بين العبث واللامعقول‮ .. ‬في‮ »‬المقهي‮ ‬القديم والفراشات‮«‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

في‮ ‬مجموعة‮ "‬المقهي‮ ‬القديم والفراشات‮" ‬للقاص عادل جاد‮ (‬دار ميريت ـ القاهرة ـ‮  ‬الطبعة الأولي‮ ‬2013‮)‬،‮ ‬قد نجد إلي‮ ‬حد بعيد تجسيدًا لمفهوم العبث واللامعقول،‮ ‬ومن ثم الهروب من الواقع وإليه،‮ ‬وتجسيدا لحس الافتقاد المتوالي‮ ‬الذي‮ ‬تستشعره النفس البشرية في‮ ‬مواجهة ما‮ ‬يحيط بها،‮ ‬علي‮ ‬نحو ما تأتي‮ ‬به النماذج القصصية التي‮ ‬يتعامل فيها القاص مع شخوصه انطلاقًا من ذاته المتوحدة بحس صوفي‮/ ‬روحاني‮ ‬متورط في‮ ‬الحياة من خلال شقها السديمي‮ ‬المحلق في‮ ‬الحلم أو الهارب من الواقع بتلك الروحانية التي‮ ‬تجتاز كل الفواصل والحواجز،‮ ‬بتلك السمة من‮ (‬التردد‮) ‬بين الصعود والهبوط‮:‬
‮"‬لا تفارقنا الذكريات القديمة بيسر،‮ ‬تظل ممسكةً‮ ‬بتلابيب العقل،‮ ‬تجلدنا مرات كثيرة بحوادث مريرة وأخري‮ ‬مشينة‮.. ‬أترك نفسي‮ ‬لعتمة الغرفة،‮ ‬تعتاد عيناي‮ ‬الظلام المحيط‮.. ‬يتحرك أمامي‮ ‬شريط الأحداث برخاوة‮. ‬تغادر الروح الجسد مرات ومرات ثم تعاود الرجوع‮". ‬
ذلك‮ (‬التردد‮) ‬الذي‮ ‬هو من سمات الصوفية،‮ ‬والذي‮ ‬يدفع بالذات في‮ ‬آتون تقلبها وارتيادها لعوالم مغايرة،‮ ‬قد تدفع للتعامل معها علي‮ ‬نحو التلبس والتنقل والحلول،‮ ‬ما‮ ‬يدفع إلي‮ ‬تجسيد فكرة العبث التي‮ ‬تقود في‮ ‬أغلب مواضعها إلي‮ ‬تجسيد فكرة اللامعقول المترتب علي‮ ‬الحالة الرافضة للواقع،‮ ‬الجانحة إلي‮ ‬ارتياد جوانب خفية من الذات في‮ ‬مواضع مختلفة،‮ ‬إذ أن الروح التي‮ ‬تحرك العمل‮/ ‬النص هي‮ ‬المهيمنة هنا إلي‮ ‬حد بعيد حيث‮ ‬يختتم هذا النص الافتتاحي‮ "‬هي‮ ‬ظلمة‮... ‬أشتهيها‮" ‬بالتأكيد علي‮ ‬هذه الحالة الملتبسة للروح مع الجسد‮:‬
‮"‬أنا الدرويش‮/ ‬الحالم‮/ ‬الزاهد‮/ ‬العاشق‮/ ‬التائب‮/ ‬الراجع‮.. ‬يفيض قلبي‮ ‬بطاقة أكبر من احتمالي،‮ ‬يغمر النور المكان‮.. ‬وأنشطر ضياءً‮.. ‬فضياء‮!".‬
حيث تكتمل اللغة الشاعرية المتوافقة مع الحالة،‮ ‬والمؤطرة لعملية الانعتاق المرجوة التي‮ ‬تفتح العالم أمام السارد كي‮ ‬يطوف فيه محاولا تحقيق هذه المعادلة،‮ ‬التي‮ ‬تشتبك مع الواقع أيضا في‮ ‬نص‮ "‬جحيم‮" ‬لتوطين الحس بالاغتراب وسط هذه المخلوقات المعتادة،‮ ‬للدخول في‮ ‬حالة أسطرة الجحيم أو الخوف أو عدم التصالح مع الواقع،‮ ‬بدايةً‮ ‬من مفتتح النص ذاته وحتي‮ ‬ختامه المؤكد علي‮ ‬تلك الحالة‮:‬
‮"‬تعلو ألسنة اللهب لعنان السماء كوحش أسطوري‮.. ".‬
‮ ‬ليكتمل المعني‮ ‬مع نهاية النص من خلال تلك التهويمات التي‮ ‬تجعل من‮ ‬غير المرئي‮ ‬كيانا قادرا علي‮ ‬تحفيز قدرة السارد علي‮ ‬استلهام واستخراج ما تمور به الذات من هواجس ومشاعر تدفع بها في‮ ‬اتجاه التعامل العبثي‮ ‬مع الحالة التي‮ ‬ربما صارت حالة لصيقة بهذا النموذج الإنساني‮:‬
