اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية
سور الكتب
سور الكتب

سور الكتب (94)

 

هي‮ ‬مجموعة قصصيه جديدة‮ ‬،‮ ‬عن سلسلة كتابة‮ ‬،‮ ‬للقاصة سماء فهمي‮ .  ‬تمتد رقائقها إلي‮ ‬بيت العائلة‮ ‬،‮ ‬ودفء الطفولة وأحلام البراءة‮ . ‬سبع عشرة قصة‮ ‬يدور معظمها حول العش الأول الذي‮ ‬شهد بزوغ‮ ‬المشاعر‮ ‬،‮ ‬قبل أن‮ ‬يقذف الإنسان إلي‮ ‬العالم‮ .‬
البيت في‮ ‬وعي‮ ‬الكاتبة‮ ‬،‮ ‬يلازمها ويتردد في‮ ‬ثنايا القصص‮ ‬،‮ ‬كأنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يبعث‮ ‬،‮ ‬ويستكمل حياته التي‮ ‬توقفت باختفاء الطفولة‮ ‬،‮ ‬وظهور المسئولية‮ ‬،‮ ‬واختلاف النظرة‮!‬
ترتبط بهذا العش الحميم‮ ‬،‮ ‬أحلام‮ ‬يقظة دافئة‮ ‬،‮ ‬تفرض نفسها علي‮ ‬السرد‮ ‬،‮ ‬والصور‮ ‬،‮ ‬والشخصيات‮ . ‬أحلام بعودة الخالة‮ ‬،‮ ‬والعمة والجدة‮ ‬،‮ ‬والتئام العائلة‮ ‬،‮ ‬وانهمار الحنان والحكايات والمرح‮ .‬
تتميز الكاتبة بذاكرة نقية‮ ‬،‮ ‬لا زالت بها صور البراءة لم تتأثر‮ ‬،‮ ‬واحتفظت بحرارتها القديمة‮ ‬،‮ ‬فخلقت جوا حميما‮ ‬،‮ ‬هو نفس الجو الذي‮ ‬ساد وقت انبثاق هذه الصور‮ . ‬
ويبقي‮ ‬حلم الطفلة ملازما لها‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬بعد الزواج‮ ‬،‮ ‬وإنجاب الأطفال‮ ‬،‮ ‬تستعيده في‮ ‬زيارة عائلية في‮ ‬قصة‮ ( ‬طيف‮ ) ‬،‮ ‬بمفرداته القديمة التي‮ ‬لم‮ ‬يعد لها وجود‮ ‬،‮ ‬سوي‮ ‬في‮ ‬خيالها‮ . ‬تشم رائحة ملابس الجدة‮ ‬،‮ ‬وقطع الأثاث‮ ‬،‮ ‬والطبلية التي‮ ‬يتحلق حولها الأقارب‮ ‬،‮ ‬ليكون الطعام لا فعلا‮ ‬،‮ ‬بل انفعالا‮ .‬
‮ ‬بعد الانتهاء‮ ‬،‮ ‬يبدأ طقس الحكي‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬هو مفتاح الطفولة‮ ‬،‮ ‬ومحركها‮ . ‬تقفز سندريلا‮ ‬،‮ ‬ضيفة رائعة‮ ‬،‮ ‬ويتلهف الصغار علي‮ ‬معرفة مصيرها‮ . ‬لكنها في‮ ‬النهاية تكتشف أن الحلم‮ ‬ينبع من داخلها‮ ‬،‮ ‬و أن البيت القديم لم‮ ‬يعد هو‮ ‬،‮ ‬والذين‮ ‬يعيشون فيه أيضا أغراب‮ ‬،‮ ‬ومع ذلك سيظل الهيكل القديم‮ ‬،‮ ‬بجدرانه ودفئه وأحلامه وخطواته ذات المعني‮ ‬،‮ ‬يعيش معها‮ .‬
وفي‮ ‬قصة‮ ( ‬رسالة‮ ) ‬تتبلور صور أدوات الطفل السحرية‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬تمتلك روحا‮ ‬،‮ ‬ورائحة‮ ‬،‮ ‬ولغة تخاطبه بها‮ ‬،‮ ‬وترسل خياله الصغير بعيدا‮ . ‬هاهو المكتب الزان‮ ‬،‮ ‬مكان كتابة الواجب‮ ‬،‮ ‬وتذكر الزملاء‮ ‬،‮ ‬والمدرسين‮ ‬،عليه تقبع الكتب المتربة‮ .  ‬عندما‮ ‬يعود إليها‮ ‬،‮ ‬آملا في‮ ‬متعة قديمة‮ ‬،‮ ‬يعثر علي‮ ‬رسالة من والده الراحل ويضيع الشغف أمام لمحة الواقع‮ .‬
في‮ ‬قصة‮ ( ‬غرفة عائلية‮ ) ‬تتداعي‮ ‬أحلام اليقظة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬العودة إلي‮ ‬الغرف الحميمية‮: ( ‬رطوبة الجدران ما زالت تحتفظ ببقايا الطباشير وأقلام الرصاص المبرية بين طياتها‮ ‬،‮ ‬العناكب الصغيرة تتطاير هنا وهناك كما كانت تفعل معنا أثناء النوم‮ ‬،‮ ‬البيت العتيق المطلي‮ ‬بقلوبنا وحروف أسمائنا‮ ‬يتأرجح كعادته‮ ‬،‮ ‬فيصدر صوته المزعج المحبب إلي‮ ‬أرواحنا‮ ..... ‬عمدان السرير النحاسي‮ ‬المزركشة‮ .. ‬الحصائر المصنوعة من نبات البردي‮). ‬
هنا لم‮ ‬يعد البيت هندسيا‮ ‬،‮ ‬بل ذاب في‮ ‬نفسها وتناثر‮ ‬،‮ ‬أصبحت الغرف والدرج والباحة والأبواب تجري‮ ‬في‮ ‬دمها‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬تعيد تقديمها لنا بوصفها مشاعر مصفاة‮ .  ‬قد تبدو دلالات هذه الأشياء لدي‮ ‬البعض محدودة‮ ‬،‮ ‬لكن نصيحة ليوناردو دافنشي‮ ‬لمن‮ ‬يبحث عن الإلهام‮ ‬،‮ ‬تظل حاضرة‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬يقول‮ : ‬تأملوا شقا قديما في‮ ‬حائط‮ ‬،‮ ‬ففيه ترسم خريطة للعالم‮ !‬
استطاعت القاصة أن تكتشف لغة شاعرية‮ ‬،‮ ‬تليق بالهمس‮ ‬،‮ ‬والبكارة‮ ‬،‮ ‬لأن الشعر‮ ‬يعني‮ ‬كثيرا بالبيت الأول الذي‮ ‬شهد صرخة الحياة الأولي‮ ‬ورددتها جدرانه‮ ‬،‮ ‬وحفظتها خزائنه وأقبيته وسراديبه‮ . ‬تحيلنا تلك الحالة إلي‮ ‬شعر أندريه لافون عن بيت طفولته‮ :‬
‮"‬أحلم ببيت منخفض‮ ‬،‮ ‬نوافذه عالية‮ ‬
وثلاث درجات متآكلة ملساء وخضراء‮ ‬
بيت خفي‮ ‬وفقير كما في‮ ‬الصور الفوتوغرافية العتيقة
التي‮ ‬تعيش في‮ ‬داخلي‮ ‬فقط عندما أعود إليه أحيانا‮ ‬
لأجلس وأنسي‮ ‬النهار الرمادي‮ ‬والمطر‮" ‬
السرد‮  ‬في‮ ‬المجموعة‮ ‬يتقدم بلا عوائق‮ ‬،‮ ‬والجمل تتفاعل داخليا‮ ‬،‮ ‬لتنتج لوحات هادئة‮ .‬
ربما ندرك في‮ ‬نهاية قراءتنا لقصص المجموعة‮ ‬،‮ ‬أنها نص واحد‮ ‬،‮ ‬تدخل عناصره في‮ ‬علاقات تقارب‮ ‬،‮ ‬تجعل من الصعوبة بمكان تفكيكها أو النظر إليها بمعزل عن بعضها‮ . ‬التجارب الفنية كلها هنا تصنع حلم الفكاك من الأسر والاحتماء بالروح‮ .‬

سمير المنزلاوي

 

