اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية
سور الكتب
سور الكتب

سور الكتب (94)

 

صدر مؤخرًا العدد‮ ‬272‮ ‬من‮ »‬مجلة الثقافة الجديدة‮« ‬الهيئة العامة لقصور الثقافة،‮ ‬ومحور هذا العدد‮ »‬الفقر‮« ‬وتجلياته في‮ ‬الإبداع العالمي‮ ‬والعربي
كتب مقدمة العدد الشاعر سمير درويش بعنوان‮ »‬المقاومة بالثقافة والمقاومة بأضعف الإيمان‮« ‬وضح فيها ما فعلته الثقافة لمقاومة الظلم والاستبداد بالقصيدة والمقال والأغنية والمظاهرة وتأليف الشعارات،‮ ‬وما عاناه المثقفون لقاء موافقهم المعارضة من تشريد وسجن وتجويع وإهانة،‮ ‬ونفي‮ ‬أحيانا‮« ‬وكانت تلك المقدمة مدخلاً‮ ‬مناسبًا لموضوع ملف العدد‮ »‬الفقر‮«  ‬الذي‮ ‬رصد عدة دراسات عن علاقة الأدباء والمبدعين بالفقر في‮ ‬كتاباتهم،‮ ‬وجاء ملف الأدب‮ ‬يحوي‮ ‬دراسات مهمة فقد كتب‮ »‬حسين عيد‮« ‬عن‮ »‬تجليات الفقر في‮ ‬الرواية العالمية‮« ‬متعرضًا لبعض تجليات الفقر في‮ ‬الأدب العالمي‮ ‬من خلال تقديم نماذج من معالجات بعض الكتاب في‮ ‬القصة والرواية،‮ ‬في‮ ‬الهند واليابان وإسبانيا وألمانيا وروسيا‮.‬
كما جاءت دراسة صديق عطية صديق مبرزة علاقة الإبداع بالفقر من منظور علم النفس بعنوان‮ »‬الإبداع وسيكولوجية الفقر‮« ‬يتناول فيها ما عاناه شعراء الرابطة القلمية،‮ ‬إيليا أبو ماضي،‮ ‬جبران خليل جبران،‮ ‬ميخائيل نعيمة،‮ »‬من تحطم أحلامهم التي‮ ‬رافقتهم فوق متن سفينهم تاركين ديارهم وأهليهم بين مخالب الاستعمار والجوع وشتي‮ ‬الأمراض الاجتماعية‮«.‬
ضم الملف دراسات عديدة أخري‮ ‬مثل‮ »‬الفقر‮.. ‬مظاهره وأدبياته في‮ ‬تراثنا العربي‮« ‬لـ د‮. ‬محمد عبد الحميد خليفة،‮ ‬و»تجليات الفقر في‮ ‬الأدب العربي‮ - ‬الشعر العباسي‮ ‬نموذجًا‮« ‬لـ د‮. ‬محمد عبد الله محمد،‮ ‬وهما دراستان مهمتان ركزتا علي‮ ‬الفقر وتجلياته كملمح رئيسي‮ ‬في‮ ‬الأدب العربي‮.‬
أما ملف العدد‮ »‬جيل الفقر المدقع‮« ‬فقد ضم مجموعة من الدراسات حول كتاب وشعراء أثروا الثقافة العربية مثل أمل دنقل،‮ ‬وأحمد فؤاد نجم،‮ ‬وعبد الحكيم قاسم،‮ ‬ويحيي‮ ‬الطاهر عبد الله وإبراهيم أصلان وإدريس علي‮.. ‬فعن أمل دنقل كتبت عبلة الرويني‮ ‬قائلة إنه‮ »‬أول الفقراء الذين‮ ‬يموتون مغتربين،‮ ‬يعيشون محتسبين لديه العزاء‮«.. ‬وكتب محمد خير بعنوان‮ »‬أحمد فؤاد نجم‮.. ‬الفاجومي‮« ‬ومن خلال سيرته الذاتية رصد أهم الملامح التي‮ ‬تميز حياة أحمد فؤاد نجم‮.. ‬وكتب فتحي‮ ‬أبو العينين عن عبد الحكيم قاسم‮ »‬عذابات الفقر والسجن والغربة‮« ‬معبرًا عن قسوة الظروف التي‮ ‬واجهت جيل الستينيات،‮ ‬هذا الجيل الذي‮ ‬أرسي‮ ‬معايير للأدب والفن مختلفة عن تلك التي‮ ‬كانت سائدة ومألوفة قبله،‮ ‬من خلال ما تعرض له الروائي‮ ‬الكبير عبد الحكيم قاسم في‮ ‬حياته‮.‬
كما كتب أيضًا حسن عبد الموجود عن اشتراكية‮ ‬يحيي‮ ‬الطاهر عبد الله‮.. ‬التي‮ ‬وصفتها عطيات الأبنودي‮ ‬بالسذاجة والبساطة،‮ ‬فقد كان مؤمنًا بالاشتراكية إيمانًا حقيقيًا ولكن بتلك البساطة و»الاستعباط‮«.. ‬وكتب شعبان‮ ‬يوسف‮ »‬إبراهيم أصلان‮.. ‬أغني‮ ‬رجل في‮ ‬العالم‮« ‬فرغم أنه عاش طوال عمره فقيرًا فإنه لم‮ ‬يمد‮ ‬يده لأحد فقد كان‮ ‬يردد دائمًا‮ »‬الغني‮ ‬هو الذي‮ ‬يستغني‮ ‬عن مد الإيد‮«.. ‬أما أحمد أبو خنيجر فكتب‮ »‬إدريس علي‮.. ‬براءة الطفل وعناده‮« ‬موضحًا الطيبة الجنوبية الهشة التي‮ ‬تنفجر بمجرد الشعور بالخطر أو الحس المباشر بالإهانة‮.. ‬وجاءت مقالة عمرو عاشور بعنوان‮ »‬عن الحلاوة بالقشطة‮ ‬يحكي‮ ‬عم خيري‮« ‬وفيها نقرأ تفاصيل دقيقة ونادرة عن حياة الروائي‮ ‬الكبير خيري‮ ‬شلبي‮ ‬في‮ ‬صباه‮.‬
يضم العدد مجموعة من القصائد والقصة لعدد من الشعراء والمبدعين،‮ ‬كما‮ ‬يضم ترجمتين الأولي‮ ‬لياسر عبد اللطيف‮ »‬17‮ ‬كورنيش فولتير‮« ‬للروائي‮ ‬الأمريكي‮ ‬بول بولز،‮ ‬والثانية لمحمد عيد إبراهيم‮ »‬مرآة الآخر‮« ‬للأديب العالمي‮ ‬هنريش بول‮. ‬
هذا إلي‮ ‬جانب الأبواب الثابتة للمجلة‮.‬

عادل العدوي

 

شعب‮.. ‬حالة‮.. ‬ظاهرة‮.. ‬كل ذلك‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعد وصفاً‮ ‬دقيقاً‮ ‬لكيان بلا وطن‮..  ‬جنس‮ ‬غريب،‮ ‬رحالة دائماً،‮ ‬يأبي‮ ‬أن تظله سماء،‮ ‬أو تستقر به أرض،‮ ‬إنهم الغجر‮.. ‬ذلك المجتمع البشري‮ ‬غريب الأطوار‮.. ‬المغلق علي‮ ‬ذاته‮.. ‬لا‮ ‬يمكن أن تعرف عنه إلا بما‮ ‬يسمح هو به‮.. ‬عادات وتقاليد صارمة وعجيبة ضد الطبيعة الإنسانية‮.. ‬قوانين وأحكام وشرائع فيما بينهم،‮ ‬يعيشون وسط البشر،‮ ‬ويخضعون لقوانين الأمم،‮ ‬وعلي‮ ‬الرغم من ذلك هم شديدو الحرص علي‮ ‬نظامهم الاجتماعي‮. ‬لذا فإنه‮ ‬يجذب الكثيرون من الكتاب والأدباء ويسحرهم بفتنته وغموضه،‮ ‬وعالمه العجائبي‮.. ‬وكان دائماً‮ ‬ملهماً‮ ‬للشعراء والقصاصين والفنانين‮. ‬كان لهذا العالم سحره وتأثيره علي‮ ‬محمود مكي‮ ‬خليل فكتب نصه المسرحي‮ "‬قمر بنت الغجر‮" ‬فكيف شاهد هذا العالم وصوره؟ وكيف عالج مشكلات هذا المجتمع؟ ثم إلي‮ ‬أي‮ ‬مدي‮ ‬نجح في‮ ‬صياغة هذا درامياً؟ هذا ما سوف نحاول الكشف عنه في‮ ‬السطور التالية‮:‬
لم‮ ‬يتحدث المؤلف عن الغجر فقط بل هناك أيضاً‮ ‬مجتمع الصيادين بما له من خصوصية وسحرية أيضاً‮ ‬ويشكل النص انسجاماً‮ ‬بين كل من هذين المجتمعين وبين الطبقات الأخري‮ ‬من المجتمع والمتمثلة في‮ ‬شباب الجامعة‮..‬
وكما قال د‮. ‬عمرو دوارة،‮ ‬في‮ ‬دراسته وتقديمه للنص‮: »‬عالم الغجر هو عالم السحر والجمال،‮ ‬عالم الخيال والانطلاق،‮ ‬هو عالم مختلف ومتميز ذو نكهة خاصة محببة بمفرداته المختلفة من ملابس وإكسسوارات وكذلك بلغته التي‮ ‬تعتمد علي‮ ‬السجع ومفرداتها ودلالاتها المميزة،‮ ‬وقبل هذا وذاك،‮ ‬بعاداته وتقاليده المتوارثة عبر الأجيال‮«.‬
وقد تجسدت هذه المعاني‮ ‬في‮ ‬العلاقة بين الشخصيتين الرئيسيتين في‮ ‬العرض،‮ »‬قمر‮« ‬و»سمير‮« ‬حيث‮ ‬يمثلان التفاوت الطبقي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬والثقافي،‮ ‬فمن خلال العلاقة العاطفية التي‮ ‬نشأت بين الاثنين تتفجر الأزمة الدرامية للنص،‮ ‬ومن ثم تحتشد المحاولات للحيلولة بينهما فيما‮ ‬يمثل الصراع الطبقي‮ ‬الكائن في‮ ‬المجتمع والذي‮ ‬من خلاله‮ ‬يتضح رفض المجتمع للاعتراف بوجود تلك الطبقة المتدنية‮ (‬الغجر‮) ‬كشريحة شرعية في‮ ‬نسيج الشعب،‮ ‬ليظل الهامش مهمشًا ومرفوضًا ومستبعدًا بصورة دائمة‮.‬
وتدور أحداث المسرحية علي‮ ‬شاطئ أحد المصايف الساحلية حيث‮ ‬يجمع هذا المكان الطبقات المختلفة للمجتمع من صيادين وغجر وجماعة المصيفين والتي‮ ‬تمثلها رحلة طلاب جامعية كمكافأة علي‮ ‬تميزهم وتفوقهم،‮ ‬والتي‮ ‬تضم شخصيات‮: ‬سمير وهدي‮ ‬ورءوف ونيرمين وهي‮ ‬شخصيات تمثل الطبقة العليا في‮ ‬المجتمع‮.. ‬هذه الطبقة التي‮ ‬تلتقي‮ ‬بطبقة الغجر والصيادين وهي‮ ‬الطبقة الدنيا‮.. ‬فيقع سمير في‮ ‬غرام‮ »‬قمر‮« ‬تلك البنت قارئة الكف وضاربة الودع‮.‬
وقد عبر محمود مكي‮ ‬خليل عن مجموعة من القضايا من خلال تلك الأحداث في‮ ‬حبكة درامية بسيطة كما‮ ‬يقول د‮. ‬عمرو دوارة‮: »‬تعتمد علي‮ ‬حدث رئيسي‮ ‬وهو قصة الحب التي‮ ‬نشأت بين الطالب الجامعي‮/ ‬سمير البلتاجي‮ (‬ابن أحد الوزراء‮) ‬وبين الغجرية‮ »‬قمر‮« ‬قارئة الودع،‮ ‬وذلك بالإضافة إلي‮ ‬بعض الأحداث الفرعية التي‮ ‬تكاملت معه ومن أهمها قصة الحب التي‮ ‬نشأت بين كل من رءوف الشربيني‮ (‬زميل سمير بالجامعة‮) ‬والغجرية زينب‮ (‬صديقة قمر‮)‬،‮ ‬وبعض التصرفات الكيدية للطالبة‮ / ‬هدي‮ ‬التابعي‮ ‬بسبب حبها لسمير وغيرتها عليه،‮ ‬ومحاولاتها المتكررة للتفريق بين‮ »‬سمير‮« ‬و»قمر‮« ‬والتي‮ ‬تفشل وتنكشف في‮ ‬النهاية‮«.‬
وعلي‮ ‬الرغم من بساطة الحبكة الدرامية فإن المؤلف استطاع أن‮ ‬يقدم لنا نصًا محكم البناء‮ - ‬كما‮ ‬يقول د‮. ‬عمرو‮ - ‬يمكن تقديمه بصورة جيدة من خلال رؤية‮ ‬غنائية استعراضية‮.. ‬واستطاع أن‮ ‬يوظف الموسيقي‮ ‬والغناء في‮ ‬مواقف كثيرة لتعميق الحدث الدرامي‮.‬
إن النص‮ ‬يقترب من عالم الغجر ويقدم صورة شيقة للتعرف علي‮ ‬عاداته ومعتقداته وخاصة فيما‮ ‬يتصل بممارسة قراءة الكف والودع وما‮ ‬يحيطه من‮ ‬غموض وسحر‮.. ‬ولا‮ ‬يكتفي‮ ‬النص بتقديم صورة ساحرة عن الغجر بل‮ ‬يعالج القضايا الاجتماعية المهمة بصورة‮ ‬غير مباشرة والتي‮ ‬من أهمها‮: ‬التمييز الطبقي،‮ ‬وإعلاء قيم الحب والعمل،‮ ‬والدعوة إلي‮ ‬تغيير بعض العادات والتقاليد القديمة والتي‮ ‬أصبحت لا تتناسب مع العصر الحاضر وتحول بين هذه الطبقة واندماجها وانسجامها في‮ ‬المجتمع المصري‮.‬
وينفتح النص أكثر في‮ ‬دعواه كما‮ ‬يري‮ ‬دوارة‮ »‬علي‮ ‬رفض التطرف بصفة عامة ومحاولة الانفتاح علي‮ ‬الآخر،‮ ‬ونبذ المجتمعات المنغلقة للأقليات وضرورة انصهارها مع جميع المجتمعات الأخري‮ ‬مع المحافظة بالطبع علي‮ ‬الهوية الخاصة بكل منها‮«.

