التشتت والتكامل‮ ..‬ في‮ "‬يليق بسكران‮" ‬لمحمد أبو الدهب

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

نجح أبو الدهب أن‮ ‬يجعلنا نشعر بالارتباك علي‮ ‬مستوي‮ ‬اللغة والبنية في‮ ‬متتاليته القصصية‮ " ‬يليق بسكران‮"  ‬وذلك ما حقق التكامل بين الشخصية الرئيسة بالمتتالية الراوي‮ ‬السكران الذي‮ ‬يتفاعل مع العالم بكل مكوناته المفروضة علي‮ ‬الراوي‮ ‬ثم‮ ‬يعيد تشكيل العالم في‮ ‬عالمه الافتراضي‮ ‬التي‮ ‬يخلقه ويسكن إليه في‮ ‬حضور الخمور،‮ ‬هذا الارتباك ناتج في‮ ‬الأساس عن تفتيت الشخصية المركزية في‮ ‬النص وانشطارها بين الشخصيات المحورية والشخصيات الثانوية هذه الشخصيات جميعها التي‮ ‬تحاول التأثير علي‮ ‬الراوي‮ ‬وتحويله إلي‮ ‬صورة كربونية منها تحت مسميات مختلفة وتلبس ثوب الحكمة أو العقل أو الدين أو العادات أو التقاليد أو الصداقة أو العطف أو الحب‮.... ‬إلخ وبين الذات التي‮ ‬ترفض هذا العالم ولكنها‮ ‬غير قادرة علي‮ ‬الصدام والمواجهة فيلجأ إلي‮ "‬خيمته‮" ‬أو‮ ‬يتقوقع داخل ذاته هاربا إلي‮ ‬العالم الافتراضي‮.‬
‮ ‬ونجح المبدع في‮ ‬ربط‮  ‬الواقع بعالمه الافتراضي‮ ‬من خلال رسائل الموبايل التي‮ ‬يرسلها الراوي‮ ‬بعد أن‮ ‬يصل إلي‮ ‬درجة معينة في‮ ‬السكر وكذلك رؤيته للواقع التي‮ ‬لا‮ ‬يحاول أن‮ ‬يعلنها صراحة في‮ ‬وجه العالم فتصبح الذات هي‮ ‬المرتكز الأساسي‮ ‬للنص‮ .‬
‮"‬أتذكر‮ ‬يوم الموعظة الكبري؟ بعد أن خلعت أدوار كونفوشيوس وابن تيمية وسعد الدين،‮ ‬وانتقلت إلي‮ ‬موضوع جوائز الدولة،‮ ‬وكنت بين زجاجتيك الثانية والثالثة،‮ ‬بيرة‮ ‬يا أخي‮ ! ‬وحدي‮ ‬أعرف كم مرة قلت‮ (‬الأستاذ عرفان‮) ‬بعد أن دعكت جبهتك طويلا‮. ‬وحدي‮ ‬أفهم أنك تريد‮ (‬الأستاذ عرفات‮) .. ‬وحدها البيرة تفعل ما تريد،‮ ‬تأخذ من التاء نقطة،‮ ‬لتجريها علي‮ ‬لسانك نونا،‮ ‬وأنت نايم في‮ ‬العسل،‮ ‬ممهور بعيون الشاربين من حولك‮ . ‬نحن موفقان جدا إلي‮ ‬هذا الحد‮ ‬يا سيد‮ ... ‬ليكن في‮ ‬معلومك،‮ ‬إذا لم‮ ‬يكف الحمقي‮ ‬عن كتابة الشعر،‮ ‬ولم تلغ‮ ‬عقوبة تمزيق جسد المتهم نصفين بين ثورين،‮ ‬ولم نتوقف أن نشيخ،‮ ‬ولم ترد بنات المكتب علي‮ ‬رسائلي‮ ‬الجنسية،‮ ‬ولم تعد لي‮ ‬رواية بيراندللو التي‮ ‬أخذتها‮ ‬يوم الخميس ولم‮ ‬يسخن السخان الماء الآن‮ .. ‬فإن هذا المشوار‮ ‬يقف علينا بخسارة،‮ ‬وعليه سأقفز توا من فوق الكوبري‮ ‬إلي‮ ‬الخيمة،‮ ‬محشورا مزنوقا منكمشا بين الثلاجة وترابيزة الكمبيوتر‮ ".‬
