اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

المسرحُ‮ ‬العربيُّ‮ ‬مَسرحٌ‮ ‬قلِـقٌ‮!‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

صدر في‮ ‬الأعوام القليلة الماضية،‮ ‬عن دار ما بعد الحداثة بفاس،‮ ‬كتابٌ‮ ‬قيِّمٌ‮ ‬لأستاذنا الدكتور سعيد الناجي‮ ‬في‮ ‬ميدان النقد المسرحي؛ و‮ ‬يتعلق الأمر بكتابه‮ " ‬قلق المسرح العربي‮" (‬135 ص،‮ ‬من القطْع المتوسط‮) ‬الذي‮ ‬طرح خلاله عدداً‮ ‬من الإشكالات والتساؤلات،‮ ‬وتطرق فيه إلي‮ ‬جملة من القضايا التي‮ ‬استأثرت باهتمام عديدٍ‮ ‬من دارسي‮ ‬المسرح في‮ ‬الوطن العربي،‮ ‬وذلك بوعي‮ ‬نقديّ‮ ‬جديد وعميق‮. ‬ويستهدف الكتاب‮ "‬محاصرة تطور المسرح الراهن والتفكير في‮ ‬القضايا التي‮ ‬تستبدّ‮ ‬بفكر وممارسة رجاله إسهاماً‮ ‬في‮ ‬البحث عن مسرح عربي‮ ‬أبْهي‮ ‬وأجمل‮".‬(1)
وتتركب بنية هذا المؤلَّف من استهلالٍ‮ ‬مقتضَب،‮ ‬وخمسة فصول تتفاوت فيما بينها طولا وقصَرا،‮ ‬ويشتمل كل فصل علي‮ ‬محاورَ‮ ‬متكاملةٍ‮. ‬والملاحَظ أن الكاتب لم‮ ‬ينهِ‮ ‬دراسته بخاتمة‮ ‬يُحَوْصِل فيها خلاصات بحثه في‮ ‬موضوع كتابه‮...! ‬وسنحاول في‮ ‬الفِقرات الموالية تقديم قراءة مركزة في‮ ‬فصول هذه الدراسة المتميزة ومحاورها القيمة‮.‬
إن ثمة قلقاً‮ ‬متعددَ‮ ‬الأشكال والاتجاهات‮ ‬يلفّ‮ ‬الظاهرة المسرحية في‮ ‬العالم العربي؛ باعتبارها نصا مقروءا أولا،‮ ‬فعَرْضا مشاهَدا مقدَّماً‮ ‬علي‮ ‬الفضاء الرُّكْحي‮ ‬ثانياً،‮ ‬ثم تواصلا مع جماهير النظارة ثالثاً‮. ‬بل إن هذا القلق‮ ‬يتجاوز حدود الإبداع،‮ ‬ليلف كذلك مسار النقد الممارَس علي‮ ‬الظاهرة المذكورة‮. ‬وقد توقف الدكتور سعيد الناجي‮ ‬في‮ ‬أول فصول كتابه عند أربعة‮ "‬قلاقل‮" (‬ج‮. ‬قلق‮) ‬بارزة تسِمُ‮ ‬الخطاب المسرحي‮ ‬العربي‮ ‬الحديث والمعاصر بمَياسِمَ‮ ‬خاصةٍ‮. ‬فأما أولها فيتعلق بانتمائية المسرح العربي،‮ ‬بمعناه الحديث،‮ ‬بوصفه الشكل التعبيريَّ‮ ‬الأسبق في‮ ‬مضمار تحديث الكتابة العربية وأسْلَبَتها‮. ‬وهنا‮ ‬يطرح السؤال الجوهري‮ ‬الآتي‮: ‬هل‮ ‬ينتمي‮ ‬المسرح إلي‮ ‬العرب،‮ ‬أم العربُ‮ ‬هم المنتمون إليه؟ والواقع أن فريقا من الباحثين دافعوا عن قِدم الظاهرة المسرحية في‮ ‬الثقافة العربية مؤكدين انتماءَها إليها،‮ ‬ومستدلِّين بأدلة وبراهين محددة‮. ‬في‮ ‬حين ارتأي‮ ‬آخرون أن المسرح مستحْدَث في‮ ‬البِـيئة العربية منذ ما‮ ‬يسمي‮ ‬بــ"صَدْمَة الحَداثة‮"‬،‮ ‬وأنه من نتائج التلاقح الثقافي‮ ‬بين الشرق والغرب أيام انطلاق النهضة العربية،‮ ‬ولهؤلاء‮ ‬– أيضا‮ ‬– حججُهم المؤيدة لزعمهم،‮ ‬والمفنِّدة لزعم‮ ‬غيرهم‮.‬
وأما ثاني‮ ‬أشكال القلق،‮ ‬الذي‮ ‬طبع مسرح العرب،‮ ‬فهو قلقُ‮ ‬اللغة‮. ‬إذ من المعلوم أن نقاشاتٍ‮ ‬حادة أثيرت حول طبيعة اللغة التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يُكتب أو‮ ‬يُعرض بها النص المسرحي‮ ‬العربي‮. ‬فإذا كان فقهاء اللغة آثروا استخدام العربية الفصحي‮ ‬لجملةٍ‮ ‬من الاعتبارات والأغراض،‮ ‬فإن المهتمين بالشَّعْبيات والجانب التجاري‮ ‬للإبداع عامة نافحوا عن الكتابة بالعامِّية‮. ‬وبين هؤلاء وأولئك،‮ ‬اهتدي‮ ‬بعضُهم إلي‮ ‬اصطناع لغة ثالثة تمْتح من كلا الفريقين إنْ‮ ‬توفيقا أو تلفيقا‮. ‬والحق أن قلق اللغة‮ - ‬كما‮ ‬يقول المؤلِّف‮ - "‬لا‮ ‬يعني‮ ‬اختيار الفصحي‮ ‬أو العامية،‮ ‬بل‮ ‬يعني‮ ‬اختيار لغة مسرحية تصل إلي‮ ‬جمهور مّا‮. ‬ولـْتكنْ‮ ‬فصحي‮ ‬أو عامية،‮ ‬محكية أو مرئية،‮ ‬معيشة أو مروية،‮ ‬تراثية أو حالية‮.. ‬لتكن أيَّ‮ ‬شيء،‮ ‬ولكن عليها أن تُحدث رَجَّة،‮ ‬أن تخلْخل كِياناً‮ ‬مّا،‮ ‬أو تفتح أفقاً‮ ‬مّا في‮ ‬المتفرج أو في‮ ‬الممثل‮ ‬،‮ ‬ولِمَ‮ ‬لا في‮ ‬المسرح نفسه‮..."‬(2)
وأما ثالثُها فيكمن في‮ ‬قلق التجْريب‮.. ‬وليس بخافٍ‮ ‬علي‮ ‬كل معْتنٍ‮ ‬بالدراما أن المسرح الغربي‮ ‬قد خاض زمن التجريب،‮ ‬وانتهي‮ ‬منه منذ أمدٍ،‮ ‬بعد أن قدم إجابات عن سؤال خصوصيته وفَرادته التي‮ ‬تميزه من فنونٍ‮ ‬فرْجوية أخري‮ ‬حادثة اختلطت به‮. ‬وولج‮ - ‬بعد ذلك‮ - ‬زمن ما بعد التجريب،‮ ‬وانبري‮ ‬يتساءل عن جدواه أمام استغلال الفعل الفرجوي‮ ‬والتخْييلي‮ ‬لمقاصدَ‮ ‬تنْأي‮ ‬،بالكلّية،‮ ‬عن المتعة‮. ‬وأمام هذا،‮ ‬ينطرح التساؤل الآتي‮: ‬هل دخل المسرح العربي‮ ‬زمن التجريب أم لم‮ ‬يدخله بعد؟ ونقصد التجريب بمعناه النقدي؛ أي‮ ‬بمعني‮ ‬السلوك الذي‮ ‬ينشد المغايَرة والجديد‮.. ‬إذا ألقينا نظرة علي‮ ‬مسيرة المسرح العربي،‮ ‬علي‮ ‬اعتبار أنه‮ ‬ينطلق من مسرحية النقاش المعروفة في‮ ‬هذا الصدد‮ (‬(1847)? فإنّا واجدون أنه لم‮ ‬يحقق تراكما ذا بالٍ‮ ‬من شأنه أن‮ ‬يفرز تقاليدَ‮ ‬جمالية تصبح قوانين ناظمة للتداوُل المسرحي؛ كي‮ ‬يستطيع الفعل التجريبي‮ ‬خرْقها باحثا عن جماليات أخري‮ ‬تشكل انزياحا وخروجا علي‮ ‬التقاليد السابقة‮. ‬لقد طُرح سؤال التجريب في‮ ‬وقتٍ‮ ‬كان فيه المسرح العربي‮ ‬يحاول الوقوف علي‮ ‬قدميه معلنا بداية حياته،‮ ‬لذا‮ "‬لم‮ ‬يكن بإمكان التجريب أن‮ ‬يكون انزياحا جماليا لأن التراكم المسرحي‮ ‬غائب؛ لهذا كان التجريب تأسيسياً‮."‬(3) أي‮ ‬إأن العرب‮ (‬أمثال‮: ‬توفيق الحكيم،‮ ‬يوسف إدريس،‮ ‬سعد الله ونوس،‮ ‬محمد مسكين،‮ ‬الطيب الصديقي،‮ ‬عِز الدين المدني،‮ ‬عبد الكريم برشيد‮...) ‬عمدوا إلي‮ ‬تجريب أشكال تراثية،‮ ‬واستثمار محاولات مسرحية‮ ‬غربية؛ من أجل التأسيس لصرح كتابة مسرحية عربية،‮ ‬وليس نشْداناً‮ ‬للجِدة و التجاوز والمغايرة‮. ‬ثم إن محاولاتهم التجريبية تلك لم تكن مؤطَّرة بوعي‮ ‬تجريبي‮ ‬متحرر،‮ ‬ذلك بأنها لم تخرج عن حدود التجربة الأولي‮ ‬التي‮ ‬صاغها اللبناني‮ ‬مارون النقاش في‮ ‬أواسط القرن التاسع عشر‮... ‬جماعُ‮ ‬القول،‮ ‬إن‮ "‬لتجريب‮" ‬الذي‮ ‬مُورس في‮ ‬المسرح العربي‮ ‬قلِقٌ،‮ ‬بالمعني‮ ‬السَّلبي‮ ‬للقلق‮. ‬فهو تجريبٌ‮ ‬منتهي‮ ‬غايته التأسيسُ‮ ‬لا المغايرةُ،؛ تجريبٌ‮ ‬عشوائي‮ ‬يفتقر إلي‮ ‬وعي‮ ‬تجريبي‮ ‬فعّال‮ ‬يؤطره؛ تجريبٌ‮ ‬ناءٍ‮ ‬عن الواقع وحركيته النشطة؛ تجريبٌ‮ ‬غيرُ‮ ‬متحرر لا‮ ‬يخترق المحرَّم‮.. ‬وإنه‮ "‬حين لا‮ ‬يكون التجريب اختراقا وتكسيرا وهدما وبناء وتحويلا،‮ ‬وثورة وتأسيسا‮.. ‬فإنه لا‮ ‬يكون تجْريبا حقيقياً‮".‬(4)
