اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

يهوذا الإسخريوطي‮..‬ خائن أم رسول؟

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

‮"‬إن العصر الذي‮ ‬نعيش فيه هو بلا جدال عصر‮ ‬يهوذا‮.. ‬حيث نجد الخيانة بأوسع أشكالها وأقصي‮ ‬مضامينها تمزق هذا العالم الذي‮ ‬نعيش فيه‮.."‬
بهذه الكلمات‮ ‬يقدم د‮. ‬عصام عبد العزيز لمسرحيته‮ "‬ليلة انتحار‮ ‬يهوذا‮" ‬الصادرة عن دار ابن لقمان‮ ‬2012م،‮ ‬وهي‮ ‬تتكون من ثلاث لوحات؛ الأولي‮: ‬ليلة إغواء‮ ‬يهوذا،‮ ‬والثانية‮: ‬ليلة الخيانة في‮ ‬حقل الدم،‮ ‬والثالثة‮: ‬ليلة انتحار‮ ‬يهوذا‮. ‬وقد جعل المؤلف لكل لوحة منها شخصيات مختلفة‮ ‬غير شخصية‮ "‬يهوذا‮" ‬فهي‮ ‬الشخصية المستمرة طوال الوقت علي‮ ‬مدار الحدث الدرامي،‮ ‬وكأنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يقول لنا‮: "‬إن‮ ‬يهوذا كان ومازال‮ ‬يتخذ لنفسه أقنعة مرنة وخادعة بل ومتغيرة أيضاً‮ ‬من عصر إلي‮ ‬عصر ومن نظام سياسي‮ ‬واجتماعي‮ ‬إلي‮ ‬نظام آخر"لذا فإن الإنسان‮ ‬يعذب ويضطهد ويعاني‮ ‬الخيانة والشر تحت مصطلحات وأهداف مستعارة زائفة وجائرة‮.‬
ففي‮ ‬اللوحة الأولي‮ ‬نجد‮ ‬يهوذا‮ ‬يقع بدوره ضحية للشيطان الذي‮ ‬يجتهد في‮ ‬إغوائه حتي‮ ‬تتم السيطرة له علي‮ ‬نفسه،‮ ‬ومن ثم‮ ‬يُخدع‮ ‬يهوذا لكلمات الشيطان‮.. ‬وربما لا‮ ‬يدري‮ ‬يهوذا لماذا تمت الخيانة علي‮ ‬يديه،‮ ‬خاصة وقد كان ثمنها ثمناً‮ ‬بخساً‮ ‬لا‮ ‬يفسر أبداً‮ ‬فعلته في‮ ‬تلك الجريمة الأبدية‮.. ‬فهل كان الشيطان‮ (‬المجرب‮) ‬موجوداً‮ ‬بالفعل أم كان صوت‮ ‬يهوذا الداخلي‮ ‬هو الذي‮ ‬يناجيه ويحدثه بما في‮ ‬نفسه ؟ فقد كان أيضاً‮ ‬يبحث عن المجد والخلود وربما لم‮ ‬ير الإيمان طريقاً‮ ‬إليهما،‮ ‬لقد أراد‮ ‬يهوذا أن‮ ‬يذكر اسمه كلما ذُكر اسم السيد المسيح‮.. ‬إن‮ ‬يهوذا كان‮ ‬يبحث عن فعل الفعل،‮ ‬فهو‮ ‬يعي‮ ‬تماماً‮ ‬أن تسليم‮ ‬يسوع شيء متفرد في‮ ‬العالم كما‮ ‬يدرك تماماً‮ ‬بأنه هو هذا الإنسان الذي‮ ‬يفعل ذلك‮. ‬ما كان الشيطان إلا صوت النفس التي‮ ‬تأمر صاحبها بالشر،‮ ‬لذا فإن المؤلف‮ ‬يؤكد في‮ ‬حوار‮ ‬يهوذا مع المجرب/الشيطان أنه كان‮ ‬يفكر في‮ ‬هذا قبل حوارهما معاً،‮ ‬وما المجرب إلا ترديد لما كان مضمراً‮ ‬في‮ ‬نفس‮ ‬يهوذا،‮ ‬وما القلق والحيرة والتفكر إلا بسبب حلم الخلود والمجد‮.. ‬فالمجرب‮ ‬يري‮ ‬أن فعل‮ ‬يهوذا فعلاً‮ ‬مقدساً‮ ‬لذا فإنه جاء ليباركه،‮ ‬ويهوذا‮ ‬يبحث التفرد وهو سائر في‮ ‬طريقه مهما بلغت به التضحية‮.‬
وفي‮ ‬اللوحة الثانية‮ "‬ليلة الخيانة في‮ ‬حقل الدم‮" ‬يؤكد الكهنة إصرار‮ ‬يهوذا علي‮ ‬تسليم المسيح في‮ ‬نفسه ولكنه‮ ‬يأبي‮ ‬أن‮ ‬يعلن هذا وينكشف هذا المعني‮ ‬في‮ ‬حوارهم معه،‮ ‬حيث‮ ‬يقول‮: "‬أنتم ترمون بأوزاركم في‮ ‬وجهي‮ ‬وتحملونني‮ ‬مسئولية تسليم المسيح وحدي‮.. ‬وكأن المسئولية تقع علي‮ ‬كاهلي‮ ‬أنا‮.. ‬أنا فقط‮.. ‬أنتم تتظاهرون بالبراءة ولكني‮ ‬أسلمه لكم‮.. ‬لكم أنتم‮.. ‬لأنكم تريدون ذلك‮.. ‬ومن ثم فنحن شركاء في‮ ‬هذه الخطيئة التي‮ ‬ستدنسنا معاً‮ ‬وسنحمل الإثم أيضاً‮ ‬معاً‮.. ‬وإلي‮ ‬الأبد‮".‬