عادل العدوي‬

 

‮"‬الخوف علينا حق‮" ‬نص جديد لطنطاوي‮ ‬عبد الحميد طنطاوي‮ ‬صادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة،‮ ‬وله من قبل‮ "‬الملونون‮"‬،‮ ‬و"فرعون الأمريكاني‮"‬،‮ ‬و‮" ‬من أولها كدب‮" ‬وقد نشر النص الأخير في‮ ‬جريدة مسرحنا في‮ ‬جزئين متتاليين،‮ ‬ومنذ النص الأول‮ "‬الملونون‮" ‬اكتسب طنطاوي‮ ‬شهرة في‮ ‬كتابة النص المسرحي،‮ ‬حيث لفتت تلك المسرحية الأنظار إليه ـ كما‮ ‬يقول د‮. ‬محمد عبد الله حسين في‮ ‬تقديمه للنص الذي‮ ‬نعرض له هنا ـ منبئة عن ظهور موهبة مسرحية متميزة‮.‬
ويطرح الكاتب فكرة الخوف المترسخ في‮ ‬المجتمع من خلال عدة علاقات ثنائية،‮ ‬الخوف أحد طرفيها،‮ ‬كالخوف في‮ ‬مقابل الموت،‮ ‬وفي‮ ‬مقابل السلامة‮.. ‬الخ،‮ ‬مجسداً‮ ‬تلك العلاقات في‮ ‬التقابل الكائن في‮ ‬المكان‮ (‬البدروم ـ القصر‮)‬،‮ (‬البدروم ـ السجن‮) ‬كما‮ ‬يذهب إلى ذلك د‮. ‬محمد عبد الله حسين،‮ "‬ليفضح النظم الاستبدادية الحاكمة ومقوماتها التي‮ ‬تقوم على البطش والنفاق والحاشية الفاسدة التي‮ ‬تتفنن في‮ ‬عزل الحاكم عن الشعب،‮ ‬أو على وجه الدقة في‮ ‬عزل من‮ ‬يسكن القصر الكبير بما فيه من رفاهية مستفزة ونعيم مقيم عن ساكني‮ ‬البدروم الذين‮ ‬ينبشون‮ "‬الزبالة‮" ‬بحثاً‮ ‬عن كسرة خبز‮".. ‬على أن النص في‮ ‬أوج أزمته‮ ‬يثير تساؤلاً‮ ‬هو بؤرة الحدث الدرامي‮: ‬فماذا سيحدث لو أن الطرفان‮ (‬ساكني‮ ‬البدروم وساكني‮ ‬القصور‮) ‬تبادلا موقعيهما؟‮ ‬
ينطلق النص من قاع المجتمع حيث النماذج البشرية الأكثر فقراً‮ ‬والكادحين والجوعى،‮ ‬فتخير فئة الزبالين لتكون في‮ ‬مقابل أصحاب القصور،‮ ‬الملك وحاشيته،‮ ‬ويفترض بشكل هزلي‮ ‬تبادل المواقع،‮ ‬كما أشرنا في‮ ‬الفقرة السابقة،‮ ‬عن طريق الحيلة والدهاء،‮ ‬ليضع حركة المجتمع في‮ ‬مختبر التغيير المفترض،‮ ‬ليطرح علينا عدة تساؤلات من شأنها أن تسقط الدلالة على الواقع الآني‮ ‬والظرف السياسي‮ ‬الذي‮ ‬تمر به مصر الآن،‮ ‬لتكون النتيجة الصادمة من أن التغيير مجرد تغيير شكلي،‮ ‬وتبقى الحاشية كما هي‮ ‬فاسدة منافقة لا تجيد‮ ‬غير التآمر وإشعال الفتن،‮ ‬وصناعة الحاكم الشمولي‮ ‬الديكتاتور‮/ ‬المشرع الأوحد‮ / ‬المستمد السلطة من الإله وليس من الشعب،‮ ‬ويبقى التشدق بالديمقراطية والحرية مجرد خطاب أجوف تتستر من ورائه بطانة السوء،‮ ‬التي‮ ‬تفعل أقصى ما في‮ ‬جهدها لتظل الأوضاع على ما هي‮ ‬عليه من تفاوت طبقي‮ ‬حاد،‮ ‬ويظل الغني‮ ‬غنياً‮ ‬والفقير فقيراً،‮ ‬ولا هم لها سوى الحفاظ على العرش كحق مكتسب لا‮ ‬يمكن المساس به،‮ ‬وهي‮ ‬في‮ ‬سبيلها لذلك تنهار كل القيم تباعاً‮ ‬لتبقى قيمة وحيدة هي‮ ‬قيمة بقاء الملك والدفاع عنه بكل السبل،‮ ‬لأنه الملهم‮.. ‬ممثل الحق الإلهي‮.. ‬فهو ظل الله في‮ ‬الأرض ومن ثم‮ ‬يصبح الدفاع عنه وعن بقائه جهاداً‮ ‬مقدساً،‮ ‬وليمت من أجل ذلك الناس وليستشهد في‮ ‬سبيل هذا الجهاد عشرات الألوف‮. ‬
إن النص ترتكز فكرته على التفاوت الطبقي‮ ‬الحاد وانسحاق معظم شرائح المجتمع لصالح شريحة واحدة هي‮ ‬التي‮ ‬تمثل طبقة الحكم والمسيطرة على مقدرات الحياة كلها،‮ ‬وهو‮ ‬يُرجع هذا إلى طبيعة النظم الاستبدادية الفاسدة التي‮ ‬تسمح بتوحش الطبقة الرأسمالية على حساب طبقات الشعب المختلفة والتي‮ ‬تتحول مع الوقت إلى طبقة واحدة معدمة‮.. ‬تلك الطبقة التي‮ ‬تحلم بتوافر حياة كريمة وتطالب بحقوقها المشروعة في‮ ‬العيش والصحة والتعليم‮..‬الخ،‮ ‬لكنها لا تجد سبيلاً‮ ‬إلى ذلك إلا بالخيال كآلية تعويضية عن الواقع المزري‮ ‬الذي‮ ‬تعيشه،‮ ‬فهي‮ ‬غير قادرة على آليات التغيير الحقيقية‮.. ‬فيلجأ النص إلى الفانتازيا في‮ ‬تبادل المواقع بين الحكام والمحكومين بهدف السخرية من كليهما على السواء،‮ ‬ليصل إلى نتيجة مأسوية حيث تتحول الطبقة الكادحة إلى سلطة استبدادية بدورها بمجرد الوصول إلى سدة الحكم،‮ ‬وتتكون بطانة فاسدة لا عمل لها‮ ‬غير التآمر والنفاق وتكديس الأموال وتدعيم السلطة للحفاظ على مصالحها الشخصية‮.‬
ثمة رسالة‮ ‬يريد أن‮ ‬يبلغها النص فحواها الخلل الأخلاقي‮ ‬في‮ ‬المجتمع والذي‮ ‬يتحكم بدوره في‮ ‬التحول الذي‮ ‬يصيب الأفراد والجماعات ويبرر فساد الفعل السياسي،‮ ‬فالكرسي‮ ‬لا‮ ‬يغير النفوس إنما النفوس هي‮ ‬التي‮ ‬تتغير بمجرد الجلوس عليه‮.‬
حاول النص أن‮ ‬يلعب على فكرة التحول ليؤكد وجود التأزم الخلقي‮ ‬الكائن في‮ ‬قاع المجتمع من خلال وجود الإحساس بالتفاوت بين أبناء الطبقة التحتية‮ (‬ساكني‮ ‬البدروم‮) ‬أنفسهم،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن استعلاء الطبقة الحاكمة،‮ ‬فنجد سعيدة تتأفف من الزبالة المترامية في‮ ‬كل مكان حتى أصبحت توقن أن العالم كله ما هو سوى أكوام من القمامة في‮ ‬كل شيء،‮ ‬المكان والناس‮.. ‬الخ،‮ ‬ولكنها تتعالي‮ ‬على النساج الذي‮ ‬يكن لها مشاعر دافئة‮.‬
لقد لعب النص أيضاً‮ ‬على ازدواجية اللغة ليستثمرها في‮ ‬التعبير عن ذلك التحول،‮ ‬مرة أخرى،‮ ‬حين خصص اللغة العامية،‮ ‬لغة عامة الناس،‮ ‬الجارية على ألسنة أهل البدروم،‮ ‬في‮ ‬مقابل اللغة الفصحى،‮ ‬لغة طبقة الحكام،‮ ‬كلغة رسمية ملتصقة بالأرستقراطية،‮ ‬لذا فإنه ليس من الغريب أن نجد أهل البدروم‮ ‬يتحدثون بها بمجرد انتقالهم في‮ ‬الموقع،‮ ‬وتحولهم إلى طبقة الحكام‮.. ‬ليؤكد أن الازدواج الحادث في‮ ‬اللغة ما هو إلا شعور كامن في‮ ‬نفس المجتمع،‮ ‬وإذا كان هذا التخصيص‮ ‬يبدو،‮ ‬في‮ ‬حقيقته،‮ ‬تعسفياً،‮ ‬فإنه مفجر دلالي‮ ‬قوي‮ ‬في‮ ‬التعبير عن فكرة النص‮. 