وأما رابعُ‮ ‬أشكال قلق المسرح العربي‮ ‬فيكمن في‮ ‬قلق العرض(Présentation) ‮ ‬المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬أسْماه المؤلف‮ "‬بنك القلق‮"‬،‮ ‬وهذه التسمية استعارها من عنوان إحدي‮ ‬مسرحيات توفيق الحكيم المتميزة شكلا ومضمونا‮. ‬وقد وُفق د.سعيد الناجي،‮ ‬إلي‮ ‬حد بعيد،‮ ‬في‮ ‬إطلاق التسمية المذكورة علي‮ ‬القلق الذي‮ ‬يلفّ‮ ‬عروض المسرح العربي؛ لأنه‮ ‬ينخر أغلب تفاصيل الظاهرة المسرحية‮. ‬ذلك بأنه‮ ‬يضْمر قلق الكاتب في‮ ‬إبداع نص مسرحي‮ ‬أو إنتاجه،‮ ‬ويضمر قلق المخرج في‮ ‬العثور علي‮ ‬مسرحية لائقة ونقلها من صورتها الخطية إلي‮ ‬صورة مشخَّصة معايَنة علي‮ ‬الرُّكْح،‮ ‬ويضمر قلق صُنّاع الفرجة(Spectacle) ‮ ‬الذين‮ ‬يكرسون كامل مهارتهم ومجهودهم لتحقيق تواصل فرجوي‮ ‬مع الجماهير،‮ ‬كما‮ ‬يضمر قلق الجمهور المتفرج نفسِه في‮ ‬مشاهدة عرض جيد فكريا وجمالياً‮.‬(5)
ويخلص الناجي‮ ‬في‮ ‬نهاية الفصل الأول إلي‮ ‬أنه‮ "‬بهذا القلق متعدِّدِ‮ ‬الأبعاد والاتجاهات‮ ‬يستطيع المسرح العربي‮ ‬أن‮ ‬يكون أبا الفنون،‮ ‬أو جنس الأجناس‮".‬(6) ‮ ‬بحيث إنه قادر علي‮ ‬اختزال إشكاليات أجناس التعبير الأدبي‮ ‬الأخري‮ ‬وتمثـُّـلها واستيعابها‮. ‬ففي‮ ‬المسرح نُـلْفِي‮ ‬قلق الشاعر،‮ ‬وقلق الروائي،‮ ‬وقلق الرسّام والفنان التشكيلي،‮ ‬وقلق المُخْرج،‮ ‬وقلق الموسيقي،‮ ‬وقلق الممثل،‮ ‬وقلق المتفرج،‮ ‬وقلق المنتِج الباحث دوماً‮ ‬عن الربح السريع‮...‬إلخ‮. ‬ومن هنا،‮ "‬يمْسي‮ ‬المسرح العربي‮ ‬خزّاناً‮ ‬لقلق الأشكال التعبيرية والأدبية العربية‮".‬(7)
وأفرد الناجي‮ ‬الفصل الثاني‮ ‬للحديث عن قضايا التلقي‮ ‬و الدراماتورجيا والفعل النقدي‮ ‬في‮ ‬المجال المسرحي‮. ‬وقد جعله في‮ ‬محاورَ‮ ‬خمسةٍ؛ إذ تحدث في‮ ‬أولها عن مسار التلقي‮ ‬في‮ ‬المسرح،‮ ‬وفي‮ ‬ثانيها عن وظيفة الدراماتورجيا،‮ ‬وفي‮ ‬ثالثها عن تطور فن الإخراج المسرحي،‮ ‬وفي‮ ‬رابعها عن الممثل باعتباره متلقيا‮ ‬يشارك في‮ ‬قراءة النص المسرحي‮ ‬وتأويله،‮ ‬وسلط الضياء في‮ ‬المحور الأخير علي‮ ‬ملامح بداية المسرح العربي‮ ‬النقدية‮.‬
