اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

العيـون المـنـطـفـئة‮..‬ انتقال حر من الواقع المؤلم إلي‮ ‬الخيال الحالم

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

ست عشرة قصة قصيرة‮ ‬،‮ ‬وعشرون قصة تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬فن القصة القصيرة جداً‮ ‬ومعادلاتها الفنية حملت مستويات متعددة لفن السرد القصصي‮ ‬اشتغل عليها القاص‮ (‬صبري‮ ‬قنديل‮) ‬بذكاء واضح،‮ ‬وفطنة إبداعية قائمة علي‮ ‬أهداف،‮ ‬كما هي‮ ‬فيها الواقعي‮ ‬مع الحلمي،‮ ‬والخيالي‮ ‬مع التخيلي‮ ‬حتي‮ ‬بدت مجموعته القصصية‮ (‬العيون المنطفئة‮)  ‬حالة من حالات القص المهموم بالواقع المتخم بالأحداث والمتغيرات التي‮ ‬تصيب الإنسان العادي،‮ ‬وهو‮ ‬يبحث عن موطئ قدم في‮ ‬حياة قاسية متخمة بالفساد والمفسدين،‮ ‬وحتي‮ ‬يمهد لفعله الكتابي‮ ‬سبل الكشف ومتعة الاكتشاف،‮ ‬قامت قصصه علي‮ ‬مستويات عدة،‮ ‬وحملت أنماطاً‮ ‬مختلفة لمستويات سردية انتمي‮ ‬معظمها إلي‮ ‬واقعية نقدية دخلت في‮ ‬عمق مواجع الإنسان وهو‮ ‬يجابه الحياة بضعفه وفقره وإحساسه بالحرمان والفقد‮ .‬
لذلك عندما نتأمل في‮ ‬الفعل السردي‮ ‬نجد واقعيتين‮ :‬
الأولي‮ : ‬اجتماعية،‮ ‬حياتية،‮ ‬أسرية‮  ‬سيرة ذاتية‮.‬
والثانية‮ : ‬نقدية‮ ‬،‮ ‬لابد للفعل أن‮ ‬يتغلغل فيها وسلبيات كل منهما،‮ ‬ويحول اللقاء إلي‮ ‬تصادم حيث تعري‮ ‬الواقعية الثانية أسرار الأولي‮ ‬كاشفة عن بؤر المواجع وتزيح الأقنعة التي‮ ‬لا تشوه وجوهاً‮ ‬بعينها،‮ ‬أو أشخاصاً‮ ‬بأساليبهم،‮ ‬إنما تعري‮ ‬واقعاً‮ ‬قائماً‮ ‬علي‮ ‬أعمدة القوة والسيطرة،‮ ‬ولذلك تعددت اتجاهات موضوعات القصص متوازية مع أنساق سردها اللغوي‮ ‬والأسلوبي‮ .‬
‮< ‬في‮ ‬المستوي‮ ‬الأول والأهم في‮ ‬قصص المجموعة تطالعنا معادلات سردية‮ ‬،‮ ‬تسهم في‮ ‬تعميق الأنا المبدعة وهي‮ ‬تعمل علي‮ ‬كشف الآخر،‮ ‬والسارد‮ ‬يجذبه من الواقع الحياتي‮ ‬المضطرب،‮ ‬إلي‮ ‬الواقع الفني‮ ‬المتحرك بفعل متوازيان للسرد،‮ ‬فيضعنا الفعل الكتابي‮ ‬أمام واقعين‮ :‬
‮- ‬واقع حياتي‮ ‬معيشي‮ ‬،‮ ‬ينبض بالحياة‮ ‬،‮ ‬يمور بالمتناقضات والمتغيرات التي‮ ‬تشوه أكثر مما تجمل‮ .‬
