اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية
مسرحنا

مسرحنا

رابط الموقع:

غلبت اقطع تذاكر‮ ‬
وشبعت‮ ‬يارب‮ ‬غربة‮ ‬
بين الشطوط والبواخر‮ ‬
ومن بلادنا لأوروبا‮ ‬
وقلت علي‮ ‬الشام أسافر‮ ‬
إياك ألاقيلي‮ ‬تربة‮ ‬
فيها أجاور معاوية‮ ‬
وأصبح حماية أمية
هكذا‮ ‬يلخص بيرم نفسه أزمة حياته واغترابه الدائم والمتواصل‮ ‬
فالحديث عن بيرم التونسي‮ ‬يفتح الباب أمام آفاق لا حدود لها،‮ ‬تتسع باتساع صاحبها وتنوعه وتفرده أيضا‮ .‬
فكل لمحة من حياة أو فن بيرم التونسي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يؤلف عنها العديد من الكتب والدراسات،‮ ‬وكان من الطبيعي‮ ‬بل من الواجب أن‮ ‬يتواكب افتتاح مسرح بيرم التونسي‮ ‬وأول إنتاج لفرقة الإسكندرية المسرحية بعرض‮ ‬يحمل اسم بيرم،‮ ‬والحقيقة أن العرض بغض النظر عن حكمنا النهائي‮ ‬عليه إلا أنه أيضا‮ ‬يفتح العديد من الآفاق للرؤية والتحليل‮. ‬
ونبدأ من اختيار الاسم‮ ( ‬بيرم‮ .. ‬بيرم‮ ) ‬فهو نداء واستدعاء للشخصية وإعادة بعث وإحياء لروحها،‮ ‬وهو في‮ ‬نفس الوقت تأكيد علي‮ ‬الشخصية وإصرار علي‮ ‬أهميتها وهو أيضا دفاع قوي‮ ‬لكل ما تعرض له الرجل من ظلم‮ ‬،‮ ‬وينطلق المخرج‮ (‬محمد مرسي‮) ‬من الخطوط الأساسية التي‮ ‬رسمها له المؤلف‮ (‬محمود الطوخي‮ ) ‬لينسجا معا عرضا توثيقيا جادا،‮ ‬يبدأ من المسرح وينتهي‮ ‬إليه،‮ ‬عرض مكشوف اللعبة المسرحية،‮ ‬ذو طابع‮ ‬غنائي‮ ‬استعراضي،‮ ‬وإن كان العرض‮ ‬يليق تماما بما صمم من أجله‮ ( ‬ليلة افتتاحية‮ ) ‬إلا أننا حين نتناوله الآن فاننا نعرض له كإنتاج لفرقة الإسكندرية بحكم عرضه لمدة حوالي‮ ‬شهر بالإسكندرية ثم القاهرة‮ ‬،‮ ‬هنا‮ ‬ينقص العرض الكثير ليكون رؤية فنية لعرض مسرحي‮ ‬متكامل‮ ‬يعرض لقيمة بيرم التونسي‮ .‬
فقيمة الاغتراب في‮ ‬شخصية بيرم هي‮ ‬التيمة الأساسية التي‮ ‬يسير خلفها العرض حيث‮ ‬يبدأ استعراض حياة بيرم بعد مقدمته المسرحية سريعة الإيقاع بتأسيس مفهوم الغربة والنفي‮ ‬في‮ ‬حياة بيرم
و الثانية اهـ‮ .. ‬و الثالثة آهـ‮.. ‬الأوله آهـ‮ ‬
الأوله‮ : ‬مصر‮ .. ‬قالوا تونسي‮ ‬و نــــــفوني
والتانية تونس‮ .. ‬و فيها الأهل جحدوني
والثالثة‮ : ‬باريس‮ .. ‬و في‮ ‬باريس جهلوني
‮❊❊❊‬
الأوله‮ : ‬مصر‮ .. ‬قالوا تونسي‮ ‬و نفوني‮ ‬جزاة الــــخير
والثانية‮ : ‬تونس‮ .. ‬و فيها الأهل جحدوني‮ ‬و حتي‮ ‬الغير
والثالثة‮ : ‬باريس‮ .. ‬و في‮ ‬باريس جهلوني‮ ‬وانا موليير
‮❊❊❊‬
الأوله‮ : ‬مصر‮ .. ‬قالوا تونسي‮ ‬و نفوني‮ ‬جزاة الخير وإحـــــساني
و الثانية‮ : ‬تونس‮ .. ‬و فيها الأهل جحدوني‮ ‬و حتي‮ ‬الغير ما صافاني
و الثالثة‮ : ‬باريس‮ .. ‬و في‮ ‬باريس جهلوني‮ ‬وانا موليير في‮ ‬زماني
وعلي‮ ‬الرغم من ذلك فالعرض لا‮ ‬يتناول الشخصية إلا في‮ ‬أبعادها السطحية المباشرة ويكاد‮ ‬يتجاهل أزمتها الرئيسية‮ ( ‬الوطن والمنفي‮ ) ‬علي‮ ‬الرغم من أن معظم الأحداث تتناول ذاك الموضوع‮ ‬،‮ ‬لكنه‮ ‬يكتفي‮ ‬بالحلول السطحية السهلة كأن‮ ‬يصور لنا الشخصية علي‮ ‬أنها مجرد ضحية اضطهاد للمحتل دون تعمق في‮ ‬معاناة الشخصية ذاتها‮ ‬،‮ ‬ومما عمق هذا الشعور تقسيم الشخصية علي‮ ‬عدد من الممثلين دونما سبب أو ترتيب منطقي‮ ‬يحكم هذا التقسيم وهو علي‮ ‬الرغم من انه وبسبب براعة المخرج في‮ ‬الانتقال من ممثل لآخر لم‮ ‬يؤد إلي‮ ‬تشتيت المتفرج إلا أنه أدي‮ ‬لما هو أفظع من ذلك وهو اغتراب المتفرج عن الشخصية
خاصة وبيرم شاعر‮ ‬يدرك معني‮ ‬الأزمة ولقد عبر عنها في‮ ‬حياته وأشعاره بوضوح
من قبل ما اكتب أنا عارف القول ضايع‮ ‬
و الأجر بالتأكيد ذاهب حسب الشايع‮ ‬
و الشتم حايجيني‮ ‬مسوجر من واد صايع‮ ‬
مهما انكويت بالنار و الزيت برضك فنان‮ ‬
يا مصري‮ ‬و انت اللي‮ ‬هاممني‮ ‬من دون الكل‮ ‬
هزيل و‮ ‬يحسبك الجاهل عيان بالسل‮ ‬
من دي‮ ‬الكيوف اللي‮ ‬تصبر علي‮ ‬كتر الذل‮ ‬
و نمت و العالم فايق قوم بص و طل‮ ‬
و شوف الشعوب و اتغص و دوب و ارجع إنسان‮ ‬
لكن العرض‮ ‬يتركنا في‮ ‬حالة من الغربة لا نستطيع النفاذ إلي‮ ‬بيرم
لم‮ ‬يكسر حدة هذا الاغتراب سوي‮ ‬حميمية التناول الموسيقي‮ ‬ل‮ ( ‬حمدي‮ ‬رءوف‮ ) ‬الذي‮ ‬اسهم فهمه وإحساسه بمشاعر ومواقف بيرم في‮ ‬صياغة تلك الرؤية إلا أنه وبسبب المخرج أيضا لم‮ ‬ينجح في‮ ‬توظيف معظم الألحان في‮ ‬خدمة الشخصية‮ ‬،‮ ‬ففي‮ ‬أفضل الأحوال جاءت الألحان محايدة دراميا في‮ ‬قالب مسرحي‮ ‬لا‮ ‬يلتزم أو‮ ‬يتلمس منهجا بعينه وأكبر دليل علي‮ ‬ذلك‮ ( ‬استعراض المجلس البلدي‮ )‬
فبينما تسير ألحان العرض في‮ ‬اتجاه‮ ‬يدخل هذا اللحن بمفاجئة إيقاعية حيث‮ ‬يستلهم أداء وإيقاع طقس الزار ويحققه المخرج وكل من مصمم الاستعراضات ومصمم الإضاءة من خلال الصورة البصرية‮ .. ‬دون مبرر واضح لذلك الاستخدام رغم جمال المشهد المسرحي‮ ‬في‮ ‬حد ذاته‮ ‬،‮ ‬ولكن تلك هي‮ ‬أزمة هذا العرض الحقيقية وهي‮ ‬عدم القدرة علي‮ ‬صياغة سياق عام‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يحمل ما بشخصية بيرم التونسي‮ ‬من عمق وثراء‮.‬
أما بالنسبة للصياغة البصرية للعرض فلقد تناقض المشهد شبه الواقعي‮ ‬للحارة السكندرية ومشاهد تجسيد السفينة والمقهي‮ ‬مع تصور الملابس المجردة للفرقة المسرحية التي‮ ‬تقدم العرض‮ .‬
وجاءت الاستعراضات هي‮ ‬الأخري‮ ‬باهتة كمجرد ترجمة حرفية لما تقوله كلمات الأغاني،‮ ‬لا أود أن أكون قاسيا في‮ ‬تناول تجربة متميزة كهذا العرض‮ ‬يكمن تميزها في‮ ‬إيقاعها المتدفق السريع دون ملل‮ ‬،‮ ‬لكن‮ ‬يأتي‮ ‬النقد دائما قدر قامة المبدع الذي‮ ‬صنع العمل و الظرف الذي‮ ‬يقدم فيه والشخصية التي‮ ‬تناولها
فالعرض كما‮ ‬يفتح لنا أبواب الحنين من الماضي‮ ‬لشخصية بيرم التونسي‮ ‬إنما‮ ‬يثير قلقا واضحا في‮ ‬منهج ومستقبل فرقة الإسكندرية المسرحية‮ ‬،‮ ‬وكما‮ ‬يبعث بعث بيرم من خلال تلك المجموعة الرائعة المتناغمة من فريق التمثيل المدرب جيدا والمنضبط‮ ‬،‮ ‬فإنه‮ ‬يدمي‮ ‬القلب ألا‮ ‬يكون العرض قدر الحدث والشخصية التي‮ ‬يقدمها‮.   ‬

 

أحمد شوقي‮ ‬رءوف

إقرأ المزيد...

 

