة للوزير أبي‮ ‬سالم الأمير إبراهيم بن راشد،‮ ‬وزوجة قائد تطوان محمد المنظري،‮ ‬وحاكمة تطوان لأزيد من ثلاثة عقود،‮ ‬وزوجة السلطان أحمد الوطاسي‮ (‬932‮ - ‬956‮  ) ‬ابن السلطان محمد الشيخ‮ ‬ .( 932 - 910)
وهذا العمل المسرحي‮ ‬وكما‮  ‬اتفق عدد كبير من القراء‮ ‬،‮ ‬يعيد نسج سيرة هذه المرأة ارتباطا بالمشترك التاريخي،‮ ‬ونقصد بذلك ذاكرة الأندلس وفضاءات شفشاون هو ما دفع بمحمد زيطان لإعادة تأويل هذه السيرة بقوتها التاريخية عبر انفتاح العملية الإبداعية علي‮ ‬الممكن الدلالي،‮ ‬انطلاقا من قدرته علي‮ ‬العودة إلي‮ ‬تاريخ مدينة شفشاون،‮ ‬وإلي‮ ‬أحلك فترات الموريسكين في‮ ‬الأندلس،‮ ‬متوقفا عند الدور الكبير الذي‮ ‬لعبته‮ "‬السيدة الحرة‮" ‬بحكمتها وغيرتها وإقدامها،‮ ‬إلي‮ ‬جانب بعض رجال البحر‮ - ‬كخير الدين بارباروسا‮ ‬– ورجال من العدوتين وموكادور،‮ ‬فيما عرف بحركة الجهاد البحري‮ ‬في‮ ‬التخفيف من مأساة أهالي‮ ‬الأندلس وفي‮ ‬رد أطماع الإيبيريين عموما وتهافتهم علي‮ ‬مرافئ المغرب الأقصي‮.

الهامي‮ ‬سمير‮ ‬ ‬

 

اعن الهيئة العربية للمسرح صدر مؤخرًا ضمن سلسلة دراسات (10) كتاب للباحث والناقد المسرحي الدكتور عبد الرحمن بن زيدان تحت عنوان : (مقامات القدس في المسرح العربي الدلالات التاريخية والواقعية)، وجاء في كلمة الهيئة عن الكتاب قولها : يكتسب كتاب الدكتور عبد الرحمن بن زيدان ...أهميته من كونه يتصدي للإجابة عن موقع القدس و القضية الفلسطينية في المسرح العربي والتي لا بد وأن تكون قد احتلت مكانة في دراما المسرح العربي تتناسب ومكانة القدس في الواقع وفي التاريخ العربي،مقامات القدس بمنهجه النقدي الرفيع،يتجاوز مهمة الإجابة علي هذا السؤال ليطرح علي المسرح العربي أسئلة جديدة عن دور المسرح في الدفاع عن قضايا الأمة ودوره في صياغة الوجدان وصناعة التاريخ ،وإعادة صياغته وعن الاشتغالات التقنية والجمالية كروافع للمحمول الفكري)..

وفي مقدمة الكتاب يجلي الدكتور عبد الرحمن بن زيدان بعض القضايا التي تناولها ،ويبرز الأهداف والغايات التي من أجلها كُتب هذا الكتاب،وفيها يجيب عن السؤال الذي بني به مكونات وقضايا ودلالات هذا الكتاب ليجيب عن سؤاله :لماذا مقامات القدس في المسرح العربي؟ 

 تأتي أهمية هذا المصنف النقدي من قيمة ما يقدمه من قراءات تتعلق بالقدس،وبالمسرح،وبأفكار،وبتجارب فنية، تندرج كلها ضمن مدارات الهوية العربية، وتاريخها، ومعانيها في الزمن الفائت،والحاضر وما بعد الحاضر،وتأتي قيمته ـ أيضا ـ  من الحضور المميز لموضوعه الإشكالي الذي تمثل معادلة الصراع فيه حقائق صراع حضاري ضارب في العتاقة والقدم،تشعبت فيه الصراعات الإيديولوجية،والعقدية،والثقافية بكل رموزها واشتغالاتها.

المقصود ـ هنا ـ بالموضوع هو مدينة القدس بكل تاريخها،وبكل التحديات التي واجهت بها من يريد إفراغ محتواها الأصيل من أصالته،ثم المقصود بالموضوع هو كيف صارت هذه المدينة حافزا موضوعيا للعديد من فنون السرد، والرحالة، والمؤرخين، والجغرافيين،والمعماريين،وفنون العرض،والفنون البصرية كي يتخذوا من القدس مصدرا لما يريدون إنجازه حول بهائها،ومقدسها، وذاكرتها التراثية،وما يريد كل مبدع أو باحث نسجه بواقعيتها وبمتخيله حتي يضفي علي كل نتاج يتناول المدينة جمالية آسرة مدهشة.

لكن الموضوع يصير أكثر غرابة،وأكثر تشويقا،وأكثر متعة في الكتابة المسرحية العربية التي جعلت من نسيجها الدلالي قوة تعبيرية عن السياسة،وعن التاريخ الذي صار سمة للكتابة المسرحية،وسمة للتجريب المسرحي،وسمة للتواصل مع المتلقي ،حتي صارت خاصية ينفرد بها الاشتغال علي القدس كمدينة،وكسؤال وجودي ينطرح في كل البنيات العميقة داخل كل بنية نصية، للفرجة أو العرض المسرحي.