‮- ‬واقع مفترض‮ ‬ينقلب إلي‮ ‬هاجس‮ ‬يدفع الإنسان إلي‮ ‬الهروب من الواقع الأول إلي‮ ‬الثاني،‮ ‬هروب من الواقع الافتراضي‮ ‬إلي‮ ‬الحلم المتخيل،‮ ‬فهو واقع تعبيري،‮ ‬نقلي،‮ ‬يحيل الواقع إلي‮ ‬أخيله،‮ ‬نهضت علي‮ ‬عناصر أساسية كانت نقاط ارتكاز فني‮ ‬في‮ ‬مثل هذا القص بالذات‮:‬
1‮- ‬أنا‮ .. ‬الفجر الحاضر،‮ ‬الصوت الأكثر قوة وحساسية،‮ ‬إنسان محب،‮ ‬واقعي،‮ ‬مغلوب علي‮ ‬أمره‮ .‬
2‮-‬ هو‮ .. ‬الغائب الحاضر،‮ ‬المضطهد والمقهور‮ .‬
3‮-‬ الآخر‮ .. ‬المستبد الغامض المجهول والمندمج مع متغيرات الواقع وانزياحاته‮ .‬
ومن تصادم العناصر السابقة كل في‮ ‬اتجاه رؤيته،‮ ‬ثقافته،‮ ‬قدرته علي‮ ‬التخييل،‮ ‬تبرز إحالة ما سبق إلي‮ ‬منطقة جديدة،‮ ‬قد تكون سلبية أو إيجابية،‮ ‬فيرتقي‮ ‬مسرود الفعل،‮ ‬وينقلب إلي‮ ‬تصادم‮ ‬يتجلي‮ ‬بأبعاده في‮ ‬ومض الإحالة إلي‮ ‬بؤرة نور تسهم في‮ ‬ترسيم الحقائق‮ .‬
من هذا المنطلق‮ ‬ينهض سرد هذا المستوي،‮ ‬وهو‮ ‬يتشابك مع الواقع نفسه‮ .‬
في‮ ‬قصة‮ (‬العيون المنطفئة‮) ‬
حيث تتجلي‮ ‬أنساق إيقاعها علي‮ ‬مستوي‮ ‬الأنا والآخر،‮ ‬حيث تتقاطر المشاعر بفيض الاحتجاج واللوعة التي‮ ‬اغتالتها نوبة الهروب المضاد لتأتي‮ ‬الإحالة نتيجة كبري‮ ‬لكل ما قدمه مسرود القصة من أفعال وردود أفعال،‮ ‬حتي‮ ‬طال الظلم أجنحة العصافير(صدقت خوفها ووقوعها أسيرة في‮ ‬قبضة النار،‮ ‬لكنني‮ ‬سرعان ما رأيتها ترتدي‮ ‬أثواب البراءة،‮ ‬وتتخايل في‮ ‬خطوات الرقة والعذوبة التي‮ ‬رأيتها عليها أول مرة،‮ ‬لكنه القلب حينما‮ ‬يصدق،‮ ‬يرقص ويرقص ويرقص،‮ ‬فيلمع في‮ ‬العينين،‮ ‬ذلك البريق الساحر،‮ ‬وحينما ترفرف علي‮ ‬شرفاته طيور الخديعة،‮ ‬يبكي‮ ‬ويبكي‮ ‬ويبكي،‮ ‬فينطفئ في‮ ‬العينين ذلك البريق‮)  ‬ص‮: ‬72 .
في‮ ‬هذا المستوي‮ ‬تبرز أهمية عنوان القصة،‮ ‬وإطلاقه علي‮ ‬المجموعة ككل،‮ ‬لأن معظم القصص ارتبطت برمزية العنوان‮  ‬ودلالته،‮ ‬ولذلك لم‮ ‬يكن انطفاء العيون مرضاً‮ ‬وإنما عاهة امتدت علي‮ ‬فضائي‮ ‬زمان ومكان القصص،‮ ‬وهو إيماءة احتجاج علي‮ ‬ما تقع عليه العيون المبصرة من مآس ومواجع أسهمت في‮ ‬شكل أو آخر في‮ ‬إطفاء العيون صاحبة الصوت المنادي‮ ‬بالحرية والعدالة الاجتماعية‮ .‬