عادل العدوي     ‬

 

‮"‬إن العصر الذي‮ ‬نعيش فيه هو بلا جدال عصر‮ ‬يهوذا‮.. ‬حيث نجد الخيانة بأوسع أشكالها وأقصي‮ ‬مضامينها تمزق هذا العالم الذي‮ ‬نعيش فيه‮.."‬
بهذه الكلمات‮ ‬يقدم د‮. ‬عصام عبد العزيز لمسرحيته‮ "‬ليلة انتحار‮ ‬يهوذا‮" ‬الصادرة عن دار ابن لقمان‮ ‬2012م،‮ ‬وهي‮ ‬تتكون من ثلاث لوحات؛ الأولي‮: ‬ليلة إغواء‮ ‬يهوذا،‮ ‬والثانية‮: ‬ليلة الخيانة في‮ ‬حقل الدم،‮ ‬والثالثة‮: ‬ليلة انتحار‮ ‬يهوذا‮. ‬وقد جعل المؤلف لكل لوحة منها شخصيات مختلفة‮ ‬غير شخصية‮ "‬يهوذا‮" ‬فهي‮ ‬الشخصية المستمرة طوال الوقت علي‮ ‬مدار الحدث الدرامي،‮ ‬وكأنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يقول لنا‮: "‬إن‮ ‬يهوذا كان ومازال‮ ‬يتخذ لنفسه أقنعة مرنة وخادعة بل ومتغيرة أيضاً‮ ‬من عصر إلي‮ ‬عصر ومن نظام سياسي‮ ‬واجتماعي‮ ‬إلي‮ ‬نظام آخر"لذا فإن الإنسان‮ ‬يعذب ويضطهد ويعاني‮ ‬الخيانة والشر تحت مصطلحات وأهداف مستعارة زائفة وجائرة‮.‬
ففي‮ ‬اللوحة الأولي‮ ‬نجد‮ ‬يهوذا‮ ‬يقع بدوره ضحية للشيطان الذي‮ ‬يجتهد في‮ ‬إغوائه حتي‮ ‬تتم السيطرة له علي‮ ‬نفسه،‮ ‬ومن ثم‮ ‬يُخدع‮ ‬يهوذا لكلمات الشيطان‮.. ‬وربما لا‮ ‬يدري‮ ‬يهوذا لماذا تمت الخيانة علي‮ ‬يديه،‮ ‬خاصة وقد كان ثمنها ثمناً‮ ‬بخساً‮ ‬لا‮ ‬يفسر أبداً‮ ‬فعلته في‮ ‬تلك الجريمة الأبدية‮.. ‬فهل كان الشيطان‮ (‬المجرب‮) ‬موجوداً‮ ‬بالفعل أم كان صوت‮ ‬يهوذا الداخلي‮ ‬هو الذي‮ ‬يناجيه ويحدثه بما في‮ ‬نفسه ؟ فقد كان أيضاً‮ ‬يبحث عن المجد والخلود وربما لم‮ ‬ير الإيمان طريقاً‮ ‬إليهما،‮ ‬لقد أراد‮ ‬يهوذا أن‮ ‬يذكر اسمه كلما ذُكر اسم السيد المسيح‮.. ‬إن‮ ‬يهوذا كان‮ ‬يبحث عن فعل الفعل،‮ ‬فهو‮ ‬يعي‮ ‬تماماً‮ ‬أن تسليم‮ ‬يسوع شيء متفرد في‮ ‬العالم كما‮ ‬يدرك تماماً‮ ‬بأنه هو هذا الإنسان الذي‮ ‬يفعل ذلك‮. ‬ما كان الشيطان إلا صوت النفس التي‮ ‬تأمر صاحبها بالشر،‮ ‬لذا فإن المؤلف‮ ‬يؤكد في‮ ‬حوار‮ ‬يهوذا مع المجرب/الشيطان أنه كان‮ ‬يفكر في‮ ‬هذا قبل حوارهما معاً،‮ ‬وما المجرب إلا ترديد لما كان مضمراً‮ ‬في‮ ‬نفس‮ ‬يهوذا،‮ ‬وما القلق والحيرة والتفكر إلا بسبب حلم الخلود والمجد‮.. ‬فالمجرب‮ ‬يري‮ ‬أن فعل‮ ‬يهوذا فعلاً‮ ‬مقدساً‮ ‬لذا فإنه جاء ليباركه،‮ ‬ويهوذا‮ ‬يبحث التفرد وهو سائر في‮ ‬طريقه مهما بلغت به التضحية‮.‬
وفي‮ ‬اللوحة الثانية‮ "‬ليلة الخيانة في‮ ‬حقل الدم‮" ‬يؤكد الكهنة إصرار‮ ‬يهوذا علي‮ ‬تسليم المسيح في‮ ‬نفسه ولكنه‮ ‬يأبي‮ ‬أن‮ ‬يعلن هذا وينكشف هذا المعني‮ ‬في‮ ‬حوارهم معه،‮ ‬حيث‮ ‬يقول‮: "‬أنتم ترمون بأوزاركم في‮ ‬وجهي‮ ‬وتحملونني‮ ‬مسئولية تسليم المسيح وحدي‮.. ‬وكأن المسئولية تقع علي‮ ‬كاهلي‮ ‬أنا‮.. ‬أنا فقط‮.. ‬أنتم تتظاهرون بالبراءة ولكني‮ ‬أسلمه لكم‮.. ‬لكم أنتم‮.. ‬لأنكم تريدون ذلك‮.. ‬ومن ثم فنحن شركاء في‮ ‬هذه الخطيئة التي‮ ‬ستدنسنا معاً‮ ‬وسنحمل الإثم أيضاً‮ ‬معاً‮.. ‬وإلي‮ ‬الأبد‮".‬
إن حديث‮ ‬يهوذا في‮ ‬مجمله‮ ‬يدل علي‮ ‬إيمانه القوي‮ ‬بالمسيح وأنه حقاً‮ ‬يفهم رسالته حق الفهم،‮ ‬ولكنه أيضاً‮ ‬عنده إيمان راسخ بأنه هذا الشخص الملعون،‮ ‬يهوذا الإسخريوطي،‮ ‬فحينما‮ ‬يواجهه كهنة المعبد بحقيقة نفسه وهو‮ ‬يجادلهم بشأن السيد المسيح،‮ ‬يعترف قائلاً‮: ".. ‬يبدو أن كل شيء‮ ‬يدفعني‮ ‬دفعاً‮ ‬نحو الخطيئة‮"‬،‮ ‬لكنه‮ ‬يشعر بأنه مسير في‮ ‬هذا لا‮ ‬يد له في‮ ‬الاختيار‮ ".. ‬لا أستطيع أن أدرك دوافعي‮ ‬الشيطانية الملعونة ولا أدري‮ ‬بأي‮ ‬قوة أسير نحو الخطيئة؟‮" ‬وعلي‮ ‬الرغم من ذلك فإن‮ ‬يهوذا‮ ‬يفقد مقاومته تماماً‮ ‬وينهار أمام الثلاثين قطعة من الفضة،‮ ‬ثمن تسليم المسيح‮.‬
أما اللوحة الثالثة‮ "‬ليلة انتحار‮ ‬يهوذا‮" ‬فهي‮ ‬مونودراما ليهوذا،‮ ‬وهي‮ ‬عبارة عن منولوج داخلي‮ ‬يبرز الجوانب الإنسانية العميقة التي‮ ‬يمكن أن تتجذر في‮ ‬النفس البشرية بكل خيرها وشرها،‮ ‬مواطن القوة ومواطن الضعف،‮ ‬الإيمان والكفر،‮ ‬الحب والكره،‮ ‬وكأن د‮. ‬عصام عبد العزيز‮ ‬يريد أن‮ ‬يقول لنا إن الإنسان،‮ ‬أي‮ ‬إنسان،‮ ‬يحمل بداخله بذور هذا التناقض والذي‮ ‬منه طبيعته‮. ‬يعترف‮ ‬يهوذا في‮ ‬هذه اللوحة بخطيئته ويحاول أن‮ ‬يكفر عنها ويستغفر ربه قائلاً‮:" ‬أيها الرب العادل إن عملي‮ ‬الذي‮ ‬خلقت ووجدت من أجله‮.. ‬قد أكمل‮.. ‬أيها الرب ها أنا ذا أغادر هذا العالم الأرضي‮ ‬مشنوقاً‮.. ‬تكفيراً‮ ‬وتمرداً‮ ‬علي‮ ‬قدري‮ ‬الذي‮ ‬فرض علي‮.. ‬كل ما أطمح إليه‮ ‬يا أيها السيد المخلص‮.. ‬وفي‮ ‬تلك اللحظات القاسية والتي‮ ‬أودع فيها هذا العالم الملعون‮.. ‬هو قليل من الرحمة‮.. ‬وقليل من العدل‮.. "‬ويوقن‮ ‬يهوذا في‮ ‬النهاية أنه أيضاً‮ ‬محملاً‮ ‬برسالة ومقدر له أن‮ ‬يكون مخلداً‮ ‬إلي‮ ‬أبد الآبدين حين‮ ‬يقول‮: "‬لأنه بدوني‮.. ‬يا أيها المعلم‮.. ‬لا‮ ‬يستطيع القدر أن‮ ‬يفصح عن وجهه الحقيقي‮.. ‬ويحقق لك مشيئة السماء وإرادة الرب‮.. ‬تلك الإرادة الإلهية‮.. ‬هي‮ ‬التي‮ ‬جمعتنا معاً‮.. ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬حددت لكل منا دوره في‮ ‬هذا العالم‮.. ‬لكي‮ ‬يكون هناك ألم وعذاب‮.. ‬صلب وموت‮.. ‬ثم قيامة وبعث وحياة‮. ‬ثم خلاص‮.. ‬فنحن الاثنان معاً‮ ‬وإلي‮ ‬أبد الآبدين‮.." ‬

 

يعتبر فن المناظر المسرحية من العناصر التشكيلية الهامة في العرض المسرحي، والتي تأثرت بمظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية تأثرا كبيرا، انعكس علي تطورها عبر العصور ، وحتي يومنا هذا.

وعلي الرغم من ذلك فإن المؤلفات في هذا التخصص- خاصة في المنطقة العربية- لا تتوازي مع مظاهر هذا التطور، بل إن المؤلفات المتاحة لتعميق فرع التخصص في مجال المناظر المسرحية تكاد تكون نادرة، إلا في بعض المترجمات أو المقالات النقدية لعروض المسرح في سطور قليلة متناثرة في جريدة أو مجلة، قد لا تدوم في مكتبة المتخصصين أو دارسي فن المناظر؛ فيصعب الرجوع إليها في حالة الاحتياج إليها كمرجع متخصص.

بهذه الكلمات استسهل د. مصطفي سلطان مقدمة الكتاب الذي بين أيدينا وذلك ليوضح أهمية هذا الكتاب، فالمناظر المسرحية أصبحت بلا شك هي المعادل التشكيلي لرؤية المخرج من خلال التشكيل في فراغ خشبة المسرح ومفردات تصميم المنظر المسرحي، لذلك فإن الاهتمام بفن المناظر المسرحية وإحياء مفردات هذا التخصص أمر مهم و ضروري.

يتكون الكتاب من مبحثين متكاملين: المبحث الأول تحت عنوان "مفهوم ووظائف المناظر المسرحية" ويتناول الثقافة المسرحية المتعلقة بتخصص المناظر المسرحية، فيشرح مفهوم فن المسرح كأحد وسائل الاتصال بالجماهير، وكيفية نجاح العمل الفني عامة والمسرحي خاصة، وكذا ماهية المناظر المسرحية وعلاقتها بعناصر العرض المسرحي، وينتقل إلي تحديد أهمية ووظائف المناظر المسرحية، ودورها في العرض المسرحي وعلاقتها بفن السينوجرافيا.

ويأتي المبحث الثاني تحت عنوان "تاريخ تطور المناظر المسرحية" فيحتوي سردا لتاريخ المنظر المسرحي عبر القرون مقرونا باللوحات الإيضاحية، منذ بداية فن المسرح وحتي القرن العشرين، ويتبين هذا العرض مدي علاقة المنظر بتطور مكان التمثيل وما طرأ عليه من تطوير، متأثرا بمظاهر الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية.