‮"‬سمك عسير الهضم‮" ‬مسرحية للكاتب الجواتيمالي‮ "‬مانويل جاليتش‮" ‬أحداثها تدور في‮ "‬القرن الأول‮  ‬ق.م‮ "‬الأحداث بقدر ما هي‮ ‬محاطة بجو قديم،‮ ‬بقدر ما هي‮ ‬آنية ومعاصرة حيث ترصد ذلك التحالف الدائم علي‮ ‬مر العصور ما بين‮ "‬الرأسمالية والاستعمار‮" ‬وغالبا في‮ ‬المعادلات من هذا النوع‮ ‬يكون الشعب سمك عسير الهضم وليسهل هضمه من صاحب رأس المال أو من رجالات الحكم فإن الوسيلة الرابحة علي‮ ‬الدوام هي‮ ‬تضليل الرأي‮ ‬العام وتشتيته وإشغاله بأشياء لا تمت لحياته أو سبل معيشته وفقره بأي‮ ‬صلة،‮ ‬ويتم ذلك عبر وسائل الاعلام وهنا في‮ ‬هذه المسرحية وسيلة الإعلام الوحيدة هي‮ "‬الصحف‮" ‬أو السجل اليومي‮ ‬للأخبار‮ "‬وهذا ما‮ ‬يتضح علي‮ ‬لسان شخصيات المسرحية‮.‬
أرتروجوس‮: (‬مخاطبا نفسه في‮ ‬إعجاب‮) ‬إن نفوذي‮ ‬هائل علي‮ ‬جمهور العامة بفضل‮ "‬السجل اليومي‮ ‬للأخبار‮" ‬فقد استطعت أن أقلب شعور الشعب ضد قيصر نفسه‮.‬
وهكذا علي‮ ‬الدوام علاقة الإعلام بالرأي‮ ‬العام علاقة مؤثرة فالإعلام بوصفه الوسيلة الأسرع في‮ ‬الوصول للرأي‮ ‬العام قادر علي‮ ‬التخاطب معه‮ "‬وتوجيهه أحيانا"وهذا نهج متبع علي‮ ‬مر العصور،‮ ‬أما إذا تواطأ الإعلام مع السلطة علي‮ ‬الشعب ظلت البلاد في‮ ‬حالة من الضبابية بعض الوقت،‮ ‬غير أن الممارسات الفاسدة من السلطة بالضرورة تتضح شيئا فشيئا لأنها تمارس علي‮ ‬الشعب ذاته وهو إذن الأكثر إحساسا بها،‮ ‬وهنا‮ ‬يبرز فساد السلطة والإعلام معا فهي‮ ‬لحظة الكشف وحينها لا‮ ‬يرحم الشعب الجميع،‮ ‬وفي‮ ‬هذه المسرحية‮ ‬يتواطأ صاحب المال والنفوذ مع صاحب وسيلة الإعلام الوحيدة وهي‮ ‬السجل اليومي،‮ ‬لأجل مصالح صاحب المال واستفادة صاحب السجل اليومي‮ ‬منه،‮ ‬الكاتب‮ ‬يضع تلك الوسيلة الإعلامية في‮ ‬يد أحد العبيد‮ "‬أرتروجوس‮" ‬مما‮ ‬يوحي‮ ‬بأنه سيكتب كما أراد سيده،‮ ‬المسرحية تعتمد بشكل أساسي‮ ‬علي‮ ‬شخصيتين أساسيتين مأمورا‮ "‬صاحب المال والتجارة‮ " ‬وأرتروجوس‮ "‬العبد صاحب السجل اليومي‮ " ‬وذلك التواطؤ ما بينهما حيث‮ ‬يروج العبد ما أراد‮ "‬مامورا‮" ‬وذلك خدمة لمصلحة مأمورا وأمواله،‮ ‬ولو افتقر الجميع عبر التضليل التجاري‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يقدمه أرتروجوس في‮ ‬سجله اليومي‮ ‬لا‮ ‬يهم فالأهم بالنسبة إليه هو الحصول علي‮ ‬الجائزة التي‮ ‬وعدة بها السيد وهي‮ ‬الفتاة‮ "‬كلاوديا‮" ‬التي‮ ‬تفعل أي‮ ‬شئ لأجل المال،‮ ‬لم‮ ‬يعبأ ذلك العبد بتلويث سمعة الشرفاء أو حتي‮ ‬ازدرائهم‮  ‬فالحصول علي‮ ‬ما أراد هو‮ ‬غايته،‮ ‬صاحب رأس المال الفاسد عادتة‮  ‬بلا عهد وأول ما‮ ‬يبيع‮ ‬،‮ ‬يبدأ بالمتأمر معه لأنه‮ ‬يعرف أسراره وقد‮ ‬يكشفها حينما أراد وهذا فيه تهديد لمصالح الرأسمالي،‮ ‬وهكذا‮ ‬يخطط الرأسمالي‮ ‬للتخلص من العبد‮ "‬أرتروجوس‮" ‬وعبء معرفته لأسراره‮. ‬فمن‮ ‬يتأمر لا‮ ‬يستثني‮ ‬أحداً‮.‬
والحل إذن هو نبذ العبد من المجتمع المحيط عبر الفضيحة،‮ ‬ومن ثم لا‮ ‬يصدقه مهما قال،‮ ‬وهكذا‮ ‬يحفز السيد الرأسمالي‮ ‬العبد‮ "‬أرتروجوس‮" ‬علي‮ ‬الدخول لمنزل الفتاة ليلا ويؤكد له أنها في‮ ‬انتظاره وبالطبع هذا‮ ‬غير صحيح،‮ ‬فهي‮ ‬لا تعرف شيئًا عن الاتفاق ما بين مأمورا والعبد،‮ ‬وإن رأته في‮ ‬منزلها دون علمها فستصنع له فضيحة لأنه عبد وتعاملاتها‮ ‬غير المشروعة مع السادة،‮ ‬وما كان في‮ ‬غير حسبان صاحب رأس المال أن‮  ‬بهذه الطريقة‮ ‬يكتشف العبد كل شيء ويتفق الاثنان‮ (‬العبد والفتاة‮) ‬علي‮ ‬رجل المال مأمورا لأنه أضرها أيضا باتفاقاته،‮ ‬وفرقها عن حبيبها في‮ ‬السابق‮ ‬،‮ ‬وهنا‮ ‬يكشف العبد كل شيء قد تم التواطؤ فيه مع صاحب رأس المال ضد الشعب فيثور الشعب عليه ويلفظه ويقرر عقابه‮.‬
يختم الكاتب مسرحيته بجملة لإحدي‮ ‬شخصيات المسرحية عن الشعب‮.‬
فيبنيو‮ : " ‬الشعب قد‮ ‬يحتمل الطغاة ويصبر علي‮ ‬بلائهم كثيرا‮.. ‬ولكنه حين‮ ‬ينفجر‮ .."‬
يترك الكاتب تكملة الجملة للمتلقي‮  ‬يكملها كما أراد‮. ‬
مسرحية‮ »‬سمك عسير الهضم‮« ‬من المسرحيات التي‮ ‬تري‮ ‬روما في‮ ‬إمبراطورياتها وأوج مجدها علي‮ ‬أنها دولة استعمار تنهب خيرات الشعوب المحتلة باسم نشر‮  ‬الحضارة‮  ‬فيها،‮ ‬وتلك الثروات التي‮ ‬حصلت عليها روما كانت عبر استنزاف الشعوب المحتلة،‮ ‬فالمجتمع الروماني‮ ‬في‮ ‬العالم القديم كان النموذج الأمثل للتحالف ما بين الرأسمالية والاستعمار،‮ ‬والكاتب‮ ‬يدعم هذا في‮ ‬مسرحيته‮ . ‬

داليا همام

 

خرافة التقدمية في‮ ‬الأدب الإسرائيلي،‮ ‬كتاب جديد صدر مؤخرًا ضمن سلسلة‮ "‬كتابات نقدية‮" ‬التي‮ ‬تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة،‮ ‬للكاتب والناقد حاتم الجوهري‮.‬
الكتاب‮ ‬يُعدّ‮ ‬مدخلاً‮ ‬مهمًا لنقض ونقد‮ "‬أسطورة الاحتلال التقدمي‮" ‬وهي‮ ‬تلك الأسطورة التي‮ ‬روج لها بعض الأدب الذي‮ ‬قدمه تيار في‮ ‬الأدب والفكر الصهيوني‮ ‬تحت زعم معاداته للمشروع الصهيوني،‮ ‬وتمثيله لقوي‮ "‬التقدم‮" ‬به‮. ‬وقد أدركت‮ "‬الصهيونية العالمية‮" ‬أهمية الأدب في‮ ‬التغلغل إلي‮ ‬عقل الأمم المغايرة،‮ ‬فاصطنعت ذلك التيار الذي‮ ‬بات‮ ‬يعرف بـ‮ "‬الأدب الصهيوني‮ ‬التقدمي‮" ‬في‮ ‬محاولة لخداع الآخرين ودفعهم إلي‮ ‬التسامح والتغاضي‮ ‬عن التصرفات العنصرية للصهيونية في‮ ‬الواقع المعيش،‮ ‬وهو ما وقع فيه فريق من اليساريين العرب،‮ ‬بعضهم عن علم بما‮ ‬يفعل،‮ ‬والبعض الآخر التقط الطعم دون دراية ولا وعي‮. ‬وقد تجلي‮ ‬ذلك في‮ ‬تبرير كثيرين لضرورة ترجمة الأدب الإسرائيلي‮ ‬في‮ ‬الآونة الأخيرة،‮ ‬دون أن‮ ‬يكون لديهم القدرة علي‮ ‬تفكيك هذا الأدب الذي‮ ‬يطالبون بترجمته للكشف عن أبنيته العميقة‮. ‬وهو الجهد الذي‮ ‬ألزم نفسه به مؤلف هذا الكتاب والذي‮ ‬جاء‮ ‬– كما‮ ‬يقول الباحث عمار علي‮ ‬حسن‮ ‬– ليرمم الشروخ التي‮ ‬لا تزال متواجدة في‮ ‬الكثير من الدراسات العربية حول الأدب الصهيوني،‮ ‬وليزيل كل ما علق في‮ ‬الأذهان من أوهام حول إمكانية أن تكون هناك نزعة تقدمية أهمية وإنسانية في‮ ‬هذا الصنف من الأدب،‮ ‬ويفضح هذا اللون من‮ "‬الاحتلال الناعم‮" ‬الذي‮ ‬يقوم به الصهاينة لعقول‮ "‬الأغيار‮" ‬من مختلف الثقافات والحضارات والديانات والمذاهب‮.‬
ويجلي‮ ‬الروابط الخفية بين الأدب الصهيوني‮ ‬وكثير من نظريات وتمثلات وتطبيقات ما بعد الحداثة في‮ ‬الفنون والآداب والأفكار والفلسفات التي‮ ‬تسربت إلي‮ ‬الأوساط الأكاديمية في‮ ‬العالم وهو ما شكل ما أشار إليه الباحث بحسبان‮ "‬خرافة التقدمية في‮ ‬الأدب الإسرائيلي‮".‬
قسم المؤلف كتابة إلي‮ ‬مهاد نظري‮ ‬وهو ما استغرق الفصول الأولي،‮ ‬والتي‮ ‬اهتم فيها بالكشف عن جذور ومبادئ الصهيونية الماركسية وخرافة التقدم،‮ ‬كاشفًا عن نشأة اليسار اليهودي‮ ‬والصهيونية،‮ ‬وظهور آيديولوجيا الصهيونية الماركسية،‮ ‬وتجليات الصهيونية الماركسية قديمًا وحديثًا،‮ ‬معرجًا علي‮ ‬البناء النظري‮ ‬للأدب الصهيوني‮ ‬ومرجعياته الفكرية،‮ ‬والتطور التاريخي‮ ‬للفكرة الصهيونية في‮ ‬الأدب العبري‮ ‬المعاصر،‮ ‬وأدب اليسار الصهيوني‮. ‬أمّا القسم الثاني‮ ‬فخصصه الكاتب للنقد التطبيقي‮ ‬حيث اختار نموذجًا لهذا الأدب الصهيوني‮ "‬الناعم‮" ‬وهو الشاعر‮ "‬يتسحاق لأدور‮" ‬كاشفًا من خلاله عن المفاهيم الكافية فيما‮ ‬يقدمه،‮ ‬والبنية الصهيونية العميقة التي‮ ‬تتحرك خلف أدواته الشعرية ومفاهيمه التي‮ ‬يسربها خلال شعره،‮ ‬منها المنهج الجزئي‮ ‬الانتقائي‮ ‬في‮ ‬تناوله للصراع العربي‮ ‬الإسرائيلي‮.‬
ويخلص الكاتب إلي‮ ‬أن خرافة التقدمية،‮ ‬أو ادعاء الجمع بين الصهيونية كمشروع خاص باليهود،‮ ‬وبين الماركسية كفكرة إنسانية عامة،‮ ‬هي‮ ‬أسوأ وأخبث حيل آلة الثقافة الصهيونية المعاصرة،‮ ‬في‮ ‬محاولتها الالتفاف علي‮ ‬الطبيعة العنصرية والاستيطانية للمشروع الصهيوني‮ ‬ودولته‮.‬
وهو ما حذر من تصديقه الكاتب والوقوع في‮ ‬فخ ديباجاته الماركسية‮.‬

 