يلمس المتتبِّع لصيْرورة نظرية الأدب(Théorie de la littérature) أنها تطورت عبر ثلاث مراحل متعاقبة،‮ ‬وأنها كانت تركز في‮ ‬كل مرحلة علي‮ ‬عنصر من عناصر العمل الأدبي‮. ‬ففي‮ ‬المرحلة الأولي،‮ ‬وقع الاهتمام بالكاتب؛ مبدعا كان أم ناقدا،‮ ‬وفي‮ ‬المرحلة الثانية تحول الاهتمام من خارج النص إلي‮ ‬داخلياته؛ أي‮ ‬إلي‮ ‬البُِني‮ ‬التي‮ ‬تؤثـِّـث كيانه الداخلي‮ ‬فقطُّ،‮ ‬قبل أن تتجه نظرية الأدب في‮ ‬المرحلة الثالثة إلي‮ ‬الاحتفال بالمتلقي؛ بوصفه ركنا أساساً‮ ‬يسْهم في‮ ‬إنتاج المعني‮. ‬وعلي‮ ‬الرغم من خصوصية المسرح،‮ ‬فإنه كان‮ ‬غالبا ما‮ ‬يقع في‮ ‬قلب التحولات التي‮ ‬تشهدها نظرية الأدب،‮ ‬وخاصة باعتباره نصا‮ ‬يُقرَأ‮. ‬وقد قادت مجموعة من الظروف إلي‮ ‬تحول الاحتفال بالمسرحية كنص مكتوب لصالح المسرحية كعرض‮ ‬يقدمه علي‮ ‬الخشبة ممثلون‮. ‬ومن هنا،‮ ‬انتقل مسار تلقي‮ ‬النص المسرحي‮ ‬من الكُمون اللغوي‮ ‬إلي‮ ‬الكثافة السيميولوجية لعلامات العرض المسرحي‮.‬
وفي‮ ‬خضمِّ‮ ‬السعي‮ ‬إلي‮ ‬تطوير تلقي‮ ‬المسرح،‮ ‬ابتكر رجالُه وظيفة جميلة و مهارة فعالة في‮ ‬المؤسسة المسرحية،‮ ‬و‮ ‬يتعلق الأمر بــ‮" ‬الدراماتورج‮" ‬(Le dramaturgue)، ذلك الشخصُ‮ ‬الذي‮ ‬يصاحب العمل المسرحي‮ ‬مُذ مرحلة مخاضه وإبداعه،‮ ‬مرورا بلحظة تقديمه أمام أعْيُن النظّارة كعرض‮ ‬يُلعب،‮ ‬وانتهاءً‮ ‬بتقويمه ورصد أصداء زمن التلقيات المرافقة له‮. ‬فهو،‮ ‬إذاً،‮ ‬ناقد ومخرج؛‮ ‬يتعهَّد النص المسرحي‮ ‬منذ بدايته إلي‮ ‬حين الفَراغ‮ ‬من تمثيله و تشخيصه‮. ‬ولعل الدراماتورجيا من الفعّاليات التي‮ ‬شهدها المسرح المعاصر إبّان موجة التجريب،‮ ‬وأحدثت شرْخاً‮ ‬في‮ ‬الحدود التي‮ ‬تفصل بين الإخراج والنقد المسرحييْن‮.‬
لقد كان تطور الإخراج المسرحي‮ ‬في‮ ‬أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين موازياً‮ ‬لتطور نظرية الأدب‮. ‬وتعد فعاليته نقديةً‮ ‬بالأساس؛ سواء من حيث الاشتغالُ‮ ‬بالنص المسرحي‮ ‬عيْنِه،‮ ‬أم من حيث نقلُه إلي‮ ‬الرُّكْح‮/ ‬الخشبة عبر تنغيمه مع الفنون الأخري‮ ‬الرابضة بين ثنايا الظاهرة المسرحية المعقّدة‮.‬