‮ ‬
حىن قدمت مسرحىة‮ "‬كىف تركت السىف‮" ‬للكاتب السورى الراحل ممدوح عدوان وإخراج فىصل الىاسرى فى دمشق لأول مرة عام‮ ‬74 تم منعها من العرض عقب أربعة أىام فقط وذلك بعد تهدىد المتطرفىن بحرق المسرح،‮ ‬لأنها كانت تتعرض للعلاقة الشائكة ما بىن أبى ذر الغفارى الصحابى الجلىل وعثمان ابن عفان ثالث الخلفاء الراشدىن والملقب بذى النورىن،‮ ‬وكان النص ىقوم على فرضىة أن أبا ذر جاء إلى زماننا وأن أحد المذىعىن ىقوم بعمل لقاء تلىفزىونى معه،‮ ‬ومن هنا تقع المقارنة والصدام التارىخى ما بىن واقع سابق وواقع حالى وما بىنهما من تشابهات وتكرار أزمات‮.‬
أما فى معالجة الكاتب محمد حسىن للنص فإنه ىجعل أبا ذر ىأتى إلى زماننا كى ىصطحبه شباب إحدى الفرق المسرحىة إلى مىدان التحرىر كى ىنصح الثوار كىف ىستكملون ثورتهم وىقارن عبر الحكى والاسترجاع ما بىن زمان ثورته على بطانة عثمان الفاسدة وبىن ثورتنا على المخلوع ونظامه‮.‬
فكرة المعالجة جىدة وحسنة النىة ولكنها للأسف لم تفلح فى الخروج بأفق جدىد من النص الذى صار أحد كلاسىكىات المسرح العربى‮.‬
أولى مشكلات المعالجة أن العرض ىتخبط كثىرا فى البداىة خاصة فى الفصل الأول بداىة من ظهور أعضاء الفرقة الشباب بشكل هزلى ثم استقبالهم لظهور أبى ذر بشكل أكثر هزلىة ثم التفكىر فى اصطحابه للمىدان،‮ ‬كل هذا ىستغرق وقتا طوىلا من زمن العرض وىلتهم مع الكلىبات الغنائىة التى تم صىاغتها بصرىا من واقع مقاطع الىوتىوب وعرضها بنظام‮ "‬الباك بروجكشن‮" ‬ىلتهم وقت مهم من زمن الفصل الأول وىضعنا أمام صىغ‮ ‬خطابىة وفقرات حوارىة مطولة ما بىن أبى ذر ومجموعة الشباب بشكل ىشل تماما أى فعل مسرحى وىتحول إلى ما ىشبه التوك شو ثنائى الأصوات(صوت الشباب وصوت أبى ذر‮) ‬وهو ما معناه أن الكاتب لم ىفلح فى التخلص من نفس صىغة العمل الأولى وهى اللقاء التلىفزىونى مع أبى ذر وهى إن كانت فكرة مبتكرة فى السبعىنىات فلم تعد هكذا بعد أكثر من ثلاثىن عاما من التطور الإعلامى والمسرحى‮.‬
لا شرعىة المىدان
عندما ىصطحب شباب الفرقة أبا ذر إلى التحرىر نفاجأ أن الكاتب والمخرج قاما بتمىىع الزمن فلم نعد ندرى هل نحن قبل خلع مبارك أم بعده،‮ ‬اللافتات والهتافات مختلطة ومشوشة،‮ ‬والكثىر من مواقف المىدان مفتعلة ونمطىة ومكررة لدرجة محفوظة،‮ ‬لم ىتلزم الكاتب بالشعارات العامة للثورة(عىش حرىة عداىة اجتماعىة‮) ‬فى الفصل الأول لأسباغ‮ ‬حالة امتداد الثورة فىما بعد خلع مبارك واستمرار نظام الدولة العمىقة ولكنه قدم مع المخرج نفس الصورة النمطىة للثوار والمىدان التى استهلكت طوال عامىن منذ قىام الثورة حتى الآن فى كل العروض التى استلهمت الثورة أو تعرضت لها(ثورة ثورة حتى النصر وارحل عننا‮) ‬وكلها شعارات منتهىة وغىر صالحة للمرحلة الحالىة‮.‬
‮ ‬هذا التخبط فى الفصل الأول والنمطىة والتكرار ىفقدان"المىدان"شرعىة وجوده"الدرامىة"داخل النص فىبدو كأنه دخىل أو مقحم على ما ىروىه أبو ذر وىسترجعه،‮ ‬ثم تذداد المشكلة عندما نتبىن أن الكاتب أغفل زاوىة مهمة جدا فى معالجته ومر علىها مرور الكرام رغم مطابقتها لواقعنا الراهن وهى فكرة تولى حاكم متدىن الحكم وفشله السىاسى فى تسىىر أمور الدولة، وهى أكثر النقاط الحساسة واللامعة فى نص عدوان الأصلى،‮ ‬وتطابق تماما فكرة وجود الإخوان فى الحكم حالىا فالمعالجة التى تخبطت ما بىن الحدىث عن فساد رجال الأعمال وبطانة الحكام اختصرت الثورة والمىدان فى كونهما ثورة فقراء ضد أغنىاء ولىست ثورة شعب ضد نظام فاسد،‮ ‬وتركز العرض إخراجىا وحوارىا على المواقف التى ثار فىها أبو ذر على بطانة عثمان،‮ ‬وعلى عثمان نفسه نتىجة التفاوت المادى والطبقى الذى حدث فى أىامه،‮ ‬بىنما لم ىكن التفاوت الطبقى والفقر هما كل أسباب الثورة المصرىة ولا التونسىة أو الىمنىة‮  ‬والسورىة وهى الثورات التى جمعها المخرج فى أول أغنىات العرض من خلال كلىب طوىل وممجوج‮.‬
كما أن الحدىث عن الفقر والتفاوت الطبقى خاصة على لسان أبى ذر أدى إلى أدلجة القضىة خصوصا عندما رد علىه الشباب بأن موقفه هو أقرب للأفكار الاشتراكىة،‮ ‬وربما كانت تلك الزاوىة هى أحد تأثرات ممدوح عدوان صاحب النص الأصلى بالفكر الىسارى فى السبعىنىات لكن تلك النظرة المؤدلجة والحدىث عن الاشتراكىة لم تكن قطعا جزءاً‮ ‬من فكر الثوار فى المىدان،‮ ‬إن أدلجة شعار الثورة(عىش حرىة كرامة إنسانىة‮) ‬ىفقده الكثىر من مىزاته الثورىة والسىاسىة على حد سواء وهو ما قام به صناع العرض دون أن ىدروا متأثرىن بالفكر الىسارى فى النص‮.‬
الصحابى العلمانى‮ ‬
لو قدم هذا العرض بعد ثورة ىناىر بقلىل لتصورنا أنه ىنتقد واقع ما قبل الثورة وقتها أو ىتعرض له بالتحلىل على لسان أبى ذر فالحدىث عن بطانة الحاكم الفاسدة وزواج المال والسلطة كلها نبىذ قدىم لم ىفلح العرض فى صبه فى كئوس جدىدة، رغم احتواء النص كما قلنا على مادة فكرىة أخرى تطابق واقع2012 ‮ ‬فىما بعد الانتخابات الرئاسىة،‮ ‬فأبو ذر ىتصدى لفساد بطانة عثمان ولفشل عثمان السىاسى نفسه دون أن ىهمه أنه ىتصدى لأحد أهم صحابة رسول الله،‮ ‬والذى كانت بطانته تختبئ خلفه وتعلق فشله السىاسى على أنه ورع تقى،‮ ‬عابد زاهد،‮ ‬فأبو ذر ىفصل فى موقفه الثورى ما بىن الورع الدىنى والتقى وبىن الرؤىة السىاسىة السلىمة وإدارة الدولة،‮ ‬وعلىه فهو أول من اتخذ موقفا"علمانىا"سلىما ىفصل ما بىن الدىن والدولة على أسس سىاسىة وإدارىة،‮ ‬وىكشف كىف ىفسد من ىتلبسون عباءة الدىن سىاسة الدولة لنهب ثرواتها واستغلال نفوذهم،‮ ‬ومن هنا فإن أهم مشاهد العرض هى المشاهد المسرحىة التى نرى فىها لقاء أبى ذر مع معاوىة وعبد الله بن مسعود مع مروان بن الحكم،‮ ‬إنها المشاهد التى تتوقف فىها الخطب والطنطنات الأىدلوجىة على لسان شخصىة أبى ذر وىصبح هناك صراع وفعل ىقف على أرضىة فكرىة وىقدم شىئا ذا قىمة‮.‬
ولكن هذه المشاهد تتراجع للأسف على حساب الفقرات الخطابىة المطولة‮  ‬والأغنىات التى حشاها المخرج حشوا متصورا أن استعاضته اللوحات الغنائىة بالكلىبات الشهىرة للثورة ىمكن أن تعمق من رؤىة العمل‮ ‬غنائىا،‮ ‬ولكنها أطالت من زمنه دون مبرر كما أنها لم تقدم جدىدا لا على مستوى المعنى أو الصورة،‮ ‬فكلها مشاهد مكررة ومعادة ومحفوظة للجمىع ولىس فى مونتاجها أو عرضها خلف أبى ذر أى طرح جدىد لا درامىا ولا فكرىا،‮ ‬بل إن الكلىب الأخىر الذى ىقوم على القطع المتوازى بىن صورة الممثل حلمى فودة فى شخصىة أبى ذر وبىن صورة نسر كمحاكاة بصرىة لأغنىة الختام(نسر اسمه أبو ذر‮) ‬ىأتى فى منتهى السذاجة إخراجىا ومونتاجىا وىذكرنا بكلىبات التلىفزىون الدعائىة فى الثمانىنىات‮.‬
وتبقى ملاحظة أخىرة على ظهور شباب الفرقة الثلاث بهذا الشكل الهزلى خاصة كرىم مغاورى بنظارته الطبىة الضخمة وحمالاته الأربعىنىة وكذلك عبد العزىز ورحاب،‮ ‬فلماذا هذا الأداء الهزلى رغم أن العرض جاد وىحاول طرح قضاىا جادة،‮ ‬هل هذه صورة شباب المسرحىىن الذىن شاركوا فى الثورة ونزلوا للمىدان،‮ ‬أم هى محاولة للاستظراف والرىلىف دون أن ىكون ثمة ما ىحتاج لأى رىلىف من أى نوع،‮ ‬فهم ىهزلون وىحاولون إلقاء الإفيهات من بداىة العرض وقبل حتى أن تصعد الأفكار الجامدة إلى سطح الأحداث،‮ ‬إذ ما جاز أن نطلق على تلك الخطب المطولة إحداثا بالمعنى المسرحى أو الفنى‮.  ‬

إقرأ المزيد...

 

في‮ ‬البداية دعنا نسلم معرفيا بأن كل ممثلي‮ ‬المسرح هم نوعية من الممثلين‮ ‬يتحلون بالشجاعة فشجاعتهم تسير جنبا الي‮ ‬جنب مع إحساسهم العام بالزهو والغرور حتي‮ ‬يستطيع الممثل أن‮ ‬يتربع علي‮ ‬القلب أمام جمهوره الحي‮ .‬
داخل هذه الشجاعة الاحترافية والتي‮ ‬هي‮ ‬شرط أساسي‮ ‬لممارسة التمثيل علي‮ ‬خشبة المسرح هناك هؤلاء الذين ولدوا بلا خوف‮ . ‬هؤلاء هم بهلوانات المسرح الذين‮ ‬يسيرون علي‮ ‬الحبل‮ ‬،‮ ‬هم المؤديون الذين‮ ‬يجعلونك تحبس أنفاسك مرعوبا أو تزفرها ارتياحا وهدوءا‮ ‬،‮ ‬هكذا هم ممثلو المسرح الذين لديهم الكثير من الحيوية والمجد ربما‮ ‬يرجع له أعجابنا بهم علي‮ ‬الخشبة‮ .‬
يمكن محاولة اختبار علي‮ ‬مسرحية الخال‮ " ‬الخال فانيا‮ " ‬من إنتاج مسرح سيدني‮ ‬التي‮ ‬عرضت في‮ ‬نيويورك في‮ ‬إطار مهرجان‮ "‬مركز لينكولن الثقافي‮" ‬وكل من شاهد هذا العرض سوف‮ ‬يخرج منه رابحا عددا‮  ‬نفيسا من الرؤي‮ ‬ووجهات النظر‮ .‬
في‮ ‬هذا العرض الذي‮ ‬أخرجه‮ "‬تاماس اتشر‮" ‬قدم كل فرد من مجموعة العمل أداء فريدا ولكننا هنا‮  ‬سوف نركز علي‮ ‬الفنانة‮ "‬كيت بلانشت‮".‬
رشحت الفنانة كيت بلانشيت لهذا الدور لتكون وريثة الفنانة الكبيرة‮ "‬فانيسا ريد جريف‮"  ‬في‮ ‬مخاطرة ليست بالسهلة‮ ‬،‮ ‬فـ‮" ‬ريدر جريف‮" ‬نموذج‮  ‬خارق للطبيعة‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬مثال للنجم المسرحي‮ ‬البهلواني‮ ‬الذي‮ ‬يسير علي‮ ‬الحبل رغم أنها كان لديها تكنيكيا العديد من المعونات منها علي‮ ‬سبيل المثال لكنتها الأجنبية الواضحة ومع ذلك كان لدي‮ ‬ريد جريف وبشكل متصل مغامرات مسرحية شجاعة متحدية الخوف ومجتازة أرضا‮  ‬غير ممهدة‮ . ‬وهي‮ ‬الممثلة الأكثر تحققا‮.‬
نذكر‮  ‬أدائها الرائع في‮ ‬مسرحية تينسي‮ ‬وليامز‮ "‬هبوط أورفيوس‮" ‬فتلك السيدة العطشي‮ ‬للحب كانت‮  ‬في‮ ‬البداية‮ ‬غير محتملة بإيماءاتها التي‮ ‬تبدو كضربات منجل كبير ولكن ما هو إلا وقت قليل حتي‮ ‬تؤخذ تلك الإيماءات المشاغبة والمتهورة والتعبيرات‮ "‬النية‮" ‬الجمهور إلي‮ ‬مستويات جديدة من المتعة‮ ‬،‮ ‬فهي‮ ‬تبدأ في‮ ‬التجمع جنبا إلي‮ ‬جنب من تلقاء نفسها لتشكل من داخلها خريطة مزخرفة للألم والملل التي‮ ‬تشعر بها عروس مهجورة عاطفيا‮ . ‬وفي‮ ‬النهاية تضعنا حيث‮ ‬يبرع تينسي‮ ‬ويليامز ويتخصص حيث‮ ‬يعلم الحب ضحاياه باللياقة والدفاعات التي‮ ‬لا تنتهي‮ .‬
عندما ماتت بطلة تينسي‮ ‬وليامز من أجل الحب لم‮ ‬يكن ذلك بالوداع العذب أو الرشيق ولكنها‮  ‬ماتت بسقطة تدعو للضحك وكانت الصورة الذهنية لمسز ريد جريف وهي‮ ‬تسقط علي‮ ‬جانبها له صدي‮ ‬كبير محققا مغزي‮ ‬درامي‮ ‬لم‮ ‬يتحقق أبدا فيما عرف من مشاهد الموت علي‮ ‬خشبة المسرح أو السينما‮ .‬
أما‮ "‬كيت بلانشيت‮" ‬التي‮ ‬أدت دور‮ "‬يلينا‮" ‬المرأة المتزوجة التي‮ ‬لا تعرف الراحة ولا الهدوء علي‮ ‬خشبة مسرح سيدني‮ ‬وهي‮ ‬الشخصية الرئيسية في‮ ‬مسرحية تشيكوف‮ "‬الخال فانيا‮"  ‬فإنها لم تمت ولكنها أيضا سقطت سقطة‮ ‬غير اعتيادية إنها تترنح ترتعش تتلعثم وترتبك وتزل في‮ ‬مشهد الحب الكبير لقد أدت السقطة مثل لاعب أوليمبي‮ ‬ينهض من سقطة جواد مضطرب‮ .‬
لم‮ ‬يكن هناك أحد‮ ‬غير مسز بلانشيت‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقوم بما قامت به ولا حتي‮ ‬يمكن أن تقترب منها في‮ ‬الأداء‮ ‬،‮ ‬لقد أدت بلانشيت أداء رهيبا‮  ‬جسد قدرات‮ ‬غير اعتيادية للممثل‮. ‬
لقد استطاعت كيت أن تربط وعي‮ ‬يلينا بجمالها الذي‮ ‬تعلم جيدا‮  ‬مدي‮ ‬تأثيره بوضعيات جسدية وحركات إيمائية شديدة الخصوصية والفعالية‮ .‬
لكن‮ ‬يلينا هي‮ ‬بشر بكل ما تعنيه هذه الكلمة في‮ ‬عالم تشيكوف من نعمة إلهية‮ ‬،‮ ‬وفضل حتي‮ ‬طريقة المشي‮ ‬والتوازن مما‮ ‬يعزو‮  ‬للإنسان صفاته المميزة لكل لحظة من لحظات حياته‮ ‬،‮ ‬أن تصبح إحدي‮ ‬شخصيات تشيكوف‮ ‬يعني‮ ‬أن تخسر خطواتك المنتظمة الإيقاع وأن تسقط بذلك الصوت المكتوم باعتيادية‮  ‬وكرامة أكثر بكثير مما‮ ‬يمكن لأحد أن‮ ‬يتجرأ أو‮ ‬يتخيل أن هذه الكرامة ممكن أن تصاحب تلك السقطة‮ .‬
هناك الكثير من الممثلات اللاتي‮ ‬أدين دور‮ ‬يلينا منهن جولي‮ ‬كريستي‮ ‬،‮ ‬جانيت ماك تير‮ ‬،‮ ‬جوليان مور ولوراليني‮ ‬إلا أن‮  ‬بلانشيت هي‮ ‬الوحيدة التي‮ ‬جعلت الجمهور‮ ‬يشعر بكل هذا التقدير تجاه هذه الشخصية بما تحمله من عناصر تمزيقية محفزة شديدة الاهتياج‮ ‬يخلقها مجرد وجودها‮ .‬
أدت بلانشيت بتلك الطريقة الكلاسيكية القاتلة علي‮ ‬ذلك وجدت الممثلة عمقا جديدا للشفقة والسخرية عند‮ ‬يلينا ناتج عن انفصال الصلة بين الصورة الملائكية المتخيلة والواقع الإنساني‮ ‬الرث‮ .‬
المرأة الجميلة تنزلق علي‮ ‬قشرة موز ولديها دائما كوميديتها النابعة من داخلها بمنطق داخلي‮ ‬أعطي‮ ‬بعدا جديدا ليلينا‮ .‬
فالكوميديا إلي‮ ‬جانب التراجيديا تتوازن محققة طموحا طالما تمني‮  ‬تشيكوف تحقيقه وطالب به كثيرا ولكنه نادرا ما وجده‮ ‬،‮ ‬عرف النقاد بلانشيت علي‮ ‬شاشات السينما وشبهوها بميريل ستريب كثيرا بسبب قدرتها العجيبة علي‮ ‬استبدال لكنتها الأصلية بلكنات بديلة كذلك في‮ ‬تلك الإيقاعات الصوتية في‮ ‬جملها ذات الرنين الخاص‮  "‬نتذكر ميريل في‮ ‬دور مرجريت تاتشر‮".‬
تتمتع بلانشيت ببريق وذكاء حاد علي‮ ‬الشاشة‮ ‬يبعدها عن ميريل ستريب وعن شخضيتها الحقيقية وكثيرا ما‮ ‬يواجهان خطر أن‮ ‬يفقدا السيطرة ويفقدا نفسيهما‮.‬
فلا تستطيع أن تحدد من أين تأتي‮ ‬تلك الطاقة البيضاء المتوهجة التي‮ ‬تقف خلف بلانشيت حتي‮ ‬تراها علي‮ ‬خشبة المسرح فتجد شخصيتها تضربك بقوة كانفجار مفتوح‮ .‬
لطالما سمعنا عن خوف بلانشيت وهشاشتها ولكن هنا علي‮ ‬خشبة المسرح تشعر بشجاعة لا مثيل لها وحزم وامتلاء فني‮ ‬يجعلك تشعر بالراحة وكأنك في‮ ‬يوم عيد لقد انضمت بلانشيت بخبرتها المتنوعة إلي‮ ‬نوع من نوادي‮ ‬الصفوة والريادة للمثلات المسرحية علي‮ ‬رأسهن فانيسا ريد جريف‮ .‬
لقد أعلنها المسرح مجلجلة المجد هنا علي‮ ‬خشباتي‮ ‬وليس علي‮ ‬الشاشة‮ .‬

