اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الخوف علينا حق‮..‬ الخيال والفانتازيا آلية تعويضية للتغيير

قييم هذا الموضوع
(1 vote)

 

‮"‬الخوف علينا حق‮" ‬نص جديد لطنطاوي‮ ‬عبد الحميد طنطاوي‮ ‬صادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة،‮ ‬وله من قبل‮ "‬الملونون‮"‬،‮ ‬و"فرعون الأمريكاني‮"‬،‮ ‬و‮" ‬من أولها كدب‮" ‬وقد نشر النص الأخير في‮ ‬جريدة مسرحنا في‮ ‬جزئين متتاليين،‮ ‬ومنذ النص الأول‮ "‬الملونون‮" ‬اكتسب طنطاوي‮ ‬شهرة في‮ ‬كتابة النص المسرحي،‮ ‬حيث لفتت تلك المسرحية الأنظار إليه ـ كما‮ ‬يقول د‮. ‬محمد عبد الله حسين في‮ ‬تقديمه للنص الذي‮ ‬نعرض له هنا ـ منبئة عن ظهور موهبة مسرحية متميزة‮.‬
ويطرح الكاتب فكرة الخوف المترسخ في‮ ‬المجتمع من خلال عدة علاقات ثنائية،‮ ‬الخوف أحد طرفيها،‮ ‬كالخوف في‮ ‬مقابل الموت،‮ ‬وفي‮ ‬مقابل السلامة‮.. ‬الخ،‮ ‬مجسداً‮ ‬تلك العلاقات في‮ ‬التقابل الكائن في‮ ‬المكان‮ (‬البدروم ـ القصر‮)‬،‮ (‬البدروم ـ السجن‮) ‬كما‮ ‬يذهب إلى ذلك د‮. ‬محمد عبد الله حسين،‮ "‬ليفضح النظم الاستبدادية الحاكمة ومقوماتها التي‮ ‬تقوم على البطش والنفاق والحاشية الفاسدة التي‮ ‬تتفنن في‮ ‬عزل الحاكم عن الشعب،‮ ‬أو على وجه الدقة في‮ ‬عزل من‮ ‬يسكن القصر الكبير بما فيه من رفاهية مستفزة ونعيم مقيم عن ساكني‮ ‬البدروم الذين‮ ‬ينبشون‮ "‬الزبالة‮" ‬بحثاً‮ ‬عن كسرة خبز‮".. ‬على أن النص في‮ ‬أوج أزمته‮ ‬يثير تساؤلاً‮ ‬هو بؤرة الحدث الدرامي‮: ‬فماذا سيحدث لو أن الطرفان‮ (‬ساكني‮ ‬البدروم وساكني‮ ‬القصور‮) ‬تبادلا موقعيهما؟‮ ‬
ينطلق النص من قاع المجتمع حيث النماذج البشرية الأكثر فقراً‮ ‬والكادحين والجوعى،‮ ‬فتخير فئة الزبالين لتكون في‮ ‬مقابل أصحاب القصور،‮ ‬الملك وحاشيته،‮ ‬ويفترض بشكل هزلي‮ ‬تبادل المواقع،‮ ‬كما أشرنا في‮ ‬الفقرة السابقة،‮ ‬عن طريق الحيلة والدهاء،‮ ‬ليضع حركة المجتمع في‮ ‬مختبر التغيير المفترض،‮ ‬ليطرح علينا عدة تساؤلات من شأنها أن تسقط الدلالة على الواقع الآني‮ ‬والظرف السياسي‮ ‬الذي‮ ‬تمر به مصر الآن،‮ ‬لتكون النتيجة الصادمة من أن التغيير مجرد تغيير شكلي،‮ ‬وتبقى الحاشية كما هي‮ ‬فاسدة منافقة لا تجيد‮ ‬غير التآمر وإشعال الفتن،‮ ‬وصناعة الحاكم الشمولي‮ ‬الديكتاتور‮/ ‬المشرع الأوحد‮ / ‬المستمد السلطة من الإله وليس من الشعب،‮ ‬ويبقى التشدق بالديمقراطية والحرية مجرد خطاب أجوف تتستر من ورائه بطانة السوء،‮ ‬التي‮ ‬تفعل أقصى ما في‮ ‬جهدها لتظل الأوضاع على ما هي‮ ‬عليه من تفاوت طبقي‮ ‬حاد،‮ ‬ويظل الغني‮ ‬غنياً‮ ‬والفقير فقيراً،‮ ‬ولا هم لها سوى الحفاظ على العرش كحق مكتسب لا‮ ‬يمكن المساس به،‮ ‬وهي‮ ‬في‮ ‬سبيلها لذلك تنهار كل القيم تباعاً‮ ‬لتبقى قيمة وحيدة هي‮ ‬قيمة بقاء الملك والدفاع عنه بكل السبل،‮ ‬لأنه الملهم‮.. ‬ممثل الحق الإلهي‮.. ‬فهو ظل الله في‮ ‬الأرض ومن ثم‮ ‬يصبح الدفاع عنه وعن بقائه جهاداً‮ ‬مقدساً،‮ ‬وليمت من أجل ذلك الناس وليستشهد في‮ ‬سبيل هذا الجهاد عشرات الألوف‮. ‬