تتمتع أشكال المسرح الشعبي‮ ‬بقدرة لافتة وخاصة علي‮ ‬التأثير في‮ ‬الجمهور العام،‮ ‬نظرا لما تتمتع به من حضور أصيل اكتسبته طوال احتكاكها بالفضاء الاجتماعي‮ ‬العريض،‮ ‬وتناولها الخاص لمشكلاته وقضاياه،‮ ‬وكذا قدرتها المتجددة والمستمرة علي‮ ‬تطوير أدواتها وآلياتها بما‮ ‬يواكب المتغيرات الاجتماعية والبيئية المختلفة،‮ ‬ويتناسب مع نوع وطبيعة الرسالة التي‮ ‬تؤديها،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬دفع كثيرين من كتاب المسرح إلي‮ ‬اللجوء لهذه الأشكال الشعبية،‮ ‬واستلهام عناصرها الفنية المختلفة،‮ ‬عند تصميم بعض رسائلهم الفنية،‮ ‬التي‮ ‬تحتاج‮ - ‬من وجهة نظرهم‮ - ‬إلي‮ ‬هذه القدرات الخاصة التي‮ ‬تمتلكها أشكال المسرح الشعبي‮ ‬أكثر من‮ ‬غيرها،‮ ‬خاصة فيما‮ ‬يتعلق بالرسائل ذات الطبيعة التعليمية والاجتماعية الملحة والمباشرة‮.‬
هذه الخاصية التي‮ ‬تتميز بها أشكال المسرح الشعبي،‮ ‬إضافة إلي‮ ‬جمالياتها الخاصة التي‮ ‬ابتكرها وطورها الفنان الشعبي،‮ ‬استجابة لمعرفته بطبيعة جمهوره،‮ ‬وبمشاركته أيضا،‮ ‬في‮ ‬سياق‮ »‬فرجوي‮« ‬تحكمه الألفة،‮ ‬هي‮ ‬ما دعت الكاتب المسرحي‮ ‬والباحث في‮ ‬الدراسات الشعبية سليم كتشنر إلي‮ ‬استدعاء شكل‮ »‬الفرجة الشعبية‮« ‬لمعالجة موضوعه،‮ ‬الذي‮ ‬يراه ملحًا عن البيئة،‮ ‬وما‮ ‬يسودها من انتهاكات مستمرة تهددها،‮ ‬وتكاد تقضي‮ ‬علي‮ ‬الحياة نفسها علي‮ ‬كوكب الأرض،‮ ‬يسمعها الكاتب وهي‮ »‬تئن‮« ‬مما تتعرض له من تشوهات وتخريب منتظم،‮ ‬عن جهل أحيانا وعن إهمال أحيانًا أخري،‮ ‬وعن سبق إصرار وترصد في‮ ‬كثير من الأحيان،‮ ‬كما تشير الكلمة المطبوعة علي‮ ‬ظهر الغلاف الأخير للكتاب‮.‬
‮»‬الأرض بتتكلم أنين‮« ‬مسرحية تتخذ من عناصر‮ »‬الفرجة الشعبية‮« ‬شكلا لها،‮ ‬صدرت مؤخرًا للكاتب المسرحي‮ ‬سليم كتشنر،‮ ‬ضمن إصدارات الهيئة العامة للكتاب‮.‬
تتكون المسرحية من نمرة‮ »‬افتتاحية‮« ‬نتعرف خلالها علي‮ ‬جوقة الفنانين الجوالين،‮ ‬والشكل المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬اختاره المؤلف لمعالجة موضوعه،‮ ‬قبل أن‮ ‬ينتقل إلي‮ ‬متنه الأصلي‮ ‬الذي‮ ‬يضم ثلاث حكايات،‮ ‬مقسمة علي‮ ‬ثلاث‮ »‬فصولات‮« ‬كما‮ ‬يسميها المؤلف‮.‬
في‮ ‬الحكاية الأولي‮ ‬يعالج كتشنر مشكلة‮ »‬الضوضاء‮« ‬التي‮ ‬تحدثها بعض النماذج في‮ ‬الشارع‮: (‬موزع الأنابيب،‮ ‬بائع لعب أطفال،‮ ‬روبابيكيا،‮ ‬فتاة تحمل مسجلا‮ ‬يضج بأغنيات شبابية مزعجة‮) ‬وما تحدث هذه الممارسات من ضجيج شديد‮ ‬يعوق السكان عن النوم والمذاكرة،‮ ‬كما‮ ‬يؤثر علي‮ ‬أعصابهم،‮ ‬ولا‮ ‬يكتفي‮ ‬كتشنر بعرض موضوعه من خلال هذا الإطار الشعبي،‮ ‬وعناصره القريبة من الناس،‮ ‬بما تقدمه من كوميدية مثل شخصية‮ »‬فرفور‮« ‬الشهيرة،‮ ‬وهو الذي‮ ‬يعادل‮ »‬الأراجوز‮« ‬ويؤذي‮ ‬وظائفه،‮ ‬الإعلامية في‮ ‬المجتمع،‮ ‬ويزيد عليها وظيفة تأديب المذنبين بوسيلته العقابية الشهيرة‮ »‬الفرقلة‮« ‬يزيد المؤلف علي‮ ‬ذلك وسائل إيضاحية وتعليمية أخري‮ ‬مثل الاستعانة بمعلومات موثقة عن الموضوع،‮ ‬ينطق بها أحد المسئولين أو تقرأها إحدي‮ ‬الشخصيات من كتاب تذاكر فيه،‮ ‬تقرأ لنا‮ »‬لوزة‮« ‬مثلا‮: »‬إذا زادت شدة ضوضاء الآلات في‮ ‬المصانع عن‮ ‬90‮ ‬ديسيل طول ساعات اليومي،‮ ‬تصيب العمال بالصمم المهني،‮ ‬تعرض السيدة الحامل للضوضاء‮ ‬يعرض الجنين للخطر،‮ ‬وقد تنجب أطفالاً‮ ‬صغار الحجم أو ناقصي‮ ‬النمو،‮ ‬أو أن‮ ‬يصاب الجنين بتشنجات عصبية،‮ ‬أو تحدث له تشوهات خلقية وأحيانا تجهض ولا‮ ‬يكتمل الحمل‮.. ‬إلخ‮.‬
كذلك‮ ‬يعالج‮ »‬كتشنر‮« ‬في‮ ‬هذه الحكاية مشكلة تلوث المياه،‮ ‬وتبديدها،‮ ‬ومشكلة القضاء علي‮ ‬المساحات الخضراء والتخلص من الأشجار،‮ ‬منتقلاً‮ ‬ما بين الأداء الكوميدي‮ ‬الشعبي،‮ ‬والمعلومة التي‮ ‬يضعها علي‮ ‬ألسنة بعض الشخصيات مبينًا خطورة ذلك علي‮ ‬البيئة،‮ ‬وهو ما‮ ‬يضمن وصول الرسالة إلي‮ ‬الجمهور،‮ ‬كما‮ ‬يلجأ المؤلف أيضا إلي‮ ‬إشراك الجمهور في‮ ‬لعبته المسرحية للتأكد من وصول الرسالة،‮ ‬واستدعاء فعالية الجمهور لمعالجة المشكلة‮.‬
الحكاية الثانية تعالج مشكلة استيراد الحبوب والمعلبات والمواد الفاسدة،‮ ‬غير الصالحة للاستخدام الآدمي،‮ ‬وتأثير ذلك علي‮ ‬الناس،‮ ‬بينما تعالج الحكاية الثالثة والأخيرة مخاوف‮ »‬فرفور‮« ‬من انفجار الأرض،‮ ‬وحدوث زلزال‮ ‬يقضي‮ ‬علي‮ ‬الحياة ذاتها كنوع من انتقام الأرض ممن لوثوها،‮ ‬بتجاربهم وتفجيراتهم النووية،‮ ‬ويحاول‮ »‬فرفور‮« ‬القفز من السفينة قبل أن تغرق،‮ ‬وذلك بمحاولته ركوب صاروخ‮ ‬ينطلق به في‮ ‬الفضاء،‮ ‬قبل حدوث الزلزال،‮ ‬لينبهه ريس الجوقة وزملاؤه إلي‮ ‬أنهم‮ ‬يمثلون،‮ ‬فيخرجونه من اندماجه،‮ ‬ويوجهون رسالتهم الأخيرة التي‮ ‬يؤكدون فيها أن الأرض‮ ‬غضبانة،‮ ‬وأن الهروب من‮ ‬غضبها مستحيل،‮ ‬وأن‮ ‬غاية ما‮ ‬يمكن عمله هو توجيه الناس إلي‮ ‬ضرورة تعديل سلوكياتهم تجاه البيئة،‮ ‬والتصالح معها هو الحل من الكارثة الوشيكة،‮ ‬فهل من مستمع لصرخة‮ »‬كتشنر‮« ‬وأنين الأرض‮!‬

محمود الحلواني

 

