اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

‮"‬ثنائية الحلم والسقوط‮"..‬ أقوال جديدة عن‮ "‬السيرة الهلالية‮"!!

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

هذا نص مسرحي‮ ‬آخر تتكئ بنيته الدرامية علي‮ ‬مادة تراثية استخدمت كثيرًا من قبل كتّاب المسرح وذلك لما لها من حضور طاغ‮ ‬وبريق متجدد،‮ ‬وإغراء جاذب للمؤلفين والمخرجين وخاصة المسرحيين إنها‮ »‬سيرة بني‮ ‬هلال‮« ‬التي‮ ‬تناولها محمد سيد عمار في‮ ‬نصه الجديد‮ »‬ثنائية الحلم والسقوط‮« ‬ولكن من منظور مختلف بعض الشيء من خلال مزاوجته بين الدراما والتراث الشعبي‮ ‬ومحاولته استنطاق شخصيات السيرة أنفسهم ليقصوا لنا طرفًا من أخبار السيرة ربما لم نكن نعرفه من قبل،‮ ‬وربما لم‮ ‬يرد أصلاً‮ ‬علي‮ ‬لسان الراوي‮ ‬الشعبي،‮ ‬وهو في‮ ‬هذا‮ ‬يسعي‮ ‬جاهدا لطرح قضايا شائكة في‮ ‬ثوب مغاير ومعاصر‮.‬
النص مكون من قسمين وهو ما‮ ‬يعبر عن دلالة العنوان‮ »‬ثنائية الحلم والسقوط‮« - ‬الأول الحلم‮ ‬يعبر عن معاناة بني‮ ‬هلال من الفقر والجوع والجدب الذي‮ ‬أصاب أرضهم‮ »‬أرض نجد‮« ‬وحلمهم في‮ ‬الرحيل عن هذه الأرض قبل هلاكهم ودفنهم،‮ ‬في‮ ‬ترابها،‮ ‬وهو في‮ ‬حقيقة الأمر حلم موزع بين صفتي‮ ‬العام والخاص فهم‮ ‬يريدون الخروج التماسًا للنجاة،‮ ‬وهم في‮ ‬الوقت نفسه‮ ‬يكابدون متمنين إنقاذ قبيلتهم‮ / ‬وطنهم من الدمار والعار‮.‬
وأما القسم الثاني‮ ‬فهو‮ ‬يعبر عن السقوط المدوي‮ ‬لهم جميعًا خلال سعيهم لتحقيق هذا الحلم البعيد،‮ ‬لأنهم لم‮ ‬يأخذوا بالأسباب ولم‮ ‬يتسلحوا برسائل النجاح في‮ ‬مواجهة عدوهم الأكثر تنظيمًا والأقوي‮ ‬بأسًا ومن ثم تقع‮ »‬بني‮ ‬هلال‮« ‬كلها فريسة في‮ ‬قبضة‮ »‬ملوك العجم‮«.‬
إنه ثنائية الصراع بين الأحلام الممكنة والأحلام المستحيلة ومن هنا،‮ ‬فالرمز واضح وليس به شفرات تحتاج للحل،‮ »‬فالهلاليون‮« ‬هم العرب المتصارعون فيما بينهم والمغلّبون مصالحهم ومطامعهم الخاصة علي‮ ‬المصالح العامة والهموم المشتركة‮.‬
وكما ذكرنا آنفًا فقد لجأ الكاتب إلي‮ ‬استخدام بعض أفراد السيرة كرواة وهم‮: »‬مرعي‮ - ‬يحيي‮ - ‬يونس‮« ‬هؤلاء الذين لم‮ ‬يشاهدوا الرحلة الهلالية لأنهم كانوا سجناء عند الزناتي،‮ ‬ومن ثم فهم‮ - ‬وعلي‮ ‬حسب رؤية المؤلف‮ - ‬يتمتعون بصفة‮ »‬الراوي‮ ‬المحايد‮« ‬وإن كنا نري‮ ‬أن هذه الصفة لم تكن متحققة بعض الشيء في‮ ‬هؤلاء الرواة فهم‮ ‬ينتمون إلي‮ »‬بني‮ ‬هلال‮« ‬وهم أيضا‮ - ‬وعلي‮ ‬حسب ما وجدنا في‮ ‬النص‮ - ‬كانوا ميَّالين قليلاً‮ ‬للهلاليين‮.‬
فيقول‮ ‬يونس علي‮ ‬لسانه‮: ‬لم نأت اليوم لنروي‮ ‬أحداث الرحلة‮/ ‬فيرد مرعي‮: ‬جئنا نرويها في‮ ‬ثوب أكثر صدقًا‮.‬