‮"‬في‮ ‬الزاوية الأخري،‮ ‬بوجوههم العابسة ومشاعل اللهب تتراقص في‮ ‬أيديهم،‮ ‬كانوا هناك‮ ‬يتحركون كأشباح مبتهجة‮". ‬
فهنا‮ ‬يعكس السارد‮/ ‬الرائي‮ ‬بحسب التعبير الصوفي‮ ‬هذه الحالة التي‮ ‬تنقل التوتر وتعكس الحالة من منظور عدم الألفة وعدم التصالح مع هذا الواقع،‮ ‬حيث‮ ‬يبدو التعامل مع النص بحرفية تعضدها لغة تنحو إلي‮ ‬المجاز واستبطان الحالة والعروج بها إلي‮ ‬آفاق بعيدة تلتمس المتواري‮ ‬من المعني‮ ‬أو الدلالة‮. ‬
‮❊❊❊‬
ثمة اشتباك آخر مع مفهوم العبث،‮ ‬من خلال تيمة الحلم التي‮ ‬يلعب عليها القاص في‮ ‬أكثر من نص،‮ ‬حيث‮ ‬يدور كل منهما في‮ ‬جو حلمي‮/ ‬كابوسي‮ ‬أو حلم‮ ‬يقظة،‮ ‬مشتبك مع الواقع من جهة ومع الشكل العبثي‮ ‬التخييلي‮ ‬من جهة أخري،‮ ‬ويعد ارتباطا وطيدا،‮ ‬حيث تشكل المفردات الحلمية في‮ ‬حد ذاتها مع اضطراب الحدث،‮ ‬انعكاسا للحالة النفسية المشوشة التي‮ ‬تنتقل إليها توترات الذات لتصنع هذا المزيج من العبث نهايةً،‮ ‬ودخولا في‮ ‬نطاق اللامعقول الذي‮ ‬لا‮ ‬يمكن تقبله إلا علي‮ ‬أساس النزعة الحلمية‮/ ‬العبثية‮.‬
‮"‬كان عليّ‮ ‬التصرف بسرعة،‮ ‬تذكرت دورة مياه قريبة أحتفظ عادة ببعض الملابس في‮ ‬خزانة حديدية بها،‮ ‬أسرعت الخطو تجاهها‮.. ‬دسست بعض النقود في‮ ‬يد خادم الدورة بمجرد وصولي،‮ ‬وفتحت خزانتي‮ ‬وأخذت ملابس جديدة،‮ ‬لم تكن في‮ ‬أناقة الملابس الأولي‮"‬
في‮ ‬نص‮ "‬الحفلة‮" ‬يتمادي‮ ‬السرد في‮ ‬التعامل مع الحالة،‮ ‬وكأنما السارد الواحد هنا هو من‮ ‬يتنقل بذات الشخصية المضطربة ليكمل دوره في‮ ‬النص بذات اللهاث،‮ ‬وإن اختلفت التفاصيل وتشعبت لتخلق حالة أكثر حميمية دلالة علي‮ ‬الافتقاد الشديد لها،‮ ‬من خلال البحث عن المرأة‮/ ‬المحبوبة التي‮ ‬تمثل حجر زاوية وارتقاء لمفهوم البحث عن معادلة الوجود،‮ ‬وإن كان أيضا في‮ ‬متاهة حلمية متقافزة الأحداث‮:‬
‮"‬مسحت بعض قطرات الماء عن شعري‮ ‬وأنا أركض في‮ ‬اتجاه الجسر،‮ ‬وقرقعة حذائي‮ ‬علي‮ ‬الحجر تحدث صدي‮ ‬متتابعًا‮. ‬لمحت بعض العشاق متشابكي‮ ‬الأيدي‮ ‬أو‮ ‬يلفون خصور بعضهم وهم‮ ‬يتحركون ببطء وباعة متجولين في‮ ‬مدخل الجسر‮ ‬يذرعون الساحة،‮ ‬وهواة الصيد في‮ ‬الجانب الآخر من الجسر لم‮ ‬يبرحوا مكانهم‮. ‬نظرت في‮ ‬كل الاتجاهات باحثا عن‮ "‬امرأتي‮" ‬ولكنها لم تكن موجودة‮!".‬