إن النص ترتكز فكرته على التفاوت الطبقي‮ ‬الحاد وانسحاق معظم شرائح المجتمع لصالح شريحة واحدة هي‮ ‬التي‮ ‬تمثل طبقة الحكم والمسيطرة على مقدرات الحياة كلها،‮ ‬وهو‮ ‬يُرجع هذا إلى طبيعة النظم الاستبدادية الفاسدة التي‮ ‬تسمح بتوحش الطبقة الرأسمالية على حساب طبقات الشعب المختلفة والتي‮ ‬تتحول مع الوقت إلى طبقة واحدة معدمة‮.. ‬تلك الطبقة التي‮ ‬تحلم بتوافر حياة كريمة وتطالب بحقوقها المشروعة في‮ ‬العيش والصحة والتعليم‮..‬الخ،‮ ‬لكنها لا تجد سبيلاً‮ ‬إلى ذلك إلا بالخيال كآلية تعويضية عن الواقع المزري‮ ‬الذي‮ ‬تعيشه،‮ ‬فهي‮ ‬غير قادرة على آليات التغيير الحقيقية‮.. ‬فيلجأ النص إلى الفانتازيا في‮ ‬تبادل المواقع بين الحكام والمحكومين بهدف السخرية من كليهما على السواء،‮ ‬ليصل إلى نتيجة مأسوية حيث تتحول الطبقة الكادحة إلى سلطة استبدادية بدورها بمجرد الوصول إلى سدة الحكم،‮ ‬وتتكون بطانة فاسدة لا عمل لها‮ ‬غير التآمر والنفاق وتكديس الأموال وتدعيم السلطة للحفاظ على مصالحها الشخصية‮.‬
ثمة رسالة‮ ‬يريد أن‮ ‬يبلغها النص فحواها الخلل الأخلاقي‮ ‬في‮ ‬المجتمع والذي‮ ‬يتحكم بدوره في‮ ‬التحول الذي‮ ‬يصيب الأفراد والجماعات ويبرر فساد الفعل السياسي،‮ ‬فالكرسي‮ ‬لا‮ ‬يغير النفوس إنما النفوس هي‮ ‬التي‮ ‬تتغير بمجرد الجلوس عليه‮.‬
حاول النص أن‮ ‬يلعب على فكرة التحول ليؤكد وجود التأزم الخلقي‮ ‬الكائن في‮ ‬قاع المجتمع من خلال وجود الإحساس بالتفاوت بين أبناء الطبقة التحتية‮ (‬ساكني‮ ‬البدروم‮) ‬أنفسهم،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن استعلاء الطبقة الحاكمة،‮ ‬فنجد سعيدة تتأفف من الزبالة المترامية في‮ ‬كل مكان حتى أصبحت توقن أن العالم كله ما هو سوى أكوام من القمامة في‮ ‬كل شيء،‮ ‬المكان والناس‮.. ‬الخ،‮ ‬ولكنها تتعالي‮ ‬على النساج الذي‮ ‬يكن لها مشاعر دافئة‮.‬
لقد لعب النص أيضاً‮ ‬على ازدواجية اللغة ليستثمرها في‮ ‬التعبير عن ذلك التحول،‮ ‬مرة أخرى،‮ ‬حين خصص اللغة العامية،‮ ‬لغة عامة الناس،‮ ‬الجارية على ألسنة أهل البدروم،‮ ‬في‮ ‬مقابل اللغة الفصحى،‮ ‬لغة طبقة الحكام،‮ ‬كلغة رسمية ملتصقة بالأرستقراطية،‮ ‬لذا فإنه ليس من الغريب أن نجد أهل البدروم‮ ‬يتحدثون بها بمجرد انتقالهم في‮ ‬الموقع،‮ ‬وتحولهم إلى طبقة الحكام‮.. ‬ليؤكد أن الازدواج الحادث في‮ ‬اللغة ما هو إلا شعور كامن في‮ ‬نفس المجتمع،‮ ‬وإذا كان هذا التخصيص‮ ‬يبدو،‮ ‬في‮ ‬حقيقته،‮ ‬تعسفياً،‮ ‬فإنه مفجر دلالي‮ ‬قوي‮ ‬في‮ ‬التعبير عن فكرة النص‮. 

عادل العدوي     ‬

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: الخوف علينا حق
  • المؤلف: طنطاوي عبد الحميد طنطاوي
  • الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٠٥

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here