‮(‬أيها الوطن الزائر‮/ ‬يا أقصر من‮ ‬غفوة‮/ ‬لا شيء‮ ‬يجعل صرختي‮ ‬كفناً‮/ ‬ولا ناراً‮ ‬ولا وردة‮) ‬في‮ ‬ديوانه الجديد‮ ‬،‮ ‬الصادر عن سلسلة‮ (‬الكتاب الأول‮) ‬بالمجلس الأعلي‮ ‬للثقافة،‮ ‬والمعنون بـ‮ (‬غرفة في‮ ‬سحابة‮) ‬للشاعر إبراهيم محمد إبراهيم‮ ‬،‮ ‬يأخذنا إلي‮ ‬تجربته المتفردة الطازجة بشكل تدريجي،‮ ‬خفي‮ ‬وبأسلوب عميق ولغة مكتنزة الدلالة طيعة‮. ‬
علي‮ ‬المستوي‮ ‬الشخصي،‮ ‬عرفتُ‮ ‬إبراهيم محمد إبراهيم،‮ ‬كشاعرٍ‮ ‬حالمٍ،‮ ‬يمتلئ شعره بالرومانسية الظاهرة،‮ ‬ويقترب من الإيقاع الجلي‮ ‬حد الغناء،‮ ‬كنا زملاء في‮ ‬كلية التجارة،‮ ‬جامعة عين شمس،‮ ‬أوائل التسعينيات،‮ ‬وكان حينها شاباً‮ ‬ممتلئاً‮ ‬بالحيوية والخجل،‮ ‬يُلقي‮ ‬شعره كحبات الكرم علي‮ ‬من‮ ‬يقابله،‮ ‬يتغني‮ ‬بالحبيبة‮/ ‬الأمل،‮ ‬في‮ ‬كل قصائده،‮ ‬و كانت أشعاره حينها واضحة وضوح الطريق،‮ ‬حزينة حزن الموت،‮ ‬طيبة طيبة القلوب الغضة،‮ ‬ومرت الأيام،‮ ‬ولا أقول مر العمر لأن تكرار الأيام لا‮ ‬يعني‮ ‬العمر،‮ ‬مرت الأيام و أعطتنا من التجارب و الخبرات‮ ‬،‮ ‬ما انطبع علي‮ ‬ذواتنا و بالتالي‮ ‬علي‮ ‬كتاباتنا‮.‬
مرت سنوات،‮ ‬وفاجأني‮ ‬إبراهيم بهذا الديوان،‮ ‬وكان جُلّ‮ ‬ما أردت أن أعرفه،‮ ‬كيف صار شعره الحالم؟
‮(‬أريد أن تحطَ‮ ‬حنانك علي‮ ‬سريري‮/ ‬يا أبي‮/ ‬وأن أسألك‮/ ‬فيم كبرت هكذا بلا اكتراث‮)‬
‮»‬غرفةٌ‮ ‬في‮ ‬سحابة‮«‬ هو الديوان الأول لإبراهيم،‮ ‬ولكنه ليس أول الشعر،‮ ‬وحسناً‮ ‬فعل إذ تمهل علي‮ ‬تجربته الشعرية،‮ ‬فأنتجت هذا الديوان العميق والذي‮ ‬يمكننا رصد عدة خصائص مميزة له‮:‬
أولاً‮: ‬السُخرية‮:‬
تتغلغلُ‮ ‬السُخرية داخل قصائد الديوان،‮ ‬ونجدها مرة متسائلة،‮ ‬ومرة مريرة،‮ ‬وفي‮ ‬الأغلب هي‮ ‬للتهكم من الواقع،‮ ‬حيث‮ ‬يسخرُ‮ ‬الشاعر من كل ما هو سلطوي‮:‬
‮(‬كل شيء هالكٌ‮ ‬كالحكومات‮)‬،‮ ‬أو في‮ ‬قوله‮: (‬والجرائد عادتْ‮ ‬مسامير منتصبة كالحكومة‮)‬،‮ ‬وأحياناً‮ ‬تكون السخرية من الشاعر نفسه‮: (‬نسيتُ‮ ‬أن أموتَ‮ ‬فجأة‮/ ‬لا تلمني‮/ ‬مشاغلي‮ ‬كثيرة‮)‬،‮ ‬أو‮ ‬يتغني‮ ‬بسخرية شجية،‮ ‬فيقول‮: (‬كان‮ ‬يجلس في‮ ‬المقهي‮ ‬ذلك الحزن‮/ ‬سأخرج خلسة‮/ ‬ربما للمرة الأولي‮/ ‬وحيداً‮/ ‬لكنه ذلك الوغد‮ ‬يحفظ رقم هاتفي‮) ‬
ثانياً‮: ‬الذاتي‮/ ‬العام‮:‬
في‮ ‬هذا الديوان لا‮ ‬يمكن الفصل بين الهم الذاتي‮/ ‬الشخصي،‮ ‬والهم العام‮/ ‬الوطني،‮ ‬ولا عجب أن الشاعر ذكر الوطن في‮ ‬أول قصائد الديوان،‮ ‬ووصفه بالوطن الزائر ومن شأن الوطن أن‮ ‬يكون الموطن والآمان المستديم،‮ ‬ولكن كيف؟‮!‬
فالشاعر وجيله تقريباً‮ ‬يشعرون أن الوطن تركهم في‮ ‬الطرقات من دون سند،‮ ‬ولهذا‮ ‬يقف الوطن عند حدود الزائر في‮ ‬وجدان الشاعر،‮ ‬فالجيل الذي‮ ‬عاش التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المختلفة،‮ ‬التي‮ ‬اجتاحت الوطن العربي‮ ‬حتي‮ ‬زلزلته،‮ ‬وانطبع هذا الزلزال علي‮ ‬كتابات الجيل فأصابها بالتساؤل الدائم حول كل شيء،‮ ‬حتي‮ ‬الرواسخ المقدسة في‮ ‬الوجدان،‮ ‬ولهذا‮ ‬يمزج الشاعر بين همه الشخصي‮ ‬والهم الوطني‮ ‬،‮ ‬ويجعل كلاً‮ ‬منهما نتيجة للآخر،‮ ‬فهو ابن الطبقة المتوسطة التي‮ ‬سعتْ‮ ‬إلي‮ ‬تعليم أبنائها كطوق نجاة سيصعدون به بعيداً‮ ‬عن الطوفان،‮ ‬فإذا بطوفان التحوّلات‮ ‬يقسم الطبقة المتوسطة ويغرقها،‮ ‬ولا تبقي‮ ‬سوي‮ ‬نداءات الاستغاثة المترددة لإثبات فعل الوجود،‮ ‬يقول الشاعر‮: (‬القاهرة هي‮ ‬آخر ما لدي‮ ‬بعد صراع‮)‬،‮ ‬وفي‮ ‬موضع آخر،‮ ‬يصرخ‮: (‬هزيمتك الأخيرة مُلوّنة بالسحاب‮/ ‬كأنك منخلع‮ ‬يلتحفُ‮ ‬بالمجلس العسكري‮ ‬وأمسيات المقاهي‮)‬،‮ ‬ويجسد تأثير المأزق السياسي،‮ ‬فيقول‮: (‬القاهرة‮/ ‬كهيئة البرد،‮ ‬ومؤخرة المتوسط،‮ ‬تنامين تحت سرير الملك الضليل،‮ ‬وتنبعثين من بالوعةٍ‮/ ‬في‮ ‬مؤتمر المانحين‮).‬
ثالثاً‮ : ‬الرمز و الدلالة‮ :‬
الديوان‮ ‬يمتليء بالرموز التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلي‮ ‬دلالات معينة واضحة،‮ ‬وتتكرر الرموز،‮ ‬وتتكرر معها الدلالات،‮ ‬فالشاعر مخلص لعالمه،‮ ‬يصنعُ‮ ‬رموزه من شخصياتٍ‮ ‬حيّة في‮ ‬المجتمع،‮ ‬شخصياتٍ‮ ‬يمكن أن نعدها مُعبّرة عن قطاع من المجتمع‮ ‬يقع تحت وطأةِ‮ ‬الأمل والرجاء‮.‬
فالأم تلك الحاضرة الغائبة المُعطية المُضحية،‮ ‬دلالة علي‮ ‬الشخصية المكافحة،‮ ‬ويتجسّدُ‮ ‬من خلال حضورها في‮ ‬القصائد أزمة الشاعر،‮ ‬وبالتالي‮ ‬الشعر‮: (‬كأن كل حسرة وتد‮/ ‬كأن كل دمعة إله‮)‬،‮ ‬ويتجلي‮ ‬رمز الكفاح المتواصل مع الحياة،‮ ‬في‮ ‬قوله‮: (‬لم‮ ‬يعد زخمٌ‮ ‬ما‮ ‬يعجُ‮ ‬بالحجرة‮/ ‬كأنه مهرجان من الانكسار‮)‬
الأب رمزٌ‮ ‬كبير في‮ ‬هذا الديوان،‮ ‬ذلك الذي‮ ‬يورثُ‮ ‬ولده هيئته وضعفه،‮ ‬مما‮ ‬يجعل الشاعر‮ ‬يعطف عليه مرة‮ ‬،‮ ‬ويحمل عليه مرة،‮ ‬فالأب دلالة علي‮ ‬قسوة الحياة،‮ ‬والقسوة هنا ليست بمعني‮ ‬الفقد والفقر فقط،‮ ‬بل أيضاً‮ ‬تتجلي‮ ‬القسوة في‮ ‬الآمال المتلألئة الغائبة،‮ ‬مما أضفي‮ ‬رمزاً‮ ‬كبيراً‮ ‬آخر،‮ ‬وهو الرجاء الدائم،‮ ‬رجاء لم‮ ‬يقترب من تحقيق الأمل فصار سعادة،‮ ‬ولا اقترب من ضياع الأمل فصار‮ ‬يأساً،‮ ‬رجاء مُعلّقٌ‮ ‬دائم،‮ ‬يتأرجح الشاعر معه‮: (‬وحبل الغسيل الذي‮ ‬مالَ‮/ ‬ليته‮ ‬يظلُ‮ ‬هكذا‮/ ‬طائراً‮/ ‬ينفضُ‮ ‬وحدته بين شُرفتي‮/ ‬وشُرفة الجيران‮/ ‬ليتها لا تصدأُ‮/ ‬في‮ ‬حوائط الغرفة‮/ ‬سيدةٌ‮/ ‬غائبة‮)‬،‮ ‬ويمتدُ‮ ‬الرجاء‮: (‬ليته اللهُ‮/ ‬يُشعلها رُقيتي‮ ‬علي‮ ‬سلالم‮  ‬البيت‮). ‬
رابعاً‮: ‬الشاعر‮/ ‬الراوي‮:‬
آثر الشاعر أن‮ ‬يجعل من نفسه الراوي‮ ‬الوحيد في‮ ‬الديوان،‮ ‬أن‮ ‬يكون هو المتكلم،‮ ‬هو المسيطرُ‮ ‬علي‮ ‬روح القصائد،‮ ‬ورغم أن هذا أعطي‮ ‬للديوان خصوصية علي‮ ‬مستوي‮ ‬التجربة،‮ ‬وعلي‮ ‬مستوي‮ ‬طزاجة الإحساس،‮ ‬والقدرة المتفردة لدي‮ ‬الشاعر علي‮ ‬تمثل الحالة الشعورية‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬ما تلبث أن تتسرب إلي‮ ‬وجدان القاريء،‮ ‬حتي‮ ‬يجد نفسه،‮ ‬داخل خندق الشاعر،‮ ‬إلا أنني‮ ‬كنتُ‮ ‬أُفضل أن‮ ‬يخرج الشاعر من أسر ذاته،‮ ‬كي‮ ‬يري‮ ‬العالم من حوله،‮ ‬وهذا ما أنتظره في‮ ‬الدواوين القادمة‮.‬
‮(‬لغتي‮ ‬حصي‮ ‬تحت جمر‮/ ‬تؤكد أن ورداً‮ ‬سينبتُ‮ ‬في‮ ‬عتمة البيت‮).‬
تساءلتُ‮ ‬في‮ ‬البداية،‮ ‬كيف صار شعر إبراهيم محمد إبراهيم،‮ ‬وبعد هذه القراءة أري‮ ‬أنه صار أعمق عمق السؤال،‮ ‬غاضباً‮ ‬غضب العوز المكتوم،‮ ‬ليِّناً‮ ‬لين الرضا والرجاء،‮ ‬ساخراً‮ ‬سخرية الأيام‮ .

نجلاء علام

 

من المعروف أن البلياتشو لا‮ ‬يتواجد إلا في‮ ‬السيرك فمن الذي‮ ‬جعل من هذا المواطن بلياتشو‮  ‬وما الذي‮ ‬حول المجتمع الذي‮ ‬يعيش فيه الي‮ ‬سيرك‮  ‬هل هو الواقع بقسوته وسطوته وإجهاضه للأحلام جعله‮ ‬يحاول التنكر في‮ ‬هيئة بلياتشو‮ ‬يضحك في‮ ‬وجه أحزانه محاولا التغلب عليها ومواجهتها حتي‮ ‬يستطيع ان‮ ‬يستمر في‮ ‬هذه الحياة‮.‬
ففي‮ ‬ديوانه‮ " ‬مواطن بدرجة بلياتشو‮ "  ‬للشاعر علاء جمال نري‮ ‬هذا الحضور الطاغي‮ ‬للهم العام من خلال رصد الشاعر لهذا الواقع وللبشر الذين فقد معهم التواصل فلا‮ ‬يكون أمامه سبيل إلا التواصل مع الجمادات التي‮ ‬يؤنسنها حتي‮ ‬يستطيع خلق علاقة معها كما في‮ ‬قصيدة‮ " ‬فانتازيا‮  "‬
عمود النور المكسور الواقف‮ ‬
علي‮ ‬آخر الشارع
كان صاحبي
كان دايمًا‮ ‬يبعت لي‮ ‬الضي‮ ‬
وأنا كنت أعدي‮ ‬عليه‮ ‬
أرمي‮ ‬له سلام‮ ‬
أيام‮ ‬
عشناها صحاب
كنت أخرج في‮ ‬الليل ألاقيه‮ ‬
واقف بردان‮ ‬
والناس نايمين‮ ‬
جوا الجدران‮ ‬
أتونس بيه‮ ‬
أشكي‮ ‬له مشاكلي
وهكذا بعد أن أصبحت الجدران تفصل بين البشر لمم‮ ‬يعد للشاعر الا خلق علاقات مع الأشياء من حوله تعويضًا عن التواصل المفقود مع البشر ولكن‮ ‬يبدو من استخدام صيغة الماضي‮ ‬أن ثمة فقدًا ما وأن تلك الصداقة لن تدوم وهو ما نكتشفه في‮ ‬نهاية القصيدة‮ :‬
عمود النور المكسور الواقف‮ ‬
علي‮ ‬آخر الشارع‮ ‬
إمبارح لما قابلته‮ ‬
لقيته مضلم‮ ‬
رميت له سلام
ف مردش‮ ‬
حسيت إنه خلاص‮ ‬
مابقاش‮ ‬
يسمعني
وهروبًا من هذا الحاضر الذي‮ ‬فقد فيه الشاعر أي‮ ‬اتصال سواء مع الناس أو مع الأشياء من حوله لا‮ ‬يكون أمامه إلا العودة للماضي‮ ‬يستدفيء بذكرياته من برد الواقع لذلك‮ ‬يحتشد الديوان بالمفردات الدالة علي‮ ‬الماضي‮ ‬والقدم وكمثال علي‮ ‬ذلك‮ ‬يقدم الشاعر قصيدته‮ " ‬روبابيكيا‮ " ‬يرصد فيها ما آلت إليه الأماكن والأشياء والذكريات‮ :‬
علي‮ ‬حيط قديم‮ ‬
في‮ ‬بيت قديم
في‮ ‬حي‮ ‬من أحياءنا القديمة
متعلقة صورة من ورق‮ ‬
ببرواز خشب قديم
جواه إزاز‮ ‬
وبعامل الزمن أو‮ ‬
يمكن بدون سبب‮ ‬
بيقع البرواز ويتكسر
واللي‮ ‬بيفضل‮ ‬
صورة ورق بهتانه
هذا كل ماتبقي‮ ‬للذات الشاعرة صورة باهتة لأحلام لا‮ ‬يستطيع تحقيقها وغد لا‮ ‬يريد أن‮ ‬يأتي‮ ‬
تتحول كل قصايدي‮ ‬
لبني‮ ‬آدمين‮ ‬
واقفين في‮ ‬طريق
مستنيين
الشمس تعدي‮ ‬
والشمس ما جاتش
وفي‮ ‬قصيدته‮ " ‬حبة أسئلة‮ " ‬نعثر علي‮ ‬مفتاح هذا الديوان والمحور الذي‮ ‬تدور حوله معظم قصائده عندما‮ ‬يقول‮ " ‬أنا قلبي‮ ‬ميت م الحنين‮ "‬
فالشاعر‮ ‬يستسلم تماما لهذه الحالة من النوستالجيا فهو‮ ‬يريد العودة إلي‮ ‬الماضي‮ ‬بل إنه‮ ‬يركض خلفه محاولًا اللحاق به قبل أن تغيب ملامحه
من كتر الجري‮ ‬ورا إمبارح
وهو وإن فشل في‮ ‬اللحاق بأمسه لا‮ ‬يتبقي‮ ‬أمامه سوي‮ ‬دفن أحلامه التي‮ ‬حال الواقع بينه وبين تحقيقها‮ ‬
تعالي‮ ‬وادفن حلم مات‮ ‬
ياللي‮ ‬انت عايز تبتسم
البحر بينادي‮ ‬العيال
وعيال حارتنا الطيبة‮ ‬
مش موجودين
وفي‮ ‬الديوان قصيدة أخري‮ ‬بعنوان‮ " ‬فلاش باك‮ " ‬وهو مصطلح سينمائي‮ ‬يعني‮ ‬العوده بالمشهد إلي‮ ‬الماضي‮ ‬ويبدو من خلال الديوان استفادة الشاعر من تقنيات السينما فهو لديه القدرة علي‮ ‬رسم المشاهد من خلال لغة بسيطه لا تحمل الكثير من المجازات اللغوية‮ .‬

