اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الثورة بين الحلم والواقع

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

يبدأ مجدي‮ ‬الحمزاوي‮ ‬مسرحيته‮ »‬من دفتر أحوال الثورة‮« ‬بمشهد داخل مقهي‮ ‬يعبر به بداية عما آلت إليه الثورة من حلم التغيير إلي‮ ‬واقعة‮ ‬يحاول الجميع الاستفادة منها،‮ ‬كل في‮ ‬موقعه،‮ ‬حيث تعلو قيمة الانتهازية والتسلق ويتراجع الإيمان بالثورة وتهون التضحية‮.. ‬يبدو هذا واضحًا من تعليق شخصية كاتب التقرير حيث‮ ‬يؤكد بداية أن الطفل‮ - ‬موضوع البحث والتحري،‮ ‬هو بطل النص،‮ ‬وهو مجرد طفل ماسح أحذية في‮ ‬العاشرة من عمره،‮ ‬ولا‮ ‬يعرف ما هي‮ ‬الثورة ولا ماذا تعني‮ ‬بالنسبة للفقراء مثله،‮ ‬إنما أُخبر بها من الشابين اللذين‮ ‬يمثلان الشخصية الانتهازية البراجماتية والمتشدقة بشعارات الثورة،‮ ‬لذا فإن الثورة ترتبط في‮ ‬ذهن الطفل بالمنفعة المتجسدة في‮ ‬حلمه للعودة إلي‮ ‬المدرسة التي‮ ‬حُرم منها طفلاً‮ ‬كمفردة من مفردات العدالة الاجتماعية‮.‬
فالطفل هو الشخصية‮ »‬المحورية في‮ ‬النص هو جسد الوطن المنهوك والمهان والذي‮ ‬سلب منه كل مقومات الحياة الكريمة والتي‮ ‬هي‮ ‬من حقه وهو الذي‮ ‬قامت من أجله هذه الثورة لتحقق له العدالة الاجتماعية والحرية‮.. ‬يذهب الطفل إلي‮ ‬ميدان التحرير وهناك‮ ‬يلتحم بمجموعة من الثائرين‮ ‬يتعلم منها ما هي‮ ‬الثورة ولماذا قامت ويتعلق ذلك بحلمه في‮ ‬العودة إلي‮ ‬المدرسة وهو شديد الحرص علي‮ ‬فهم السؤال المتردد بداخله‮: ‬كيف تأتي‮ ‬الثورة؟ فيبذل كل جهده في‮ ‬سبيل إنجاحها‮.‬
الطفل الذي‮ ‬لا‮ ‬يعرف شيئًا عن الثورة‮ ‬يأتي‮ ‬بأفعال أسطورية في‮ ‬موقعة الجمل فيراه الجميع في‮ ‬كل مكان‮ ‬يسد الثغرات ويذب عن الثائرين‮ ‬يقوم بأفعال خارقة‮ ‬يحمل ثوارًا علي‮ ‬كتفه هم أضعاف جسده ويخرج بهم من وسط المعركة ويعود لنراه‮ ‬يوقف الخيول والجمال بمجرد الهمس بل ويتحدث إليها فتطيعه كل ذلك‮ ‬يراه الثائرون ويعجبون منه،‮ ‬لكنه‮ ‬يفسر علاقته بالخيول والجمال تفسيرًا منطقيًا حيث تعيش معه الشقاء والبؤس نفسهما لذا فإنه‮ ‬يعرف لغاتها ببساطة‮.. ‬فالطفل هو الشعب الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬قام بالثورة وهذا فحوي‮ ‬النص‮. ‬
أما النص ذاته فيبدو أن مجدي‮ ‬الحمزاوي‮ ‬همه في‮ ‬الأساس والمنشغل به هو صناعة عرض وليس كتابة نص‮.. ‬فهو‮ ‬يكتب وفي‮ ‬ذهنه عمل المخرج،‮ ‬ويعيَّن الديكور بنفسه،‮ ‬ويتحكم في‮ ‬حركة الإضاءة،‮ ‬وهو مهموم بالمساحة فوق خشبة المسرح‮.. ‬كل ذلك كان من الممكن أن‮ ‬يكون جيدًا وعبقريًا لو أنه اهتم بكتابة النص للدرجة التي‮ ‬يكون معها عمله الأهم بحيث تأتي‮ ‬إرشاداته وتوجيهاته المسرحية في‮ ‬إطار إنجاز العمل المنوط به وهو الكتابة،‮ ‬غير أنه‮ ‬غلَّب هذا علي‮ ‬ذاك فكانت النتيجة إهمال النص الذي‮ ‬يدور حول فكرة كادت أن تكون عبقرية لكن انشغاله بأمور بعيدة عن الكتابة أفقدت الفكرة عبقريتها وأطفأت بريقها كما سنوضح في‮ ‬السطور التالية‮:‬
