اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الوعي بالذات لب الرؤية الإبداعية في أوربا

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

هذا الكتاب‮ ‬يضم مجموعة من المقالات لكتاب من المشتغلين بفنون الشعر والمسرح والرواية،‮ ‬في‮ ‬أوروبا القرن العشرين‮.. ‬فهنا تقرأ كلمات لفاليري‮ ‬وريلكه وأندرية جيد وبروست وتوماس مان وبيراندللو وبريخت وسارتر ودورينمات وغيرهم وجميعهم‮ ‬يتحدث عن أعمال لهم أو لغيرهم من الكتاب فكانت نظرات فنية صادرة عن أعظم مبدعي‮ ‬القرن العشرين في‮ ‬أوروبا مما جعل الكتاب‮ ‬ينطوي‮ ‬علي‮ ‬قيمة فنية عالية المتعة والتشويق كما‮ ‬يشكل ثراء في‮ ‬العملية الإبداعية لدي‮ ‬القارئ‮.‬
وأول ما نلاحظ في‮ ‬هذه المقالات الصفة الغالبة من الوعي‮ ‬بالذات في‮ ‬الأدب الأوروبي‮ ‬في‮ ‬القرن العشرين،‮ ‬فقد أصبح العمل الإبداعي‮ ‬عملاً‮ ‬نقديًا في‮ ‬الوقت نفسه أكثر مما كان في‮ ‬أي‮ ‬وقت مضي،‮ ‬كما أصبح الكتاب‮ ‬يشعرون بالحاجة إلي‮ ‬تقديم نظريات عن فنهم والدفاع عن كتاباتهم وشرحها أكثر مما فعلوا في‮ ‬الماضي‮..‬
والتجربة الفنية في‮ ‬هذا الكتاب تؤكد‮ ‬غلبة الفكر الناقد علي‮ ‬الأدب الأوروبي‮ ‬الحديث‮. ‬وكما ورد في‮ ‬مقدمة الكتاب فإن العملية الإبداعية ذاتها أصبحت تتضمن اختيارًا للموضوع،‮ ‬وللشكل،‮ ‬وللغة،‮ ‬ولعدد لا‮ ‬يحصي‮ ‬من التفاصيل الصغيرة التي‮ ‬تشكل العمل الفني‮ ‬وتحدده،‮ ‬وكل كاتب هو بهذا المعني‮ ‬ناقد بالضرورة‮.‬
ويؤكد المحرران أن حتي‮ ‬القراءة العابرة لهذه المقالات تبين مدي‮ ‬أهمية هذا الجهد النقدي‮ ‬بالنسبة إلي‮ ‬الكاتب،‮ ‬وقد‮ ‬يكون من المفارقات في‮ ‬هذا العصر الذي‮ ‬يعلن اتجاهه نحو الفن‮ ‬غير الشخصي،‮ ‬أن‮ ‬يكون للتجارب والمواقف الشخصية هذا الدور الجوهري‮ ‬في‮ ‬المادة الأصلية للتجربة الفنية‮ (...) ‬والكاتب إذ‮ ‬يفسر فنه قد‮ ‬يخلقه خلقًا جديدًا،‮ ‬وقد‮ ‬يعود مرة أخري‮ ‬إلي‮ ‬المعاناة من مادته وهو‮ ‬يشكلها وفقًا لأغراضه وكما بينت كثير من الروايات والمسرحيات والقصائد أن أصحابها‮ ‬يعتبرون من عمالقة الأدب الحديث،‮ ‬فإن هذه المقالات تبين المطالب العاتبة التي‮ ‬يتطلبها الإبداع الفني،‮ ‬وتبين أنها لازمة للفنان لزوم الاحتياجات المباشرة لفنه‮.‬
وإذا كان الأمر علي‮ ‬هذه الصورة من الأهمية‮ - ‬حسب ما سبق‮ - ‬فإنه‮ ‬يحمل القارئ علي‮ ‬إعادة القراءة لأعمال هؤلاء الكتاب من منظور مختلف مستضاءة برؤي‮ ‬مبدعيها من تأمل نقدي‮ ‬لأعمالهم والتي‮ ‬تختفي‮ ‬فيها الحدود الفاصلة بين السيرة الذاتية والفن كاشفة عن الصفات المشتركة لكل إنتاج الكاتب‮.‬
