الصراع بين الجسد والروح في‮ ‬قصص‮ "‬يليق بسكران"

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

الأجدر بنا أن نذكر أن الصراع بين الروح والجسد هو صراع أزلي‮ ‬منذ بدء الخلق‮ ‬،‮ ‬رصدته الأساطير والمعتقدات الشعبية المتوارثة‮ ‬،‮ ‬وحريُ‮ ‬بنا أن نذكر أيضاً‮ ‬أن تلاقي‮ ‬الأرواح وتنافرها‮  ‬هو سر روعة هذا الكون‮ ‬،‮ ‬وأن الحياة بكل كائناتها قائمة علي‮ ‬الصراع بين الروح والجسد‮ . ‬ونص‮ ‬يليق بسكران للقاص محمد أبو الدهب‮  ‬يسمو بالروح لتكون كائناً‮ ‬حراً‮ ‬طليقاً‮ ‬لا‮ ‬يصدها موانع‮ ‬،‮ ‬والأجساد بالنسبة لها شفافة كلوح زجاج بلوري‮ ‬،‮ ‬أو كثوب حريري‮ ‬يمكن اختراقه بسهولة ويسر‮ ‬،‮ ‬فثمة علاقة وطيدة بينهما‮ ‬،‮ ‬وإنما هي‮ ‬علاقة لا‮ ‬يحدها نظام‮ . ‬فروح البطل المخمور دائماً‮ ‬قفزت لتخلق روحاً‮ ‬أخري‮ ‬تحاورها وذلك مثل سيد عبد الرازق‮ ‬– الذي‮ ‬اختلقه ليكون مرافقاً‮ ‬له في‮ ‬رحلته الغيبية في‮ ‬عالم من الممكن أن نطلق عليه افتراضياً‮ ‬،‮ ‬أو هو عالم ممسوخ من الواقع‮ ‬،‮ ‬يراه هو بكل متناقضاته‮ ‬،‮ ‬فالظاهر‮ ‬غالباً‮ ‬لا‮ ‬يعبر عن المكنون‮ ‬،‮ ‬والجسد هذا التكوين اللين ذو المفاصل والثنيات‮ ‬– المكون من الرأس والصدر والرجلين ما هو إلا شكل اسطواني‮ ‬معبأ بنوازع وأسرار وخفايا تحبسها فوهة الفم‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬غالباً‮ ‬ما‮ ‬ينطق بكلمات لا تعبر عما في‮ ‬داخله‮ ‬،‮ ‬وإذا كنت قد آشرت إلي‮ ‬الروح بأنها في‮ ‬النص روح حرة طليقة‮ ‬– فهي‮ ‬بالفعل روح البطل والذي‮ ‬يحاول بها وبجسده المضمور أن‮ ‬ينطلق ليحرر الأرواح الأخري‮ ‬،‮ ‬مثل علاقته بزميلاته في‮ ‬المكتب صباح‮ ‬– ‮ ‬وسلوي‮ ‬وتحية العاملة‮ ‬،‮ ‬فهو في‮ ‬حالته المضمورة هذه‮ ‬يري‮ ‬الأجساد شفافة تفضح خبايا الروح التي‮ ‬ترتكن بزاوية علي‮ ‬شمال الصدر‮ ‬،‮ ‬فهو‮ ‬يعلم أن حركات تحية العاملة بنفور صدرها المتدلي‮ ‬عمداً‮ ‬– يعبر عن مكنون روحها التي‮ ‬تود أن تتحرر‮ ‬– فباغتها هو بمراودته لها‮ ‬– فأبت مدعية المسكنة‮ ‬،‮ ‬وأيضاً‮ ‬رسائله الجنسية لزميلاته‮ . ‬فهن في‮ ‬الظاهر‮ ‬– كما‮ ‬يعتقد‮ ‬يلومنه ويبررن‮ ‬غفرانهن له بأنه دائماً‮ ‬ما‮ ‬يكون مخموراً‮ . ‬وجسده الذي‮ ‬يعبس فيه‮ ‬– ‮ ‬ليخرج الأمعاء والمعدة والكبد ليشطفهم كحبات الطماطم ويعيد وضعهم مرة أخري‮ ‬– ‮ ‬فهذا‮ ‬يجعلنا نوقن أنه‮ ‬يتحاور مع الجسد كمرآة أمامه‮ ‬– ‮ ‬يري‮ ‬ما ترصده ووقوفه تحت الدش الذي‮ ‬ينتظر أن تسخن مياهه ليشطف جسده وما‮ ‬يحويه‮ ‬– ‮ ‬تخترقه المياه كشلال‮ ‬يطهرها‮ ‬– ‮ ‬هو‮ ‬ينتظر هذه اللحظة‮ ‬– ‮ ‬وهذه اللحظة هي‮ ‬عمر المتتالية القصصية التي‮ ‬اتسمت بحبكة الرواية والتي‮ ‬استدعي‮ ‬فيها كل‮ ‬يومياته السابقة‮ ‬،‮ ‬فوثبت روحه إلي‮ ‬أرواح الآخرين‮ ‬،‮ ‬فتذكر أمه التي‮ ‬ماتت وهو مخمورا وأبيه ونفوره من أفعاله وسيد عبد الرازق الشخص الهلامي‮ ‬الهش الذي‮ ‬يرافقه وزجاجات البراندي‮ ‬ورسائله وعربدته في‮ ‬البارات‮.‬
فإن البراندي‮ ‬هو السر الذي‮ ‬يلجأ إليه لينتشي‮ ‬ويعلو بروحه وجسده أيضاً‮ ‬علي‮ ‬كل السلوكيات الظاهرة والتي‮ ‬يعرف حقيقتها‮ .‬