محمود فهمي

 

عن دار الأدهم صدرت المجموعة القصصية‮  "‬وقالت العرافة‮"  ‬للكاتبة إيمان سند‮ ‬،‮ ‬والمجموعة‮  ‬قوية البناء لا تشعر معها بأنها التجربة الأولي‮ ‬للقاصة‮ . ‬يغلب عليها الوصف الدقيق لمشاعر الآخر والأماكن والأشياء المحيطة،‮ ‬وتطغي‮ ‬أيضا مشاعر القاصة‮  ‬وحساسيتها المفرطة وارتباطها بالأشياء وملاحظاتها الدقيقة لأدق التفاصيل المحيطة بها‮ ‬،‮ ‬فخرجت قصص مجموعتها منسوجة نسجاً‮ ‬خاصاً‮ ‬بها وحدها‮ . ‬شديد الرقة والعذوبة كنسيج شعري‮ ‬لطيف علي‮ ‬القلب‮ . ‬
في‮ ‬أولي‮ ‬قصص المجموعة برهنت القاصة علي‮ ‬قدرتها علي‮ ‬الانصهار في‮ ‬ذات الآخر‮ / ‬الرجل‮ ‬،‮ ‬والتعبير عما‮ ‬يدور به من مشاعر حية وصراعات نفسية‮  ‬من خلال علاقة حب نشأت عبر موقع التواصل الإجتماعي‮ ‬– الفيس بوك‮ - ‬لشاب أحب فتاة وحدد معها موعدا للقاء‮ .. ‬لكنه اصطدم ببرودة اللقاء وإصرارها علي‮ ‬الانصراف سريعا قبل أن‮ ‬يتحدثا في‮ ‬شيء‮ ‬،‮ ‬فظل مذهولا من تصرفها وهو الذي‮ ‬كان ملهوفا لرؤيتها‮ .‬
‮"‬كانت الصفعات تنهال عليه من الجميع‮ ..‬العمال‮ ‬،‮ ‬الرواد‮ ‬،المارة‮ ..‬قام في‮ ‬صمت‮ ‬،‮ ‬ترك الحساب علي‮ ‬المنضدة‮ ‬،‮ ‬وخرج في‮ ‬هدوء‮ ‬،‮ ‬أحس بهزيمة مفاجئة‮..‬انتظر في‮ ‬سيارته فترة لم‮ ‬يعرف أين‮ ‬يتجه‮..‬ولم‮ ‬يجد تفسيرا لما حدث‮ .."‬
وهكذا تتقمص إيمان مشاعر الرجل ببراعة علي‮ ‬وصف ما به من ألم‮ .. ‬بقدر مهارتها في‮ ‬التعبير عن مشاعرها كأنثي‮  .‬
‮ "- ‬يسير شاردا‮  ‬فيجدها تسير بصحبة آخر سعيدة‮ .. ‬ويظل فريسة لإستفهامات‮    ‬عديدة ورسائل‮ ‬يرسلها إليها عبر البريد الالكتروني‮. ‬حتي‮ ‬تجيبه أنها أرسلت إليه عن طريق الخطأ‮ ‬،‮ ‬وكان المقصود بالموعد رجلا آخر‮. ‬لحظة شديدة الحساسية والألم إذا تعرض لها رجل وعاش مرارتها‮ .."‬
وتتنوع الشخوص لدي‮ ‬القاصة‮ ‬،‮ ‬من حيث انتمائها إلي‮ ‬عالم من العوالم المختلفة،‮ ‬فهي‮ ‬إنسان‮  ‬كما في‮ ‬قصص‮ " ‬العرافة‮ ‬– مدائن البهجة‮ ‬– اللقاء‮ - ." ‬أو جماد‮  ‬في‮ ‬المذياع القديم‮ ‬،‮  ‬أو بحر في‮ " ‬هواء الإسكندرية‮ " ‬،‮ ‬أو شهيد في‮  " ‬طعم الحزن‮ " ‬وأحيانا‮ ‬يجيء البطل لديها ذلك الشعور الطاغي‮ ‬بالحب مثل قصص‮ " ‬يا ساكن القمر‮ ‬– مُرَّ‮ ‬بي‮ -.." ‬لكنها قادرة من خلال قصصها علي‮ ‬وصف الشخوص وصفا رائعا ودقيقا‮ ‬يضيف للشخوص أبعاداً‮ ‬قادرة علي‮ ‬بث الروح والحركة أثناء القراءة لتجد نفسك تحت سيطرة الحدث حتي‮ ‬النهاية‮ .‬
ففي‮ ‬قصة‮  " ‬المذياع القديم‮ " ‬ترصد مدي‮ ‬تعلق الأم بمذياعها القديم الذي‮ ‬لا‮ ‬يتكلم إلا قليلا ورفضها لمذياع جديد أهدته إليها ابنتها‮ ..‬ومدي‮ ‬اندهاش الابنة لارتباط الأم به والاستغناء به كونيس لها‮  ‬دون الجميع‮ .. ‬وتبرر لإبنتها سر تعلقها به قائلة‮:‬
‮"‬عندما‮ ‬يعمل وينطق لا‮ ‬يسمعني‮ ‬ذكرياتي‮ ‬فحسب‮ ‬،‮ ‬بل‮ ‬ينثر أمامي‮ ‬آمالي‮ ‬القديمة‮ ‬،‮ ‬إنه لا‮ ‬يبث أصواتا فقط‮ ‬،‮ ‬بل‮ ‬يستحضر شبابي‮ ‬،‮ ‬ومرحي‮ ‬،‮ ‬وطموحاتي‮ ‬،‮ ‬وحتي‮ ‬أحزاني‮ ‬،‮ ‬وذكريات الطفولة اللذيذة‮ ..‬ينتقل بي‮ ‬إلي‮ ‬كل محطاتي‮ .." ‬
الخيال وحده‮ ‬غير كاف لإنشاء قصة،‮ ‬إذ لا بد من ملكة تركيبية تحبك الأحداث،‮ ‬وتحذق سوق المتواليات،‮ ‬وتُنظِّم تتابعها،‮ ‬لتحقيق‮ ‬غرض الكاتب،‮ ‬متخذة من البيئة والسياق الثقافي‮ ‬الذي‮ ‬ينتمي‮ ‬إليه القاص مرجعية للاحتكام،‮ ‬وقد تتجاوز هذه المرجعية لمصلحة ما هو قار في‮ ‬النفس الإنسانية في‮ ‬كل زمان ومكان‮. ‬والقاص البارع قد‮ ‬ينفذ إلي‮ ‬أدق التفاصيل وهذا ما فعلته إيمان من خلال قصص المجموعة‮ .‬
ففي‮ ‬قصتها‮ " ‬طعم الحزن‮ " ‬تصف مشاعر الحزن والقلق ما بين الجد الذي‮ ‬استشهد ابنه في‮ ‬الميدان أثناء تصوير المظاهرات وأيامه التي‮ ‬يقضيها في‮ ‬شوق لرؤية حفيده ولو لحظات كما تصر زوجة ابنه بسبب انشغالاتها العديدة‮ ..‬وبين شعور الأم التي‮ ‬ألحت علي‮ ‬زوجها عدم الذهاب إلي‮ ‬الميدان لكنه انصاع إلي‮ ‬تشجيع والده وذهب لعمله فقتل‮ ..‬وتظل الزوجة تعاقب زوجها في‮ ‬إزالة كل صوره من المنزل وعدم التحدث عنه لابنها أو العائلة‮ ..‬وعدم السماح للجد برؤية حفيده‮ ..‬مشاعر متأججة طوال القصة لدي‮ ‬الزوجة والجد تفاصيل عديدة استطاعت القاصة رصدها بمهارة‮ ‬
‮- ‬مازال ألم فراقه خنجرا في‮ ‬أحشائي‮ ..‬يا تري‮ ‬هل‮ ‬يشعر حفيدي‮ ‬بنفس الألم؟ ماذا تقول له هي‮ ‬عن أبيه ؟‮ ‬ينتابني‮ ‬الشوق لكليهما‮ ..‬لا أجد‮ ‬غير الصور‮..‬انظر إليها حتي‮ ‬يتوه البصر‮ ‬،‮ ‬وأجدني‮ ‬بعد وقت لا أدري‮ ‬كنهه نائما في‮ ‬مكاني‮ .."‬
كما تعددت النهايات أيضا في‮ ‬قصص المجموعة‮ ‬،‮ ‬استخدمت النهايات الواضحة التي‮ ‬تحل فيها المشكلة بلا تعقيد‮  ‬كما فعلت في‮ ‬قصة‮ " ‬المذياع القديم‮ "‬واستخدمت النهاية الإشكالية‮  ‬لتتركها بلا حل كما في‮ ‬قصة‮ " ‬هواء الإسكندرية‮ " ‬،‮ ‬كما استخدمت النهاية المقلوبة في‮ ‬قصتها‮"  ‬مُرَّ‮ ‬بي‮  " ‬حيث عمدت إلي‮ ‬نهاية لم‮ ‬يتوقعها القارئ‮ .. ‬حين قررت في‮ ‬لحظة خاطفة بطلة القصة الفرار من إحساسها المفاجئ بالحب لتخرج من الحكاية قبل أن تبدأ‮ ..‬وتتخذ موقفا مناقضا لما كانت عليه في‮ ‬البداية قبل أن‮ ‬يرن الهاتف‮ .‬
كما استخدمت النهاية المعضلة ليكون الحل من اختيار القارئ‮  ‬في‮ ‬توقع الحدث في‮ ‬بعض قصصها‮ .‬
الكاتبة تمتلك حصيلة لغوية ساعدتها علي‮ ‬إبداء مهارة عالية في‮ ‬تعمية الدلالة وتهشيم الصورة‮ ‬غالبا‮ . ‬كما في‮ ‬قصة‮ " ‬يا ساكن القمر‮ " ‬التي‮ ‬تناجي‮ ‬فيها حبيبها الغائب‮ :‬
‮"‬أري‮ ‬حزني‮ ‬يتبدد‮ .. ‬أسمع ضحكاتي‮ ‬تتوالي‮ ‬،‮ ‬وكأني‮ ‬إنسان جديد‮ .. ‬حين تتركني‮ ‬وترحل أفقد هويتي‮ ..‬فأنت بيتي‮ ‬وملاذي‮ .. ‬أتلمس وجهك في‮ ‬كل الوجوه‮.. ‬ملامحك في‮ ‬كل الكائنات‮..‬وصوتك العذب الشجي‮ ‬في‮ ‬صوت النسيم‮ ‬،‮ ‬وخرير الماء‮ ‬،‮ ‬وتغريد البلابل‮ .."‬
وهكذا فالنصوص لديها أحيانا مقطوعات نثرية رائقة تنتمي‮ ‬للرومانسية الحالمة لفظا وصياغة وتصويرا لذا فمن الممكن أن أصفها بأنه نزيف الذاكرة وشظايا الروح وانعكاساتها‮ . ‬كما أن القاصة عمدت إلي‮ ‬الإيجاز والكثافة‮  ‬التي‮ ‬تحمل في‮ ‬طياتها الكثير من المضامين والدلالات التي‮ ‬تثري‮ ‬القصة بالتفاصيل‮ .‬وتثبت مدي‮ ‬براعتها في‮ ‬الحكي‮. ‬