 

ولاء فتحي

إقرأ المزيد...

 

 
هزمت كل العوائق والعقبات..واجتازت حواجز لا ذنب لها فيها حيث فتحت عينيها على سقوط بلادها .. وانهيار تام لكل القامات الأدبية والفنية وهروب كبير للمبدعين الذي لم يثنها عن طريق الثقافة والفن من أجل المجتمع الذي وضعته نصب عينيها ورفضها للطريق الذي حاول أن يرسمه لها الآخرون حتى والديها..وصنعت لنفسها طريقا واصلت فيه إلى آخره حتى الرمق الأخير وتركت وصاياها مثلما تسلمت تعاليم ووصايا السابقين في تتابع خلاق.
في ليلة عاصفة من ليالي الصيف الممطرة بمدينة سوليجن شمال نهر الراين .. التابعة لمقاطعة أو محافظة دسيلدورف بالغرب الألماني .. وضعت انيتا أول بناتها وأخرهن وثالث وآخر طفل لها ولزوجها أوجست .. ورغم أمنية والدتها أن يهبهم الله ذكراً ثالثاً .. ولكن زوجها سعد كثيرا بابنته وجعل جميع وجبات مطعمهم في هذا اليوم مجانية .. بل وخصم نصف أجر الغرف التي كانوا يؤجرونها في خلفية هذا المطعم على الرغم من صعوبة الفترة التي كانت تمر بها أوروبا في ظل معارك النازي مع الدول الأوروبية المختلفة.
وازدادت الأمور تأزما وأخذ دخل مطعم أوجست يقل تدريجيا ولكنه تمسك بحلم أن يجعل من ابنته التي أصر على التحدي بها وأنها لا تقل عن الذكور .. سياسية مرموقة .. ولهذا حرص على تثقيفها سياسيا وتاريخيا من ناحية ..وتشجيعها على الاحتكاك بالناس والاهتمام والإحساس بهم .. إيمانا منه بأن الحكم الألماني السائد في وقتها تحت قيادة هتلر سيسقط لا محالة .. وأن المستقبل لمن يدرك مشاكل الناس وأوجاعهم .. ويعمل جاهدا على خدمتهم.
أما والدتها كانت تخشى على ابنتها من مواجهة الناس في ظل حالة الاستنفار وخاصة في سنوات عمرها الأولى .. حيث كان والدها يتجول بها في شوارع المدينة .. لتجلس مع هذا وذاك وهي لم تكمل الخامسة من عمرها .. وكانت وصية والدتها الدائمة أن تحرص جيدا وتنتبه حتى تدرك أصحاب النوايا الحسنة من السيئة وألا تجعل أي من قلبها وعقلها يستأثر بقرارها .. ولكن عليها أن تحاول الوقوف على مسافة واحدة منهما وأن تستعطفهما حتى يتعاونا معا من أجلها.
ودخلت عمتها وخالها من جانبهما محاولان صنع حلم لها ما بين طبيبة وفنانة تشكيلية .. وما بين جذب من هنا ومن هناك .. جمعت فلبينة ابنة أوجست أفضل الأشياء من كل ما قدمه لها الأب والأم والأقارب .. ولاسم فلبينة الذي أطلقه عليها والدها قصة أخرى .. حيث قامت السيدة القادمة من الفلبين والتي تسكن بجوار منزلهما منذ جاءت صبية مهاجرة من بلادها بتوليد زوجته .. ولصعوبة اسمها كان يناديها بفلبينة .. ولسعادته بالمجهود الذي بذلته لثماني ساعات من أجل ابنته أطلق عليها هذا الاسم.
لم يكن اسمها فقط هو ما أخذته من هذه السيدة .. ولكنها كانت تحبذ الجلوس إليها والسماع إلى الموسيقى الآسيوية والألمانية معها .. والتي اعتادت أن تشرح لها إحساس كل جزئية مما تسمع ومعناها .. كما أخذت عنها حب الرقص وتعلمت العديد من فوائده وما يمكن أن يؤديه من وظائف في حياة البشر .. حتى أصبح شيئاً مقدساً في حياتها .. فأصبحت صاحبة أذن حساسة وجسد لين مرن يتحرك تبعا لإحساسه.
بعد إصرار وإلحاح منها .. التحقت بمدرسة الفلكلور بمدينة إسين التي تبعد 125 كيلومتراً عن محل سكنها وتحملت مشقة الذهاب والعودة بحب شديد بعد أن رفض والدها إقامتها بعيدا عنهم .. وكانت وقتها في الرابعة عشر من عمرها .. وكان تمسكها بهذه المدرسة التي سألت عنها وعرفت أن بها رواداً فضلوا البقاء ببلادهم عن الهروب بعيدا ومازال يحبوهم الأمل في تغيير الأمور.
استفادت فلبينة كثيرا من الوقت الطويل الذي كانت تقضيه في مطعم والدها والغرف الفندقية الملازمة له .. وكانت فرصة لمراقبة الناس والاستماع لأحاديثهم والتعرف على مشاكلهم وكذا على أحلامهم وأمانيهم وكل ما يسعون لتحقيقه في المستقبل القريب والبعيد .. وكان صدى هذا لديها كبيرا .. فانتقل لها خلال فترات احتدام الحرب الإحساس بالخوف والذعر مما سبب لها بعض النوبات العصبية أثناء نومها.
وهناك بدأت رحلة التواصل .. والجيل الذي يكمل عمل من سبقه بل ويبدع فيه ..وكان لقاؤها الأول والأهم مع "كورت روس " راقص الباليه الشهير ومصمم الرقصات الذي تمسك ببلاده ولم يهرب منها .. والذي حرص على أن يعطيها بإخلاص..وأمام اهتمامها الشديد خصص لها وقتا لتدريبها على كل خطوة وحركة..وخلال علاقتها به..اقتربت من حلمه الذي تمثل في "التانزثياتر".
استصعب الأستاذ روس اسمها فاختصره إلى بينا وأصبحت " بينا باوش " (1940 – 2009 ) .. التي حضرت محاولاته الجادة للتوفيق بين الرقص الكلاسيكي وتقنيات الرقص الحر الحديث المتطورة والمتجددة باستمرار .. وأكثر ما يميز هذه المدرسة أنها تجمع بين تعليم مختلف أنواع الفنون من أوبرا وموسيقى ودراما ورسم ونحت وحتى التصوير الفوتوغرافي والتصميم وتأثير كل منهم على الآخر.
أما حلم روس " التانزثياتر " هو نوعية من الرقص التعبيري ظهرت في فيينا في عشرينيات القرن الماضي .. طورها روس بداية من عام 1927 لتصبح شكلاً من أشكال المسرح التعبيري من خلال الرقص .. فيمكن تجسيد الأحداث من خلال موسيقى وحركات راقصة وهو يختلف عن الباليه كونه حرا لا يخضع لقواعده الصارمة .. وشارك روس في سعيه مصممين آخرين مثل " رودلف فان لابان " الذي اهتمت بينا بسيرة حياته وبحثت فيها .. وكذلك " ماري ورجمان " التي تواصلت معها بينا في سنواتها الأخيرة.
نالت باوش منحة خاصة من مدرسة جوليارد نيويورك 1958 .. ولم تدرس بقدر ما كانت تقدم من أفكارها وخطواتها المبتكرة .. وبعد عامين عادت مجددا لألمانيا وكونت عدداً من مجموعات الرقص التعبيري .. بل وحولت مسرح " فوبرتال " الذي تولت قيادته إلى مسارح " التانزثياتر " .. وبداية من عام 1971 أخذت هذه النوعية تحوز على اهتمام الجماهير الألمانية .. وعام بعد عام أصبح نوعية رئيسية في خريطة المسرح الأوروبي لرائدته ورائدة المسرح الراقص " بينا باوش ".
ساهمت بما وصلت إليه باوش في اهتمامها بمشاكل المجتمع ونقل معاناته إلى الخشبة .. والتواصل عبر الموسيقى والرقص مع الجماهير بالإضافة إلى إجادتها في تصميم القطع الشطرنجية المتتابعة بطريقة سلسة عشقها الجمهور .. واستمر بحثها في ثلاثة اتجاهات مشاركة الناس، الموسيقات المختلفة عبر الكرة الأرضية، تصميم الرقصات التي يمكنها أن تتجانس مع الموسيقى وتؤثر في المتفرجين وتعبر عن أحاسيسهم ومشاعرهم.
دعتها الولايات المتحدة لإعادة هيكلة الرقص التعبيري لديهم لفترة .. ونجحت في إحداث ثورة مازال الأمريكان يسيرون من خلالها حتى الآن.. ويطورون من أدواتهم .. وخاصة تجاربها التي جعلت خلالها كلا الجنسين يلعبان أدواراً بخلاف جنسهم .. كما أضافت لمحات ضاحكة تزيد من عوامل الجذب ويزيد معها رسوخ التعبير المسرحي الراقص في أذهان المتفرجين.
قامت باوش في ألمانيا بعدة تجارب بعدما نجحت في جذب كتاب كبار أمثال "بريخت ورينهارت " لهذه النوعية .. فقدمت روائعهم بموسيقى راقصة تعبيرية .. ركزت تماما في هذا الجانب حتى كانت تجربتها الأهم والأشهر عندما قدمت " ماكبث " لشكسبير عام 1978 بمعاونة مسرح " كاديك " بمدينة بوخوم .. وسجلت عبارتها الشهيرة أسفل عنوانها " حلم كورت روس " إهداء لمعلمها وقدوتها والذي كان طريح الفراش يعاني من المرض وذلك قبل وفاته بأقل من عام.
سعى العديد من البلدان عبر فنانيها ومسارحها إلى تطوير أدواتها وتأسيس تانزثياتر لديها .. منها " ياديدو "، " باليرمو باليرمو " بإيطاليا، " النافذة " بهونج كونج، " فوجو " بلشبونة، " وينسلاند " بوادبست، " أجوا " بالبرازيل، " نفيس " باسطنبول، " تيشي " بطوكيو، " قطع الماس " بسيول، " الخيزران الأزرق " بالهند وآخرها " الجديد " بشيلي عام 2009.
في الجديد بشيلي دعت الجماهير لمشاركة الراقصين بشكل منتظم لإضافة بعد آخر إلى جانب الارتجال الراقص والذي زاد معه صعوبة ما يواجه المؤدين وحرفيتهم للتعبير بوضوح عن الأحاسيس والمشاعر ..وهو الغرض الأساسي من هذه العروض .. فالهدف قلبي قبل أن يكون عقلياً أو فكرياً باعتبار أن إحساس القلب سيؤدي حتما لإثارة الفكر وإعمال العقل.
ظلت بينا تقدم قطعها طوال سنوات بصفة متواصلة ومن أهمها " إنسان " عام 1986، " دوزين " 1995 وحتى آخر ما قدمت عام 2009 .. وقبل وفاتها بعدة أيام .. ويحمل اسم " حلم لا يموت " والذي أعيد تقديمه في أكثر من 40 دولة هذا العام احتفالا بذكرى الرائدة الألمانية " بينا باوش " الذي .. تجسدت حياتها وتجاربها لتكن نموذجاً للإصرار والكشف عن سر التركيبة الألمانية والنهوض القوي بعد كل سقوط خلال تاريخ الجيرمان الطويل.
جمال المراغي

إقرأ المزيد...

