بناء مختلف لا‮ ‬ينتمي‮ ‬للأشكال السابقة‮.. ‬في‮ "‬تلك القري‮" ‬لأحمد سراج

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

تتنوع أبنية الرواية‮ ‬– ‮ ‬طبقا‮ ‬ً‮ ‬لموقع الراوي‮ ‬من الأحداث‮ ‬– ‮ ‬تنوعا‮ ‬ً‮ ‬لافتا‮ ‬ً؛ ولاشك أن هذا الموقع‮ ‬ينعكس علي‮ ‬درجة المعرفة التي‮ ‬يتمتع بها الراوي‮ ‬الذي‮ ‬قد‮ ‬يكون راويا خارجيا عليماً‮ ‬أو راويا داخلياً‮ ‬مشاركا في‮ ‬الأحداث تتساوي‮ ‬معرفته مع معرفة الشخصيات أو‮  ‬راويا متعدد الأصوات حيث تقدم كل شخصية حكايتها‮  ‬أو رؤيتها للأحداث‮. ‬
والحقيقة أن بناء رواية‮ " ‬تلك القري‮ " ‬للكاتب أحمد سراج‮ (‬سما للنشر والتوزيع‮ ‬2014‮) ‬بناء مختلف متميز لأننا لا نستطيع نسبته إلي‮ ‬الأشكل من أشكال السابقة ؛ وربما‮ ‬يرجع هذا‮ ‬– ‮ ‬في‮ ‬تصوري‮ ‬– ‮ ‬إلي‮ ‬أن الكاتب‮ ‬يتمتع بأكثر من موهبة‮ ‬،‮ ‬فهو شاعر وروائي‮ ‬وكاتب مسرح ولا شك أن هذه القدرات قد اثرت علي‮ ‬هذه البنية الروائية المتميزة والتي‮ ‬تجمع بين وضعية الراوي‮ ‬الخارجي‮ ‬العليم والبنية متعددة الاصوات ولكي‮ ‬يجمع الكاتب بين هذين النمطين دون ارباك للقارئ حرص علي‮ ‬تصميم البناء بشكل محكم فبدأ بما سماه‮ " ‬عن الواح الكتابة‮ "‬مجيبا‮ ‬ًعن سؤال متي؟ كتمهيد عام للاحداث ثم قسم الرواية الي‮ ‬اربعة اقسام كبيرة تحمل هذه العناوين الدالة‮ :‬من سفر العودة،من وجع التغريبة،من ايام الهروب والخروج،في‮ ‬طريق العودة؛بادئا كل قسم منها بعنوان فرعي‮ ‬مقدم علي‮ ‬لسان الراوي‮ ‬الخارجي‮ ‬ثم تبدأ الشخصيات في‮ ‬سرد حكاياتها‮.‬ ويهمني‮ ‬التوقف أمام العناوين الفرعية فهي‮ ‬تبدأ وتنتهي‮ ‬بــ"متي‮" ‬بما‮ ‬يعني‮ ‬ان الزمن لايقل أهمية عن المكان الذي‮ ‬يوحي‮ ‬به عنوان الرواية‮ . ‬انه زمن المتاهة والتهجير الجبري‮ ‬او الطوعي‮ ‬والاقتنال العربي‮ ‬العربي‮  ‬او العربي‮ ‬الاسلامي؛زمن الغزو الخارجي‮ ‬والقمع الداخلي؛الامر الذي‮ ‬جعل المكان هنا في‮ ‬مصر وهناك في‮ ‬العراق مكانا‮ ‬ً‮ ‬طاردا‮ ‬ً‮ ‬لا تستقر فيه الشخصيات ولا تجد فيه أمانها ويصبح السفر قطعة من العذاب كما تصبح الرحلة قاصرة داخل محيطها العربي‮ ‬بين اماكن متشابهة في‮ ‬فقرها وقمعها واهدارها لادمية‮ .‬الانسان ؛بعد ان كانت فيما مضي‮ ‬رحلة اكتشاف للأخر الغربي‮ ‬بما‮ ‬يترتب علي‮ ‬ذلك من اثراء للذات وانفتاح علي‮ ‬افاق حضارية مختلفة وكما تشابهت الأماكن هنا وهناك تشابهت الشخصيات ايضا‮ ‬ً‮ ‬،لا فرق بين مصري‮ ‬وعراقي‮ ‬في‮ ‬الاحساس بالقهر والمحاصرة والمطاردة‮ ‬،من هنا‮ ‬يتناوب ثماني‮  ‬شخصيات السرد لتقديم حكاياتهم التي‮ ‬تختلف في‮ ‬تفاصيلها وتتفق في‮ ‬دلالاتها العامة علي‮ ‬سبيل التماثل أو المفارقة وهذه الشخصيات‮  ‬هي‮:‬