 

تغلغل القاص محمد طه شلبي‮ ‬في‮ ‬مجموعته القصصية‮ "‬لمحات حياتية‮" ‬الصادرة ضمن إصدارات مركز عماد قطري‮ ‬للإبداع والتنمية الثقافية‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬بعض المظاهر الحياتية من أجل الخروج بمجموعة قصصية تحمل كل قصة فيها مغزي‮ ‬وإحساسًا بالواقع المعيش وتكون بمثابة صورة بارزة تجسد حالة إنسانية مرتبطة بوضع اجتماعي‮ ‬تنتهي‮ ‬إلي‮ ‬غاية معينة في‮ ‬صورة عمل أدبي‮ ‬تنوع ما بين القصة القصيرة والقصيرة جداً‮ ‬أو الومضة‮.‬
بدأ القاص محمد طه شلبي‮ ‬مجموعته القصصية بـقصة‮ (‬من طنطا‮) ‬وفيها‮ ‬يبرز دور‮" ‬الأم‮ " ‬التي‮ ‬لم‮ ‬يتخل عنها في‮ ‬معظم قصصه،‮ ‬القصة مليئة بالأحداث المتناقضة ما بين مشاهد الفرح والحزن،‮ ‬الموت والولادة،‮ ‬المقابلة والوداع‮ ... ‬إلخ،‮. ‬الكاتب لديه هدف إصلاحي‮ ‬واضح وهو ما‮ ‬يجعل قصصه تترك أثرا إيجابيا‮ ‬،‮ ‬ففي‮ (‬توبة‮) ‬يروي‮ ‬قصة بطل أخطأ كثيراً‮ ‬لكنه‮ " ‬استغفر‮" ‬ورغم ضيق دنياه‮ ‬يتحرك الحجر بعد توبته‮ ‬،‮ ‬وفي‮ (‬استيقاظ‮) ‬إشارة واضحة إلي‮ ‬التوبة أيضا‮ ‬،‮ ‬وكأنها لحظة الإفاقة أو الاستيقاظ‮ ‬،‮ ‬فالبطل بمجرد شعوره بدنو أجله‮ ‬يستحم ليغتسل من ذنوبه‮ "‬فتوضأ وصلّي‮ ‬ثم استيقظ‮". ‬في‮ (‬محنة‮) ‬يرصد رحلة بطله ومعاودته الوقوف من جديد بعد السقوط والخيبات‮. ‬ومن السقوط إلي‮ ‬حلم الطيران في‮ (‬يطير‮) ‬،‮ ‬وعلي‮ ‬مسار مضاد‮ ‬يشير الكاتب في‮ (‬قتل‮) ‬إلي‮ ‬قتلة الأحلام الذين بدت عليهم الغيرة من البطل بسبب أن لديه حلمًا أو هدفًا‮ ‬يسعي‮ ‬للوصول إليه مما دفعهم للإمساك به حتي‮ ‬اجتثوا حلمه‮ . ‬
هناك دلالة رمزية مميزة في‮ (‬زغرودة‮) ‬التي‮ ‬تنقلنا إلي‮ ‬واقع درامي‮ ‬مؤلم وفي‮ ‬نفس الوقت تبرز أسمي‮ ‬أنواع التضحية ألا وهي‮ ‬التضحية في‮ ‬سبيل الوطن،‮ ‬وقد استوحي‮ ‬الكاتب قصة ذلك الجندي‮ ‬الذي‮ ‬يحمل سلاحه في‮ ‬الصباح‮ ‬،‮ ‬ويقبّل طفلته ويحتضنها ثم‮ ‬يذهب لكنه‮ ‬ينال الشهادة فيعود كما لو كان نائماً‮ ‬يبتسم،‮ ‬تقبله،‮ ‬يحملونه ويذهبون به وهي‮ ‬خلفهم تزغرد‮. ‬وهناك ضحية الجهل ففي‮ (‬جهل‮) ‬قالوا للبطل‮ "‬إنّا نخافُ‮ ‬من ربّنا‮" ‬فوثق بهم وتعلم الجهل علي‮ ‬أيديهم وكانت النتيجة أنه‮ "‬حصد لهم أرواحأً‮ ‬بريئة‮".‬
‮ ‬الكاتب تناول بعض اللمحات السياسية بشكل أقرب إلي‮ ‬التلميح منه إلي‮ ‬التصريح‮ ‬،‮ ‬ليبدو وكأنه‮ ‬يهمس في‮ ‬أذن القارئ بتلميحاته‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬قصة‮ (‬الرئاسة‮) ‬استخدم عبارات بعينها مثل‮ "‬انتخبوه‮ ... ‬خطبهم‮ ... ‬أفاض‮" "‬صنع دستوراً‮" "‬لا شرعية إلا للصندوق‮" "‬الصندوق أو الدم‮" ‬وانتهي‮ ‬الأمر بإحضارهم سيف الحرية ليجتثوه‮. ‬وفي‮ ‬ظل إعلان شعار‮ "‬عيش حرية عدالة اجتماعية‮ " ‬في‮ ‬الميادين‮ ‬يتناول الكاتب بأسلوب ساخر قرار تقليص الرغيف في‮ ‬قصة‮ (‬تخفيض‮) ‬تلك القصة الومضة التي‮ ‬تبدو طرفة أدبية ذات مغزي‮. ‬وفي‮ (‬نظرة‮) ‬الوضع مختلف حيث‮ ‬يلقي‮ ‬الكاتب الضوء علي‮ ‬هؤلاء الذين‮ ‬يأكلون من صناديق القمامة،‮ . ‬وفي‮ (‬عدالة‮) ‬يفصح لنا الكاتب عن افتقاد العدالة عندما اجتث المجرم براءة طفلة‮ ‬،‮ ‬ولأنه خاف فقد قام بذبحها ليصدر تقرير المحكمة بأن‮ "‬يعامل كالأطفال‮" ‬ويأتي‮ ‬الحكم بالبراءة‮ !‬
استخدم الكاتب المفارقة التصويرية في‮ (‬الدائرة‮) ‬ليظهر عكس ما‮ ‬يبطنه وهو ما‮ ‬يثير انفعال المتلقي‮ ‬ويعمل علي‮ ‬إثارة التأويلات المختلفة،‮ ‬ويعالج الكاتب حالات نفسية متعددة منها ما‮ ‬يشارف الجنون‮ . ‬
الكاتب‮ ‬يتناول في‮ ‬الكثير من قصصه عالما إنسانيا محاصرا بظروف ومشكلات الحياة كما في‮ (‬انفصال‮) ‬و(لمحة‮) ‬و(ذكري‮) ‬وغيرها‮ ‬
في‮ ‬المجموعة‮ ‬يبدو القاص محمد طه شلبي‮ ‬،‮ ‬كما لو كان مصوراً‮ ‬محترفاً‮ ‬يقوم بالتقاط صور متباينة تحمل تفاصيل عديدة وإضاءات مختلفة‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬أحيان أخري‮ ‬يبدو كعازف بارع‮ ‬يعزف علي‮ ‬أوتار الحياة بكل ما بها من حب وكره،‮ ‬نجاحات وإخفاقات،‮ ‬قوة وضعف‮ ... ‬إلخ،‮ ‬لكنها في‮ ‬النهاية لم تكن لمحات حياتية فحسب بل هي‮ ‬لمحات جادة تم صياغتها في‮ ‬قالب أدبي‮ ‬مميز‮ ‬يحول الواقع إلي‮ ‬رؤي‮ ‬إبداعية‮.‬