‮- ‬في‮ ‬المستوي‮ ‬الثاني‮ ‬نهضت قصصه علي‮ ‬مسرود السيرة الذاتية كما في‮ ‬قصة‮  (‬وصل الروح‮) ‬ص‮:‬27 الذي‮ ‬يستعيد ساردها ذكرياته النائمة عن النكسة ورحيل الزعيم جمال عبدالناصر،‮ ‬وكذلك قصة‮ (‬دراما ليلية‮) ‬ص‮ ‬49 التي‮ ‬حلقت بعيداً‮ ‬عن مصطلح القصة القصيرة،‮ ‬لتهيم في‮ ‬فضاءات النجوي‮ ‬التذكرية،‮ ‬فانقلبت إلي‮ ‬مناجاة رومانسية نقلتها إلي‮ ‬مستوي‮ ‬بانورامي،‮ ‬امتزج الشعر فيها مع الذات التي‮ ‬تناجي‮ ‬وتفصح عن دور شعرية اللغة‮.‬
‮- ‬في‮ ‬المستوي‮ ‬الثالث تبرز الرمزية من خلاله كثقافة تخفي‮ ‬زخماً‮ ‬قوياً‮ ‬من الدلالات التي‮ ‬تنقلب إلي‮ ‬صراع داخلي،‮ ‬ولعل قصة‮ (‬الأظافر‮) ‬ص‮:‬17 من أهم النماذج علي‮ ‬براعة توظيف رمز الأظافر التي‮ ‬تذكره بزوجته وكذلك في‮ ‬قصة‮ (‬ديكتاتور‮) ‬ص‮:‬57 التي‮ ‬ترمز إلي‮ ‬الخوف والعزلة وقد عنيت كثيراً‮ ‬في‮ ‬تقانات مسرود القصة الرمزية،‮ ‬قدمت حالتها وما تشير إليه،‮ ‬لتحيلها إلي‮ ‬إيقاعات الرمز القصصي‮ ‬الحافل بالمغريات التي‮ ‬تغري‮ ‬المتلقي‮ ‬وتدفعه تلقائياً‮ ‬ليغوص في‮ ‬أعماقها ليكشف مستوي‮ ‬نسق الذات المطحونة في‮ ‬دراسة اشتعال الآخر بالفساد والاضطهاد،‮ ‬الذي‮ ‬يقلب القيم إلي‮ ‬مادة تشكل مفتاح العبور من الحاضر الجامد المحبط والمتقوقع علي‮ ‬مفسديه،‮ ‬إلي‮ ‬مستقبل‮ ‬يكون خالياً‮ ‬من الفساد والمفسدين،‮  ‬تدفعه ذواته الإنسانية التي‮ ‬لا تقوي‮ ‬علي‮ ‬الصمود بوجه الطغاة فتأخذه‮  ‬إلي‮ ‬واقع آخر ليس هروباً،‮ ‬وإنما استجابة لمغريات خارقة عن إرادته‮ .‬
‮❊❊❊ ‬
في‮ ‬المقابل ضم الكتاب عشرين قصة تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬فن القصة القصيرة جداً،‮ ‬تنهض علي‮ ‬عناصر المفارقة والاختزال اللغوي‮ ‬والإيماض الذي‮ ‬يشع داخل المفردة،‮ ‬التي‮ ‬تقدم فكرة قصتها أو مدلولها الذي‮ ‬يشكل لمحة خاطفة لحياة متحركة،‮ ‬استطاع القاص أن‮ ‬يلاحقها بعناية،‮ ‬لا تخلو من متعة التجريب الفني‮ ‬والإبداعي‮.‬
إن القاص‮" ‬صبري‮ ‬قنديل‮" ‬حقق ذلك كله وقدم لفن القص المعاصر،‮ ‬تجربة قصصية متكاملة إبداعياً‮ ‬،‮ ‬كان الهروب فيها من الواقع إلي‮ ‬الخيال اشتعالا دائما لحلم العودة المرتقب إلي‮ ‬الصفاء والنقاء والحرية‮ .‬

فرج مجاهد عبد الوهاب

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: العيون المنطفئة
  • المؤلف: صبري قنديل
  • الناشر:
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨١

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here