إلي‮ ‬جانب الدراماتورج والمخرج،‮ ‬يمارِس الممثل أحيانا وظيفة التلقي‮ ‬والفعل النقدي‮. ‬ويبرز ذلك أساسا في‮ ‬الاتجاهات المسرحية التي‮ ‬تُولِي‮ ‬أهمية كبري‮ ‬لارتجال الممثل‮ (‬المسرح الفقير،‮ ‬مسرح الوقعة،‮ ‬المسرح الحي‮...)‬،‮ ‬وتمنح هامشا من الحرية له؛ كيما‮ ‬يفجّر طاقته الإبداعية،‮ ‬ويسهم في‮ ‬قراءة النص المسرحي،‮ ‬وإثراء دلالته‮. ‬علي‮ ‬أن هذه الارتجالية لا تعني‮ ‬حرية الفعل المطلقة،‮ ‬بل‮ ‬يجب أن تكون مقنّنة ودائرةً‮ ‬في‮ ‬فلك الحبْكة العامة للمسرحية‮.‬
إن للفعالية النقدية مكانا هاماً‮ ‬في‮ ‬المسرح بعامةٍ،‮ ‬ومن ضمنه المسرح العربي‮. ‬فقد بدأ هذا الأخير بداية نقدية مع خطبة مسرحية‮ " ‬البخيل‮" ‬التي‮ ‬قدّمها مارون النقاش في‮ ‬بيته ببيروت أمام أنظار ثلة من معارفه و أصدقائه عام‮ ‬1847م‮. ‬ويلمس،‮ ‬من كثبٍ،‮ ‬قارئُ‮ ‬هذه الخطبة أنها منْطوية علي‮ ‬قضايا وإشكالات ستُثار بحدة وبعمق فيما‮ ‬يأتي‮ ‬من النقود المسرحية‮. ‬إن النقاش كان واعيا تمامَ‮ ‬الوعي‮ ‬بخطورة العمل الذي‮ ‬أقـْـدم عليه،‮ ‬وكان‮ ‬يتوقع رَدَّة فعلٍ‮ ‬عنيفة من لدن المحافظين خاصة؛ لذلك،‮ ‬فقبل أن‮ ‬يُجازِف بتقديم مسرحيته المذكورة،‮ ‬كتب لها خطبة نظرية ومقدمة نقدية هامة،‮ ‬حاول فيها أن‮ ‬يُسوِّغ‮ ‬مشروعية فعله،‮ ‬ويدافع عن ضرورة استنبات المسرح في‮ ‬البيئة العربية‮. ‬فهو ذو وظيفة مزْدوجة؛ خُلُقية تربوية،‮ ‬وجمالية فنية‮. ‬الأمرُ‮ ‬الذي‮ ‬جعل كثيرين‮ ‬يقْبلون عليه،‮ ‬بادئ الأمر،‮ ‬بلذاذةٍ‮ ‬و بشغفٍ‮. ‬إن خطبة‮ "‬البخيل‮" ‬تلك لـَتُؤشِّر علي‮ ‬قدر مهم من الوعي‮ ‬النقدي‮ ‬كان‮ ‬يمتلكه صاحبُها،‮ ‬وتقدمه أيضا كنموذج للدراماتورج العربي‮ ‬المبكِّر الذي‮ ‬استطاع أن‮ ‬يمْزج بين الفعل الإبداعي‮ ‬المسرحي‮ ‬وبين المهارة الإخراجية وبين الوعي‮ ‬النقدي‮ ‬بذلك الفعل‮.‬
ومن القضايا الشائكة والإشكالات العويصة التي‮ ‬تعرض إليها الناجي‮ ‬في‮ ‬دراسته،‮ ‬قيد القراءة،‮ ‬التأصيلُ‮ ‬في‮ ‬المسرح العربي؛ أي‮ ‬البحث عن هُوية له،‮ ‬وخصوصيةٍ‮ ‬تميزه وتضعه في‮ ‬مقابل المسرح الغربي؛ وذلك بالرجوع إلي‮ ‬التراث،‮ ‬والتنقير فيه عمّا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحْويَه من بذور المسرح والفرجة‮. ‬ويعد المصري‮ ‬يوسف إدريس أول من حاول تأصيل المسرح العربي،‮ ‬وذلك في‮ ‬كتابه الشهير‮ "‬نحو مسرح عربي‮" ‬الصادر أواسط ستينيات القرن