المبحث الأول من الكتاب يتناول مفهوم ووظائف المناظر المسرحية وينقسم إلي خمسة عناوين رئيسية هي: (المسرح وسائل الاتصال بالجمهور- ومراحل قياس العمل الفني- عناصر  العرض المسرحي - المناظر المسرحية وعلاقتها بعناصر العرض - الوظائف الأساسية للمنظر المسرحي- والمنظر المسرحي وفن السينوجرافيا) حيث يري  د. مصطفي سلطان أن فن العرض المسرحي مثله مثل بقية وسائل الاتصال، يعتمد علي فكرة في ذهن الكاتب والمؤلف المسرحي، الذي يصوغها بأسلوب وحوار مسرحي مليء بالأحداث والشخصيات والمشاهد المسرحية وتتجسد هذه الفكرة عن طريق مجموعة الممثلين المؤدين لتلك الشخصيات والأحداث، تحت قيادة رؤية إخراجية موحدة مع مخرج العرض.

ولنجاح العرض المسرحي يجب أولا أن نضع في الاعتبار مراحل قياس العمل الفني والتي تتلخص في مرحلتين:1- أن يتمتع العمل الفني بجاذبية المتلقي. 2- أن يكون ذا مفردات تبعث وتدعو المتلقي، لكي يتأمل هذا العمل ويتعمق في مفرداته.

فلكل عمل فني عناصر ومفردات بصرية وفكرية وسمعية، تعمل هذه المفردات كعناصر جذب للجمهور المتلقي، قد تكفي واحدة منها لتحقيق جاذبية ما للعمل الفني. وكذلك المناظر المسرحية ذات رؤية بصرية تشكيلية تتكون من عناصر الإضاءة والملابس والإكسسوارات، وكذلك رؤية المخرج، التي تتشكل من كيفية تجسيد حركة الممثلين في فراغ خشبة المسرح، مع الاستعانة بالعناصر السمعية، من موسيقي ومؤثرات صوتية، كل ذلك لإبراز وتحقيق رؤية المؤلف المسرحي، وبذلك تتحقق موضوعية العرض المسرحي.

ويري المؤلف أن العرض المسرحي يعتمد علي أربعة عناصر أساسية، تشكل فيما بينها دعائم ضرورية لابد من توافرها لإقامة عرض مسرحي متكامل، هذه العناصر هي (العنصر الفكري - العنصر البشري - العنصر المرئي والمسموع - عنصر المتلقي).

ويؤكد الكتاب علي أن العروض المسرحية المتميزة هي تلك العروض التي تحقق التوافق في الشكل والمضمون بين العناصر الأربعة.

ينتقل بعد ذلك المؤلف ليشرح كيف يمكن توضيح معالم وحدود هذه العلاقات عن طريق تحديد العلاقة بين المناظر المسرحية وعناصر العرض المسرحي الأخري، حيث يتناول علاقة المناظر المسرحية بكل من (النص المسرحي - الممثلين - مكان التمثيل وتجهيزاته- الجمهور)، لنري مدي قدرة مصمم المناظر علي التأثير في قدرة تذوق الجمهور للفنون التشكيلية والمسرحية، كما أنها تساعد في تنمية الإحساس الدرامي لدي جمهور المسرح.

وتحت عنوان »الوظائف الأساسية للمنظر المسرحي« يقدم د. مصطفي سلطان تعريفًا للمنظر المسرحي بأنه الإطار التشكيلي الذي يوفر المتعة التشكيلية البصرية للعرض المسرحي من خلال القدرة علي إيجاد المعادل التشكيلي لفكر مؤلف المسرحية وفي ظل رؤية المخرج باستخدام كافة عناصر خشبة المسرح من أدوات ومفردات وتجهيزات تساهم في زيادة التعبير، بهدف التأثير علي الجمهور لإمتاعه فكريًا وبصريًا.

وبعد التعريف يشرح الكتاب مفردات المنظر المسرحي ووظائفه وهي (وظيفة معرفية للمكان والزمان - وظيفة جمالية - وظيفة درامية).

وينهي المؤلف المبحث الأول بحديثه عن المنظر المسرحي والسينوجرافيا، ليؤكد أن فن المناظر المسرحية فن شامل لفنون مختلفة، لأنه يجمع بين الديكور والملابس والإضاءة، وبهذا فإن المنظر المسرحي يمثل الجزء الأكبر من سينوجرافيا العرض المسرحي، وهنا يوضح المؤلف أصل كلمة (سينوجرافيا) وتعريفها الاصطلاحي وعلاقتها بالمنظر المسرحي والعرض المسرحي ككل.

وفي المبحث الثاني من الكتاب الذي يتناول (تاريخ تطور المناظر المسرحية) فإن المؤلف يقدم لنا بانوراما تاريخية لتطور المنظر المسرحي وطريقة تصميمه وذلك عبر تاريخ المسرح كله، حيث تناول العصور (الفرعونية - الإغريقية - الرومانية - الوسطي - النهضة) ثم المنظر المسرحي من القرن السادس عشر وحتي القرن العشرين.

إنه مبحث تعليمي وتوثيقي كبير، كلله د. مصطفي سلطان وزاد من فوائده التعليمية والعلمية عن طريق إضافة صور ولوحات ورسومات تصميمية، توثق المنظر المسرحي عبر تاريخ المسرح، وتتناول كافة عناصره ومفرداته.

وبهذين المبحثين من الكتاب (النظري - التطبيقي) فإن  د. مصطفي سلطان يقدم لنا رحلة علمية شيقة لكل مهتم ودارس للمسرح.

 

في‮ ‬عددها الجديد الذي‮ ‬صدر منذ أيام احتفت مجلة الثقافة الجديدة التي‮ ‬تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بأدب الطفل وثقافته،‮ ‬حيث ضم العدد عددًا من الملفات في‮ ‬هذا الباب‮.‬
كانت البداية مع ملف الأدب الذي‮ ‬ضم دراسة للكاتب‮ ‬يعقوب الشاروني‮ ‬حاول فيها رصد ملامح مستقبل أدب الأطفال في‮ ‬ضوء المتغيرات المحلية والعربية والدولية،‮ ‬كما ناقش عبد التواب‮ ‬يوسف سؤالاً‮ ‬يتعلق بثقافة الأطفال بمصر،‮ ‬هل تتقدم أم تتراجع؟
وتحدث جار النبي‮ ‬الحلو عن أهم السمات التي‮ ‬يجب أن تتميز بها حكايات الأطفال وكتبهم وهو ما أطلق عليه عنوان‮ »‬سحر الحكي‮«‬،‮ ‬أما نجلاء علام فقد قدمت قراءة تحليلية في‮ ‬مجلات الأطفال التي‮ ‬تصدر في‮ ‬مصر خلصت في‮ ‬النهاية إلي‮ ‬عدة نتائج منها تخفيض صدور بعض المجلات منها علاء الدين وبلبل،‮ ‬وتهدد بعض المجلات بالتوقف عن الصدور مثل سمير،‮ ‬كما رصدت زيادة أسعار بعض المجلات،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬يجعلها في‮ ‬غير متناول الكثير من الأسر،‮ ‬كما لاحظت أن عدد مجلات الأطفال في‮ ‬الوطن العربي‮ ‬إجمالاً‮ ‬لا‮ ‬يتناسب وزيادة أعداد الأطفال العرب‮. ‬كما قرأ عمرو عاشور رواية‮ »‬دون كيخوته‮« ‬بوصفها‮ »‬أول رواية تكتب بخيال طفل‮«.‬
وتختار المجلة رواية‮ »‬الأمير الصغير‮« ‬لأنطوان دي‮ ‬سانت إكزويري‮ ‬لتكون كتاب الشهر،‮ ‬ومنها‮ ‬يختار أحمد أبو خنيجر بعض الفقرات ليقدمها إلي‮ ‬القراء،‮ ‬كما تقدم حولها دراستين لأحمد خالد توفيق وغادة الحلواني‮.‬
ضم العدد ملفًا آخر‮ ‬يحتوي‮ ‬عدة‮ (‬تجارب في‮ ‬أدب الطفل‮) ‬هي‮: ‬قطر الندي‮.. ‬تجارب تأسيس مجلة للأطفال لمحمد السيد عيد،‮ ‬أديب الأطفال المغرور لعمرو حسني،‮ ‬عالم الأطفال عجيب ومدهش لعبده الزراع،‮ ‬تجربتي‮ ‬في‮ ‬الكتابة للأطفال سهير متولي،‮ ‬مهمة الرسام‮.. ‬صناعة خيال الطفل لسحر عبد الله،‮ ‬والسويس دمعة البحر الأحمر لفكرية‮ ‬غانم‮. ‬كذلك تناول صالون الثقافة الجديدة قضايا أدب الطفل في‮ ‬مصر،‮ ‬حيث استضاف عددًا من كتاب الطفل والمعنيين بثقافته منهم عبد التواب‮ ‬يوسف،‮ ‬سعاد عبد الرسول،‮ ‬عادل البطراوي‮ ‬وعبده الزراع‮.. ‬أعد الصالون للنشر أشرف الخمايسي‮. ‬كذلك ضم العدد سيرة إبداعية قدمها الشاعر محمد كشيك متحدثًا عن‮ »‬سلطة المكان،‮ ‬وأدب الأطفال‮« ‬وارتباط ذلك بتجربته الشخصية‮.‬
في‮ ‬باب الشعر احتوي‮ ‬العدد علي‮ ‬قصائد لصلاح اللقاني،‮ ‬عزت الطيري،‮ ‬صابرين مهران،‮ ‬جيهان عمر،‮ ‬هبة عصام،‮ ‬سماح ناجح،‮ ‬أشرف قاسم،‮ ‬سمير الجيار،‮ ‬رشا زقيزق،‮ ‬فتحي‮ ‬البريشي،‮ ‬كما احتوي‮ ‬باب القصة علي‮ ‬أعمال لرحاب إبراهيم،‮ ‬حمدي‮ ‬الجزار،‮ ‬محمد الزرقاني،‮ ‬محمد صالح البحر،‮ ‬لؤي‮ ‬ياسر وابتهال الشايب،‮ ‬وفي‮ ‬الترجمة قدم محمد عيد إبراهيم‮ »‬مرآة الآخر‮« ‬لهنري‮ ‬ميللر،‮ ‬كما قدم حسام قطب ترجمة لقصتين قصيرتين من بيلار أدون‮. ‬وتقرأ في‮ ‬العدد أيضا كنت في‮ ‬الميدان لسمية رمضان،‮ ‬صورة الطفل في‮ ‬السينما الأمريكية لفتحي‮ ‬الخميسي،‮ ‬ابن عروس وبلاغة الإيجاز لمحمد علي‮ ‬عزب،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬تحقيق أشرف عويس حول متحف الطفولة،‮ ‬وأدب الطفل والشبكات الإليكترونية لمحمد سيد ريان،‮ ‬كما قدم الشاعران عزت إبراهيم والسعيد المصري‮ ‬تغطية لمؤتمر وسط الصعيد،‮ ‬وضم العدد أيضًا عرضًا لبعض الكتب الصادرة مؤخرًا لهشام أصلان‮. ‬ويعود شحاتة العريان في‮ »‬مدخل‮« ‬العدد لأمنا هاجر عليها السلام،‮ ‬كما‮ ‬يطوف بالكثير من مدارات العهود القديمة بغرض‮ »‬فض الاشتباك الدائر حاليًا بين الإسلام في‮ ‬طبقته الوهابية،‮ ‬وبين التراث الفرعوني‮ ‬بدعوي‮ ‬أنه تراث الكفار وهو ما‮ ‬يرفضه العريان عبر سرده محاولاً‮ ‬إعادة الأمور إلي‮ ‬نصابها بوصفه وبوصفنا مسلمين مصريين لا‮ ‬يسرنا أن‮ ‬يوصف أسلافنا بالكفر‮.‬
وكما‮ ‬يدافع شحاتة العريان عن المصريين واتهام حضارتهم بالكفر في‮ »‬المدخل‮« ‬يدافع حمدي‮ ‬أبو جليل في‮ »‬المخرج‮« ‬عن النخبة الثقافية ضد من‮ ‬يتهمونها بالانعزال مؤكدًا دورها التثويري‮ ‬في‮ ‬حياة المصريين وأنها من مهدت للثورة‮.‬
يوزع مع العدد مجانًا كتاب‮ »‬العالم قصة قصيرة‮« ‬ترجمة طلعت الشايب ويضم قصصًا لعدد من الكتاب العالميين‮.‬

محمود الحلواني

 