 

لم توقفه الكثير من نصائح ووصايا تشايكوفسكي‮ ‬رغم أهميتها‮ .. ‬مثل الترابط بين العناصر‮ .. ‬والسعي‮ ‬نحو بناء مسرحي‮ ‬قوي‮ ‬والميل إلي‮ ‬البساطة والابتعاد عن التعقيد‮ .. ‬ولكنه تأمل في‮ ‬مجمل كتاباته وأحاديثه‮ .. ‬وأحصي‮ ‬عدد المرات التي‮ ‬تحدث فيها بخطاب الأنا‮ .. ‬ووجد كيف كرر في‮ ‬كل مرة كلمتي‮ " ‬نحن‮ " ‬و‮" ‬نا‮ " ‬الجماعة‮ .. ‬ووجد الصحفي‮ ‬الإنجليزي‮ " ‬آلان روان‮ " ‬أنه أمر بات ضروريا وملحا إحياء هذا الفكر القديم وبعثه كفكر جديد‮.‬
وانتبه روان إلي‮ ‬أن الجماعية لا‮ ‬يقصد بها ما‮ ‬يقوم به كل عنصر من عناصر العملية المسرحية لتكن محصلته في‮ ‬النهاية العرض الذي‮ ‬يشاهده الجمهور‮ .. ‬ولكن بلاغية تشايكوفسكي‮ ‬بنحن دللت علي‮ ‬أن الجماعية فكر‮ .. ‬ولفت بهذا الأنظار إلي‮ ‬المحاضرات والرسائل القديمة التي‮ ‬باتت حبيسة الأدراج والتي‮ ‬كانت تناقش بعمق الفكر الجمعي‮ ‬بشكل عام وفيما‮ ‬يخص الفنون والمسرح بشكل خاص‮ .. ‬كما التفتت إلي‮ ‬أن هذا الفكر المتجدد‮ ‬يتماشي‮ ‬مع جميع الاتجاهات في‮ ‬شتي‮ ‬مجالات الحياة‮.‬
كما لفت الأنظار في‮ ‬رسالته ضمن كتابات الفكر الجديد في‮ ‬المسرح المعاصر إلي‮ ‬مصطلح اعتدنا عليه في‮ ‬عالم السياسة‮ .. ‬ولكنه كان قديما مسرحيا‮ .. ‬ويعيد آلان إزاحة الغبار من عليه والبحث عن آلية لتوضيح كيف‮ ‬يمكن تطبيق اللامركزية في‮ ‬المسرح‮ .. ‬خاصة وأنها تناسب بنيته وتتماشي‮ ‬مع الطبيعة البشرية التي‮ ‬كثيرا ما أنجزت من خلاله منذ فجر التاريخ‮ .. ‬موضحا أهمية ذلك وقيمته في‮ ‬العمل الجماعي‮ .. ‬وأن الانفراد بالقرار‮ ‬يعني‮ ‬النجاح بنسبة‮ ‬100٪ وفي‮ ‬المقابل الفشل بنسبة‮ ‬100.٪
كما‮ ‬يمنح هذا الفكر أصحابه بدائل كثيرة ومثمرة‮ ‬يمكن أن تجد فيما بينها ما هو قابل للتطبيق اعتمادا علي‮ ‬فكر كل فرد من مجموعة العمل المختلفين في‮ ‬خلفيتهم المجتمعية والاجتماعية والفكرية بما‮ ‬يثري‮ ‬العملية المسرحية‮ .. ‬والحاجة الشديدة لبث هذا الفكر الآن في‮ ‬ظل سيطرة المنتج الواحد والممثل الواحد والمخرج الواحد‮ .. ‬بمعني‮ ‬أن هذه المسارح باتت كمحاور تدور حول فكر شخص واحد إذا كان هذا الفكر له وجود في‮ ‬الأساس‮.‬لم‮ ‬يكن روان وحيدا في‮ ‬هذا الاتجاه‮ .. ‬فها هي‮ ‬مؤسسة ألجشتاين المسرحية الألمانية تعد مشروعا خاصا بعنوان‮  " ‬المهد‮ " .. ‬للأفكار الجديدة‮ .. ‬وخصصت عنوانا إليكترونيا خاصا علي‮ ‬موقعها لتسجيل الأفكار ومن ثم حفظها‮ .. ‬والمشاركة مع أصحابها في‮ ‬تطبيقها إذا ما وجدت جهات ترغب في‮ ‬دعمها‮ .. ‬وقد اهتمت بفكر هذه الرسالة وقررت أن تشارك بالتعاون مع روان في‮ ‬تأسيس مشروع خاص وجولات لإلقاء محاضرات بمسارح أوروبا‮.. ‬وعقد ورش عملية تطبيقية لكيفية العمل الجماعي‮ ‬والتأسيس للامركزية المسرحية التي‮ ‬تمثل الضمانة لوجوده مستقبلا‮.

جمال المراغي‬

إقرأ المزيد...

 

صالت وجالت‮ .. ‬ومرقت‮ .. ‬باعت صورها العارية وهي‮ ‬في‮ ‬الخامسة عشر‮ .. ‬وسعت نحو التسلق فنيا بشتي‮ ‬الطرق‮ .. ‬وفعلت كل ما تستطيع من أجل الوصول بسرعة إلي‮ ‬أعلي‮ ‬السلم‮ .. ‬ومن بينها أداء الأدوار المبتذلة دون خجل والتي‮ ‬كان‮ ‬يهرب منها الممثلات فيما مضي‮ .. ‬ورغم نبذ النقاد لها ومهاجمتها باستمرار‮ .. ‬ولكنها أثبتت قدراتها كمغنية لتصبح مادونا رمز البوب التي‮ ‬لا مثيل لها‮ .. ‬وتثبت جدارتها كممثلة أيضا‮ .. ‬والذي‮ ‬توجت مشوارها فيه بالفيلم الشهير‮ " ‬إيفيتا‮ " ‬عن سيدة الأرجنتين الأولي‮ .. ‬وغني‮ ‬معها شعبها‮ " ‬لا تبكيني‮ ‬يا أرجنتينا‮ " .. ‬لتتجمل بعدها وتروي‮ ‬لجمهورها قصتها مع السيرك‮.‬
في‮ ‬محاولة جادة من نجمة البوب الشهيرة‮ " ‬مادونا‮ " ‬صاحبة الثلاثة والخمسين عاما للبقاء علي‮ ‬الساحة الغنائية والفنية من خلال استمرار نجاح عروضها الموسيقية الراقصة‮ " ‬حافة‮ " .. ‬دعت المصمم العالمي‮ " ‬أندرو إيدجار‮ " ‬لوضع تصميمات استعراضية جديدة تجذب بها الجماهير خلال عروض هذا الصيف‮ .. ‬كما طالبت من مجموعة العمل أن‮ ‬يقبلوا بذل مجهود كبير خلال الفترة القادمة من أجل تطوير أدائهم حتي‮ ‬يتمكنوا من المنافسة والحفاظ علي‮ ‬ما حققوه من نجاح‮.‬
وفي‮ ‬سبيل ذلك أيضا صحبت مادونا خمسة عشر فردا ممن‮ ‬يشاركونها في‮ ‬عروضها ومعهم صديقها المدلل الصغير‮ " ‬براهيم زابات‮ " ‬البالغ‮ ‬من العمر‮ ‬24 عاما‮ .. ‬للذهاب إلي‮ ‬السيرك‮ .. ‬وأداء عرضهم لليلة واحدة هناك‮ .. ‬والاحتكاك بلاعبيه والاستفادة منهم‮ .. ‬في‮ ‬محاولة منها لجذب الأنظار إلي‮ ‬ما تبذله من مجهود‮ ‬يقدره الجمهور الأمريكي‮ ‬والإنجليزي‮ ‬علي‮ ‬حد سواء‮.‬
كما دعت مادونا جمهورها لمشاركتها في‮ ‬هذه الليلة‮ .. ‬وكانت سعادتها بالغة عندما حضر الآلاف إلي‮ ‬السيرك الوطني‮ ‬قرب الحديقة العامة بنيويورك لمشاركتها‮ .. ‬والاستمتاع بما ستقدمه‮ .. ‬حيث قدمت مجموعة من الرقصات الجديدة المستوحاة من عروض السيرك‮ .. ‬والحركات البهلوانية‮ .. ‬كما أدت عددا من هذه الحركات‮ .. ‬والتي‮ ‬يتسم بعضها بالخطورة‮.‬
وبأسلوب مشوق‮ .. ‬أخذت مادونا تروي‮ ‬لجمهورها في‮ ‬فترات ما بين الفقرات عن قصتها القديمة مع السيرك‮ .. ‬وأكدت أن جميع من تناولوا سيرتها‮ ‬يستهلونها وقتما كان عمرها‮ ‬15 عاما وكانت تبيع صورها‮ ‬غير المناسبة‮ .. ‬ولا‮ ‬يذكرون ما عانته في‮ ‬السنوات السابقة لهذه الفترة حيث عملت في‮ ‬عدد من المهن‮ ‬غير المناسبة أيضا‮ .. ‬ولكنها لن تنسي‮ ‬تلك الفترة الجميلة التي‮ ‬قضتها في‮ ‬السيرك وتعلمت من خلالها قيمة كل حركة فنية‮ ‬يقوم بها صاحبها سهلة كانت أو صعبة‮ .. ‬وأن لكل عمل قيمته عند صاحبه‮ .. ‬وعلي‮ ‬غيره تقدير ذلك‮.

جمال المراغي‬

إقرأ المزيد...