بعدها‮ ‬يدخل المؤلف إلي‮ ‬سرد وقائع الرحلة ناقلاً‮ ‬لنا صورة المعاناة عند عامة الشعب وموقف السادة من هذه المعاناة وهو الموقف الذي‮ ‬لم‮ ‬يتغير حتي‮ ‬الآن فالعلاقة لاتزال متوترة بين الحكام والمحكومين فيقول أحد الشباب‮: ‬نحن الجوعي‮.. ‬نحن الأموات بداء الجدب‮.. ‬هل منهم من جاع لساعة؟ ومن هذا المنطلق‮ ‬يحاول الكاتب مناقشة عدة قضايا شائكة أهمها قضية الحرية والعدل والواجب وكيفية تحقيق كل هذه المبادئ في‮ ‬تلك المجتمعات العربية التي‮ ‬لم تعد أساسًا تعترف بكل تلك المبادئ وسط طغيان المصالح والمجاملات و»الأنامالية‮«‬،‮ ‬ومن ثم فلم‮ ‬يعد هناك مجال للجهد،‮ ‬أو العرق أو القيم العليا،‮ ‬بل لقد أصبحت الألوان متشابهة وربما تم اختزالها في‮ ‬لونين اثنين،‮ ‬أو كما‮ ‬يقول‮ ‬يونس‮: ‬في‮ ‬هذا الوطن الباهت تنتحر الألوان،‮ ‬لقد اتسعت الهوة بين القبائل العربية وفشلت كل المساعي‮ ‬لاتحادها من قبل‮ »‬أبو زيد‮« ‬و»عامر‮« ‬وقلة قليلة من الشرفاء الذين لا‮ ‬يزالون قابضين علي‮ ‬الجمر،‮ ‬فيقول عمر‮: ‬إني‮ ‬أكره أن‮ ‬يقتتل الإخوة،‮ ‬ولكن هذا التخوف قد صار أمرًا مقضيًا،‮ ‬وبالفعل اقتتل الإخوة وأحلوا دماء بعضهم البعض،‮ ‬فها هو دياب‮ ‬يخون العهد،‮ ‬ويخون قبيلته ليرتمي‮ ‬في‮ ‬أحضان العدو،‮ ‬لتصبح الهزيمة‮.‬
والانكسار ساعتئذ من داخلنا نحن قبل أن‮ ‬يكون من العدو الخارجي،‮ ‬وإذا ما شئنا أن نصحح مسارنًا فعلينا أولاً‮ ‬وقبل كل شيء أن نطرد الهزيمة من نفوسنا،‮ ‬ونضيء بالعلم والتوحد كهوفها المظلمة‮.. ‬يقول حسن‮: ‬هل كنا نتوقع أن‮ ‬يسرق رجل شرفة؟ هل كنا نتوقع أن الضربة ستجيء من الداخل‮.‬
إنها ليست ضربات عادية بل هي‮ ‬ضربات قاضية كالتي‮ ‬يتلقاها الملاكمون في‮ ‬حلبات النزال،‮ ‬وهي‮ ‬في‮ ‬مجتمعاتنا العربية ضربات سياسية واجتماعية واقتصادية تصوب لنا‮ ‬يومًا من كل اتجاه دون أن نحرك ساكنا‮.‬
إن الكاتب‮ ‬يدق ناقوس الخطر عندما خطف دياب الجازية وهرب إلي‮ ‬بلاد العجم،‮ ‬وكذلك عندما تحرك جيش العدو نحو بلاد العرب مبتدئًا بدمشق،‮ ‬التي‮ ‬هي‮ ‬الآن في‮ ‬حال‮ ‬يرثي‮ ‬لها،‮ ‬وإن كنت أري‮ ‬أنه لم تعد للناقوس أهمية ولا للدق عليه فالحظر مقيم معنا‮ ‬يتنفس ويأكل ويبيت وينتهك حرماتنا ليل نهار،‮ ‬ومن ثم فالواقع من حولنا صار‮ ‬غولاً‮ ‬مخيفًا،‮ ‬و»التعبير عنه‮« ‬لم‮ ‬يتعد كونه نملة مسكينة تتلاعب بها نسمات الخريف‮.. ‬يقول أبو زيد‮: ‬إن حمايته تبدأ بدمشق،‮ ‬إن سقطت‮ ‬يسقط بيت المقدس،‮ ‬تسقط مصر،‮ ‬تسقط مكة‮.‬