‮"‬الدراما بين التشكل والعرض المسرحي‮" ‬كتاب لمايكل فاندين هيفل،‮ ‬ترجمة عبد الغني‮ ‬داود وأحمد عبد الفتاح،‮ ‬ومراجعة كمال الدين عيد‮.. ‬ونعتقد بهذه الأسماء أننا بإزاء تحفة أدبية عالية القيمة‮.. ‬لكننا نجد أنفسنا حالما الانتهاء من تصفح الكتاب أمام أثر مهم في‮ ‬فن الدراما،‮ ‬حيث إن الكتاب في‮ ‬جملة موجزة عبارة عن بحث عن استعارات جديدة للعلاقة المعقدة جداً،‮ ‬واللغة الجديدة التي‮ ‬تؤكد علي‮ ‬العلاقة الدينامية بين الدراما والعرض‮.. ‬ويعني‮ ‬هيفل بالدراما ذلك الشكل من التعبير المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬يتأسس بشكل أولي‮ ‬باعتباره‮ "‬نتاجاً‮ ‬أدبياً‮ ‬من صنع الإنسان‮" ‬وذلك طبقاً‮ ‬لأعراف وتقاليد‮ "‬درامية‮"‬،‮ ‬وينهض باعتباره نصاً،‮ ‬فالأعمال الدرامية بالطبع لا تظل أدبية أو نصية فقط‮: ‬لأنها‮ ‬غالباً‮ ‬تعرض علي‮ ‬خشبة المسرح،‮ ‬ومع ذلك فإن مجالات البهجة التي‮ ‬تستميلها أو ترفضها،‮ ‬ومصدر قوتها لاستدعاء أو استبعاد المتلقي،‮ ‬هي‮ ‬نصية في‮ ‬الأساس،‮ ‬ومتأصلة في‮ ‬التقاليد الأدبية للسرد واللغة والمشهد والشخصية والدلالة‮. ‬وهذا لا‮ ‬يعني‮ ‬ـ رغم ذلك ـ أنه‮ ‬يوجد مثال أو نموذج وحيد للنص الذي‮ ‬يؤكد علي‮ ‬نفس التأثيرات بين قرائه ومتلقيه‮. ‬
ويعلق هيفل علي‮ ‬العرض المسرحي‮ ‬قائلاً‮: " ‬العرض،‮ ‬بالمثل،‮ ‬يتم تعريفه باعتباره تقديم الصنعة الأدبية علي‮ ‬المسرح،‮ ‬وهو بذلك متضمن في‮ ‬إعادة تأسيس معني‮ ‬محدد وسلطة تأليفية‮. ‬والمصطلح بالتأكيد لم‮ ‬يعد مقصوراً‮ ‬علي‮ ‬هذا النشاط‮. ‬فالأعمال التجريدية التي‮ ‬تثير اهتمامه في‮ ‬هذه الدراسة،‮ ‬قدمت الكثير في‮ ‬الواقع من أجل زعزعة الشائع للكلمة،‮ ‬لكي‮ ‬ينفتح فهمنا لكيفية توظيف العرض المسرحي‮ ‬في‮ ‬سياقات متنوعة‮. ‬فمن خلال مختلف أنواع الخطاب ونظرياته نتواصي‮ ‬بالتروي‮ ‬في‮ ‬أن العرض‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون متعلقاً‮ ‬بعتبة الشعور،‮ ‬ومتحرراً‮ ‬ومراوغاً،‮ ‬لدرجة أنه‮ ‬يتخلل النص ويطرده أو‮ ‬يلفظه ويحل محل سلطاته مع مؤلفه الأصلي‮". ‬وعلاوة علي‮ ‬ذلك‮ ‬يكشف لنا أن العرض،‮ ‬في‮ ‬إحدي‮ ‬مفارقاته المتعددة،‮ ‬يمكن أن‮ ‬يفكك الحضور تماماً،‮ ‬ويقوي‮ ‬ويعزز الغياب والعجز‮. ‬ولأنه‮ ‬يتفاعل من خلال فعاليات‮ ‬غير دورية وغير تتابعية ـ مثل الارتجال واللعب والتحول والترادف ـ فإن العرض‮ ‬يكسر إيهام السيطرة العقلانية وسلطة المعني‮ (‬والاستعارة البنيوية للبرهان المتضمن في‮ ‬النص‮)‬،‮ ‬ويستبدلها بنظام تشتيت داخل التشويش‮. ‬فإيماءاته الأولية تتجه نحو الفوضي‮ ‬والغموض‮. ‬
ويري‮ ‬هيفل أن العرض‮ ‬يختلف في‮ ‬بنيته عن النص،‮ ‬فهو‮ ‬يشبه بنية العرض بنظرية الفوضي،‮ ‬فيصفها بأنها عشوائية معتدلة مركبة جداً،‮ ‬لدرجة أن نظامها الكامن لا‮ ‬يمكن استعادته كلية داخل أنساق عقلانية برهانية مثل النص،‮ ‬ولكنه‮ ‬يتركب في‮ ‬إطار شبكات،‮ ‬ربما تبدو مضطربة،‮ ‬ولكنها شبكات تتضمن أشكالاً‮ ‬فريدة لها نظام داخلي،‮ ‬فمثل هذه البنيات بطبيعتها‮ ‬غير التتابعية،‮ ‬ربما تفصح عن نظام مكاني‮ ‬لكن مع فوضي‮ ‬زمانية،‮ ‬فبعضها‮ ‬يعرض بشكل مضطرب الأنماط التي‮ ‬تتضمن،‮ ‬رغم ذلك،‮ ‬بنيات ذاتية الشبه في‮ ‬مختلف المجالات،‮ ‬أو تلك البنيات التي‮ ‬تتطور في‮ ‬النهاية إلي‮ ‬حالات ثابتة أو متذبذبة‮. ‬ومن مثل هذه الأنساق الفوضوية الطبيعية‮ ‬يصنع العرض ـ إذن ـ إيماءاته الأولي‮ ‬في‮ ‬اتجاه هدم النظام العقلاني‮. ‬فالعرض‮ ‬يفكك السلطة التأليفية وإيهام حضورها ويشتت طاقتها الكمية ويوزعها بين المؤدين والمتلقين باعتبارها المصدر الكامن للسلطة المرجئة والافتراضية والجوهرية‮. ‬ولذلك فإن العرض ـ مبدئياً‮ ‬ـ هو تنحية للحضور أو السلطة،‮ ‬وتأكيد للغياب والعجز‮. ‬ورغم ذلك فإنه‮ ‬يظل في‮ ‬بعض الأمثلة تفكيكاً‮ ‬للأنساق المنتظمة‮ (‬مثل النص‮) ‬من خلال تدخل الاضطراب أو الفوضي‮ ‬التي‮ ‬يمكن أن تبدأ تطورها في‮ ‬اتجاه نظام تركيب أعلي،‮ ‬وهكذا فإن العرض كتأثير ثانوي‮ ‬لديه القوة الكامنة لفتح أنساق جديدة،‮ ‬وأحياناً‮ ‬مستويات جديدة للمعني‮. ‬
ولكي‮ ‬يحقق هيفل هدفه‮ ‬يؤكد علي‮ ‬أن العرض‮ ‬يشير إلي‮ ‬الوسيط المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬يقوم بترجمة النص الدرامي،‮ ‬مع أنه هو الذي‮ ‬يتم تنصيبه في‮ ‬السنوات الحالية باعتباره شكلاً‮ ‬فنياً‮ ‬مستقلاً،‮ ‬كبديل للدراما‮ "‬الأدبية‮" ‬المتعارف عليها‮. ‬فهو‮ ‬يقديم الاستراتيجيات المحددة للعرض داخل الأعمال المسرحية التي‮ ‬يحللها خلال الكتاب‮. ‬هذه الاستراتيجيات تعمل عموماً‮ ‬كوسيلة لتمييز وتنظيم بنية مقاومة التمركز العقلاني،‮ ‬والشمول،‮ ‬والحضور التأليفي،‮ ‬واستراتيجيات القراءة المتعارف عليها في‮ ‬النصية‮. ‬فالعرض مثل الدراما والنص،‮ ‬رغم ذلك،‮ ‬هو المصطلح الذي‮ ‬له تطبيقات أوسع باعتباره أداة معرفية‮ (‬بالمعني‮ ‬الذي‮ ‬يقصده فوكوه‮) ‬بمعني‮ ‬أن نسق الأنشطة الإدراكية مشابه في‮ ‬كثير من الحالات لتلك الأنساق المرتبطة بنظرية ما بعد البنيوية‮. "‬فالوعي‮ ‬الأدائي‮"‬،‮ ‬كما تقول النظرية،‮ ‬وعي‮ ‬حاد وشديد الاختلاف والتناقض،‮ ‬ويتميز بأنه الوعي‮ ‬الذي‮ ‬لا تتوجه رغباته نحو الحضور أو الأصول‮. ‬ولكونه مواكباً‮ ‬في‮ ‬طبيعته،‮ ‬فإنه‮ ‬يرفض أن‮ ‬يكون مقيداً‮ ‬داخل نسق ثابت من الإشارات؛ فالذات الأدائية توجد في‮ ‬حالة كلية‮ ‬غامضة تحول نفسها وتنشرها داخل انحراف مراوغ‮ ‬للذات‮. ‬وقد أصبح نشاط تفكيك الهوية في‮ ‬مختلف النصوص السيادية في‮ ‬الثقافة من أجل بثها،‮ ‬استجابة مؤكدة لحقيقة ولغة محددة بواسطة الهوات والفراغات والفجوات والغموض‮. ‬
ويمثل المسرح عند هيفل المكان المميز للاختلاف في‮ ‬ثقافة خاضعة بشكل متزايد للانقسامات السطحية،‮ ‬وبالتعارض مع ثقافة تسطيح الاختلاف،‮ ‬فحافظ المسرح علي‮ ‬نفسه باعتباره المساحة التي‮ ‬تتحول فيها الأمور المتصارعة أو حتي‮ ‬المتعارضة،‮ ‬ومفاهيم القيمة فيما‮ ‬يتعلق بالعالم ـ بما في‮ ‬ذلك تلك القيم والأنشطة الإدراكية المرتبطة بالنص والعرض،‮ ‬والتي‮ ‬تتبدل إلي‮ ‬طاقات متفاعلة‮ ‬يمكن تدعيمها،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن هيمنة إحداها علي‮ ‬الأخري‮. ‬وكما‮ ‬يشير‮ "‬ديفيد جورج‮" ‬إلي‮ ‬أن المسرح في‮ ‬كثير من النواحي‮ ‬هو أصدق تمثيل للواقع لأنه‮ ‬يدرك مفهوم هذا الواقع ويعززه،‮ ‬باعتباره جماعاً‮ ‬وموازياً‮ ‬ومبهماً‮ ‬وافتراضياً،‮ ‬إنه الإبداع المشترك للمشاهدين والمؤدين ـ إنه باختصار‮ ‬ينطوي‮ ‬علي‮ ‬إمكانية الوجود‮. ‬
لذلك فالمسرح بطبيعته‮ ‬يكشف الاختلاف ويقدم القالب من أجل التفاعل المثمر بين الطبقات المتعارضة مثل‮ "‬النصية‮" ‬والعرض اللذين‮ ‬يستثيران الأعمال التي‮ ‬يحللها هيفل في‮ ‬هذا الكتاب‮. ‬ولقد ساعدت هذه العلاقات المتغيرة بين الدراما والعرض علي‮ ‬تقبل النقاد لتلك الأعمال الجديدة التي‮ ‬تؤكد علي‮ ‬الخصائص البديلة،‮ ‬وأحياناً‮ ‬غير النصية،‮ ‬أو المؤثرات،‮ ‬باعتبارها معايير للحكم علي‮ ‬مكانة عمل معين داخل مبادئ وقوانين التيار المسرحي‮ ‬الرئيس‮. ‬ففي‮ ‬بعض الحالات قد بين لنا المزيج المتنافر بين الدراما الأدبية والدراما‮ ‬غير النصية والعمل المسرحي‮ ‬المرتكز علي‮ ‬العرض،‮ ‬أن العلاقة بين النص والعرض ليست ثابتة كما كنا نعتقد‮. ‬فلم نعد نستطيع أن نقبل التتابع،‮ ‬والنموذج المنسوب إلي‮ "‬نيوتن‮" ‬الذي‮ ‬يصف النص وتأثيراته باعتباره مرجعاً‮ ‬لقياس العمل المسرحي،‮ ‬ويصف العرض باعتباره مجرد تصوير وتجسيد أو ترجمة للنص‮. ‬وبدلاً‮ ‬من ذلك اضطر هيفل إلي‮ ‬البحث عن استعارات جديدة للعلاقة المعقدة جداً،‮ ‬واللغة الجديدة التي‮ ‬تؤكد علي‮ ‬العلاقة الدينامية بين الدراما والعرض‮.  ‬