أولاً‮: ‬الشخصيات‮:‬‮ ‬كل الشخصيات تم تهميشها من أجل إبراز البطل وظهوره‮.. ‬فالطفل‮ / ‬البطل هو الشخصية الوحيدة التي‮ ‬لها تاريخ في‮ ‬النص وهو محور الأحداث جميعًا وليس الثورة،‮ ‬والاهتمام الفائض بشخصية البطل أسقط كل الشخصيات الأخري‮ ‬في‮ ‬الهامش وهذا ما أوقعها في‮ ‬التنميط فهي‮ ‬شخصيات ترميزية،‮ ‬ترمز إلي‮ ‬فئات في‮ ‬المجتمع ولا تمثلها ولا‮ ‬يميز تلك الشخصيات‮/ ‬الترميزات عن بعضها البعض سوي‮ ‬اللغة التي‮ ‬تنطقها في‮ ‬بعض الجمل الحوارية لتشير إلي‮ ‬المستوي‮ ‬الفئوي‮.. ‬وكأنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يعبر عن أنماط اجتماعية لاشخصيات كائنة مأزومة تخوض الصراع الدرامي‮ ‬داخل النص لتعكس صور الشرائح المختلفة في‮ ‬المجتمع‮.‬
إن شخصية كاتب التقرير‮ ‬غامضة لا نعرف هل هي‮ ‬تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬الأمن في‮ ‬النظام السابق أم النظام الحالي؟ هل هي‮ ‬تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬القوي‮ ‬الثورية وتؤرخ لأحداث الثورة؟ أم أنها تعمل لحساب جهة أخري؟ فتلك الشخصية لا تعلن عن نفسها بشكل صريح‮.. ‬في‮ ‬بداية النص تكتب لجهة‮ ‬غير معلومة،‮ ‬تقول‮: (‬أولاً‮ ‬إنه في‮ ‬يوم الثامن والعشرين من‮ ‬يناير عام‮ ‬2011‮ ‬أي‮ ‬بعد شرارة الثورة المباركة بثلاثة أيام،‮ ‬كان الطفل‮ - ‬موضوع البحث والتحري،‮ ‬متجولاً‮ ‬كعادته بين المقاهي‮ ‬المحيطة بميدان رمسيس،‮ ‬حيث إنه كان‮ ‬يعمل ماسحًا للأحذية،‮ ‬وبالطبع سيادتكم قد تقصينا عن السبب الذي‮ ‬جعله وهو الطفل ابن العاشرة‮ ‬يعمل في‮ ‬هذه المهنة،‮ ‬وأعتقد أنه لا داعي‮ ‬من إخباركم بهذا حيث إنه خارج عن موضوع البحث‮). ‬فهي‮ ‬شخصية إذن منوط بها كتابة تقرير عن الثورة،‮ ‬وفي‮ ‬حين تصف الثورة بأنها مباركة لا تهتم بحال الطفل الاجتماعية حيث تتجاهل مهنته لأن تلك الأمور لا تهم من‮ ‬يُكتب إليهم التقرير‮. ‬ومن الواضح أن الجهة المجهولة التي‮ ‬يكتب إليها التقرير تعمل ضد الثورة علي‮ ‬الرغم من تظاهرها بعكس ذلك حيث‮ ‬يمجد صاحب التقرير الثورة في‮ ‬مواضع مختلفة‮.‬
والشاب‮ (‬1‮) ‬والشاب‮ (‬2‮) ‬علي‮ ‬الرغم من أنهما أعلما الطفل بماذا تعني‮ ‬الثورة وشرحا له ذلك إلا أنهما لا‮ ‬يعملان بما‮ ‬يقولانه بل علي‮ ‬العكس‮ ‬يتهربان من سداد ثمن المشروبات التي‮ ‬تناولاها في‮ ‬المقهي‮ ‬ولا حتي‮ ‬أجر الطفل ماسح الأحذية‮. ‬وليس هناك جملة واحدة تخبرنا عن الخلفية الاجتماعية لهذين الشابين ولا الأسباب التي‮ ‬أدت بهما إلي‮ ‬تلك الحال من الانتهازية‮. ‬هما فقط موجودان في‮ ‬النص ليعبرا عن جملة واحدة أن هناك من‮ ‬يدعي‮ ‬أنه ثوري‮ ‬وهو في‮ ‬الحقيقة شخص انتهازي‮ ‬وهو الشخصية التي‮ ‬سوف تكون ضيفًا دائمًا في‮ ‬القنوات الفضائية وتحدث باسم الثورة وهي‮ ‬في‮ ‬الحقيقة تردد ما‮ ‬يطلب منها‮.‬