تقدم لنا أدبيات التنظير المسرحي‮ ‬خطين فكريين فيما‮ ‬يتعلق بالمكان المسرحي‮ ‬Theatrical Space‮. ‬وهذان الخطان مشتقان من التحليلات السيميوطيقية والظاهراتية للأداء المسرحي،‮ ‬ويتحفز كلا المنهجين جزئيا من الحقيقة الواضحة بأنه توجد مؤثرات مسرحية مرتبطة بأشياء مثل مساحة المكان المسرحي،‮ ‬ومواقعه،‮ ‬وتغير الأوضاع بين المؤدين وبين المؤدين والمتلقين،‮ ‬ويسعي‮ ‬كل تناول منهما أن‮ ‬يشرح المؤثرات المستهدفة في‮ ‬إطار الخلفية النظرية التي‮ ‬يقدمها كل منهما،‮ ‬إذ‮ ‬يواجه كل تناول منهما صعوباته الخاصة‮.‬
‎يعلي‮ ‬التناول الظاهراتي‮ ‬من حقيقة أن مؤثرات المسرح والمكان المسرحي،‮ ‬بوجه خاص،‮ ‬هي‮ ‬مؤثرات أقل من أن‮ ‬يدركها الوعي،‮ ‬فهي‮ ‬تقدم وتتلقي،‮ ‬إن جاز التعبير،‮ ‬علي‮ ‬هامش انتباه المتلقي‮ ‬الواعي،‮ ‬ولكن هذه التناولات أيضا،‮ ‬ترتبط بزعم أن المشاهدين‮ ‬يمارسون خبرة الإيهام في‮ ‬المكان المسرحي‮ ‬فقط،‮ ‬بل إنهم‮ ‬يصلون أيضا إلي‮ ‬إيهام المكان وهو مكان مختلف عن المكان المادي‮ ‬للمسرح،‮ ‬وقد لا‮ ‬يبدو واضحا الكيفية التي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يرتبط بهما هذان المكانان،‮ ‬كما لا‮ ‬يبدو واضحاً‮ ‬أيضا أن المشاهدين‮ ‬يدخلون إلي‮ ‬مثل هذين الإيهامين،‮ ‬تسليماً‮ ‬بأنهم‮ ‬يعرفون أنهم‮ ‬يحضرون عرضاً‮ ‬مسرحياً‮.‬
‎ويرفض التناول السيميوطيقي‮ ‬القول بأن تجربة المسرح هي‮ ‬تجربة الإيهام،‮ ‬بل إنه‮ ‬يفعل ذلك من خلال ارتباطه بالقول بأن كل شيء‮ ‬يظهر في‮ ‬المكان المسرحي‮ ‬والمكان المسرحي‮ ‬نفسه هو دائما له معني،‮ ‬ولكن الأمر ليس كذلك،‮ ‬لأن إيجاد الصيغ‮ ‬لتركيز اهتمام المتلقي‮ ‬هو أمر مركزي‮ ‬في‮ ‬مهنة الممثل‮ (‬أو المؤدي‮)‬،‮ ‬ليس فقط بالأشياء التي‮ ‬تظهر علي‮ ‬خشبة المسرح بلا معني،‮ ‬وقد تكون كارثة إن كان الأمر كذلك،‮ ‬وتسليما بالكم المطلق للأشياء التي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يركز عليها المتلقي‮ ‬في‮ ‬أي‮ ‬مدي‮ ‬زمني،‮ ‬فإن بعض الأشياء لابد أن تزاح أو تختفي‮ ‬عن التركيز فهي‮ ‬بشكل أساسي‮ ‬قدمت لكي‮ ‬تكون الأشياء التي‮ ‬يفعلها الممثل ذات معني،‮ ‬رغم أن الأشياء في‮ ‬ذاتها بلا معني‮ ‬للمتلقي‮. ‬علاوة علي‮ ‬ذلك عروض كثيرة تحضر فيها الأشياء بوضوح في‮ ‬بؤرة التركيز بالنسبة للمشاهد،‮ ‬وتقاوم التحليل السيميوطيقي،‮ ‬ولكن الأهم أن المدافعين عن التناول الظاهراتي‮ ‬علي‮ ‬صواب عندما‮ ‬يصرون أن هناك مؤثرات‮ (‬ومن بينها كثير من المؤثرات المكانية‮) ‬تغري‮ ‬بالاهتمام بين المتلقين،‮ ‬ويتم تلقيها تحت مستوي‮ ‬فهم المعاني‮.‬
‎والمشكلة المشتركة بين التناولين الظاهراتي‮ ‬والسيميوطيقي‮ ‬للمكان المسرحي‮ ‬تنبع من حقيقة أساسية أخري‮ ‬فيما‮ ‬يتعلق بالمكان المسرحي‮ ‬نفسه والأماكن المادية للمسارح،‮ ‬ولابد من بذل مزيد من الجهد لتحليل هذه الحقيقة والصلة بين تلك الحقيقة والمؤثرات المسرحية المستهدفة التي‮ ‬نهتم بها‮.‬
‎اتجاه جديد
‎نحدد في‮ ‬هذا المقال اتجاها جديدًا في‮ ‬هذه الأمور وما‮ ‬يتعلق بها،‮ ‬وسوف أدافع عن سلسلة من المزاعم ربما‮ ‬يتضح أن كلاً‮ ‬منها مقبول في‮ ‬ذاته ظاهرياً،‮ ‬ولكنها عندما‮ ‬يعالجونها معا فسوف‮ ‬يشكلون بنية متماسكة تقدم بديلا جديدا للتناولات السيميوطيقية والظاهراتية في‮ ‬هذا المجال،‮ ‬والحقيقة المهمة هي‮ ‬أن كل هذه المزاعم ترتبط بالحقيقة الأساسية أن كل أداء مسرحي‮ ‬يقام في‮ ‬فراغ‮ ‬مادي‮ ‬عادي،‮ ‬والمشاهدون‮ ‬يفهمون هذه الحقيقة دائما عندما‮ ‬يحضرون العروض،‮ ‬وفي‮ ‬الجزء الأخير سوف أبرهن أن هذه البنية المتماسكة تقدم فوائد إضافية لم تكن متاحة في‮ ‬النظريات الأخري‮.‬
‎ولكي‮ ‬نيسر الشرح،‮ ‬سوف أشير‮ ‬غالبا إلي‮ ‬عدة عروض متخيلة وإيضاحية لأنواع الأداء النموذجي‮. ‬وسوف استخدم مسرحية‮ »‬هيدا جابلر‮« ‬عندما أشير إلي‮ ‬العرض السردي‮ ‬التقليدي‮ ‬الذي‮ ‬يستخدم نص‮ »‬هنريك إبسن‮«‬،‮ ‬وسوف استخدم عنوان عرض‮ »‬جابلر بفتور‮« ‬للإشارة إلي‮ ‬أي‮ ‬عرض بريختي‮ ‬يستخدم نفس النص،‮ ‬واسم‮ »‬الطفل المحترق‮« ‬سوف‮ ‬يكون عنوان أسلوب أداء جروتوفسكي‮ ‬الذي‮ ‬يستخدم نص‮ »‬إبسن‮« ‬أيضا،‮ ‬واعتمادا علي‮ ‬الاستخدام الذي‮ ‬يقدم من خلاله النص،‮ ‬فربما تكون له بنية سردية أو لا تكون له بنية سردية،‮ ‬وفي‮ ‬النهاية سيكون‮ »‬الجمال التلقائي‮« ‬هو عنوان أداء العرض السردي‮ ‬الذي‮ ‬قدمته‮ »‬فرقة مابوماينز‮« ‬والذي‮ ‬يستخدم ثلاثة أو أربعة ممثلين مع عرائس البونراكو والموسيقيين‮.‬
‎وسوف أتبني‮ ‬خلال المقال فكرة‮ »‬الفهم الأساسي‮« ‬للعرض المسرحي،‮ ‬وعند التحدث عن الفهم الأساسي‮ ‬لا أعني‮ ‬الوصول إلي‮ ‬المعيار الكافل لمعني‮ ‬الأداء،‮ ‬ولا أعني‮ ‬فهم ما‮ ‬يهدف إليه الممثلون‮ (‬المؤدون‮)‬،‮ ‬ولا الأساليب التي‮ ‬يوظفونها وتأثيرها،‮ ‬ولا أعني‮ ‬أيضا امتلاك تقييم كامل لفنية الأداء،‮ ‬بل أعني‮ ‬بدلا من ذلك ما هو الأداء وكم‮ ‬يستغرق من المتلقي‮ ‬لكي‮ ‬يوضح أنه فهم لب ما‮ ‬يقدم له في‮ ‬العرض،‮ ‬علاوة علي‮ ‬أنني‮ ‬أتبني‮ ‬الشروط الموضحة بعد والملائمة لتحديد المدة التي‮ ‬يفهم فيه المتلقي‮ ‬الأداء بشكل أساسي‮.‬
‎‮»‬يمتلك المتلقي‮ ‬فهما أساسيا للأداء المسرحي‮ ‬إذا‮:‬
‎1‮- ‬استطاع أن‮ ‬يصف الشيء الذي‮ ‬يقدم علي‮ ‬مدار العرض المسرحي‮.‬
‎2‮-‬ إذا تفاعل ماديا بالطرق الصحيحة مع ما‮ ‬يحدث في‮ ‬العرض بالشكل المماثل لما‮ ‬يحدث‮.‬
‎3‮- ‬إذا تبني‮ ‬حالات مزاجية تستجيب لما‮ ‬يحدث في‮ ‬العرض بشكل مماثل لما‮ ‬يحدث‮«.‬
‎هذه الصياغة تطرح مقدما الحد الأدني‮ ‬لشروط نجاح عملية فهم الأداء المسرحي‮. ‬بمعني‮ ‬أن كل من‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يفهم أو‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقال إنه فهم ما شاهده أو ما‮ ‬يشاهده ليس إلا مشاهد متطوع‮.‬
‎أولا‮: ‬استجابات المشاهدين المادية المؤثرة دليل لا منطقي‮ ‬علي‮ ‬الفهم
‎علي‮ ‬الرغم من ندرتها،‮ ‬فربما‮ ‬يتصور البعض أن شروط نجاح الفهم هي‮ ‬فعلا شروط ثرية،‮ ‬هب أن متلقيا،‮ ‬ولنسميه‮ »‬جلين‮« ‬قد خرج من عرض كوميدي‮ ‬وهو‮ ‬يضحك بقوة،‮ ‬لدرجة أنه لم‮ ‬يستطع التحدث،‮ ‬وعندما سئل،‮ ‬كان‮ ‬غير قادر علي‮ ‬وصف ما شاهده للتو،‮ ‬وهب أنه لن‮ ‬يستطيع أبداً‮ ‬بناء ملخص القصة،‮ ‬أو أن‮ ‬يصف أي‮ ‬شيء‮ ‬يمكن أن نسميه مظهرا لأنه قد فهم العرض،‮ ‬وهب أن‮ »‬جلين‮« ‬لم‮ ‬يجد العرض مضحكا فقط،‮ ‬بل إنه‮ ‬يظل‮ ‬يضحك كلما تذكره‮.‬
‎والآن افترض أننا علاوة علي‮ ‬ذلك نكتشف عندما نتحدث إلي‮ »‬جلين‮« ‬أنه قد شاهد عرضا مسرحيا آخر في‮ ‬الأسبوع الماضي،‮ ‬ورغم ذلك استطاع أن‮ ‬يروي‮ ‬القصة التي‮ ‬قدمت،‮ ‬ويمكنه أن‮ ‬يفعل ذلك الآن،‮ ‬مع أنه لم‮ ‬يتأثر به آنذاك وظل حتي‮ ‬الآن كذلك‮.‬
‎تتوافق الحالة الأولي‮ ‬مع شرطي‮ ‬النجاح الثاني‮ ‬والثالث فيما‮ ‬يتعلق بالفهم المسرحي‮ ‬الأساسي،‮ ‬ولكنها الحالة التي‮ ‬يتردد فيها كثيرون منا في‮ ‬الزعم‮ (‬الادعاء‮) ‬بأن‮ »‬جلين‮« ‬قد فهم العرض،‮ ‬وبالمقارنة تقدم الحالة الثانية تحديا من الناحية الأخري،‮ ‬لأن‮ »‬جلين‮« ‬فشل في‮ ‬التفاعل بالطرق التي‮ ‬تتفق مع الشرطين الثاني‮ ‬والثالث،‮ ‬ومع ذلك قد‮ ‬يوافق أغلبنا علي‮ ‬أن‮ »‬جلين‮« ‬تحصل لديه فهم أساسي‮ ‬للعرض الثاني‮.‬
‎والمشكلة المطروحة في‮ ‬هاتين الحالتين تكمن في‮ ‬قبولنا للعناصر اللامنطقية‮ ‬nondiscursive elements‮ ‬وسط شروط نجاح الفهم الأساسي،‮ ‬لأن ما هو مفقود في‮ ‬الحالة الأولي‮ ‬لكنه حاضر في‮ ‬الحالة الثانية هو الدليل المنطقي‮ ‬للفهم،‮ ‬لأن القدرة علي‮ ‬فهم ما‮ ‬يدقق فيه الإنسان هو‮ »‬طاقة تأملية‮ ‬Cognitive capacity‮«‬،‮ ‬فردود الأفعال وتقلبات المزاج التي‮ ‬يمارسها المتلقي‮ ‬لا تحتاج لأن تكون تأملية،‮ ‬وإن لم تكن كذلك فإننا نتساءل لماذا‮ ‬يجب أن نلاحظهم باعتبارهم دليلاً‮ ‬علي‮ ‬الفهم عموما‮.‬
‎وأحد أسباب مقاومة هذا الاقتراح هو أن الممثلين‮ ‬يعتمدون علي‮ ‬مراقبة هذه الأنواع من ردود الفعل لكي‮ ‬يقيّموا كيف‮ ‬يسير العرض،‮ ‬وما هي‮ ‬التغيرات المطلوب إجرائها لتوجيه العرض في‮ ‬الاتجاه الصحيح‮.‬
‎فإن لم تكن ردود أفعال المتلقين علامات علي‮ ‬الفهم،‮ ‬عندئذ‮ ‬يخطئ الممثلون في‮ ‬محاولة تقييم ردود الفعل للأسباب السابقة،‮ ‬وأود أن أؤكد أن ردود الأفعال المادية وتبني‮ ‬حالات مزاجية استجابة لما‮ ‬يحدث أثناء العرض،‮ ‬ربما‮ ‬يعد دليلا‮ ‬يعول عليه في‮ ‬مسألة الفهم الأساسي‮ ‬للعرض المسرحي‮.‬
‎والسبب الآخر لاعتبار ردود الأفعال المادية وتقلبات المزاج كدليل علي‮ ‬الفهم التأملي‮ ‬للعرض هو أمر‮ ‬يتضح في‮ ‬الحالة الافتراضية التالية‮: ‬تنحني‮ »‬إزمرالدا‮« ‬في‮ ‬توقع‮ (‬أثناء أداء المسرحية‮) ‬وفي‮ ‬هذه اللحظة تعبر‮ »‬هيدا‮« ‬الغرفة وتسحب المسدس من جرابه،‮ ‬وبعد ذلك،‮ ‬لا تستطيع إزمرالدا أن تقول إنها ظنت أو خشيت أن تكون‮ »‬هيدا‮« ‬علي‮ ‬وشك الانتحار،‮ ‬فهي‮ ‬ربما لم تكن واعية بالانحناءة،‮ ‬وربما لا تستطيع أن تقول لماذا فعلت ذلك،‮ ‬فهل مازلنا نريد أن نعامل رد فعل‮ »‬إزمرالدا‮« ‬كدليل علي‮ ‬أنها كانت علي‮ ‬وشك أن تفهم ما كاد‮ ‬يحدث؟
‎أعتقد أننا نريد ذلك،‮ ‬ولذلك‮ ‬يجب أن نتحرك ضد بعض البديهيات القوية إن لم نعتبر ردود الأفعال وتقلبات المزاج أنها فهم تأملي‮. ‬وربما نمسك تلك البديهيات عن طريق توظيف بعض آليات المشروطات المضادة للواقه‮ ‬Counterfactval conditionals،‮ ‬فإذا كان لدي‮ ‬المتلقي‮ ‬رد فعل مادي‮ ‬أو تقلب في‮ ‬المزاج في‮ ‬لحظة معينة في‮ ‬العرض،‮ ‬فمن الممكن أن تكون لديه في‮ ‬نفس الوقت ردود أفعال أخري‮ ‬لم‮ ‬يعبر عنها،‮ ‬وتتوافق بعض تلك ردود الأفعال وتقلبات المزاج البديلة،‮ ‬مع أنها‮ ‬غير مدركة،‮ ‬مع ما‮ ‬يمكن أن‮ ‬يصفه أي‮ ‬متلق‮ ‬يفهم العرض بشكل أساسي،‮ ‬من أجل تقديم دليل منطقي‮ ‬علي‮ ‬الفهم،‮ ‬ولكن لا تتوافق ردود الأفعال وتقلبات المزاج الأخري‮ ‬مع هذا الوصف‮.‬
‎ودعونا نوضح الفكرة أكثر بالطريقة التالية‮:‬
‎‮< ‬توافق رد الفعل مع الوصف‮ ‬يعني‮ ‬أن رد الفعل هو أحد ردود الأفعال وتقلبات المزاج التي‮ ‬يمكن أن تكون استجابات ملائمة لإدراك‮ ‬يمكن تسجيله عند وصف الأداء في‮ ‬العرض المسرحي‮.‬
‎‮< ‬توافق رد الفعل مع رد فعل آخر‮ ‬يعني‮ ‬أن كليهما داخل مجموعة استجابات ملائمة لنفس الإدراك‮.‬
‎‮< ‬رد فعل المتلقي‮ ‬هو دليل علي‮ ‬الفهم،‮ ‬إن لم‮ ‬يتفاعل بنفس الشكل الذي‮ ‬تفاعل به فمن الممكن أن‮ ‬يحدث التفاعل بطريقة أخري‮ ‬متوافقة مع رد فعله الحقيقي،‮ ‬وإذا توافقت مجموعة ردود أفعاله مع الوصف الصحيح لما كان مقدما في‮ ‬العرض المسرحي،‮ ‬سواء تم تقديم الوصف الملائم بواسطة المتلقي‮ ‬أم لا‮.‬
‎بهذه الطريقة‮ ‬يمكننا أيضا أن نقرر بالضبط متي‮ ‬لا‮ ‬يكون رد الفعل أو تقلب المزاج دليلا علي‮ ‬الفهم المسرحي‮ ‬الأساسي،‮ ‬سواء كان رد الفعل‮ ‬غير متوافق مع أساليب رد الفعل الملائمة للوصف الصحيح،‮ ‬أم أنها تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬ذخيرة ردود الأفعال‮ ‬غير المتوافقة مع الوصف الصحيح‮.‬
‎هذا الدور الذي‮ ‬تلعبه ردود الأفعال‮ ‬غير المنطقية في‮ ‬فهم العرض المسرحي‮ ‬يسمح لنا أن نوضح لما‮ ‬يكون رد فعل‮ »‬إزمرالدا‮« ‬تجاه سلوك‮ »‬هيدا‮« ‬علامة علي‮ ‬فهم ما‮ ‬يكاد أن‮ ‬يحدث‮: ‬إن الأمر كذلك لأن ردود فعلها تجاه ما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬هذه اللحظة متوافق مع كل ردود الأفعال وتقلبات المزاج الأخري‮ ‬الملائمة لوصف‮ »‬هيدا‮« ‬التي‮ ‬تحاول الانتحار،‮ ‬سواء استطاعت‮ »‬إزمرالدا‮« ‬من عدمه أن تقدم تفسيرا لرد فعلها،‮ ‬وهذه الاستراتيجية تسمح لنا أن نعيد شحن ثقتنا بأنه عندما ضحك‮ »‬جلين‮« ‬علي‮ ‬العرض الكوميدي،‮ ‬كان فعلا فهم العرض،‮ ‬رغم أنه لم‮ ‬يستطع أن‮ ‬يسرد الحكاية التي‮ ‬شاهدها،‮ ‬لأنه ضحك بسبب أي‮ ‬رد فعل لديه متوافق مع إدراك ما كان‮ ‬يضحك عليه رغم عدم استطاعته وصف هذا الإدراك‮.‬
‎جيمس هاملتون‮:‬
‎حصل علي‮ ‬دكتوراة الفلسفة من جامعة تكساس عام‮ ‬1974،‮ ‬وبدأ العمل في‮ ‬مجال التدريس بجامعة ولاية كنساس عام‮ ‬1971‮ ‬حيث كان‮ ‬يدرس علم الجمال وفلسفة الفن والمنطق،‮ ‬وتتضمن إصداراته الحالية‮ (‬الضوضاء الموسيقية‮) ‬في‮ ‬جريدة الجماليات البريطانية عام‮ ‬1999،‮ »‬التجسيد المسرحي‮« ‬في‮ ‬جريدة علم الجمال ونقد الفن عام‮ ‬2000،‮ »‬العرض المسرحي‮ ‬والتفسير‮« ‬عام‮ ‬2001،‮ »‬فهم المسرحيات‮«‬،‮  ‬و»عرض الفلسفة علي‮ ‬المسرح‮« ‬عام‮ ‬2006،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬كتابة المادة العلمية حول‮ »‬بريخت‮« ‬و»المسرح‮« ‬في‮ ‬موسوعة أوكسفورد لعلم الجمال،‮ ‬وموسوعة روترلدج لعلم الجمال وقدم هذه المقالة في‮ ‬مجلة‮ »‬جريدة النظرية الدرامية والنقد‮« ‬عام‮ ‬2007،‮ ‬وأحدث كتبه هو‮ »‬فن المسرح‮« ‬الذي‮ ‬ظهر عام‮ ‬2007‮.‬