عادل العدوي

 

هذا نص مسرحي‮ ‬آخر تتكئ بنيته الدرامية علي‮ ‬مادة تراثية استخدمت كثيرًا من قبل كتّاب المسرح وذلك لما لها من حضور طاغ‮ ‬وبريق متجدد،‮ ‬وإغراء جاذب للمؤلفين والمخرجين وخاصة المسرحيين إنها‮ »‬سيرة بني‮ ‬هلال‮« ‬التي‮ ‬تناولها محمد سيد عمار في‮ ‬نصه الجديد‮ »‬ثنائية الحلم والسقوط‮« ‬ولكن من منظور مختلف بعض الشيء من خلال مزاوجته بين الدراما والتراث الشعبي‮ ‬ومحاولته استنطاق شخصيات السيرة أنفسهم ليقصوا لنا طرفًا من أخبار السيرة ربما لم نكن نعرفه من قبل،‮ ‬وربما لم‮ ‬يرد أصلاً‮ ‬علي‮ ‬لسان الراوي‮ ‬الشعبي،‮ ‬وهو في‮ ‬هذا‮ ‬يسعي‮ ‬جاهدا لطرح قضايا شائكة في‮ ‬ثوب مغاير ومعاصر‮.‬
النص مكون من قسمين وهو ما‮ ‬يعبر عن دلالة العنوان‮ »‬ثنائية الحلم والسقوط‮« - ‬الأول الحلم‮ ‬يعبر عن معاناة بني‮ ‬هلال من الفقر والجوع والجدب الذي‮ ‬أصاب أرضهم‮ »‬أرض نجد‮« ‬وحلمهم في‮ ‬الرحيل عن هذه الأرض قبل هلاكهم ودفنهم،‮ ‬في‮ ‬ترابها،‮ ‬وهو في‮ ‬حقيقة الأمر حلم موزع بين صفتي‮ ‬العام والخاص فهم‮ ‬يريدون الخروج التماسًا للنجاة،‮ ‬وهم في‮ ‬الوقت نفسه‮ ‬يكابدون متمنين إنقاذ قبيلتهم‮ / ‬وطنهم من الدمار والعار‮.‬
وأما القسم الثاني‮ ‬فهو‮ ‬يعبر عن السقوط المدوي‮ ‬لهم جميعًا خلال سعيهم لتحقيق هذا الحلم البعيد،‮ ‬لأنهم لم‮ ‬يأخذوا بالأسباب ولم‮ ‬يتسلحوا برسائل النجاح في‮ ‬مواجهة عدوهم الأكثر تنظيمًا والأقوي‮ ‬بأسًا ومن ثم تقع‮ »‬بني‮ ‬هلال‮« ‬كلها فريسة في‮ ‬قبضة‮ »‬ملوك العجم‮«.‬
إنه ثنائية الصراع بين الأحلام الممكنة والأحلام المستحيلة ومن هنا،‮ ‬فالرمز واضح وليس به شفرات تحتاج للحل،‮ »‬فالهلاليون‮« ‬هم العرب المتصارعون فيما بينهم والمغلّبون مصالحهم ومطامعهم الخاصة علي‮ ‬المصالح العامة والهموم المشتركة‮.‬
وكما ذكرنا آنفًا فقد لجأ الكاتب إلي‮ ‬استخدام بعض أفراد السيرة كرواة وهم‮: »‬مرعي‮ - ‬يحيي‮ - ‬يونس‮« ‬هؤلاء الذين لم‮ ‬يشاهدوا الرحلة الهلالية لأنهم كانوا سجناء عند الزناتي،‮ ‬ومن ثم فهم‮ - ‬وعلي‮ ‬حسب رؤية المؤلف‮ - ‬يتمتعون بصفة‮ »‬الراوي‮ ‬المحايد‮« ‬وإن كنا نري‮ ‬أن هذه الصفة لم تكن متحققة بعض الشيء في‮ ‬هؤلاء الرواة فهم‮ ‬ينتمون إلي‮ »‬بني‮ ‬هلال‮« ‬وهم أيضا‮ - ‬وعلي‮ ‬حسب ما وجدنا في‮ ‬النص‮ - ‬كانوا ميَّالين قليلاً‮ ‬للهلاليين‮.‬
فيقول‮ ‬يونس علي‮ ‬لسانه‮: ‬لم نأت اليوم لنروي‮ ‬أحداث الرحلة‮/ ‬فيرد مرعي‮: ‬جئنا نرويها في‮ ‬ثوب أكثر صدقًا‮.‬
بعدها‮ ‬يدخل المؤلف إلي‮ ‬سرد وقائع الرحلة ناقلاً‮ ‬لنا صورة المعاناة عند عامة الشعب وموقف السادة من هذه المعاناة وهو الموقف الذي‮ ‬لم‮ ‬يتغير حتي‮ ‬الآن فالعلاقة لاتزال متوترة بين الحكام والمحكومين فيقول أحد الشباب‮: ‬نحن الجوعي‮.. ‬نحن الأموات بداء الجدب‮.. ‬هل منهم من جاع لساعة؟ ومن هذا المنطلق‮ ‬يحاول الكاتب مناقشة عدة قضايا شائكة أهمها قضية الحرية والعدل والواجب وكيفية تحقيق كل هذه المبادئ في‮ ‬تلك المجتمعات العربية التي‮ ‬لم تعد أساسًا تعترف بكل تلك المبادئ وسط طغيان المصالح والمجاملات و»الأنامالية‮«‬،‮ ‬ومن ثم فلم‮ ‬يعد هناك مجال للجهد،‮ ‬أو العرق أو القيم العليا،‮ ‬بل لقد أصبحت الألوان متشابهة وربما تم اختزالها في‮ ‬لونين اثنين،‮ ‬أو كما‮ ‬يقول‮ ‬يونس‮: ‬في‮ ‬هذا الوطن الباهت تنتحر الألوان،‮ ‬لقد اتسعت الهوة بين القبائل العربية وفشلت كل المساعي‮ ‬لاتحادها من قبل‮ »‬أبو زيد‮« ‬و»عامر‮« ‬وقلة قليلة من الشرفاء الذين لا‮ ‬يزالون قابضين علي‮ ‬الجمر،‮ ‬فيقول عمر‮: ‬إني‮ ‬أكره أن‮ ‬يقتتل الإخوة،‮ ‬ولكن هذا التخوف قد صار أمرًا مقضيًا،‮ ‬وبالفعل اقتتل الإخوة وأحلوا دماء بعضهم البعض،‮ ‬فها هو دياب‮ ‬يخون العهد،‮ ‬ويخون قبيلته ليرتمي‮ ‬في‮ ‬أحضان العدو،‮ ‬لتصبح الهزيمة‮.‬
والانكسار ساعتئذ من داخلنا نحن قبل أن‮ ‬يكون من العدو الخارجي،‮ ‬وإذا ما شئنا أن نصحح مسارنًا فعلينا أولاً‮ ‬وقبل كل شيء أن نطرد الهزيمة من نفوسنا،‮ ‬ونضيء بالعلم والتوحد كهوفها المظلمة‮.. ‬يقول حسن‮: ‬هل كنا نتوقع أن‮ ‬يسرق رجل شرفة؟ هل كنا نتوقع أن الضربة ستجيء من الداخل‮.‬
إنها ليست ضربات عادية بل هي‮ ‬ضربات قاضية كالتي‮ ‬يتلقاها الملاكمون في‮ ‬حلبات النزال،‮ ‬وهي‮ ‬في‮ ‬مجتمعاتنا العربية ضربات سياسية واجتماعية واقتصادية تصوب لنا‮ ‬يومًا من كل اتجاه دون أن نحرك ساكنا‮.‬
إن الكاتب‮ ‬يدق ناقوس الخطر عندما خطف دياب الجازية وهرب إلي‮ ‬بلاد العجم،‮ ‬وكذلك عندما تحرك جيش العدو نحو بلاد العرب مبتدئًا بدمشق،‮ ‬التي‮ ‬هي‮ ‬الآن في‮ ‬حال‮ ‬يرثي‮ ‬لها،‮ ‬وإن كنت أري‮ ‬أنه لم تعد للناقوس أهمية ولا للدق عليه فالحظر مقيم معنا‮ ‬يتنفس ويأكل ويبيت وينتهك حرماتنا ليل نهار،‮ ‬ومن ثم فالواقع من حولنا صار‮ ‬غولاً‮ ‬مخيفًا،‮ ‬و»التعبير عنه‮« ‬لم‮ ‬يتعد كونه نملة مسكينة تتلاعب بها نسمات الخريف‮.. ‬يقول أبو زيد‮: ‬إن حمايته تبدأ بدمشق،‮ ‬إن سقطت‮ ‬يسقط بيت المقدس،‮ ‬تسقط مصر،‮ ‬تسقط مكة‮.‬
وها هي‮ ‬دمشق قاب قوسين أو أدني‮ ‬من السقوط،‮ ‬في‮ ‬واقعنا،‮ ‬وفي‮ ‬نص محمد سيد عمار وسقطت بالفعل وسقطت معها كل بلاد العرب الأمجاد،‮ ‬وعليه فقد أنهي‮ ‬الكاتب نصه نهاية واقعية مبتعدًا عن المثالية المهترئة التي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تقنع المتلقي‮ ‬بأي‮ ‬حال من الأحوال فأبطال السيرة‮ ‬ينهزمون ويهيمون علي‮ ‬وجوههم في‮ ‬الصحراء المقفرة،‮ ‬بينما‮ ‬يقف دياب علي‮ ‬جثة أختة‮ »‬ليلي‮« ‬معلنا في‮ ‬ثقة وخيلاء أنه ملك العرب المظفر وخير من أنجبت الأرض العربية خلال تاريخها الطويل،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬لم‮ ‬يبق لنا فيه إلا انتظار‮ »‬المخلّص‮« ‬القادر علي‮ ‬انتشالنا من هذا المستنقع فيقول الكورس‮: ‬فلتظهر‮ ‬يا فارس هذا الزمن الآتي؟ فلتظهر حتي‮ ‬تمحو هذا الجدب‮.‬
ورغم جودة هذا النص لكاتبه محمد سيد عمار الذي‮ ‬أصدر من قبل عدة أعمال مسرحية لفتت الأنظار لفنه الجميل مثل‮: »‬ملك العرب‮«‬،‮ ‬و»هكذا‮ ‬يقول الرب‮«‬،‮ ‬و»موال العشق والغربة‮« ‬فإنه قد وقع في‮ ‬عدة هنّات تخص الأسلوب عامة،‮ ‬والإيقاع الشعري‮ ‬بصفة خاصة وأري‮ ‬أن هذا‮ - ‬وللأسف‮ - ‬قد صار ظاهرة في‮ ‬معظم نصوص المسرح الشعري‮ ‬عند شباب الكتّاب وعند شيوخهم علي‮ ‬السواء،‮ ‬وهي‮ ‬ظاهرة نتمني‮ ‬أن تختفي‮ ‬سريعًا لأنها أحيانا ما تشوه النص وتجعل‮ »‬الحلو‮« - ‬دائما‮ - ‬غير مكتمل‮.. ‬فيقول مثلاً‮ ‬في‮ ‬ص‮ ‬34‮: ‬وبدون الرأي‮ ‬الصائب للقاضي‮ ‬بدير‮ .. ‬هنا الإيقاع مختل وكان من الممكن أن‮ ‬يقول‮: ‬ودون الرأي‮ ‬الصائب لبدير‮.‬
وكذلك في‮ ‬ص‮ ‬36‮: ‬الجاه والسلطان،‮ ‬وكان من الممكن أن‮ ‬يقول‮: ‬الجاه أو السلطان،‮ ‬وذلك حتي‮ ‬يتلافي‮ ‬الكسر،‮ ‬أيضًا وردت عبارات كثيرة في‮ ‬سياق النص لا تحمل أية شاعرية مثل‮: ‬لكن هناك ملوكًا نخشي‮ ‬سطوتهم،‮ ‬كالخفاجي‮ ‬بالعراق،‮ ‬والفرمند بمصر،‮ ‬والزناتي‮ ‬بتونس‮. ‬ص‮ ‬50‮.‬
ونتساءل‮: ‬أين الشعر هنا؟؟
أيضًا عندما‮ ‬يقول‮: ‬وترامت أبناء الغزو الفاجر إلي‮ ‬العراق،‮ ‬فاتفق الملك وبنو هلال علي‮ ‬الخروج،‮ ‬لنصرة أهل دمشق‮. ‬ص‮ ‬87‮ ‬حتي‮ ‬عندما حاول أن‮ ‬يستدعي‮ ‬قصيدة‮ »‬أمل دنقل‮« ‬الشهيرة‮ »‬لا تصالح‮« ‬كان الفارق شاسعًا في‮ ‬المستوي‮ ‬الفني‮ ‬فيقول مثلاً‮: ‬رجل‮ ‬يتحالف ضدك،‮ ‬هل تحسبه‮ ‬يوما‮ ‬يحمل سيفًا؟ لكن عندما‮ ‬يقول دنقل‮: ‬كيف تخطو علي‮ ‬جثة ابن أبيك،‮ ‬وكيف تصير المليك‮. ‬فالأمر تمامًا جد مختلف‮.‬
وحين‮ ‬يصرخ الكاتب قائلاً‮: ‬فالدور القادم سوف‮ ‬يكون عليك وعلينا جميعًا‮ - ‬ص‮ ‬96،‮ ‬فهي‮ ‬عبارة ميتة أمام عبارة‮ »‬أمل‮« ‬عندما‮ ‬يؤكد‮: ‬إن سيفًا أتاني‮ ‬من الخلف سوف‮ ‬يجيئك من ألف خلف‮.‬
ولكن هذا لا‮ ‬يقلل كثيرًا من الجهد الواضح للمؤلف في‮ ‬هذا النص المترابط،‮ ‬إننا نحييه علي‮ ‬هذا التناول الجديد للسيرة الهلالية بعيدًا عن التكرار أو التقليد‮.‬