ففكرة الخروج عن الوعي‮ ‬لفضح الواقع من الظاهر أنها فلسفة أبو الدهب في‮ ‬طرح أفكاره ورؤاه‮ ‬،‮ ‬ورغم أن الروح حرة طليقة من الجائز أن نغفر لها كل شذوذها وتمردها وسخطها وذلك بحجة الخروج عن الوعي‮ .‬
إن التضاد والتصادم‮ ‬غالباً‮ ‬ما‮ ‬يخلق فلسفة تبرهن علي‮ ‬فكر الكاتب‮ ‬– بالضبط كتصادم صخرتان‮ ‬يتولد من بينهما الشرر‮ ‬،‮ ‬فهو في‮ ‬حالة تصادم مستمر مع واقعه‮ ‬،‮ ‬تصادم‮ ‬يتألف نظامه من استخدامه لحيل وأدوات من الجائز أن نطلق عليها حيلا هشة ضد نظام صلد‮ .‬
‮- ‬ولكنها هشاشة ألسنة النار‮ ‬،‮ ‬ومن هذه الحيل أنسنة الأشياء المحيطة التي‮ ‬تشكل وعيه‮ ‬،‮ ‬أو إذا صح التعبير تشكل خروجه عن الوعي‮ ‬– ليلامس كل الأرواح ويحرر الأجساد من ثقلها بتحدي‮ ‬جاذبية الواقع الملتبس‮ ‬،‮ ‬المتواري‮ ‬خلف أقنعة وقيم‮ ‬يراها هشة‮ ‬ينفرها الجسد والروح معاً‮ .‬
‮- ‬إن ثقافة أبو الدهب البصرية لها كبير الأثر في‮ ‬كتابة هذا النص‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يعتمد اعتماداً‮ ‬كلياً‮ ‬علي‮ ‬التحاور مع الأشياء من حوله ككرتونة الشاي‮ ‬ومنضدة الكمبيوتر والسخان وزجاجة البراندي‮ ‬الذي‮ ‬وصفها وصفا تشكيلياً‮ ‬مراوغاً‮ ‬لعينيه‮ ‬،‮ ‬وأيضاًَ‮ ‬تشكيلة لصورة مبتكرة توصف حالته باستعارته لصورة سيارة تقع‮ ‬،‮ ‬أو رسمة لصورة أيقونة الرسائل في‮ ‬الموبايل بأنها تحمل الرسالة وتطير سكرانة‮ ‬،‮ ‬أو للتوكتوك الذي‮ ‬رآه سيد عبد الرازق شاحنة كبيرة مما أضفي‮ ‬علي‮ ‬السرد مسحه من الكوميديا‮ ‬– منطقية مع تطور الأحداث‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يكتف بالابتكار في‮ ‬الصورة‮ ‬،‮ ‬ولكنه جرب أيضاً‮ ‬في‮ ‬اللغة‮ . ‬فقد نحت جملاً‮ ‬بلاغية حية‮ ‬ تخصه هو مثل جملة‮  ( ‬هكذا‮ ‬– بغشم‮ ‬– ببراندي‮ ‬علي‮ ‬الأرجح‮ ) ‬فجاءت ببراندي‮ ‬مرادفة لغشم وذلك بعد جملته الشهيرة لتحية العاملة‮ .‬
وكان للرد‮- ‬فعل السحر‮- ‬في‮ ‬النص رغم ارتباكه المقصود ليحقق الحالة ولكنك لا تخطئ أن هناك أحداثا كبري‮ ‬وقصة جعلت البطل في‮ ‬حالة خروج عن الوعي‮ ‬فلجأ لحيلة استدعاء الماضي‮ ‬وشكله مستخدماً‮ ‬طريقة الكولاج في‮ ‬التشكيل وذلك بوضعه مواقف وأحداث ليست متشابهة ولكن‮ ‬يربطها جميعاً‮ ‬خيط رقيق لا‮ ‬يري‮ ‬بالعين المجردة‮ ‬،‮ ‬فهو رفيع وخفيف مثل خفة الجسد ورشاقة الروح‮ ‬،‮ ‬فمن الجائز اختراقه ومن الجائز أيضاً‮ ‬اختراقه هو لكل الأزمنة والأجساد فالروح والجسد القلقان والمضطربان الرافضان لمرارة الواقع الانهزامي‮ ‬– يحاولان التشبث بهذا الخيط الرفيع الذي‮ ‬لا‮ ‬يري‮ ‬فيبدو الاضطراب منطقياً‮ ‬مكثفاً‮ ‬لحالته‮ ‬،‮ ‬وحالة من حوله‮ ‬،‮ ‬وتبقي‮ ‬الروح تبحث عن جسد آخر نقي‮ ‬،‮ ‬ويظل الجسد حائراً‮ ‬مترنحاً‮ ‬مخموراً‮ ‬يبحث عن روح مستقرة تجعله أكثر شفافية وصراحة مع الكائنات من حوله التي‮ ‬تقفز وتعدو لتبحث عن مصائر أخري‮ ‬تشكل وعيه من جديد‮ .‬
محمد عكاشة

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: يليق بسكران
  • المؤلف:
  • الناشر:
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٤
مسرحنا

الأخير من مسرحنا

الذهاب للأعلي