وها هي‮ ‬دمشق قاب قوسين أو أدني‮ ‬من السقوط،‮ ‬في‮ ‬واقعنا،‮ ‬وفي‮ ‬نص محمد سيد عمار وسقطت بالفعل وسقطت معها كل بلاد العرب الأمجاد،‮ ‬وعليه فقد أنهي‮ ‬الكاتب نصه نهاية واقعية مبتعدًا عن المثالية المهترئة التي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تقنع المتلقي‮ ‬بأي‮ ‬حال من الأحوال فأبطال السيرة‮ ‬ينهزمون ويهيمون علي‮ ‬وجوههم في‮ ‬الصحراء المقفرة،‮ ‬بينما‮ ‬يقف دياب علي‮ ‬جثة أختة‮ »‬ليلي‮« ‬معلنا في‮ ‬ثقة وخيلاء أنه ملك العرب المظفر وخير من أنجبت الأرض العربية خلال تاريخها الطويل،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬لم‮ ‬يبق لنا فيه إلا انتظار‮ »‬المخلّص‮« ‬القادر علي‮ ‬انتشالنا من هذا المستنقع فيقول الكورس‮: ‬فلتظهر‮ ‬يا فارس هذا الزمن الآتي؟ فلتظهر حتي‮ ‬تمحو هذا الجدب‮.‬
ورغم جودة هذا النص لكاتبه محمد سيد عمار الذي‮ ‬أصدر من قبل عدة أعمال مسرحية لفتت الأنظار لفنه الجميل مثل‮: »‬ملك العرب‮«‬،‮ ‬و»هكذا‮ ‬يقول الرب‮«‬،‮ ‬و»موال العشق والغربة‮« ‬فإنه قد وقع في‮ ‬عدة هنّات تخص الأسلوب عامة،‮ ‬والإيقاع الشعري‮ ‬بصفة خاصة وأري‮ ‬أن هذا‮ - ‬وللأسف‮ - ‬قد صار ظاهرة في‮ ‬معظم نصوص المسرح الشعري‮ ‬عند شباب الكتّاب وعند شيوخهم علي‮ ‬السواء،‮ ‬وهي‮ ‬ظاهرة نتمني‮ ‬أن تختفي‮ ‬سريعًا لأنها أحيانا ما تشوه النص وتجعل‮ »‬الحلو‮« - ‬دائما‮ - ‬غير مكتمل‮.. ‬فيقول مثلاً‮ ‬في‮ ‬ص‮ ‬34‮: ‬وبدون الرأي‮ ‬الصائب للقاضي‮ ‬بدير‮ .. ‬هنا الإيقاع مختل وكان من الممكن أن‮ ‬يقول‮: ‬ودون الرأي‮ ‬الصائب لبدير‮.‬
وكذلك في‮ ‬ص‮ ‬36‮: ‬الجاه والسلطان،‮ ‬وكان من الممكن أن‮ ‬يقول‮: ‬الجاه أو السلطان،‮ ‬وذلك حتي‮ ‬يتلافي‮ ‬الكسر،‮ ‬أيضًا وردت عبارات كثيرة في‮ ‬سياق النص لا تحمل أية شاعرية مثل‮: ‬لكن هناك ملوكًا نخشي‮ ‬سطوتهم،‮ ‬كالخفاجي‮ ‬بالعراق،‮ ‬والفرمند بمصر،‮ ‬والزناتي‮ ‬بتونس‮. ‬ص‮ ‬50‮.‬
ونتساءل‮: ‬أين الشعر هنا؟؟
أيضًا عندما‮ ‬يقول‮: ‬وترامت أبناء الغزو الفاجر إلي‮ ‬العراق،‮ ‬فاتفق الملك وبنو هلال علي‮ ‬الخروج،‮ ‬لنصرة أهل دمشق‮. ‬ص‮ ‬87‮ ‬حتي‮ ‬عندما حاول أن‮ ‬يستدعي‮ ‬قصيدة‮ »‬أمل دنقل‮« ‬الشهيرة‮ »‬لا تصالح‮« ‬كان الفارق شاسعًا في‮ ‬المستوي‮ ‬الفني‮ ‬فيقول مثلاً‮: ‬رجل‮ ‬يتحالف ضدك،‮ ‬هل تحسبه‮ ‬يوما‮ ‬يحمل سيفًا؟ لكن عندما‮ ‬يقول دنقل‮: ‬كيف تخطو علي‮ ‬جثة ابن أبيك،‮ ‬وكيف تصير المليك‮. ‬فالأمر تمامًا جد مختلف‮.‬
وحين‮ ‬يصرخ الكاتب قائلاً‮: ‬فالدور القادم سوف‮ ‬يكون عليك وعلينا جميعًا‮ - ‬ص‮ ‬96،‮ ‬فهي‮ ‬عبارة ميتة أمام عبارة‮ »‬أمل‮« ‬عندما‮ ‬يؤكد‮: ‬إن سيفًا أتاني‮ ‬من الخلف سوف‮ ‬يجيئك من ألف خلف‮.‬
ولكن هذا لا‮ ‬يقلل كثيرًا من الجهد الواضح للمؤلف في‮ ‬هذا النص المترابط،‮ ‬إننا نحييه علي‮ ‬هذا التناول الجديد للسيرة الهلالية بعيدًا عن التكرار أو التقليد‮.‬

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: ثنائية الحلم والسقوط
  • المؤلف: محمد السيد عمار
  • الناشر: الهيئة العامة لقصور
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٩٧

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here