‮ ‬
‮"‬عاشق المسرح والتاريخ‮" ‬كتاب‮ ‬يجمع باقة من أنضر ما كتب عن مسرح محفوظ عبد الرحمن بأقلام كثيرين من النقاد العرب والمصريين الذين‮ ‬ينتمون إلي‮ ‬أجيال مختلفة،‮ ‬بداية من سامي‮ ‬خشبة وعبد الرحمن أبو عوف وعبد الغني‮ ‬داود وفؤاد دوارة ومحمد حسن عبد الله ومصطفي‮ ‬عبد الغني‮ ‬وخليل الوادي‮ ‬ووليد أبو بكر ورياض عصمت،‮ ‬ومروراً‮ ‬بمحسن مصيلحي‮ ‬ومصطفي‮ ‬سعد ومحمد مبارك،‮ ‬وانتهاء بسميرة أبو طالب ومحمد مسعد ومحمود الحلواني‮.. ‬وبين هذا وذاك تعددت أسماء لها دورها المهم في‮ ‬حركة النقد المسرحي‮ (‬مع حفظ الألقاب للجميع‮). ‬الكتاب إعداد وتقديم الكاتبة سميرة أبو طالب التي‮ ‬بذلت جهداً‮ ‬كبيراً‮ ‬في‮ ‬اختيار وتنسيق المقالات لتقدم لنا سياحة نقدية في‮ ‬أعمال محفوظ عبد الرحمن‮.‬
بداية،‮ ‬يعد أدب محفوظ عبد الرحمن المسرحي‮ ‬مستلهِماً‮ ‬للتراث،‮ ‬وهو من الكتاب القلائل الذين برعوا في‮ ‬إعادة خلق الحكاية التراثية برؤية حديثة،‮ ‬لا‮ ‬ينازعه في‮ ‬ذلك‮ ‬غير ألفريد فرج ـ حسب زعم الناقد الكبير سامي‮ ‬خشبة ـ إذا ما استثنينا المحاولات المتأخرة من الكتاب الشباب‮.. ‬ولعل تداول المأثور الحكائي‮ ‬عند عبد الرحمن‮ ‬يطرح علينا عدة أسئلة،‮ ‬أهمها‮: ‬هل كان‮ ‬ينهل من التراث لإعادة إنتاجه مرة أخري؟ والحقيقة أن القارئ لمسرحيات محفوظ عبد الرحمن‮ ‬يجد مادة تراثية رائعة تخبر عن كاتب واع بالتراث وقارئ دءوب له،‮ ‬كما‮ ‬يستشعر الحس الفني‮ ‬في‮ ‬اختياراته الحكايات التي‮ ‬يبني‮ ‬عليها مسرحياته،‮ ‬وتكون محصلة القراءة هي‮ ‬المتعة الإبداعية دوماً‮.. ‬لكن هل كانت محصلة القراءة تتوقف عند تلك المتعة؟ إن الناقد الواعي‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يكشف عن ذلك النسق المضمر في‮ ‬أعمال محفوظ عبد الرحمن،‮ ‬إذ إن الدلالة الظاهرة والمعطاة من تقديم الحكاية التراثية ما هو إلا جسر للكشف عن الدلالة العميقة والتي‮ ‬هي‮ ‬الهدف من ذلك البناء الفوقي‮ ‬المتزيي‮ ‬بثوب الماضي‮ ‬الراسخ في‮ ‬وعي‮ ‬القارئ/الجمهور،‮ ‬والذي‮ ‬قد‮ ‬يتعرف عليه للمرة الأولي‮ ‬أثناء القراءة/المشاهدة لكنه بالفعل راسخ في‮ ‬وجدانه عبر الحكايات المتماثلة أو المشابهة التي‮ ‬تناولها من الأجداد والجدات في‮ ‬تكوينه‮.‬
تلك الدلالة العميقة تتحرك في‮ ‬نسق من العلامات الدالة علي‮ ‬الظرف التاريخي‮ ‬الآني،‮ ‬والتي‮ ‬تسقط رأسياً‮ ‬عليه بوساطة الدلالة المباشرة أو الظاهرة/الحكاية التراثية مسلطة الضوء علي‮ ‬الواقع في‮ ‬أشد وجوهه قسوة وبشاعة‮.. ‬ربما كان تركيز عبد الرحمن علي‮ ‬تلك السمة في‮ ‬جل أعماله هو ما جعله‮ ‬يتصدر قائمة الكتاب الدراميين مع بعض الأسماء القليلة،‮ ‬كما ذهب إلي‮ ‬ذلك د‮. ‬محمد حسن عبد الله حيث عده من بين أسماء قليلة جداً‮ (‬قد لا تزيد عن خمسة أسماء‮) ‬تحتفظ بها ذاكرة الإبداع الدرامي‮ ‬في‮ ‬مصر‮ (‬والوطن العربي‮) ‬تملأ مساحة النصف الثاني‮ ‬من القرن العشرين‮.‬
ويعتبر د‮. ‬مصطفي‮ ‬عبد الغني‮ ‬أن سمة الغربة هي‮ ‬أكثر السمات التي‮ ‬تحدد قيمة محفوظ عبد الرحمن وتحدد معرفة الكثيرين به،‮ ‬لكن تستمد قيمته من معرفته لطبيعة العلاقة الوثيقة بين المسرح والتغيير،‮ ‬ومن ثم،‮ ‬تحدد مسرحه في‮ "‬المسرح السياسي‮" ‬فتعددت‮ ‬،‮ ‬خاصة،‮ ‬خيوط الإسقاط السياسي،‮ ‬وسادت اللغة الشعرية،‮ ‬والتجريد اللفظي،‮ ‬والرمز المكثف وما إلي‮ ‬ذلك من عناصر الكتابة السياسية الدرامية‮. ‬كما‮ ‬يؤكد عبد الغني‮ ‬داود أن أعماله تهدف إلي‮ "‬تسييس‮" ‬المضمون وهي‮ ‬ليست بمعزل عن الواقع وصعوباته النظرية وأنها تسعي‮ ‬لتوضيح علاقتها بالواقع المحيط بها‮.. ‬ويري‮ ‬أن مسرح محفوظ عبد الرحمن هو مسرح الرفض ويحمل جماليات هذا الرفض من خلال ملامح الشخصيات والسخرية ولغة الإشارة والإيماءات‮.‬
من جهة أخري‮ ‬يري‮ ‬الناقد وليد أبو بكر أن مسرحية‮ "‬حفلة علي‮ ‬الخازوق‮" ‬لمحفوظ عبد الرحمن أول دخول للمسرح الكويتي‮ ‬إلي‮ ‬ميدان المسرح السياسي،‮ ‬وقيل بحق إنها مسرحية تحريض،‮ ‬لا مسرحية تنفيس‮.. ‬والواقع أن المسرحية تحتاج إلي‮ ‬تفسير أكثر مما تحتاج إلي‮ ‬نقد،‮ ‬إن أكبر ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يسيء إلي‮ ‬المسرحية هو أن تؤخذ كحكاية بسيطة دون أن‮ ‬يدرك المشاهد أبعادها‮.‬
وفي‮ ‬المشهد الأخير ربما نطالع رؤي‮ ‬نقدية حديثة قد تكون لغتها مغايرة لما طُرح في‮ ‬الفقرات السابقة ولكنها تؤكد علي‮ ‬قراءة جادة تري‮ ‬النص/العرض من زاوية نظر شديدة الخصوصية‮.. ‬هنا نلحظ كوتين ضيقتين‮ ‬ينظر كل من محمد مسعد ومحمود الحلواني‮ ‬خلالها إلي‮ ‬العرض،‮ ‬بحيث‮ ‬يقدمان قراءتين لا تعتمدان الأسس النقدية التقليدية في‮ ‬قراءة النصوص/العروض‮.. ‬ذلك أنهما‮ ‬ينظران إلي‮ ‬النص من خلال التضافر والتماسك الحادث من خلال عناصر العرض جميعها كلحمة واحدة تؤدي‮ ‬إلي‮ ‬دفقة شعورية واحدة‮.. ‬ومن هنا نجد مبرراً‮ ‬حياً‮ ‬لعناصر مثل الديكور والملابس والموسيقي‮ ‬والغناء وغيرها‮ ‬يكشف عن مدي‮ ‬أهميتها وأصالتها في‮ ‬نسيج العرض وليست عملاً‮ ‬ترفيهياً‮ ‬أو تكميلياً‮ ‬جاء للتزيين أو البهرجة‮.. ‬لذا فإننا لا نقرأ جملاً‮ ‬مرسلة عن تلك العناصر من مثل‮: ‬جاء الديكور معبراً‮ ‬عن الحدث‮.. ‬كانت الإضاءة مناسبة‮.. ‬أجاد المخرج في‮ ‬اختيار الملابس‮.. ‬الخ والتي‮ ‬تتردد كثيراً‮ ‬في‮ ‬الكتابات التي‮ ‬تعلق علي‮ ‬العروض دون رؤية نقدية واعية‮.  ‬

 