وإذا ما انتقلنا إلي‮ ‬بقية الشخصيات فهي‮ ‬مجموعة من الثوار مشار إليها بأرقام وهي‮ ‬مجرد وسيط لدخول الطفل‮/ ‬البطل إلي‮ ‬ميدان التحرير والالتحام‮  ‬بالثوار‮.. ‬فهي‮ ‬لا تعني‮ ‬شيئًا علي‮ ‬الإطلاق ويمكن استبدال الأرقام بعضها بالبعض الآخر دون خلل أو اضطراب‮.. ‬فكل الشخصيات مهمشة لصالح شخصية البطل‮.‬
ثانيًا‮: ‬الزمن‮: ‬النص‮ ‬يتجاهل الزمن تمامًا،‮ ‬فلا وجود له علي‮ ‬الإطلاق ولا نري‮ ‬متي‮ ‬وقعت الأحداث بالضبط بليل أم نهار،‮ ‬علي‮ ‬الرغم من أن الزمن‮ ‬يلعب دورًا أساسيًا في‮ ‬أحداث الثورة‮ - ‬موضوع النص‮ - ‬ويكاد‮ ‬يكون هو العامل الأهم في‮ ‬نجاحها في‮ ‬مراحلها الأولي‮.. ‬الزمن هو الذي‮ ‬أسقط النظام السابق بل إن عدم تقدير النظام السابق لحسابات الزمن هو السبب في‮ ‬فشله لاحتواء الأزمة‮ / ‬الثورة‮ .. ‬كبرياؤه وغطرسته أعمته عن حساب الوقت فتأخر عن الثوار،‮ ‬خطوة واحدة هي‮ ‬ما أفقدته سلطانه وجبروته‮.. ‬فكيف‮ ‬يتم تجاهل الزمن في‮ ‬نص‮ ‬يتحدث عن الثورة؟‮!‬
ثالثًا‮: ‬المكان‮: ‬علي‮ ‬الرغم من الاهتمام الشديد من قبل مجدي‮ ‬الحمزاوي‮ ‬بالمساحة فوق خشبة المسرح إلا أنه لم‮ ‬يحدد بدقة المكان في‮ ‬النص‮/ ‬مكان وقوع الأحداث وخاصة في‮ ‬الميدان حيث تحول ميدان التحرير إلي‮ ‬ساحة كبيرة للمعارك‮ (‬مداخل‮ - ‬مخارج‮ - ‬منصات‮ - ‬ساحة للمعارك مثل موقعة الجمل وشارع محمد محمود‮.. ‬إلخ‮) ‬كل ذلك ليس له أثر واضح في‮ ‬النص،‮ ‬ضاقت مخيلته ولم‮ ‬يطلق لها العنان في‮ ‬ميدان التحرير لأنه‮ ‬يكتب وفي‮ ‬ذهنه خشبة المسرح ذلك المكان المحدود الذي‮ ‬هو مجال عمل المخرج وليس الكاتب،‮ ‬في‮ ‬حين أن علي‮ ‬الكاتب أن‮ ‬يطلق لنفسه العنان في‮ ‬رسم شخصيات النص وزمانه ومكانه،‮ ‬ولا‮ ‬ينشغل بغير الكتابة فهي‮ ‬عمله الذي‮ ‬يجب الاهتمام به ولا شيء سواه‮.‬
بقي‮ ‬أن نشير في‮ ‬إيجاز إلي‮ ‬بعض المشاكل الخاصة بكتابة العامية التي‮ ‬تجري‮ ‬علي‮ ‬ألسنة الشخصيات فقد اتسمت بكثير من الأخطاء الإملائية التي‮ ‬ليس لها مبرر صوتي‮ ‬أو نفسي‮.. ‬فضلاً‮ ‬عن الأخطاء اللغوية التي‮ ‬أصابت النص في‮ ‬مجمله‮.‬

عادل العدوي

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: من دفتر أحوال الثورة
  • المؤلف: مجدي الحمزاوي
  • الناشر: دار إيزيس ٢٠١٣
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٨٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here