تشتبك الحالة وتتصاعد،‮ ‬من خلال التفاصيل الكثيرة لمشهد متكامل‮ ‬يجسد للدخول الأعمق في‮ ‬حالة الاغتراب الذي‮ ‬يبدو من خلال فقد‮/ ‬افتقاد المرأة التي‮ ‬يسعي‮ ‬إليها برغم كل المحاذير التي‮ ‬يسوقها الحلم ويسقطها علي‮ ‬الواقع من خلال هذا التأرجح فيما بين الحركة العبثية،‮ ‬التي‮ ‬تتمادي‮ ‬في‮ ‬إبراز اللامعقول من التصرفات والنتائج واتساع دائرة البحث التي‮ ‬تقود إلي‮ ‬الهلوسة وتداخل الصور والوجوه والمشاهد،‮ ‬والدخول في‮ ‬المتاهة التي‮ ‬يصنعها تاريخ مخفي‮ ‬لايذكره النص‮!!‬
‮❊❊❊‬
من خلال نص‮ "‬الثعبان‮" ‬يلوح ملمح عبثي‮ ‬يكاد‮ ‬يمتد بذاك الخط السردي،‮ ‬حيث‮ ‬يتحول الواقع الخارجي‮ ‬إلي‮ ‬ساحة أشبه بالسيرك،‮ ‬أو الحلقة التي‮ ‬تلتف حول الحاوي‮ ‬في‮ ‬الشارع،‮ ‬بهذه المشهدية الراصدة،‮ ‬يقتحم القاص النص والحالة الآنية،‮ ‬التي‮ ‬يمثل المكان فيها بعدًا مفتوحًا علي‮ ‬الواقع‮/ ‬الحياة،‮ ‬يُختزل في‮ ‬حلقة حول‮ "‬حاوي‮" ‬أو مدعي‮ ‬بملامح مغايرة ملفتة للنظر،‮ ‬لمحاولة تدليس الواقع،‮ ‬والإيهام بقوة الإيحاء بتغلغل الحالة العبثية المفروضة،‮ ‬في‮ ‬علاقة متوهمة بين السارد والحاوي‮:‬
‮"‬توقف عندي‮ ‬للحظة تأملني‮ ‬وحياني‮ ‬بإيماءة من رأسه واستدار راجعا للخلف‮. ‬أعلن عن فقرة الإثارة القصوي‮".‬
ذلك ما‮ ‬يجعل السارد‮ ‬يتورط بطريقة عبثية في‮ ‬تلك اللعبة التي‮ ‬يمارسها الحاوي،‮ ‬بالإيحاء بالقوة والشجاعة التي‮ ‬يفتقدها السارد،‮ ‬وتبادل الأدوار‮ ‬غير المعتاد حدوثها‮:‬
‮"‬رفعت‮ ‬يدي‮ ‬ملمحا له كي‮ ‬أنهي‮ ‬الأمر فتراخي‮ ‬ضغط إصبعي‮ ‬علي‮ ‬فم الثعبان فأفلت مني،‮ ‬وشعرت بوخز ألم لاذع جراء لدغة الثعبان ليدي‮.. ‬تراجع الجمهور ثانية للخلف مذهولا ومذعورا وحدثت جلبة وفوضي‮".‬
اعتمادا علي‮ ‬الخط السردي‮ ‬الممتد الذي‮ ‬لا‮ ‬يدع للشخصية الفرصة كي‮ ‬تسترجع أي‮ ‬تاريخ أو مواقف في‮ ‬أجواء الدجل والنصب التي‮ ‬يتعامل بها المهرج‮/ ‬النصاب مع هؤلاء المنومين أو الواقعين تحت سيطرة الإيهام‮..‬
‮ ‬ذلك الإيحاء الضمني‮ ‬الذي‮ ‬يختتم به النص بأن هذا اللاعب‮ ‬يتلاعب بمن حوله بهذا الإيهام والتخويف من سم للثعبان‮ ‬غير موجود‮: ‬
‮"‬أسندني‮ ‬بعض الأشخاص ثم أجلسوني‮ ‬علي‮ ‬الأرض‮.. ‬أحسست بخدر شديد في‮ ‬يدي‮.. ‬وبدأ وجه الرجل‮ ‬يهتز‮.. ‬ويتلاشي‮ ‬وتتلاشي‮ ‬معه كل العيون المحدقة‮".‬
هكذا تكتمل الصورة العبثية متمثلة في‮ ‬حالة الغيبوبة،‮ ‬وفكرة الإيهام التي‮ ‬يلعب عليها ليدلل علي‮ ‬أن أغلب الآثار والتداعيات تأتي‮ ‬من خلال النفسية البشرية في‮ ‬إطار من التصرفات اللامعقولة التي‮ ‬ربما تبدلت قيمها لتدخل في‮ ‬نطاق المعقول والعادي‮ ‬والمتاح حدوثه‮. ‬
محمد عطية محمود

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: المقهي القديم والفراشات
  • المؤلف: عادل جاد
  • الناشر:
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٦
مسرحنا

الأخير من مسرحنا

الذهاب للأعلي