 

تأليف‮: ‬جيمس هاملتون
‎ترجمة‮: ‬أحمد عبد الفتاح

إقرأ المزيد...

 

              george-orwell-06

رواية جورج أورويل بعنوان‮ »‬1984‮«‬‮ ‬تحكي‮ ‬حكاية وينستون سميث عضو الحزب الحاكم في‮ ‬دولة‮  ‬أوقيانوسيا وكانت وظيفته تغيير أحداث الماضي‮ ‬لصالح نظام الحكم الحالي‮ . ‬غير أن وينستون‮ ‬يرتكب أخطاء جسيمة‮ . ‬فهو‮ ‬يحتفظ بسجل‮ ‬يدون فيه أفكاره ومشاعره بل ويعيش قصة حب‮ . ‬إن الخصوصية والحب والجمال ضد مباديء الحزب في‮ ‬هذه الدولة الشمولية‮ . ‬فشاشات العرض موجودة في‮ ‬كل‮ ‬غرفة لتراقب الشعب‮ . ‬شعار الدولة الأهم هو‮ " ‬إن أخاك الأكبر‮ ‬يراقبك‮ " . ‬يتم استدراج وينستون لكي‮ ‬يعبر عن معارضته لمباديء وممارسات الحزب لزميل له‮  ‬حتي‮ ‬يتم كشفه والقبض عليه‮ . ‬تنتهي‮ ‬الرواية بأنه ليس‮  ‬هناك أمل في‮ ‬المستقبل‮ .‬
تتناول رواية كوستلر‮ " ‬الظلام في‮ ‬الظهيرة‮ " ‬أيضاً‮ ‬العلاقة بين الدولة الشمولية والفرد‮ . ‬وتحكي‮ ‬حكاية روباشوف المسجون الذي‮ ‬يحاكم بتهمة الخيانة‮ . ‬يوافق روباشوف علي‮ ‬أن‮ ‬يعترف علنا بارتكاب جرائم‮  ‬وهمية وذلك من خلال الجدال الفكري‮ ‬والتعذيب‮ .‬تشترك هذه الرواية مع‮ " ‬1984 " في‮ ‬نغمتها المتشائمة‮. ‬
وتدور مسرحية جمال عبدالمقصود‮ " ‬الرجل الذي‮ ‬أكل وزه‮ " ‬حول سعد وهو شخصية مختلفة تماما عن بطلي‮ ‬الروايتين فهو أبعد الناس عن السياسة وهو شاب بسيط مطيع كل اهتمامه هو أن‮ ‬يعول نفسه ووالدته الأرملة‮ . ‬عندما‮ ‬يحكي‮ ‬لزملائه عن حلمه بأنه أكل أوزة‮ ‬يتم استجوابه بواسطة الحزب الحاكم ثم بواسطة البوليس السري‮ ‬ويفسرون الأوزة علي‮ ‬أنها الحكومة وأكلها‮ ‬يعني‮ ‬إسقاط الحكومة‮ .‬
‮ ‬يستجوبون سعد ويعذبونه ويحاكمونه محاكمة طويلة‮ ‬يتم بعدها تبرئته إلا أنهم لايطلقون سراحه‮  ‬ويبقونه في‮ ‬السجن لمدة لا‮ ‬يعلم مداها إلا الله‮ .‬
منذ الجزء الأول من رواية‮ ‬ 1984يبني‮ ‬جورج أورويل الجو في‮ ‬العالم الذي‮ ‬يصوره وهو الدولة البوليسية‮ . ‬نقرأ في‮ ‬الصفحة الآولي‮ : " ‬في‮ ‬الخارج‮ ‬،‮ ‬حتي‮ ‬من خلال زجاج النافذة المغلق بدا العالم باردا‮ . ‬في‮ ‬الشارع بأسفل‮ ‬،‮ ‬كانت هبات الريح تلف التراب والأوراق الممزقة في‮ ‬أشكال حلزونية‮ . ‬وعلي‮ ‬الرغم من أن الشمس كانت ساطعة وكانت السماء ذات لون سائد أزرق بدا أنه لايوجد لون لإي‮ ‬شيء فيما عدا‮  ‬الإعلانات الملصقة في‮ ‬كل مكان‮ . ‬كان هناك شخص في‮ ‬مواجهة المنزل مباشرة،‮ "‬الأخ الأكبر‮ ‬يراقبك‮ ." ‬هكذا قال الشعار المكتوب في‮ ‬حين نظرت العين السوداء بعمق في‮ ‬عين وينستون‮ ."‬
تسير رواية كوستلر‮ " ‬الظلام في‮ ‬الظهيرة‮ " ‬علي‮ ‬نفس الدرب وهي‮ ‬لا تستغرق وقتاً‮ ‬طويلا لكي‮ ‬تضع النغمة السائدة وتعد القاريء لما‮ ‬يتوقعه‮ . ‬ففي‮ ‬جلسة الاستجواب الأولي‮ ‬نقرأ‮ : " ‬مدد روباشوف نفسه علي‮ ‬السرير ودخل في‮ ‬البطانية‮ . ‬كانت الساعة الخامسة ولم‮ ‬يكن من المحتمل أن‮ ‬يستيقظ أحد هنا قبل السابعة في‮ ‬الشتاء‮. ‬كان‮ ‬يغلبه النعاس الشديد‮. ‬
وبعد أن فكر في‮ ‬الأمر‮ ‬،‮ ‬قرر أنهم لن‮ ‬يستدعوه للاستجواب قبل ثلاثة أو أربعة أيام أخري‮ . ‬خلع نظارته ووضعها علي‮ ‬الأرض المسفلتة بالحجر بجانب‮ " ‬عقب‮ " ‬السيجارة وابتسم وأغمض عينيه‮. ‬كانت البطانية ملفوفة حوله وشعر بالحماية أو أن هذه هي‮ ‬المرة الأولي‮ ‬التي‮ ‬لم‮ ‬يكن خائفا‮  ‬ً‮ ‬فيها من أحلامه‮."‬
نلاحظ هنا أنه‮ ‬يفتقد الأمان‮ . ‬إن البطانية هي‮ ‬التي‮ ‬تجعله‮ ‬يحس بالحماية‮ . ‬ونحن نقرأ بين السطور أنه كان خائفاً‮ ‬من أحلامه منذ شهور‮ .‬
تحدد مسرحية‮ " ‬الرجل الذي‮ ‬أكل وزه‮ " ‬نغمتها منذ البداية وتوحي‮ ‬للمشاهد بما عليه أن‮ ‬يتوقعه‮ .‬
لنقرأ الحوار التالي‮ : ‬
خميس‮: " ‬بهدوء شديد واتزان‮ " ‬انا زي‮ ‬والدك‮ ‬يامحمد افهمني‮ ‬كويس‮. " ‬بصوت أكثر انخفاضاً‮" ‬يامحمد ماتتكلمش في‮ ‬السياسه‮.‬
السكه دي‮ ‬بحرها واسع وغويط مالوش قرار وياما ضيعت ناس وياما قفلت بيوت‮ .‬
محمد‮ : ‬انا جبت سيرة السياسه خالص‮ ! ‬ده انا باقول الدنيا حر‮ .‬
خميس‮: " ‬باتزان شديد‮ " ‬ماهي‮ ‬بتبتدي‮ ‬كده‮ ‬يامحمد‮ . ‬دلوقت مش عاجبك الجو كمان شويه ما تعجبكش حاجه تانيه والشيطان‮ ‬يغويك‮ . ‬
يامحمد اكبت النزعات دي‮ ‬ياابني‮ ‬عشان مستقبلك‮ .‬
علي‮ : ‬ماهو عارف‮ . " ‬إلي‮ ‬محمد‮ " ‬انت شايف الناس في‮ ‬الشارع أهم‮ ‬،‮ ‬حد بينطق ؟‮ ‬
خميس‮ : ‬التواضع حلو برضه‮ ‬يامحمد‮ .‬إيه لازمة الفلسفه ؟‮! ‬الراديو قال الجو معتدل‮ ‬يبقي‮ ‬خلاص متنيل معتدل‮ . ‬ده كلام رسمي‮ ‬ياابني‮ . ‬ليه تدخل نفسك في‮ ‬إشكالات وتشحطط أهلك وراك‮ ! "‬
تعلق آنكي‮ ‬مانفلد من جامعة أمستردام في‮ ‬بحثها عام‮ ‬2006 بعنوان‮ " ‬الاستراتيجيات الكوميدية في
مسرحية‮ " ‬الرجل الذي‮ ‬أكل وزه‮ " ‬لجمال عبدالمقصود‮ "  ‬فتقول‮ : " ‬إنه عالم‮ ‬يتم تصوير الناس فيه بأن لاصوت لهم نتيجة القهر السياسي‮ .‬
إن سلطات المؤسسات مثل السجون والقانون والبوليس السري‮ ‬تظهر بدون أقنعتها‮ . ‬يكشف المؤلف كل طبقة في‮ ‬المجتمع بكل أخطائها وأكاذيبها‮."‬
تمضي‮ ‬آنكي‮ ‬مانفلد لتقيم صلة بين العالم الذي‮ ‬خلقه عبدالمقصود في‮ ‬المسرحية وعالم جورج أورويل في‮ ‬روايته مشيرة إلي‮ ‬نقاط الاتفاق فتقول‮ : " ‬نستطيع أن نقول إن عبدالمقصود خلق عالماً‮ " ‬يراقبك فيه أخوك الأكبر‮ " ‬يمكن مقارنته بعالم جورج أورول في‮ ‬روايته‮ " ‬1984" فقد كتب جورج أورويل رواية سياسية عن الحكم الشمولي‮ ‬وهي‮ ‬تحكي‮ ‬حكاية تدور في‮  ‬عالم كابوسي‮ ‬مرير حيث تحكم الحكومة الموجودة في‮ ‬كل مكان حكما شمولياً‮ ‬معتمداً‮ ‬علي‮ ‬حقبة ستالين في‮ ‬الاتحاد السوفيتي‮ ‬والتي‮ ‬كان لها تأثير كبير علي‮ ‬جمهورية مصر الاشتراكية الشابة‮ ‬يمكن بسهولة مقارنتها بمسرحية‮" ‬الرجل الذي‮ ‬أكل وزه‮ " . ‬يبدو البوليس السري‮ ‬وهو‮ ‬يظهر جوانب ستالينية واضحة سائدة في‮ ‬الاتحاد السوفيتي‮ ."‬
نستطيع بسهولة اكتشاف ملامح الدولة البوليسية في‮ ‬الأعمال الفنية الثلاثة‮ . ‬في‮ ‬رواية‮ ‬.1984‮ ‬نقرأ‮ : " ‬الأطفال‮ ‬– ‮ ‬من ناحية أخري‮ ‬– كانوا موجهين بطريقة منظمة ضد آبائهم وأمهاتهم وقد تعلموا كيف‮ ‬يتجسسون عليهم ويرسلون تقارير عن انحرافاتهم‮ . ‬أصبحت العائلة امتداداً‮ ‬للفكر البوليسي‮ ."‬
وفي‮ ‬رواية‮ " ‬الظلام في‮ ‬الظهيرة‮ " ‬،‮ ‬يتجسسون علي‮ ‬روباشوف‮ . ‬إن إيفانوف أثناء استجوابه لروباشوف‮ ‬يقول له‮ :" ‬حدث هذا في‮ ‬وقت قصير بعد أن تمت إدانة وتصفية المجموعة الأولي‮ ‬من المعارضين‮ . ‬إن لك أصدقاء حميمين بينهم‮ . ‬بعد أن انكشف العفن الذي‮ ‬وصلت إليه المعارضة اندلع السخط في‮ ‬جميع أنحاء البلاد‮ . ‬بعد أسبوعين ذهبت إلي‮ ‬الخارج رغم أنك لم تكن تستطيع أن تمشي‮ ‬بدون عكازين‮ ." ‬وفي‮ ‬مسرحية‮ " ‬الرجل الذي‮ ‬أكل وزه‮ " ‬يراقبون سعد أيضاً‮ ‬الذي‮ ‬ليست له اهتمامات سياسية‮ .‬
يدور الحوار التالي‮ ‬بين الضابط وسعد‮ :‬
الضابط‮: ‬والسنه اللي‮ ‬فاتت رجعت مره الساعه‮ ‬12 بالليل معيط‮ .‬
سعد‮: ‬مش عارف‮ ‬يابيه أصل انا كل‮ ‬يوم ارجع معيط‮ .‬