يستهدف الكتاب تقديم مقاربة نقدية جديدة في موضوع تلقي المسرح العربي لقضية القدس في دراسات لا تعتمد السرد التاريخي لتاريخ النصوص التي اشتغلت علي موضوع القدس،أو التقيد بالوصف والتعميم ،ولكنه يقوم بتحليل إجرائي تطبيقي لمجموعة من النصوص المسرحية المختارة كظواهر أدبية وفنية تحمل العديد من الخاصيات التجريبية أدبيا،وفنيا،حققت وجودها بأشكال مختلفة حول موضوعها.

يقول د. زيدان: لم نرد أن نبني الجدوي من إنجاز هذا المصنف علي الأجوبة الجاهزة،والأفكار العامة،لكننا أردنا أن نجعل من أسئلة النصوص،ومن علامات العروض المسرحية مدخلا للمعرفة بالموضوع لنؤسس جدوي جديدة تقوم علي فهم وتحليل الموضوع،بها تكون هذه المعرفة مفتاحا للمعلوم والمجهول،وتكون كشفا للظاهر والباطن،والصامت والناطق، والمباشر والمرموز في كل نص يتناول موضوع القدس،وذلك بسبب أن وجود المسرح العربي المثقف لا يمكن أن يوجد مصاغا صياغة شاعرية تامة إلا إذا توفرت لديه المعرفة الثرية الموسوعية بتاريخ القدس كمعرفة يحتاج معها الناقد ـ دوما ـ  إلي مفاتيح حقيقية تساعده علي الوصول إلي كنه ما يريد أن يقوله كل نص يبني بنيته الدرامية الخاصة التي تصير موضوعا للقراءة والتلقي.

وضمن مباحث الكتاب قام الباحث بمقاربة تجربة المسرح المصري كفاعل عربي هام في الوعي بالقضية من خلال تقديم قراءة خاصة بأشكال ارتباط هذا المسرح بكل متغيرات الواقع العربي، وفلسطين، حيث قام بقراءة خاصة لمسرحية(الناروالزيتون) لألفريد فرج ، ثم مسرحية (واقدساه) ليسري الجندي،ومسرحية (لن تسقط القدس) لشريف الشوباشي.

ومن بين ما توصل إليه الباحث أنه  بعد معاينة العديد من النصوص المسرحية العربية "وجدنا أن العديد منها يقوم بآستحضار البطل صلاح الدين الأيوبي كشخصية عربية يبني بها القوة الدلالية للنص اعتمادا علي التاريخ،واعتمادا علي ما تقوله الأحداث حول الانتصار العربي الإسلامي في موقعة حطين التي حررت القدس من الصليبيين.

كما أشار إلي أن هناك جانب هام يظهر في جل النصوص والعروض المسرحية التي تناولت القدس في مضامينها المسرحية وهي إعادة قراءة تاريخ فلسطين من الكنعانيين إلي الآن،والوقوف علي أهم محطات الصراع بين الفلسطينيين واليهود،ومع العودة إلي التاريخ،والتعامل مع التراث الموروث كانت تصاغ الرؤية التراجيدية لهذا التاريخ بما يستجيب لضروريات اللحظة،والموقف،والاختيار.منها ضياع المدن والأمصار، ومنها الجدار العنصري العازل الذي وضعته إسرائيل لتضييق الخناق علي الفلسطينيين،وهناك الزمن الدموي الذي كتب الزمن الفلسطيني بالمقاومة،وهناك الحديث عن الوافد الغريب الذي استولي علي الأرض ،وأراد تغيير ملامحها، وقسماتها،وتاريخها بما يخدم حاجاته وأهدافه.

كما يلقي الكتاب الضوء علي عملية تحويل العديد من النصوص السردية الشعرية والروائية والقصصية إلي مسرحية بعد أدرمتها، ومسرحتها كي تنتقل من نوعها الأدبي وتدخل في طقوسية المسرح كما حقق ذلك المخرج العراقي قاسم محمد في تجربة مسرح البوستير السياسي،أو كما أنجزت ذلك العديد من المسرحيات التي تعاملت مع النص السردي للطاهر وطار،أوتعاملت مع نص (المهرج) لمحمد الماغوط.

كما يظهر الكتاب ـ أيضا ـ كيف أن العديد من النصوص والعروض المسرحية قد أبدعت في شاعرية اللحظة وشعريتها كل خطابات التسامح، والتعلق بالشرعية الدولية في حق الفلسطينيين بالعودة ،ولم تهمل شروط بناء الحوار،وعمليات الترئية، التجارب المسرحية، حسب المدارس وحسب الاتجاهات.

يقول الباحث: وجدنا حضورا لافتا للمسرح التسجيلي، ووجدنا المسرح التاريخي، والمسرح الكوميدي،والمسرح الملحمي،والمسرح الراقص،ووجدنا الحضور البلاغي لبلاغة الجسد، ووجدنا الغروتيسك،كما وجدنا البوستير السياسي، وهذا ما كان وراء فعل القراءة المبدعة التي تعاملت مع جدوي كل تجربة مسرحية لكتابة جدوي جامع هذا المصنف.

الصفحة 5 من 7
You are here