يبدأ مجدي‮ ‬الحمزاوي‮ ‬مسرحيته‮ »‬من دفتر أحوال الثورة‮« ‬بمشهد داخل مقهي‮ ‬يعبر به بداية عما آلت إليه الثورة من حلم التغيير إلي‮ ‬واقعة‮ ‬يحاول الجميع الاستفادة منها،‮ ‬كل في‮ ‬موقعه،‮ ‬حيث تعلو قيمة الانتهازية والتسلق ويتراجع الإيمان بالثورة وتهون التضحية‮.. ‬يبدو هذا واضحًا من تعليق شخصية كاتب التقرير حيث‮ ‬يؤكد بداية أن الطفل‮ - ‬موضوع البحث والتحري،‮ ‬هو بطل النص،‮ ‬وهو مجرد طفل ماسح أحذية في‮ ‬العاشرة من عمره،‮ ‬ولا‮ ‬يعرف ما هي‮ ‬الثورة ولا ماذا تعني‮ ‬بالنسبة للفقراء مثله،‮ ‬إنما أُخبر بها من الشابين اللذين‮ ‬يمثلان الشخصية الانتهازية البراجماتية والمتشدقة بشعارات الثورة،‮ ‬لذا فإن الثورة ترتبط في‮ ‬ذهن الطفل بالمنفعة المتجسدة في‮ ‬حلمه للعودة إلي‮ ‬المدرسة التي‮ ‬حُرم منها طفلاً‮ ‬كمفردة من مفردات العدالة الاجتماعية‮.‬
فالطفل هو الشخصية‮ »‬المحورية في‮ ‬النص هو جسد الوطن المنهوك والمهان والذي‮ ‬سلب منه كل مقومات الحياة الكريمة والتي‮ ‬هي‮ ‬من حقه وهو الذي‮ ‬قامت من أجله هذه الثورة لتحقق له العدالة الاجتماعية والحرية‮.. ‬يذهب الطفل إلي‮ ‬ميدان التحرير وهناك‮ ‬يلتحم بمجموعة من الثائرين‮ ‬يتعلم منها ما هي‮ ‬الثورة ولماذا قامت ويتعلق ذلك بحلمه في‮ ‬العودة إلي‮ ‬المدرسة وهو شديد الحرص علي‮ ‬فهم السؤال المتردد بداخله‮: ‬كيف تأتي‮ ‬الثورة؟ فيبذل كل جهده في‮ ‬سبيل إنجاحها‮.‬
الطفل الذي‮ ‬لا‮ ‬يعرف شيئًا عن الثورة‮ ‬يأتي‮ ‬بأفعال أسطورية في‮ ‬موقعة الجمل فيراه الجميع في‮ ‬كل مكان‮ ‬يسد الثغرات ويذب عن الثائرين‮ ‬يقوم بأفعال خارقة‮ ‬يحمل ثوارًا علي‮ ‬كتفه هم أضعاف جسده ويخرج بهم من وسط المعركة ويعود لنراه‮ ‬يوقف الخيول والجمال بمجرد الهمس بل ويتحدث إليها فتطيعه كل ذلك‮ ‬يراه الثائرون ويعجبون منه،‮ ‬لكنه‮ ‬يفسر علاقته بالخيول والجمال تفسيرًا منطقيًا حيث تعيش معه الشقاء والبؤس نفسهما لذا فإنه‮ ‬يعرف لغاتها ببساطة‮.. ‬فالطفل هو الشعب الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬قام بالثورة وهذا فحوي‮ ‬النص‮. ‬
أما النص ذاته فيبدو أن مجدي‮ ‬الحمزاوي‮ ‬همه في‮ ‬الأساس والمنشغل به هو صناعة عرض وليس كتابة نص‮.. ‬فهو‮ ‬يكتب وفي‮ ‬ذهنه عمل المخرج،‮ ‬ويعيَّن الديكور بنفسه،‮ ‬ويتحكم في‮ ‬حركة الإضاءة،‮ ‬وهو مهموم بالمساحة فوق خشبة المسرح‮.. ‬كل ذلك كان من الممكن أن‮ ‬يكون جيدًا وعبقريًا لو أنه اهتم بكتابة النص للدرجة التي‮ ‬يكون معها عمله الأهم بحيث تأتي‮ ‬إرشاداته وتوجيهاته المسرحية في‮ ‬إطار إنجاز العمل المنوط به وهو الكتابة،‮ ‬غير أنه‮ ‬غلَّب هذا علي‮ ‬ذاك فكانت النتيجة إهمال النص الذي‮ ‬يدور حول فكرة كادت أن تكون عبقرية لكن انشغاله بأمور بعيدة عن الكتابة أفقدت الفكرة عبقريتها وأطفأت بريقها كما سنوضح في‮ ‬السطور التالية‮:‬
أولاً‮: ‬الشخصيات‮:‬‮ ‬كل الشخصيات تم تهميشها من أجل إبراز البطل وظهوره‮.. ‬فالطفل‮ / ‬البطل هو الشخصية الوحيدة التي‮ ‬لها تاريخ في‮ ‬النص وهو محور الأحداث جميعًا وليس الثورة،‮ ‬والاهتمام الفائض بشخصية البطل أسقط كل الشخصيات الأخري‮ ‬في‮ ‬الهامش وهذا ما أوقعها في‮ ‬التنميط فهي‮ ‬شخصيات ترميزية،‮ ‬ترمز إلي‮ ‬فئات في‮ ‬المجتمع ولا تمثلها ولا‮ ‬يميز تلك الشخصيات‮/ ‬الترميزات عن بعضها البعض سوي‮ ‬اللغة التي‮ ‬تنطقها في‮ ‬بعض الجمل الحوارية لتشير إلي‮ ‬المستوي‮ ‬الفئوي‮.. ‬وكأنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يعبر عن أنماط اجتماعية لاشخصيات كائنة مأزومة تخوض الصراع الدرامي‮ ‬داخل النص لتعكس صور الشرائح المختلفة في‮ ‬المجتمع‮.‬
إن شخصية كاتب التقرير‮ ‬غامضة لا نعرف هل هي‮ ‬تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬الأمن في‮ ‬النظام السابق أم النظام الحالي؟ هل هي‮ ‬تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬القوي‮ ‬الثورية وتؤرخ لأحداث الثورة؟ أم أنها تعمل لحساب جهة أخري؟ فتلك الشخصية لا تعلن عن نفسها بشكل صريح‮.. ‬في‮ ‬بداية النص تكتب لجهة‮ ‬غير معلومة،‮ ‬تقول‮: (‬أولاً‮ ‬إنه في‮ ‬يوم الثامن والعشرين من‮ ‬يناير عام‮ ‬2011‮ ‬أي‮ ‬بعد شرارة الثورة المباركة بثلاثة أيام،‮ ‬كان الطفل‮ - ‬موضوع البحث والتحري،‮ ‬متجولاً‮ ‬كعادته بين المقاهي‮ ‬المحيطة بميدان رمسيس،‮ ‬حيث إنه كان‮ ‬يعمل ماسحًا للأحذية،‮ ‬وبالطبع سيادتكم قد تقصينا عن السبب الذي‮ ‬جعله وهو الطفل ابن العاشرة‮ ‬يعمل في‮ ‬هذه المهنة،‮ ‬وأعتقد أنه لا داعي‮ ‬من إخباركم بهذا حيث إنه خارج عن موضوع البحث‮). ‬فهي‮ ‬شخصية إذن منوط بها كتابة تقرير عن الثورة،‮ ‬وفي‮ ‬حين تصف الثورة بأنها مباركة لا تهتم بحال الطفل الاجتماعية حيث تتجاهل مهنته لأن تلك الأمور لا تهم من‮ ‬يُكتب إليهم التقرير‮. ‬ومن الواضح أن الجهة المجهولة التي‮ ‬يكتب إليها التقرير تعمل ضد الثورة علي‮ ‬الرغم من تظاهرها بعكس ذلك حيث‮ ‬يمجد صاحب التقرير الثورة في‮ ‬مواضع مختلفة‮.‬
والشاب‮ (‬1‮) ‬والشاب‮ (‬2‮) ‬علي‮ ‬الرغم من أنهما أعلما الطفل بماذا تعني‮ ‬الثورة وشرحا له ذلك إلا أنهما لا‮ ‬يعملان بما‮ ‬يقولانه بل علي‮ ‬العكس‮ ‬يتهربان من سداد ثمن المشروبات التي‮ ‬تناولاها في‮ ‬المقهي‮ ‬ولا حتي‮ ‬أجر الطفل ماسح الأحذية‮. ‬وليس هناك جملة واحدة تخبرنا عن الخلفية الاجتماعية لهذين الشابين ولا الأسباب التي‮ ‬أدت بهما إلي‮ ‬تلك الحال من الانتهازية‮. ‬هما فقط موجودان في‮ ‬النص ليعبرا عن جملة واحدة أن هناك من‮ ‬يدعي‮ ‬أنه ثوري‮ ‬وهو في‮ ‬الحقيقة شخص انتهازي‮ ‬وهو الشخصية التي‮ ‬سوف تكون ضيفًا دائمًا في‮ ‬القنوات الفضائية وتحدث باسم الثورة وهي‮ ‬في‮ ‬الحقيقة تردد ما‮ ‬يطلب منها‮.‬
وإذا ما انتقلنا إلي‮ ‬بقية الشخصيات فهي‮ ‬مجموعة من الثوار مشار إليها بأرقام وهي‮ ‬مجرد وسيط لدخول الطفل‮/ ‬البطل إلي‮ ‬ميدان التحرير والالتحام‮  ‬بالثوار‮.. ‬فهي‮ ‬لا تعني‮ ‬شيئًا علي‮ ‬الإطلاق ويمكن استبدال الأرقام بعضها بالبعض الآخر دون خلل أو اضطراب‮.. ‬فكل الشخصيات مهمشة لصالح شخصية البطل‮.‬
ثانيًا‮: ‬الزمن‮: ‬النص‮ ‬يتجاهل الزمن تمامًا،‮ ‬فلا وجود له علي‮ ‬الإطلاق ولا نري‮ ‬متي‮ ‬وقعت الأحداث بالضبط بليل أم نهار،‮ ‬علي‮ ‬الرغم من أن الزمن‮ ‬يلعب دورًا أساسيًا في‮ ‬أحداث الثورة‮ - ‬موضوع النص‮ - ‬ويكاد‮ ‬يكون هو العامل الأهم في‮ ‬نجاحها في‮ ‬مراحلها الأولي‮.. ‬الزمن هو الذي‮ ‬أسقط النظام السابق بل إن عدم تقدير النظام السابق لحسابات الزمن هو السبب في‮ ‬فشله لاحتواء الأزمة‮ / ‬الثورة‮ .. ‬كبرياؤه وغطرسته أعمته عن حساب الوقت فتأخر عن الثوار،‮ ‬خطوة واحدة هي‮ ‬ما أفقدته سلطانه وجبروته‮.. ‬فكيف‮ ‬يتم تجاهل الزمن في‮ ‬نص‮ ‬يتحدث عن الثورة؟‮!‬
ثالثًا‮: ‬المكان‮: ‬علي‮ ‬الرغم من الاهتمام الشديد من قبل مجدي‮ ‬الحمزاوي‮ ‬بالمساحة فوق خشبة المسرح إلا أنه لم‮ ‬يحدد بدقة المكان في‮ ‬النص‮/ ‬مكان وقوع الأحداث وخاصة في‮ ‬الميدان حيث تحول ميدان التحرير إلي‮ ‬ساحة كبيرة للمعارك‮ (‬مداخل‮ - ‬مخارج‮ - ‬منصات‮ - ‬ساحة للمعارك مثل موقعة الجمل وشارع محمد محمود‮.. ‬إلخ‮) ‬كل ذلك ليس له أثر واضح في‮ ‬النص،‮ ‬ضاقت مخيلته ولم‮ ‬يطلق لها العنان في‮ ‬ميدان التحرير لأنه‮ ‬يكتب وفي‮ ‬ذهنه خشبة المسرح ذلك المكان المحدود الذي‮ ‬هو مجال عمل المخرج وليس الكاتب،‮ ‬في‮ ‬حين أن علي‮ ‬الكاتب أن‮ ‬يطلق لنفسه العنان في‮ ‬رسم شخصيات النص وزمانه ومكانه،‮ ‬ولا‮ ‬ينشغل بغير الكتابة فهي‮ ‬عمله الذي‮ ‬يجب الاهتمام به ولا شيء سواه‮.‬
بقي‮ ‬أن نشير في‮ ‬إيجاز إلي‮ ‬بعض المشاكل الخاصة بكتابة العامية التي‮ ‬تجري‮ ‬علي‮ ‬ألسنة الشخصيات فقد اتسمت بكثير من الأخطاء الإملائية التي‮ ‬ليس لها مبرر صوتي‮ ‬أو نفسي‮.. ‬فضلاً‮ ‬عن الأخطاء اللغوية التي‮ ‬أصابت النص في‮ ‬مجمله‮.‬

عادل العدوي

الصفحة 3 من 7
You are here