إن حديث‮ ‬يهوذا في‮ ‬مجمله‮ ‬يدل علي‮ ‬إيمانه القوي‮ ‬بالمسيح وأنه حقاً‮ ‬يفهم رسالته حق الفهم،‮ ‬ولكنه أيضاً‮ ‬عنده إيمان راسخ بأنه هذا الشخص الملعون،‮ ‬يهوذا الإسخريوطي،‮ ‬فحينما‮ ‬يواجهه كهنة المعبد بحقيقة نفسه وهو‮ ‬يجادلهم بشأن السيد المسيح،‮ ‬يعترف قائلاً‮: ".. ‬يبدو أن كل شيء‮ ‬يدفعني‮ ‬دفعاً‮ ‬نحو الخطيئة‮"‬،‮ ‬لكنه‮ ‬يشعر بأنه مسير في‮ ‬هذا لا‮ ‬يد له في‮ ‬الاختيار‮ ".. ‬لا أستطيع أن أدرك دوافعي‮ ‬الشيطانية الملعونة ولا أدري‮ ‬بأي‮ ‬قوة أسير نحو الخطيئة؟‮" ‬وعلي‮ ‬الرغم من ذلك فإن‮ ‬يهوذا‮ ‬يفقد مقاومته تماماً‮ ‬وينهار أمام الثلاثين قطعة من الفضة،‮ ‬ثمن تسليم المسيح‮.‬
أما اللوحة الثالثة‮ "‬ليلة انتحار‮ ‬يهوذا‮" ‬فهي‮ ‬مونودراما ليهوذا،‮ ‬وهي‮ ‬عبارة عن منولوج داخلي‮ ‬يبرز الجوانب الإنسانية العميقة التي‮ ‬يمكن أن تتجذر في‮ ‬النفس البشرية بكل خيرها وشرها،‮ ‬مواطن القوة ومواطن الضعف،‮ ‬الإيمان والكفر،‮ ‬الحب والكره،‮ ‬وكأن د‮. ‬عصام عبد العزيز‮ ‬يريد أن‮ ‬يقول لنا إن الإنسان،‮ ‬أي‮ ‬إنسان،‮ ‬يحمل بداخله بذور هذا التناقض والذي‮ ‬منه طبيعته‮. ‬يعترف‮ ‬يهوذا في‮ ‬هذه اللوحة بخطيئته ويحاول أن‮ ‬يكفر عنها ويستغفر ربه قائلاً‮:" ‬أيها الرب العادل إن عملي‮ ‬الذي‮ ‬خلقت ووجدت من أجله‮.. ‬قد أكمل‮.. ‬أيها الرب ها أنا ذا أغادر هذا العالم الأرضي‮ ‬مشنوقاً‮.. ‬تكفيراً‮ ‬وتمرداً‮ ‬علي‮ ‬قدري‮ ‬الذي‮ ‬فرض علي‮.. ‬كل ما أطمح إليه‮ ‬يا أيها السيد المخلص‮.. ‬وفي‮ ‬تلك اللحظات القاسية والتي‮ ‬أودع فيها هذا العالم الملعون‮.. ‬هو قليل من الرحمة‮.. ‬وقليل من العدل‮.. "‬ويوقن‮ ‬يهوذا في‮ ‬النهاية أنه أيضاً‮ ‬محملاً‮ ‬برسالة ومقدر له أن‮ ‬يكون مخلداً‮ ‬إلي‮ ‬أبد الآبدين حين‮ ‬يقول‮: "‬لأنه بدوني‮.. ‬يا أيها المعلم‮.. ‬لا‮ ‬يستطيع القدر أن‮ ‬يفصح عن وجهه الحقيقي‮.. ‬ويحقق لك مشيئة السماء وإرادة الرب‮.. ‬تلك الإرادة الإلهية‮.. ‬هي‮ ‬التي‮ ‬جمعتنا معاً‮.. ‬وهي‮ ‬التي‮ ‬حددت لكل منا دوره في‮ ‬هذا العالم‮.. ‬لكي‮ ‬يكون هناك ألم وعذاب‮.. ‬صلب وموت‮.. ‬ثم قيامة وبعث وحياة‮. ‬ثم خلاص‮.. ‬فنحن الاثنان معاً‮ ‬وإلي‮ ‬أبد الآبدين‮.." ‬

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: ليلة انتحار يهوذا
  • المؤلف: د. عصام عبد العزيز
  • الناشر: دار ابن لقمان للنشر والتوزيع
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٠٤

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here