عبده‮ ‬،سعيد،‮ ‬اسامة،‮ ‬هندي،‮ ‬شه د(مصريون‮)‬،‮ ‬سلسبيل،‮ ‬عبير(عراقيتان‮)‬،‮ ‬عامر‮ (‬من أب مصري‮ ‬وهو‮: ‬عبده‮ ‬،وأم عراقية‮:  ‬سلسبيل‮) ‬كما تفاوتت مرات التناوب علي‮ ‬السرد بين شخصية وأخري‮ ‬،وكان اكثرها هندي‮ ‬وسلسبيل‮ (‬اربع مرات‮)‬،ثم اسامة‮ (‬ثلاث مرات‮)‬،‮ ‬وعبده وسعيد وشهد وعبير(مرتان‮)‬،‮ ‬وعامر‮ (‬مرة واحدة‮ ) ‬ هذا التوصيف العام لبناء الرواية‮ ‬يدل علي‮ ‬التصميم الواعي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يترك شيئا‮ ‬ً‮ ‬لفعل المصادفة كما‮ ‬يعكس رغبة في‮ ‬تقديم زوايا رؤي‮ ‬متعددة تتماثل في‮ ‬اهميتها ومحوريتها فلا‮ ‬يمكن مثلا تقديم حكاية عبده وسلسبيل علي‮ ‬حكاية اسامة وشهد او حكاية هندي‮ ‬مع زوجته الدميمة وعلاقاته النسائية المتعددة؛ او تقاطع وعي‮ ‬د‮. ‬عبير العراقية مع وعي‮  ‬أسامة المصري‮ ‬مدرس التاريخ،فكلاهما‮ ‬يقف ضد الاستبداد وتزييف التاريخ‮ : ‬وأخيرا‮ ‬ً‮ ‬وعي‮ "‬عامر‮" ‬الحائربين شجاعة المواجهة التي‮ ‬تؤدي‮-‬غالبا‮ -‬ الي‮ ‬الموت كما حدث‮  ‬مع عامر الخفاجي‮ ‬أحد أبطال السيرة الهلالية والمواجهة باطراف اليد كما‮ ‬يقال التي‮ ‬يمثلها تموز وعشتار وما قد‮ ‬يترتب عليها من تجدد للحياة ؛ او تناقض وعي‮ ‬د‮. ‬عبير التي‮ ‬تبحث في‮ ‬كيفية الحفاظ علي‮ ‬الاثار بوصفها رمزا‮ ‬ً‮ ‬لحضارة‮  ‬ينبغي‮ ‬استمرارها ووعي‮ ‬هندي‮ ‬الذي‮ ‬يسعي‮ ‬لبيع أثاروطنه بوصفها أداة للتربح والثراء المادي‮. ‬لا‮ ‬يمكن تقديم‮  ‬حكاية من تلك الحكايات علي‮ ‬اخري‮ ‬وبالتالي‮ ‬لا نستطيع وصف احدي‮ ‬الشخصيات بأنها شخصية رئيسية تدور في‮ ‬فلكها شخصيات ثانوية مساعدة كما هو الحال في‮ ‬البناء التقليدي‮ ‬للرواية ؛ بما‮ ‬يعني‮ ‬اننا امام بنية‮ "‬افقية‮" ‬تقف فيها الشخصيات بحكاياتها المتعددة علي‮ ‬قدم المساواة‮ ‬،‮ ‬لا بنية‮ "‬رأسية‮" ‬تقوم علي‮ ‬التراتب‮ .‬
المكان‮ ‬– كما ذكرت‮ ‬– مكان طارد في‮ ‬الوطن وفي‮ ‬المنفي‮ ‬وهذا ما‮ ‬يلخصه السارد الخارجي‮ ‬بسؤاله الاستنكاري‮ :" ‬ضاقت علينا في‮ ‬الوطن‮ ‬،‮ ‬فكيف تتسع في‮ ‬المنفي‮ ‬؟‮!" (‬ص63‮) ‬ففرص العمل كلها خارج‮ "‬القرية‮" ‬؛ في‮ ‬العاصمة أو الجبل الجديد ؛ لكن عبده‮ ‬يقترح‮ : ‬الرافد كما لو كان قد اتخذ هذا القرار من قبل ؛ والرافد هو العراق وهو رمز قريب الدلالة‮ ‬يقصد به الكاتب الإشارة الواضحة علي‮ ‬نحو ما اختار لمصر اسم‮ " ‬سمر ولاسرائيل اسم‮ "‬الدولة الزرقاء‮ " ‬ولحزب البعث الكبير اسم‮ "‬حزب الوعد الكبير‮" ‬،‮ ‬ولاشك أن هذه الحيلة الفنية تعني‮  ‬أننا لسنا أمام رواية تسجيلية تتعامل مع الأماكن بأسمائها الحقيقة‮ ‬،‮ ‬ولسنا أيضا أمام رواية خيالية بعيدة عن الواقع‮ .‬