‮ ‬الضابط‮ :  ‬ولما روحت البيت عملت كباية شاي‮ . ‬الكبايه اتكسرت‮ ..‬
‮ ‬سعد‮: ‬كفايه‮ ‬يا بيه كفايه‮ . ‬ده انا كنت لوحدي‮ ‬عرفت الحاجات دي‮ ‬ازاي‮ !! "‬
إذا كان البوليس السري‮ ‬في‮ ‬أوقيانوسيا‮ ‬يستخدم الشاشات والسماعات فهم‮ ‬يستخدمون في‮ ‬عالم عبدالمقصود المصادر المتاحة‮ ‬،‮ ‬الأذان كما‮ ‬يبين الحوار التالي‮ ‬بين عضوين من أعضاء الحزب الحاكم‮ :"‬كامل‮ :  ‬وهي‮ ‬ودانك كانت كده لما دخلت العمل السياسي‮ . ‬دلوقت ماشاءالله ودانك بقت واقفه علي‮ ‬حيلها وبتدينا أمل في‮ ‬مستقبل أفضل‮ .‬
الشاذلي‮ : ‬صدقني‮ ‬ياافندم أنا كان نفسي‮ ‬اركب ايريال في‮ ‬وداني‮ ‬عشان اسمع دبة النمله‮ . "‬
غير أن هناك بعض الاختلاف بين الروايتين والمسرحية في‮ ‬النظرة إلي‮ ‬المستقبل إذ تميل الروايتان إلي‮ ‬التشاؤم فليس هناك مخرج‮ . ‬يقول ج.ر‮. ‬هاموند في‮ ‬كتابه‮ " ‬رفيق لجورج أورول‮ " ( ‬ماكميلان‮ ‬،‮ ‬1982)عن رواية‮ " ‬1984" : " إذا سلمنا أن الكتاب مقصود به التحذير وليس التنبوء فإن تأثير التحذير‮ ‬يتضاءل بسبب تشاؤمه الكامل‮ ." ‬يؤكد هذه الرؤية المتشائمة د.احمد عبود في‮ ‬مقدمته لطبعة1984 القاهرة‮ ‬،‮ ‬بدون تاريخ‮  ‬الذي‮ ‬يقول عن الرواية‮ " ‬هذه رؤية أورويل للمجتمع الشمولي‮ ‬المرير وهي‮ ‬رؤية تكشف القهر والركود في‮ ‬مجتمع مقدر لكل محاولات التغيير فيه أن تهزم‮ . " ‬وفي‮ ‬رواية‮ " ‬الظلام في‮ ‬الظهيرة‮ " ‬يمكن تتبع النغمة المتشائمة‮  ‬في‮ ‬حقيقة أن الرواية تعكس‮ ‬يأس المؤلف من الشيوعية وتدمير ستالين للثورة‮ .‬
أما عن مسرحية‮ " ‬الرجل الذي‮ ‬أكل وزه‮ " ‬فتقيم آنكي‮ ‬مانفلد قرابة شديدة بين منظور عبدالمقصود ومنظور الفيلسوف البلجيكي‮ ‬كارل بولارت ومنظور الباحث المغربي‮ ‬ناجي‮ ‬سعيد فيما‮ ‬يتعلق بمفهوم الكوميديا وهو مفهوم متفائل فتكتب‮ :"‬في‮ ‬التعبير عن شكه في‮ ‬مجرد وجود الكوميديا في‮ ‬الثقافة العربية‮ ‬– وهو رأي‮  ‬تكذبه هذه المسرحية الكوميدية المصرية التي‮ ‬بلغت حد الكمال‮ ‬– يري‮ ‬الباحث المغربي‮ ‬ناجي‮ ‬سعيد مايراه الفيلسوف البلجيكي‮ ‬كارل بولارت أن الكوميديا تتعامل مع الطريقة التي‮ ‬يستمر فيها البشر في‮ ‬الحياة بين بحر من المخاطر والمآسي‮ ‬وأن الكوميديا تحتفظ بنبض الوجود الإنساني‮ ‬الرائع‮ ." ‬
‮ ‬ويقول الباحث الكويتي‮ ‬محمد عبدالله نجم في‮ ‬كتابه‮ " ‬الكوميديا في‮ ‬مسرح جمال عبدالمقصود‮ " ‬هيئة الكتاب‮ ‬،‮ ‬2001  هذا الجزء من الحوار‮ ‬يتضمن السخرية التي‮ ‬نكتشف فيها إحساساً‮ ‬مراً‮ ‬وسخرية‮  ‬لكنها في‮ ‬النهاية تدعو إلي‮ ‬طرح الأسئلة والتفكير المتأمل‮ ." ‬وتقتبس الباحثة السعودية د.إيمان تونسي‮ ‬في‮  ‬دراستها‮ " ‬الترجمة المسرحية‮ ‬،‮ ‬واقعها وآفاقها‮ " (‬علامات في‮ ‬النقد‮ ‬،‮ ‬المجلد‮ ‬12 سنة‮ ‬2003) من ابراهيم فتحي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ " ‬كوميديا الحكم الشمولي‮ " ( ‬هيئة الكتاب‮ ‬،‮ ‬1991 ) " بعده‮ ( ‬أي‮ ‬بعد‮ ‬يوسف إدريس‮ ) ‬يأتي‮ ‬جمال عبدالمقصود الذي‮ ‬يعرض تجربة حية لبعض أفراد المجتمع بطريقة فنية ساخرة بغرض حث الجماهير علي‮ ‬حشد طاقاتهم الكامنة لمواجهة القهر والاستبداد بدلا من الانتظار الطويل لما‮ ‬يسمي‮ ‬بـ‮ »‬المستبد العادل‮« .   

‬د‮. ‬فوزية الصدر
الأستاذة بآداب عين شمس    ‬

إقرأ المزيد...

 

تلك مبادرة بدأت بحوار بيني‮ ‬وبين الصديق الشاعر سيد محمود،‮ ‬وكانت فكرتنا أن المثقفين اعتادوا أن‮ ‬يكونوا دائما في‮ ‬موقف رد الفعل،‮ ‬ينتظرون أن‮ ‬يأتي‮ ‬لهم النظام بوزير فيما أنه من المفترض أن‮ ‬يكون لهم رأي‮ ‬فيمن سوف‮ ‬يمثلهم‮. ‬المهم فكرنا بعد مشاركة مجموعة من المثقفين الشباب في‮ ‬أن تبادر الجماعة الثقافية نفسها بالضغط من أجل تصعيد أحد كوادرها ـ أي‮ ‬الجماعة الثقافية لا الوزارة ـ فأطلقنا المبادرة بعد وضع عدة معايير للاختيار وهي‮: ‬أولا ألا‮ ‬يكون محسوبا من قريب أو بعيد علي‮ ‬النظام السابق‮. ‬ثانيا أن‮ ‬يكون من المحسوبين علي‮ ‬الثورة أي‮ ‬أن‮ ‬يكون ممن كان لهم موقف صريح وواضح من النظام السابق‮. ‬ثالثا أن‮ ‬يكون منحازا بشكل واضح لحرية الإبداع‮. ‬رابعا أن‮ ‬يكون قامة كبيرة في‮ ‬مجاله وفي‮ ‬الوقت نفسه أن‮ ‬يكون شخصية ثقافية معروفة للكافة،‮ ‬خامسا ألا‮ ‬يكون قد تجاوز الخمسين ما أمكن‮.‬
تم طرح المبادرة علي‮ ‬عدد أكبر من مجموعة العمل الأولي،‮ ‬وقد خلصنا لعدة نتائج قد لا تعكس توجهات وطموحات الجماعة الثقافية كلها ولكنها قد تكون مفيدة في‮ ‬قراءة الواقع‮. ‬أولا كشفت الاختيارات عن وجود كوادر كثيرة بالفعل كل منها‮ ‬يصلح لهذه المهمة،‮ ‬وهو أمر مطمئن جدا فيما أعتقد،‮ ‬وقد حصلت بعض الأسماء علي‮ ‬نسب تصويت أكبر من‮ ‬غيرها ومن بين هذه الأسماء‮ (‬دون ترتيب‮) ‬دكتور عمار علي‮ ‬حسن ودكتور عماد أبو‮ ‬غازي‮ ‬ودكتورة سحر الموجي‮ ‬ودكتور عز الدين شكري‮. ‬ثانيا مال أكثر المشاركين في‮ ‬المناقشات لضرورة إلغاء وزارة الثقافة من الأساس واستبدال المجلس الأعلي‮ ‬للثقافة بها،‮ ‬ولكن بعد إعادة صياغة لائحته التنظيمية لتضمن أن‮ ‬يعبر المجلس عن الجماعة الثقافية بشكل فعلي‮ ‬وتضمن أن‮ ‬يكون هو فقط المنوط به رسم سياسات الثقافة في‮ ‬مصر‮. ‬ثالثا مال كثير من المشاركين للاعتقاد أن المستقبل سوف‮ ‬يكون للثقافة المستقلة وأن علي‮ ‬الجماعة الثقافية الانخراط في‮ ‬الهيئات والكيانات الثقافية المستقلة،‮ ‬لهذا بادر عدد كبير بترشيح الأستاذة بسمة الحسيني‮ ‬لولا أن الأخيرة طلبت عدم ترشيحها لأي‮ ‬منصب لا في‮ ‬هذا الوقت ولا فيما بعد‮. ‬رابعا بدا كثير من المثقفين متحرجين جدا من ترشيح اسم بعينه أو إبداء الرأي‮ ‬في‮ ‬اسم مطروح من قبل آخرين،‮ ‬هؤلاء في‮ ‬رأيي‮ ‬سوف‮ ‬يمثلون عبئا كبيرا علي‮ ‬الجماعة الثقافية لأن أمثال هؤلاء هم الذين كانوا‮ ‬يتعاملون مع وزارة الثقافة كوصي‮ ‬عليهم وعلي‮ ‬الثقافة وعلي‮ ‬الأرزاق الموزعة علي‮ ‬المثقفين‮. ‬وقانا الله وإياكم شرهم جميعا‮.‬

 

حاتم حافظ

إقرأ المزيد...