ربما ىتضح للمتأمل أن البشرىة جمعاء تطرق باب لغز واحد،‮ ‬ىتحرك العقل البشرى معه من العقل اللاهوتى إلى العقل الطبىعى وصولا للارتكاز على الإنسان بصفته الموضوع الحقىقى لهذا العالم،‮ ‬ومن الغرىب أن هذه التحولات الثلاثة ىدور فىها عقل الأمى الجاهل والعالم والفىلسوف على حد سواء،‮ ‬كل ىحضر بأسئلته التى تفضى فى النهاىة إلى سؤال واحد كبىر ولغز لىس له حل،‮ ‬تحولات العقل هذه ىتناولها علم اجتماع المعرفة،‮ ‬مطلقا علىها‮ "‬نظرىة المعرفة‮"‬،‮ ‬حىث تشمل قضاىا المىتافىزىقا والوجود والأخلاق والقىم والجمال،‮ ‬محددة نظرتنا للعالم وإدراك الفرد لذاته ومجموع علاقاتها مع الجماعة البشرىة بصفته جزءاً‮ ‬منها ومن الطبىعة ككل،‮ ‬ىؤمن العقل اللاهوتى بعالمىن منفصلىن،‮ ‬أحدهما الطبىعى الذى نعىشه والثانى هوالغىبى الذى ننتظر الولوج إلىه فى أى لحظة؛ مع كونه كاشفا لوجودنا وحاضرا فىه؛ فىما ىظل_ هو_ محجوب عنا لقصر التكوىن الفىزىقى لدىنا عن إدراكه إلا بعد عبور بوابة الموت‮ ‬،‮ ‬أما العقل الطبىعى فىنفى وجود عالمىن سواء بالتجاور أوالتتابع،‮ ‬وىرى أن جمىع الصور المعاىنة وغىر المعاىنة فى عالمنا ما هى إلا جزء من العالم الأكبر والواحد فى حضوره الدائم،‮ ‬تحمل مقولة أرسطو"إن الله خلق العام ولم ىعد ىعبأ به أوىهتم له‮" ‬فى داخلها الاتجاهىن السابقىن؛لجمعها بىن دربىن فى رؤىة الحقىقة والعالم،‮ ‬إنها تثبت الخالق‮ ‬،‮ ‬فى نفس الوقت الذى تُعتبر جذرا فلسفىا لمىكانىكا نىوتن وحركة العالم الآلىة‮.‬
إن حركة العولمة وهىمنة فكرة واحدة على العالم دعت إلىها كل حركات التغىىر،‮ ‬سواء كانت على ىد أنبىاء أومفكرىن فى القدىم‮ ‬،‮ ‬أومع حلول الثورة العلمىة وحضور مىكانىكا نىوتن وأىنشتىن بصفتهما دىانتىن كبىرتىن تناسلت إحداهما من الأخرى‮ ‬_ كما ىرى أنصار المذهب العلمى_ فرضتا هىمنتهما على العالم؛ فكل التطورات الحاصلة فى حىاتنا الىومىة خاضعة بشكل أوآخر لقانونى هاتىن النظرىتىن،‮ ‬وربما ىكون من المضحك أىضا أن إحداهما لم تنتصر على الأخرى أوتبىدها،‮ ‬حالهما حال الدىانات السماوىة والنحل أىضا‮ ‬،‮ ‬فالطائرة تجمع فى تكوىنها مىكانىكا نىوتن ومىكانىكا أىنشتىن معا،‮ ‬كما ىجمع عقل كل منا فى تصوره عن الله بىن المتناقضات،‮ ‬متحركا بىن قطبىن كبىرىن ؛ منتقلا عن تصور الإنسان الأزلى القابع فى عالم لا نعرفه إلى الطاقة الكلىة التى تحرك الوجود كما ىرى الطبىعىون بشكل عام‮ ‬،‮ ‬حتى ىصل إلى المهىمن الذى ىتحكم فى كل شىء وهوعلى صورة لم تحضر إلى عقولنا وكل محاولة لتقنىن تصوره هى إساءة فهم‮ .‬
عالم كزانتزاكىس‮ ‬
كزانتزاكىس‮ ‬،‮ ‬ولىد ثقافتىن متداخلتىن‮ ‬،‮ ‬فهوورىث الحضارة الىونانىة وابن من أبناء الدىن المسىحى،‮ ‬وهوالموروث الذى تشكلت فى داخله كتاباته وتشكل من خلاله عقله أىضا‮. ‬
كزانتزاكىس صاحب‮ ( ‬زوربا،‮ ‬والإغواء الأخىر للمسىح‮ ) ‬رجل متماسك ومعتدل خلال حىاته،‮ ‬تناول العدىد من القضاىا الشائكة والمعقدة عن الدىن والعقىدة فى أغلب كتبه وعلى الرغم من ذلك كان ىصرح عن نفسه بأنه ملحد،‮ ‬لكن هذا الملحد تناول فى كتبه مفاهىم فى‮ ‬غاىة القوة عن الله والغىبى بشكل عام،‮ ‬وربما ىكون ما قدمه من خلال كتابته من أعمق التجارب التى تناولت هذا الموضوع،‮ ‬وىمكننا أن نلخص مجمل ما تناوله فى هذا الصدد‮ ‬_ىتضح ذلك فى كتابه عن التصوف_ فى التالى‮: "‬إننا كبشر مع الحىرة التى تملأنا نكون مدفوعىن نحوالتحدىق إلى أعلى،‮ ‬حىث الجزء العلوى من الروح التى تحىط بالعالم وتتحكم فىه،‮ ‬والتى نطلق علىها‮ (‬الله‮)‬،‮ ‬غىر أننا نعطىها الكثىر من الأسماء‮ ‬،‮ ‬مثل‮( ‬الهوىة‮ ‬_ الغموض‮ ‬_ الظلام المطلق أوالملغز_ النور الكلى‮ ‬_ المادة‮ ‬،‮ ‬الأنا العلىا‮ ‬،‮ ‬القوى المهىمنة‮ ‬،‮ ‬الصمت‮ ‬،‮ ‬طاقة العالم‮ ...)‬،‮ ‬ثم إننا نختصر كل ذلك ونطلق علىه‮ " ‬الله‮"‬،‮ ‬لأن هذا المسمى وحده‮ ‬– ولسبب‮ ‬غامض__ له القدرة على أن ىجعل قلوبنا تقشعر بقوة،‮ ‬والحقىقة أننا نكون تحت ضغوط تتفاوت نسبىا من واحد لآخر عندما نعى أننا على اتصال فعلى مع الدىمومة الحركىة للعقل الجمعى والذى نسمىه‮ (‬الله‮)‬،‮ ‬على هذا النحومثَل هذا التصور العام الخلفىة الفلسفىة الأبعد لأعمال كزانتزاكىس الإبداعىة والفكرىة‮ .‬
‮ ‬ذاع صىت‮ "‬زوربا‮" ‬الشخصىة المحورىة فى رواىة كزانتزاكس‮ "‬حىاة ألكسىس زوربا‮"‬،‮ ‬وتناول النقاد هذه الشخصىة على أنها معادل للسعادة والانسجام النفسى الناتج عن اتباع المنهج‮ "‬اللِّذِّى‮" ‬فى تلبىة الرغبات،‮ ‬وهو مذهب الأبىقىورىىن،‮ ‬فشخصىة زوربا ترى نفسها فى نفسها لا سوى ذلك،‮ ‬وإن خطر ببالها الله فهولا ىتعارض مع ما ترىده‮. ‬إنه ىستمتع بالطعام وبمضاجعة النساء وبالعمل،‮ ‬كىفما اتفق له ذلك،‮ ‬ىقول زوربا‮ " ‬أخبرنى ماذا تفعل بالطعام الذى تأكله وسأنبئك من تكون،‮ ‬،‮ ‬فهناك أشخاص ىحولونه إلى شحم وبدانة وروث،‮ ‬وآخرون ىحولونه إلى عمل ومزاج‮ ‬،‮ ‬وآخرون ىحولون الطعام إلى شىء مقدس،‮ ‬وأنا عن نفسى ىا رىس أقف فى المنتصف‮"‬،‮ ‬وربما ما دفع الجمىع لهذه الرؤىة،‮ ‬هى العبارات المباشرة التى تصدر من‮ ‬الراوى‮ /‬كزانتزاكس داخل الرواىة لتؤكد الإعجاب بزوربا وسلوكه فى الحىاة وتخلصه من أى عبء قد ىعىقه عن عىش لحظته،‮ ‬غىر أنه ىبقى للمدقق أن ىرى فى رواىة زوربا وجها آخر ىمكن أن ىكون النقىض تماما‮ ‬،‮ ‬فمحاورات كزانتزاكس مع زوربا لا تعدومجرد حجة لعرض الأفكار ومن ثم تفنىدها ونقدها ونقضها أىضا،‮ ‬إن زوربا ىمثل شخصىة افتراضىة لعقل الرجل العادى أوعامة الناس،‮ ‬ومن خلال الحوار معه ىستطىع كزانتزاكس إبراز مخىلة هذا الفرد وما ىدور بداخله،‮ ‬ىقول زربا‮ " ‬إن ردفى زوجة الطحان ىمثلان عقل الإنسان‮ "‬،‮ ‬وىعلق كزانتزاكس رادا علىه‮ "‬كنت قد قرأت تعرىفات كثىرة عن عقل الإنسان،‮ ‬لكن هذا التعرىف بدا لى أكثرها إدهاشا‮"‬،‮ ‬تدور الحوارىة على طول الرواىة حول التنقىب داخل عقل‮ "‬زوربا‮" ‬الذى ىفصح عن نفسه،‮ ‬فىما ىظل الراوى‮/ ‬كزانتزاكس مجرد مشارك ومستمع ومحاور جىد،‮ ‬تتنقل الحوارىة فى موضوعاتها بىن الوجود والعدم والله‮ ‬،‮ ‬والمرأة والرجل‮ ‬،‮ ‬إن زوربا حىنما ىكشف عن طبىعة معتقداته وتفكىره فهولا ىكشف عن نفسه كفرد إنه ىكشف عن عقل الىونان كاملاً‮ ‬من الجذر القدىم إلى العصر الحدىث مطوفا مع تأثىرات الفكر الىونانى القدىم على الفلسفات المعاصرة‮ ‬،‮ ‬كما ىجوب البلاد مع حكاىاته فى روسىا وكرىت اىطالىا ومصر وبلاد كثىرة‮ ‬،‮ ‬محاولا القاء الضوء على المذاهب الفكرىة التى تماست معه فى هذه البلاد فى عصور مختلفة‮. ‬
‮ ‬فى رواىة‮ "‬الإغواء الأخىر للمسىح‮" ‬فإنه ىطرق بابا آخر وهوكىفىة التواصل بىن الإنسان والله،‮ ‬باب السؤال عن طبىعة الوحى والإلهام والرسالة،‮ ‬من خلال شخصىة المسىح علىه السلام،‮ ‬وتتضح فى هذه الرواىة تداخل المؤثرات التوراتىة والوثنىة عند الأساطىر الىونانىة فى تشكىل عقلىة المجتمع فى هذه الحقبة،‮ ‬فالله أزلى ىضمر القهر والقسوة لجنس البشر وىتلذذ بمعاناتهم،‮ ‬كما تظهر شخصىة المسىح كشخصىة ثورىة لكنها بدلا من أن تحمل سىفا فى ىدها حملت سىف الحب فى قلبها،‮ ‬وتغزل خىوط الرواىة ظروفا وملابسات تبرر أن ظهور المسىح كان رد فعل على وضع اجتماعى،‮ ‬ىبرزه كزانتزاكس من خلال الشخصىات المتعددة فى الرواىة؛فكل واحد منها ىمثل جبهة سىاسىة أوحزبىة تتعانق أفكارها اللاهوتىة مع أفكارها الإصلاحىة بحىث تكونان رؤىة واحدة للواقع وكىف ترجوه كل فرقة،‮ ‬أما عن طبىعة المسىح فى هذه الرواىة،‮ ‬فنجد أن كزانتزاكس ىوافق الرأى القائل بأن المسىح مولود بلا أب،‮ ‬مولد من النور الذى‮ ‬غشى مرىم البتول،‮ ‬لكنه فى شأن الرسالة ىرى أن المسىح حدثت له تطورات عقلىة وجسدىة بفعل قوى‮ ‬غىبىة،‮ ‬كانت تزوره فى المنامات وفى أحلام الىقظة أىضا،‮ ‬أى إن كزانتزكس ىكاد ىقول فى رواىته بعالمىن متجاورىن أحدهما حاضر فى الآخر،‮ ‬لكن حضوره ىقف عند حدود الإلهام والإىحاء والتأىىد،‮ ‬وأن هذا التواصل لا تتدخل فىه وسائط أخرى من قبىل ملائكة أوخلافه،‮ ‬ىقول كزانتزاكس على لسان الرواى فى هذه الرواىة وهوأحد كتاب الأناجىل السرىة التى لم تصل إلىنا‮ "‬أنا مجدف قدىس‮" .‬
الله لىس كمثله شىء وهوالسمىع البصىر،‮ ‬وإنه قىوم على حضورنا وإننا إلىه راجعون‮ .‬

ياسر المحمدي

 