فالرواية باعتبارها فنا‮ ‬ً‮ ‬– قبل أي‮ ‬شئ آخر‮ ‬– تأخذ من الواقع وتضيف إليه وتعدل من عناصره ؛وهذا ما‮ ‬يفسر تقنية التقديم والتأخير في‮ ‬البنية الزمنية التي‮ ‬لاتعتمد‮   ‬التطور الخطي‮ ‬بل تقوم علي‮ ‬التداخل بين الحاضر والماضي‮ ‬القريب والبعيد من خلال استدعاء السيرة الهلالية وأسطورة تموز‮ . ‬والحقيقة أن اختيار السيرة الهلالية تحديدا‮ ‬ً‮ ‬هو اختيار دال للتشابه الواضح بين النزوح الهلالي‮ ‬شبه الجماعي‮ ‬من أرض العرب بسبب جدبها والنزوح المصري‮ ‬شبه الجماعي‮ ‬ـايضا‮ ‬ًـ من القري‮ ‬المصرية بسبب ما بها من فقر ؛ ونتيجة التمرد علي‮ ‬الظروف الجامعة بين الرحلتين الهلالية والمصرية‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬نتيجة مركزية داخل الرواية تجدها مجسدة في‮ ‬شخصية د/عبير التي‮ ‬قاومت سلطة الملك المستبد وسلطة المحتل وفي‮ ‬الفصل التمهيدي‮ ‬المعنون بــ‮ (‬عن الواح الحكاية‮) ‬يظهر ذلك التدرج من صراع الانسان مع الطبيعة الي‮ ‬صراعه مع‮ ‬غيره من البشر ومحاولة قهرهم والسيطرة عليهم‮ : "‬فلما فشا الجوع والقحط بين الفلاحين‮ ‬،‮ ‬وزاد العمد وشيوخ الخفر والأعيان‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يصيبهم مرض ولا جوع‮ ‬،عرف الفلاحون عدوهم الحقيقي‮ ‬،‮ ‬وبكوا اباهم النهر الذي‮ ‬كان‮ ‬يغسلهم من همومهم ومذليهم،‮ ‬فارضعت نساؤهم الذرية الخنوع والمذلة ظاهرا‮ ‬ً‮ ‬والرفض والمقاومة باطنا‮. ‬ولكل آن أوان‮. ‬وهب الآباء الي‮ ‬الموالد ومجالس الذ كر والسير والملاحم‮ ‬،‮ ‬وتلالأ الهلالي‮ ‬وعنترة والظاهر والزير‮ . ‬ورأي‮ ‬الجميع أن ذلك حسن‮ (‬صــ12ـــــ‮) ‬ومن الواضح أن أسلوب المقطع السابق‮ ‬يتناص مع احدي‮ ‬قصائد‮  ‬امل دنقل التي‮ ‬تتناص بدورها مع اسلوب العهد الجديد علي‮ ‬ان الاهم من ذلك هو مايقدمه هذا المقطع من لحظة اكتشاف الفلاحين لعدوهم الحقيقي‮ ‬وهم‮ : ‬العمد وشيوخ الخفر والأعيان في‮ ‬تركيبة تجمع بين السلطة السياسية والاجتماعية ومايلازمهما من أدوات قمعية‮ ‬, ثم اعتماد المواجهة بالحيلة التي‮ ‬اشتهر بها المصريون لحين المواجهة الصريحة فلكل ان اوان وهنا تدخل سير البطولات بوصفها طاقة روحية تؤكد الاحتشاد وصولا الي‮ ‬اللحظة الفاصلة‮ . ‬لكن تاريخ التطور البشري‮ ‬ليس صاعدا بالضرورة فهناك انتكاسات ومحو للهوية واستكانة للواقع وقلب المعايير فبمجرد تقادم الزمن وتكاثر الابناء وابناء الابناء وانفصالهم عن امهاتهم بدأ المسخ والتحول‮ ‬, فصالحوا العدو وحاربوا الاخوة‮ (‬ص12‮) ‬ولنلاحظ ان كل هذه الاشارات الدالة تأتي‮ ‬في‮ ‬الفصل التمهيدي‮ ‬للرواية علي‮ ‬لسان الراوي‮ ‬الخارجي‮ ‬, مما‮ ‬يدفعنا الي‮ ‬تأويل الرواية باعتبارها تذكيرا بالبديهيات وتمييزا بين الاعداء والاخوة وتأكيدا لقيمة المقاومة ومن هنا تكثر التلميحات السياسية علي‮ ‬لسان زوجة الجنرال في‮ ‬حديثها مع‮ (‬عبده‮ ): (‬رئيسكم قبل هلاكه كان‮ ‬يريد أن‮ ‬يصل الماء الي‮ ‬الأعداء‮ )... (‬أنتم هكذا لايحكمكم سوي‮ ‬الطواغيت‮ ) ( ‬ص23‮)‬ ان تباين وعي‮ ‬الشخصيات بالحدث الواحد لايعكس فحسب تعدد وجهات النظر بل‮ ‬يعكس حسا بالمفارقة فعندما تتحدث زوجة الجنرال عن الثورة‮ ‬يعلق عبده بقوله‮ ( ‬وهل سأقوم انا وهندي‮ ‬بهذه الثورة ؟ هندي‮ ‬يانهار اسود لقد كان جده‮ ‬يضرب من الباشا بالحذاء فيصرخ احذر‮ ‬ياباشا الحذاء سيتسخ‮ ‬ياباشا ويقبل الحذاء ويمسحه بخده‮ " "‬صــ24‮"‬ والمفارقة هنا هي‮ ‬مفارقة موقف تتوازي‮ ‬مع المفارقة اللفظية التي‮ ‬نجدها مثلا في‮ ‬قول د.عبير‮ "‬اننا متقدمون في‮ ‬تعذيب انفسنا فقط‮ " "‬صــ144‮"‬ وقد‮ ‬يتداخل هذان المستويان في‮ ‬قولها‮ "‬اعتقلني‮ ‬بنوجلدتي‮ ‬وحررني‮ ‬الاحتلال‮ " "‬صـ145‮"‬كما ان مصائر الشخصيات توحي‮ ‬بأننا أمام رحلة مجهضة ذهابا وايابا حيث تراوحت هذه المصائر بين الغياب كما في‮ ‬حالة عبده والقتل كما في‮ ‬حالة هندي‮ ‬وألم الفقد كما في‮ ‬حالة اسامة وشهد بعد انفصالهما مما‮ ‬يجعل الرحلة عموما أقرب الي‮ ‬المتاهة التي‮ ‬لم‮ ‬ينج منها أحد‮ .‬
وأخيرا فنحن أمام رواية متميزة استفادت من الشعر خاصة في‮ ‬اسلوب اسامة وشهد ؛والمسرح في‮ ‬شكل البناء حيث بدت الشخصيات أشبه بالشخصيات الدرامية التي‮ ‬تقدم نفسها بصورة مباشرة ثم‮ ‬يأتي‮ ‬تعليق الراوي‮ ‬– بديل الكورس القديم‮ ‬– علي‮ ‬الأحداث أن كل ماسبق‮ ‬يؤكد أن الرواية قد جمعت بين سمتين أساسيتين‮ :‬احكام البناء و تمرد الوعي‮ ‬وهذا في‮ ‬تصوري‮ ‬من علامات تميزها وخصوصيتها الواضحة‮   ‬

د. محمد السيد اسماعيل

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: تلك القري
  • المؤلف: احمد سراج
  • الناشر: سما - ٢٠١٤
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٤
مسرحنا

الأخير من مسرحنا

الذهاب للأعلي