ونجح المبدع في‮ ‬أن‮ ‬يعكس الصراع المستمر والارتبارك الواضح الناشئ عن الذات الموزعة علي‮ ‬عالمين علي‮ ‬مستوي‮ ‬النص بشكل عام فعلي‮ ‬مستوي‮ ‬لغة النص نجد المبدع والذي‮ ‬اختار بطله‮ .. ‬بطل المتتالية المثقف،‮ ‬الإنسان،‮ ‬الموظف‮  ‬الذي‮ ‬ربما لا‮ ‬يمتلك قناعات أو‮ ‬يقيناً‮ ‬أو رؤية واضحة مسبقة تجاه العالم الخارجي‮  ‬لكنه في‮ ‬الوقت نفسه‮ ‬يناشد الحرية،‮ ‬حرية الفرد مقابل تسلط المجتمع وتدخله واقتحامه خصوصيته ومحاولة تغيير حياة هذا الفرد وفق قناعة كل شخصية تحاول مع البطل المركزي‮ ‬حتي‮ ‬هذا الحد لا‮ ‬يوجد صراع مادي‮ ‬بين بطل مستسلم‮ ‬غير قادر علي‮ ‬التفاعل مع المجتمع المحيط وغير قادر علي‮ ‬التعبير صراحة حتي‮ ‬بالإعجاب أو الرغبة الجنسية أو الاعتراض ومجتمع متسلط ولكن المبدع محمد أبو الدهب وبذكاء شديد اختار بعناية شديدة هذه الشخصية المركبة الراوي‮ ‬السكران المقهور الذي‮ ‬يعاني‮ ‬من العزلة والفشل والحرمان والذي‮ ‬يستبدل كل نواقصه بالعالم الافتراضي‮ ‬الذي‮ ‬يتشكل ويتسع ويصبح مكتملا في‮ ‬حضور الخمر أو حالة السكر‮.‬
‮ ‬كما أنه نجح في‮ ‬أن‮ ‬يتجاوز هذا العالم الافتراضي‮ ‬ويعبر من خلاله إلي‮ ‬الواقع لتصبح الخمر مجرد محفز علي‮ ‬المواجهة هذه المواجهة التي‮ ‬تنتهي‮ ‬سريعا بمجرد انتهاء تأثير الخمر علي‮ ‬الشخصية المركزية‮  ‬فالخمور هنا ليست مصدرا للمتعة أو بحثا عن بهجة مؤقتة ولكننا اكتشفنا من خلال النص أن الراوي‮ ‬يلجأ إلي‮ ‬الخمور كنافذة وحيدة للهروب من تسلط المجتمع أو الجماعة ولكننا نكتشف أنها تأتي‮ ‬بتأثير مختلف مع هذه الشخصية المركبة فتصبح الخمور مجرد محفز علي‮ ‬المواجهة وهي‮ ‬نتيجة عكسية فيصبح قادرا علي‮ ‬المواجهة مع الأب والعائلة والأصدقاء والزملاء في‮ ‬العمل‮.‬
ومع قراءة المتتالية القصصية‮ ‬يليق بسكران قراءة متأنية سوف نكتشف أن هذا الارتباك الواضح علي‮ ‬مستوي‮ ‬الأحداث أو البنية أو اللغة له ضرورة فنية نجح المبدع محمد أبو الدهب في‮ ‬تشكيلها بحثا عن تكامل حقيقي‮ ‬محكم فالارتباك ناتج في‮ ‬الأساس عن الراوي‮ ‬صاحب الشخصية المركبة وعن المجتمع المحيط بالشخصية المركزية للمتتالية بالإضافة لاختيار الراوي‮ ‬أو الشخصية المركزية‮  ‬لا‮ ‬يظهر إلا علي‮  ‬ثلاث حالات الأولي‮ ‬وهو سكران وقادر علي‮ ‬المواجهة والثانية وهو في‮ ‬مرحلة الإفاقة‮  ‬مستسلم تماما والحالة الثالثة وهي‮ ‬حالة التأمل والتي‮ ‬تعكس رؤية المبدع وفلسفته‮.‬
‮ ‬ومحمد أبو الدهب لم‮ ‬يقدم الراوي‮ ‬هنا بصفته السكران الذي‮ ‬يهذي‮ ‬ويناشد التحرر من أجل الحصول علي‮ ‬احتياجاته الشهوانية ولكنه قدم حالة السكر التي‮ ‬يكون عليها الراوي‮ ‬كمعادل موضوعي‮ ‬لمجتمع متسلط لا‮ ‬يبحث الفرد فيه عن مايرتكبه من أخطاء بقدر ما هو منشغل في‮ ‬المقام الأول بتصيد أخطاء الآخرين ومحاولة تقويمهم ولذلك نجح أبو الدهب في‮ ‬صنع الارتباك علي‮ ‬المستوي‮ ‬العام كضرورة فنية تخدم النص الذي‮ ‬يسعي‮ ‬إلي‮ ‬التكامل‮.‬

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: يليق بالسكران
  • المؤلف: محمد ابو الدهب
  • الناشر:
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٢
مسرحنا

الأخير من مسرحنا

الذهاب للأعلي