صدر العدد الحادي‮ ‬عشر من مجلة‮ "‬المسرح‮" ‬الدورية الفصلية في‮ ‬أبريل الماضي‮ ‬عن دائرة الثقافة والإعلام ـ الشارقة،‮ ‬وقد ضم العدد كثيراً‮ ‬من الدراسات والبحوث التي‮ ‬تدور عن المسرح،‮ ‬كما تناول بعض العروض العربية المختلفة من خلال القراءات النقدية لنقاد من أرجاء الوطن العربي،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬التركيز المهم للانفتاح علي‮ ‬الآخر من خلال الترجمات المتعددة في‮ ‬معظم أبواب العدد‮.. ‬كما أكد علي‮ ‬ذلك أحمد بورحيمة؛ رئيس تحرير المجلة،‮ ‬في‮ ‬كلمته التي‮ ‬افتتح بها العدد،‮ ‬حيث قال‮: "‬يمكن القول إن علاقتنا بالمسرح هي‮ ‬في‮ ‬جذرها علاقة بالآخر أكثر من أي‮ ‬شيء آخر،‮ ‬وقد شهدت البدايات تواصلاً‮ ‬فاعلاً‮ ‬مع الغرب وترجمت العديد من النصوص المسرحية وجري‮ ‬تقديمها في‮ ‬مسارحنا وأحرزت ما أحرزت من أصداء‮".‬
فمجلة‮ "‬المسرح‮" ‬ـ بحق ـ دورية ثقافية أكدت علي‮ ‬وجودها بجدارة،‮ ‬وأصبح إصدارها ملحاً‮ ‬وضرورياً‮ ‬لكل مثقفي‮ ‬العرب لاسيما المسرحيين منهم‮.. ‬فلا تخلو من مجال‮ ‬يحتاجه المسرحي‮ ‬في‮ ‬أبوابها المتعددة والمختلفة،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬يدفعنا إلي‮ ‬إلقاء الضوء علي‮ ‬بعض مما ورد في‮ ‬تلك الأبواب علي‮ ‬سبيل التمثيل لا الحصر،‮ ‬لأن تنوع المادة وغناها‮ ‬يحول بيننا وبين قراءتها قراءة متقصية خاصة في‮ ‬ظل هذا الحيز الضيق‮.‬
بداية،‮ ‬تبدأ أبواب المجلة بملتقي‮ ‬الشارقة الأول للبحث المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬ضم أربعة أبحاث علمية منتقاة من الرسائل العلمية،‮ ‬دار حولها نقاش وحوار مفتوح بين المهتمين بالمسرح،‮ ‬وعلق بورحيمة قائلاً‮: ‬إن الملتقي‮ ‬الجديد‮ ‬يهدف إلي‮ ‬تفعيل العلاقة بين أكاديميات المسرح والساحة الفنية العامة‮. ‬وفي‮ ‬كلمته الافتتاحية قال عبد الله العويس؛ رئيس دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة‮: ‬إن الملتقي‮ ‬يهدف إلي‮ ‬دعم الجهود المسرحية المتميزة في‮ ‬الجامعات والكليات والمعاهد المسرحية وتقديمها والاستفادة منها من خلال طرحها من قبل أصحابها الذين أنجزوها،‮ ‬والاستفادة من نتائجها وتوصياتها في‮ ‬سبيل دعم وتطوير الحركة المسرحية العربية‮.‬
وفي‮ ‬المدخل تعددت الدراسات المترجمة التي‮ ‬تناولت المسرح في‮ ‬شتي‮ ‬جوانبه،‮ ‬فكتب روبرت كوهين‮ "‬مسرح اليوم‮: "‬نحن لا نعبر النهر ذاته مرتين‮"‬،‮ ‬ترجمة لمي‮ ‬عمر،‮ ‬وركزت تلك الدراسة علي‮ ‬اتساع حركة المسرح بحيث لا‮ ‬يمكن لأي‮ ‬مقال أن‮ ‬يحيط بالحياة المسرحية ولا لأي‮ ‬كتاب أن‮ ‬يتسع لمسرح اليوم،‮ ‬فالمسرح موجود علي‮ ‬الخشبة وليس في‮ ‬أي‮ ‬مكان آخر‮. ‬وجاءت المقالة الثانية متضمنة رسائل ستانيسلافسكي‮ ‬في‮ ‬الفن والحياة،‮ ‬ترجمة حميد علاوي،‮ ‬لتكشف عن قوة الإرادة والتصميم والعزم في‮ ‬الوصول علي‮ ‬غاياته المحددة،‮ ‬كما‮ ‬يقنع الذين‮ ‬يعملون بصحة ما‮ ‬يدعو إليه وبضرورة ما‮ ‬يؤمن به‮. ‬وعن الفعل المسرحي‮ ‬كتبت الناقدة الفرنسية آن أوبر سفيلد‮ "‬كيف نقرأ الفعل المسرحي؟‮" ‬ترجمة عبد المجيد شكير،‮ ‬حيث تري‮ ‬أنه من الضروري‮ ‬تلقين منهج آخر للقراءة‮ ‬يُمكِّن من الأخذ بعين الاعتبار النص المسرحي‮ ‬باعتباره موضوعاً‮ ‬فنياً‮ ‬وثمرة لممارسة كتابية،‮ ‬وإلي‮ ‬العرض باعتباره‮ "‬نصاً‮" ‬منحدراً‮ ‬من الممارسة المشهدية المركبة‮. ‬وتأتي‮ ‬مقالة لوسي‮ ‬أوت بعنوان‮ "‬أي‮ ‬خصائص لمسرح ما بعد الحداثة؟‮" ‬ترجمة أريج رباح،‮ ‬وهي‮ ‬قراءة في‮ ‬تجربة المخرج الكندي‮ ‬باتريك لورو،‮ ‬محللة منهجه من خلال رؤيته كنموذج للتحولات الفنية التي‮ ‬راجت في‮ ‬فن المسرح الأنتاري‮ ‬الفرنسي‮ ‬منذ عقد من الزمن،‮ ‬في‮ ‬حين كان مسرح السبعينيات والثمانينيات‮ ‬يتسم برغبة الفرق المسرحية بالدخول المباشر إلي‮ ‬المجتمع‮.. ‬لكن مسرح باتريك‮ ‬يتيح حيزاً‮ ‬أوسع للخيال‮. ‬أما روبير أبيرشد فقد كتب‮ " ‬الممثل‮.. ‬ولعبه‮" ‬ترجمة أمل بنويس،‮ ‬مختزلاً‮ ‬المسئولية الكاملة للعمل المسرحي‮ ‬في‮ ‬يد المخرج بحيث‮ ‬يجمع في‮ ‬يده كل خيوط اللعبة،‮ ‬ويفرض مشيئته علي‮ ‬كل الشركاء في‮ ‬العرض،‮ ‬من مصمم الديكور ومصمم الأزياء إلي‮ ‬الموسيقي‮ ‬وتقني‮ ‬الإنارة ثم الممثل‮. ‬وتحت عنوان‮ "‬العيون في‮ ‬المسرح الياباني‮" ‬ترجمة حسن‮ ‬يوسفي،‮ ‬كتب الباحث الياباني‮ ‬ماساو‮ ‬ياما وشي‮ ‬ملفتاً‮ ‬نظرنا إلي‮ ‬جانب مهم في‮ ‬الجسد قلما استثمرناه فنياً‮ ‬أو انتبهنا إلي‮ ‬تعبيريته في‮ ‬مجال الفرجة،‮ ‬ألا وهو النظر‮. ‬ومن لعبة أبيرشد إلي‮ ‬لعبة المخرج السويدي‮ ‬ماتس إيك حيث كتب آريا أوسيتالو‮ "‬ماتس إيك ـ الإخراج المسرحي‮ ‬بوصفه‮ "‬لعبة حلم‮" ‬ترجمة فاضل الجاف،‮ ‬وتأتي‮ ‬أهمية إيك من استخدامه تقنيات الرقص والجسد الكريوجرافي‮ ‬كلغة مسرحية معبرة نابضة بالحيوية في‮ ‬جل عروضه المسرحية،‮ ‬التي‮ ‬يحتل فيها الرقص المركز الأول بين كل وسائل التعبير الدرامية‮. ‬وينتهي‮ ‬هذا الباب بـ‮ "‬احتراق العالم‮" ‬للمخرج المسرحي‮ ‬الفرنسي‮ ‬كلود ريجي‮ ‬وترجمة‮ ‬يوسف الريحاني،‮ ‬ويتميز ريجي‮ ‬باشتغاله في‮ ‬الهامش وبعده عن الأضواء وبالعمق الفلسفي‮ ‬في‮ ‬أعماله،‮ ‬وتعد المقالة ـ كما‮ ‬يقول المترجم ـ ترجمة أمينة لبعض فقرات كتابه الأخير‮ (‬احتراق العالم‮) ‬الذي‮ ‬دون فيه ملاحظاته وعصارة تجربته في‮ ‬الاشتغال في‮ ‬المسرح لأزيد من خمسين سنة متواصلة‮.‬
وفي‮ ‬باب‮ "‬دراسات‮" ‬نقرأ عديداً‮ ‬من الدراسات المختلفة والمتنوعة لعدد من دارسي‮ ‬المسرح العربي،‮ ‬فقد ضم هذا الباب دراسات لكل من حافظ الجديدي‮ "‬المسرح التونسي‮ ‬وظاهرة الـ‮ (‬ون مان شو‮)‬،‮ ‬ومحمد أبو العلا‮ "‬الدراماتورجيا وسؤال الخانة الفارغة ـ قراءة في‮ ‬التجربة المسرحية المغربية‮"‬،‮ ‬ومحمد صابر عبيد‮ "‬مدخل سوسيوثقافي‮ ‬إلي‮ ‬مسرح سلطان القاسمي‮"‬،‮ ‬وعواد علي‮ "‬موقف مثقفي‮ ‬عصر النهضة العربية من المسرح‮"‬،‮ ‬وعلي‮ ‬محمد سعيد‮ "‬أية نهصة مسرحية‮ ‬يمكن أن‮ ‬يلهم بها‮ (‬المذهب المالكي‮)"‬،‮ ‬وعلي‮ ‬سفر‮ "‬الإمبراطورية‮.. ‬والثقافة ـ أثر ثقافة المستعمرات علي‮ ‬مسرح روما‮". ‬
أما حوار العدد والذي‮ ‬أجرته شوشا جوبي‮ ‬وترجمته بسمة محمود فكان مع الكاتب المسرحي‮ ‬العالمي‮ ‬المعاصر البريطاني‮ ‬مايكل فراين،‮ ‬وكانت جل الأسئلة تدور حول أعماله بحيث‮ ‬يتعرف القارئ العربي‮ ‬علي‮ ‬أفكار الكاتب من خلال الحديث عن تلك الأعمال‮.‬
وضم باب‮ "‬تجارب وشهادات‮" ‬ثلاث شهادات،‮ ‬حيث‮ ‬يقدم الكاتب المغربي‮ ‬عبد الكريم برشيد شهادته عن الأسئلة التي‮ ‬وردت في‮ ‬رد الناقد خالد أمين في‮ ‬حواره مع الناقد المسرحي‮ ‬مارفن كارلسون،‮ ‬وكان قد سجل ملاحظاته النقدية في‮ ‬العدد السابق من المجلة،‮ ‬ويستكمل مقالته في‮ ‬هذا العدد،‮ ‬بمناقشة أهمية تلك الأسئلة من عدمها،‮ ‬حيث‮ ‬يري‮ ‬أنها بلا معني‮ ‬وتفتقر إلي‮ ‬قيمة المسألة النقدية الأم‮. ‬أما ثاني‮ ‬الشهادات فكانت للكاتب والشاعر محمود الحلواني‮ ‬حول تجربة الكاتب المسرحي‮ ‬المصري‮ ‬إبراهيم الحسيني،‮ ‬وجاءت بعنوان‮ "‬النص المسرحي‮: ‬بين الكتابة والعرض‮"‬،‮ ‬يقرأ فيها بعض نصوص الحسيني‮ ‬من زاوية‮ "‬نستطيع أن نكتشف فيها ذوبان المسافة بين المؤلف والمخرج المسرحي،‮ ‬وكأنها مكتوبة خصيصاً‮ ‬للعرض علي‮ ‬المسرح وبشروطه الحديثة‮" ‬وفي‮ ‬إطار تلك الرؤية‮ ‬يلحظ الحلواني‮ ‬اهتمام الحسيني‮ ‬بالعلامة البصرية واعتماده عليها لتوليد المعاني،‮ " ‬فهو لا‮ ‬يكتفي‮ ‬بكتابة جمل الحوار فحسب بل إنه‮ ‬يذهب إلي‮ ‬تدبيج الصور التعبيرية المختلفة من خلال رسم المشاهد،‮ ‬كما‮ ‬يسرف في‮ ‬استخدام الإشارات المسرحية‮ (‬النص الموازي‮) ‬إلي‮ ‬الحد الذي‮ ‬يجعلنا نشعر برغبته في‮ ‬أن‮ ‬يحتل وظيفة المخرج أيضاً‮".. ‬علي‮ ‬هذا النهج‮ ‬يسير تحليل الحلواني‮ ‬للنصوص مؤكداً‮ ‬خطورة انحياز النص المسرحي‮ ‬إلي‮ ‬تقنيات العرض في‮ ‬غفلة من الاهتمام بدرامية النص‮. ‬والشهادة الثالثة كانت للكاتب رشيد بناني‮ ‬عن الفنان أحمد الطيب العلج،‮ ‬بعنوان‮ "‬أحمد الطيب العلج‮.. ‬موليير المغربي‮" ‬والتي‮ ‬يستعرض فيها أهم أعماله وقطف من سيرته الذاتية‮. ‬
أما باب المتابعات فقد أثري‮ ‬العدد ثراء عظيماً‮ ‬بتنوعه في‮ ‬المادة ما بين عروض وندوات وتكريمات،‮ ‬وتغطية مهرجانات،‮ ‬كما أولي‮ ‬الاهتمام بالمسارح العربية كالجزائري‮ ‬والسوداني‮ ‬واللبناني‮.. ‬الخ‮. ‬
وأخيراً،‮ ‬يبقي‮ ‬لمجلة‮ "‬المسرح‮" ‬زاوية نظر إلي‮ ‬المسرح المصري،‮ ‬علي‮ ‬الرغم من الظرف التاريخي‮ ‬الذي‮ ‬يمر به المصريون منذ ثورة‮ ‬25 ‮ ‬يناير،‮ ‬مازالت قاصرة عن متابعته‮.‬

عادل العدوي

الصفحة 2 من 7
You are here