الغابر‮. ‬ومما‮ ‬يُحسَب له أنه لم‮ ‬يقف عند حدود التنظير والقول،‮ ‬بل انتقل إلي‮ ‬الإنجاز والفعل؛ بحيث إنه كتب،‮ ‬بعد صدور كتابه هذا،‮ ‬مسرحيته المعروفة‮ "‬الفَرافير‮" ‬باعتبارها تطبيقا نصَّانياً‮ ‬لما قاله نظريا عبر مختلِف محطّات كتابه،‮ ‬من حيث ضرورة بلورة شكل مسرحي‮ ‬عربي‮ ‬أثيلٍ‮ ‬ينطلق من التراث العربي‮ ‬نفسه‮ (‬من مسرح السّامر تحديداً‮). ‬ويري‮ ‬يوسف إدريس أن التمسرح ليس حِكْراً‮ ‬علي‮ ‬أمة دون أخري،‮ ‬بل هو ممارسة‮ ‬غريزية لدي‮ ‬كل قوم‮ ‬يتعاطاها في‮ ‬أوَان احتفاله‮. ‬إنه‮ ‬يضاهي‮ ‬الأكل والشراب والنّعاس عند بني‮ ‬البشر‮. ‬لذا،‮ ‬فإن التراث العربي‮ ‬،كغيره من التراثات،‮ ‬مُنْطَوٍ‮ ‬علي‮ ‬أشكال احتفالية وفرجوية؛ وعليه،‮ ‬فهو‮ ‬يحوي‮ ‬بذورا للظاهرة المسرحية بشكل أو بآخرَ‮. ‬وعلي‮ ‬الناقد المسرحي‮ ‬العربي‮ ‬أن‮ ‬يستنبط هذه البذور،‮ ‬وينطلق منها لإقامة صَرْح كتابة مسرحية عربية أصيلة متميزة‮.‬
ولما كان الناجي‮ ‬مهتما بالمسرح المغربي؛ من حيث ما‮ ‬يطرحه من قضايا وإشكالات،‮ ‬فكان من المنتظَر جداً‮ ‬أن‮ ‬يُفرد له حيزا ضمن كتابه الذي‮ ‬نحن بصدد قراءته‮. ‬وبالفعل،‮ ‬عَقد الرجل الفصلين الأخيرين للوقوف عند بعض قضايا المسرح المغربي‮ ‬وإشكالاته الشائكة المطروحة بإلحاحٍ‮ ‬في‮ ‬ساحة النقد المسرحي‮. ‬وأول ما‮ ‬يثيره بدايات الظاهرة المسرحية بالمغرب،‮ ‬ثم قضية الهِواية في‮ ‬المسرح المغربي؛ بحيث‮ ‬يؤكد أن الهواة هم ممثلو ذلك المسرح بامتياز،‮ ‬ومحدِّدو مساراته وتراكُماته‮... ‬طـَوال العقود الأربعة التي‮ ‬أعْقبت حصول المغرب علي‮ ‬استقلاله السياسي،‮ ‬وأن هذا المسرح كان حين‮ ‬يخرج من نطاق الهواية‮ ‬يسقط في‮ ‬الإسْفاف والابْتذال ‮.

بقلم‮: ‬فريد أمعضشــو‮ ‬– المغرب ‬

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: قلق المسرحُ‮ ‬العربيُّ
  • المؤلف: د. سعيد الناجي
  • الناشر: دار ما بعد الحداثة - فارس - المغرب
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٠
أخر تعديل في الثلاثاء, 02 تشرين1/أكتوير 2012 13:29

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here