 

الأدباتية هي‮ ‬صيغة الجمع من أدباتي‮ ‬والأدباتي‮ ‬هو اللفظ الدارج الساخر لكلمة أديب‮ ‬، والأدباتية طائفة من الفنانين الشعبيين الذين‮ ‬يتمتعون بقدرة فائقة علي‮ ‬ارتجال الشعر والتحاور بشكل مُقفي‮ ‬بل والتسول من خلال أبيات تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬الشعر الفكاهي‮ ‬أو الحلمنتيشي‮ ‬كما أُطلق عليه فيما بعد وهذه الطائفة كانت تنتشر في‮ ‬المدن الصغيرة في‮ ‬المواسم والموالد وفي‮ ‬الأرياف في‮ ‬أعقاب مواسم الحصاد لاستجداء الأهالي‮ ‬بشعرهم الفكاهي‮ ‬الاجتماعي‮ ‬والزجل الساخر الذي‮ ‬يتناول العادات والتقاليد بالنقد الساخر ومن ذلك حديثهم عن زوج الاثنين أو حماة الزوج التي‮ ‬تتسبب في‮ ‬خلق المشاكل لزوج إبنتها أو الزوجة الغبية التي‮ ‬لا تنتهي‮ ‬طلباتها‮ ‬غير الضرورية أو التي‮ ‬تغير‮ ‬غيرة عمياء‮  ‬علي‮ ‬زوجها مما‮ ‬يتسبب في‮ ‬خراب البيوت أو تلك التي‮ ‬تعشق تقليد الأخريات في‮ ‬كل شيء ظاهري‮ ‬سواء كان هذا التقليد في‮ ‬مصلحتها أو ضد مصلحتها وفي‮ ‬نفس الوقت لا تهتم ببيتها ونظافته من الداخل ولا بأولادها أو زوجها‮ ( ‬من بره الله الله ومن جوة‮ ‬يعلم الله‮ ) ‬وكذلك الزوج المغفل الذي‮ ‬لا‮ ‬يدري‮ ‬ما‮ ‬يدور في‮ ‬بيته من وراء ظهره‮ ‬، وهم‮ ‬يقصدون من وراء ذلك طرح القصص الظريفة والمسلية التي‮ ‬يضحك عليها من‮ ‬يستمع إليها من جمهورهم ثم‮ ‬يجزل لهم في‮ ‬العطاء‮ . ‬والأدباتية فريق‮ ‬يكون عدده ثلاثة أفراد أو أكثر‮ ‬يتوسطهم شيخ الأدباتية وهو ضخم الجثة في‮ ‬الغالب الأعم وهو من‮ ‬يتولي‮ ‬الإنشاد ثم تتبعه البطانة التي‮ ‬تقوم بالترديد من خلفه لما‮ ‬يقول أو تردد مردات فقط بشكل متكرر،‮ ‬وكان شيخ الأدباتية‮ ‬يحمل آلة موسيقية تشبه‮ ( ‬بازة‮ ) ‬المسحراتي‮ ‬وهي‮ ‬عبارة عن حق من النحاس مشدود عليها رق من جلد السمك ويدق عليها بقطعة من الجلد السميك وهي‮ ‬تصدر صوتا"رنانا‮" ‬عاليا"مكون من مجموعة من‮ ( ‬الدمات‮ ) ‬التي‮ ‬قد لا تتغير من لحن إلي‮ ‬آخر فكل الكلام مُوقع بشكل واحد تقريبا‮ " ‬، وكان فريق الأدباتية‮ ‬يقوم بصباغة وجوههم باللون الأبيض‮ ( ‬دقيق في‮ ‬الغالب‮ ) ‬ويقومون بالتخطيط عليه باللون الأصفر والأحمر إمعانا‮" ‬في‮ ‬تقديم صورة كاريكاتورية لهم وكانت ملابسهم تتكون مما‮ ‬يشبهه البرنوسة‮ ( ‬عباءة مغربية‮ ) ‬وتكون أيضا‮" ‬من قماش مخطط بخطوط طولية ملونة‮ ( ‬أقلام‮ ) ‬، وكانوا‮ ‬يضعون علي‮ ‬رؤوسهم طرابيش حمراء بلا خوصة ويتم كبس تلك الطرابيش علي‮ ‬الرأس حتي‮ ‬تصل وتغطي‮ ‬الأذنين في‮ ‬شكل ساخر مضحك‮ ‬، وأهم مايميز تلك الطرابيش هو‮ ( ‬الزر‮ ) ‬الطويل جدا‮" ( ‬زر مغربي‮ ‬أيضا"مبالغ‮ ‬في‮ ‬طوله‮ ) ‬والذي‮ ‬ينتهي‮ ‬في‮ ‬معظم الأحوال بكرة من القماش الملون تتحرك في‮ ‬كل اتجاه عندما‮ ‬يتمايل الأدباتي‮ ‬برأسه أثناء الغناء وكأن حركة الكرة أو الزر هي‮ ‬صورة مرئية للإيقاع الذي‮ ‬يعزفونه مصاحبا‮ " ‬للغناء‮ . ‬كانت طائفة الأدباتية تبدأ كلامها بالحمد لرب العالمين كالتالي‮ ( ‬الحمدو لربن مقتدري‮ .. ‬خلق الأوراقا علي‮ ‬الشجري‮  ‬وهي‮ ‬افتتاحية إجبارية ويمكن أن تشمل الصلاة علي‮ ‬النبي‮ ( ‬صلي‮ ‬الله عليه وسلم‮ ) ‬كالتالي‮ ( ‬الحمدو لربي‮ ‬العالمينا‮.. ‬وصلاتون ع الهادي‮ ‬نبينا‮ ) ‬ثم تبدأ الفرقة في‮ ‬استعراض الموضوع النقدي‮ ‬الساخر كالتالي‮ ( ‬أنا الأديب الأدباتي‮ .. ‬غلب حماري‮ ‬مع مراتي‮ ( ‬قرعه وعاملالي‮ ‬زواتي‮ .. ‬ونفسها تلبس حبرة‮ ) ‬أو‮ ( ‬أنا الأديب المتصيت‮ .... ‬اتجمع بقي‮ ‬ولا تعيط‮ ) ‬إلهي‮ ‬عقلك‮ ‬يتخيط‮ .. ‬وعليا كمان لضم الإبرة‮ ). ‬وكانت طائفة الأدباتية تعد طائفة شعراء هزليين وربما كانوا هم ورثة المداحين الذين اعتادوا مدح أسيادهم من الحكام والأمراء والتغني‮ ‬بمحاسنهم بغية العطاء‮ ‬غير المحدود وإذا لم‮ ‬يرضوا بما أُعطوا تحول مديحهم إلي‮ ‬الهجاء‮ ‬، فقد كانت هناك طائفة من الأدباتية تسمي‮ ‬طائفة المواوية تقف أمام أبواب أهل القرية بابا‮" ‬بابا‮" ‬تمدح رب البيت بإسمه حتي‮ ‬تري‮ ‬المنح والهدايا والعطايا فإذا ما كان عطاء رب البيت جزلا‮" ‬زاد المديح‮  ‬والثناء أما إذا كان العطاء ضئيلا‮" ‬انقلب المديح إلي‮ ‬هجاء لاذع وساخر ومحتويا‮ "‬علي‮ ‬الألفاظ التي‮ ‬استخدمها أهل البيت في‮ ‬الرد عليهم‮ ‬، ولذا فقد كان الناس‮ ( ‬خاصة علية القوم‮ ) ‬يتجنبون هجاءهم بجزل العطايا والمنح لهم‮ . ‬كما اشتهر الأدباتية بقلب الشعر الجاد إلي‮ ‬شعر ساخر مضحك فكانوا‮ ‬يعارضون معني‮ ‬القصائد الجادة ويوافقون وزنها وقد كان لحسن الحظ التسجيل الوثائقي‮ ‬لما حدث بين عبد الله النديم ومجموعة من الأدباتية بمجلة‮ ( ‬الأستاذ‮ ) ‬الدور الكبير في‮ ‬حفظ الكثير من المناظرات الأدبية‮  ‬والشعر الذي‮ ‬يعتمد علي‮ ‬حضور البديهه واللجاجة في‮ ‬الطلب والإلحاح في‮ ‬السؤال‮ ‬، حيث إلتقي‮ ‬عبد الله النديم أثناء إقامته بمدينة طنطا مع اثنين من الأدباتية بادروه بالسؤال‮ ( ‬أنعم بقرشك‮ ‬يا جندي‮ .. ‬ولا اكسناأماليافندي‮ ) ‬إلا أنا وحياتك عندي‮ .. ‬بقي‮ ‬لي‮ ‬شهرين جوعان‮ ) ‬فرد عليه النديم علي‮ ‬سبيل المزاح‮  ( ‬أمافلوس أنا ماديشي‮ .. ‬وإنت تقوللي‮ ‬مامشيشي‮ ) ‬يطلع عليا حشيشي‮ .. ‬أقوم أملصلك لودان‮ ) ‬، واستمرت مناظرتهم لما‮ ‬يقارب الساعة مما دفع شاهين باشا‮ (‬وهو الباشا الذي‮ ‬كان‮ ‬يقيم عنده النديم بطنطا‮ ) ‬إلي‮ ‬استدعاء شيخ الأدباتية الشيخ داوود والحاج إسماعيل وهم من أمهر الأدباتية المعروف عنهم قدرتهم علي‮ ‬الارتجال لعقد مباراة‮ ‬يحضرها لفيف من المدعويين للضحك والاستمتاع‮ ‬، وكانت هذه المباراة مشروطة بدفع ألف قرش صاغ‮ ‬للأدباتية حال فوزهم أو ضربهم بالكرباج حين خسارتهم أمام عبد الله النديم‮ ‬، وبدأت المبادرة من الشيخ داوود بقوله‮ ( ‬أول كلامي‮ ‬حمد الله‮ .. ‬ثم الصلاتو علي‮ ‬الهادي‮ ) ‬ماذا تريد‮ ‬ياعبد الله‮ .. ‬قدام أميرنا وأسيادي‮ ) ‬فرد عليه النديم علي‮ ‬الفور‮ ( ‬أنا أريد أحمد ربي‮ .. ‬بعد الصلاة علي‮ ‬المختار‮) ‬وإن كنت تطمع في‮ ‬أدبي‮ .. ‬أسمعك حُسن الأشعار‮ ) ‬واستمر النديم‮ ‬يساجلهم في‮ ‬كل بحور الشعرحتي‮ ‬عجزوا جميعا‮" ‬بعد ما‮ ‬يزيد علي‮ ‬الساعات الثلاث وعندها عدل الباشا شاهين عن ضرب الأدباتية وأكتفي‮ ‬بإعطائهم نصف الألف قرش فقط لا‮ ‬غير‮ . ‬وحديثا‮" ‬قدم الفنان حسين طنطاوي‮ ‬علي‮ ‬نسق الأدباتية برنامجه الأشهر‮ ( ‬مع السمسمية‮ ) ‬في‮ ‬الإذاعة المصرية من إخراج بابا شارو‮ ( ‬محمد محمود شعبان‮) ‬وأداء وغناء فنان المونولوج‮ ( ‬سيد الملاَح‮ ) ‬مستعينا‮" ‬بآلة السمسمية البورسعيدية بدلا‮" ‬من طبلة الأدباتي‮ ‬وقدم ومضات رمضانية كان الناس‮ ‬يتابعونها‮ ‬يوميا‮" ‬باهتمام كبير وكانت تغطي‮ ‬الكثير من الموضوعات الاجتماعية النقدية ومنها علي‮ ‬سبيل المثال‮ - ‬السيجارة في‮ ‬رمضان‮ - ‬ليلة القدر‮ -‬افرح بالعيد والتي‮ ‬قال فيها‮ ( ‬ودع رمضانا إذا ولا‮.. ‬وأفرح بالعيدي‮ ‬إذا هلا‮ ) ‬وبنظرة عامة علي‮ ‬تلك الطائفة‮ (‬الأدباتية‮) ‬التي‮ ‬كان عملها‮ ‬يندرج تحت التسول والاستجداء ولكن بطلاقة لسان في‮ ‬الشعر والزجل والارتجال والظهور بمظهر مضحك ليتجمع من حوله العامة والإنشاد أو الغناء والعزف الموسيقي‮ ‬والأداء وتقسيم الطائفة إلي‮ ‬منشد ومرددين نستطيع أن نستثمر هذه الظاهرة المسرحية العربية التي‮ ‬لا تحتاج أيضا‮" ‬إلي‮ ‬مكان ثابت مغلق ويمكن لفرقة الساحة التابعة للبيت الفني‮ ‬للمسرح أن تتبني‮ ‬هذه الصورة المسرحية والتي‮ ‬يمكن من خلالها تقديم الكثير من العروض الشعبية الهزلية الساخرة التي‮ ‬تندرج تحت مسمي‮ - ‬الجروتسكية الأولية‮  -‬والتي‮ ‬استفاد منها عروض الفودفيل في‮ ‬أوربا ونحن بكل أسف تناسيناها وأهملناها وأصبحت من ذكرياتنا الفنية المخجلة‮ ‬_ طائفة الأدباتية تصلح لإعادة استنباتها اليوم فهي‮ ‬ظاهرة مسرحية عربية لا تحتاج إلي‮ ‬تقنيات أو تعقيدات أو تكنولوجيا ولا حتي‮ ‬مبالغ‮ ‬إنتاجية ضخمة‮.‬

 

فتحي‮ ‬الكوفي

إقرأ المزيد...

الصفحة 145 من 312
You are here