علي‮ ‬الرغم من أن هذه المقالات ترمي‮ ‬إلي‮ ‬الكشف عن التجربة الحسية لدي‮ ‬الفنان ومنهجه في‮ ‬الإبداع الفني‮ ‬فإن ما نجده من تأملات فلسفية إنما‮ ‬ينبثق عن الاهتمام الحسي‮ ‬بالتجربة الفنية الخاصة وهي‮ ‬في‮ ‬نهاية الأمر لا تخلو من الطموح لصياغة الحقائق الجمالية ذاتها والتي‮ ‬تجتهد في‮ ‬الوصول إليها عن طريق البحث الفلسفي‮ ‬الدقيق‮.‬
ويري‮ ‬المحرران أن إلقاء نظرة علي‮ ‬بعض الموضوعات التي‮ ‬تتكرر في‮ ‬هذه المقالات توضح الصلة الوثيقة التي‮ ‬تربط بين الفنان وبين الرجل المشتغل بعلم الجمال،‮ ‬فهما كثيرًا ما‮ ‬يلتقيان عند نقطة التقاء مشتركة،‮ ‬ولكن عن طريقين مختلفين،‮ ‬ويتضح هذا الالتقاء بصفة خاصة في‮ ‬الاهتمام المكتسب باللغة‮: ‬خصائصها الكامنة وقدرتها وقوتها الفعالة،‮ ‬سواء في‮ ‬الحديث الدارج أم في‮ ‬التعبير الشعري،‮ ‬إذ إن الكلمات هي‮ ‬المادة الأولية لفن الأدب كما أنها الوسيلة المألوفة للاتصال بين الناس‮.‬
كما أن هناك نقطة التقاء أخري‮ ‬بين الفن وعلم الجمال تتجلي‮ ‬في‮ ‬الاهتمام بالتنظيم الشكلي‮ ‬لأجزاء العمل الفني‮ ‬وطبيعة كل جزء علي‮ ‬حدة،‮ ‬والقواعد التي‮ ‬تحدد وتحكم العلاقة بين الأجزاء،‮ ‬وكلها أمور حيوية بالنسبة إلي‮ ‬الشاعر والمؤلف والمسرحي‮ ‬والروائي‮ ‬كما أنها حيوية أيضًا بالنسبة إلي‮ ‬الباحث في‮ ‬علم الجمال‮.‬
وكأمثلة حية علي‮ ‬ما سبق نسوق عدة تعليقات علي‮ ‬بعض مما جاء في‮ ‬هذه المقالات‮:‬
ففي‮ ‬مقالة‮ »‬المسرح والأدب‮« ‬يقول بيراندللو‮: »‬ولننظر الآن في‮ ‬دور المسرح إزاء عمل فني‮ ‬عبر عنه بصورة فريدة ونهائية في‮ ‬الصفحات التي‮ ‬ألفها الكاتب‮. ‬إن ما اتخذ تعبيرًا بالفعل،‮ ‬وما اتخذ شكلاً‮ ‬بالفعل،‮ ‬يجب أن‮ ‬يصبح مادة ملموسة،‮ ‬مادة‮ ‬ينبغي‮ ‬للممثلين علي‮ ‬قدر ما لديهم من موهبة ووسائل أن‮ ‬يضفوا عليها بدورهم شكلاً‮. ‬ولما كان الممثل،‮ ‬إذا لم‮ ‬يشأ‮ (‬وهو لا‮ ‬يملك أن‮ ‬يشاء‮) ‬أن تخرج كلمات المسرحية المكتوبة من فمه كما تخرج من الميكروفون أو الفونوغراف‮ - ‬لما كان مضطرًا إلي‮ ‬إعادة فهم الشخصية،‮ ‬فإنه‮ ‬يعيد فهمها بطريقته الخاصة‮. ‬لابد للصورة التي‮ ‬عبر عنها الكاتب أن تنتظم داخل نفسه،‮ ‬ثم تتجه لأن تصبح حركة تجسد هذه الصورة وتجعل منها واقعًا فوق خشبة المسرح‮. ‬إن أداء الممثل للدور‮ ‬يستمد حياته من فهمه له،‮ ‬ولا سبيل إلي‮ ‬إضفاء الحياة عليه إلا عن طريق هذا الفهم،‮ ‬وذلك بواسطة الحركات التي‮ ‬تدفعه إليها الصورة نفسها،‮ ‬الصورة الحية الفعالة التي‮ ‬لم تعد موجودة داخل نفسه فحسب،‮ ‬بل وأصبحت جزءًا من كيانه روحًا وجسدًا‮".‬
وإذا كان هذا رأي‮ ‬بيراندللو في‮ ‬عمل الممثل حين‮ ‬يجسد صورة أدبية مكتوبة علي‮ ‬الورق فإنه‮ ‬ينظر إلي‮ ‬العمل الأدبي‮ ‬علي‮ ‬أنه هو الدراما أو الكوميديا كما‮ ‬يراها الشاعر ويكتبها،‮ ‬أما ما نراه علي‮ ‬المسرح فليس إلا ترجمة مجسدة لذلك العمل‮. ‬وبقدر ما هنالك من ممثلين‮ - ‬حسب رأي‮ ‬بيراندللو‮ - ‬ستكون هناك ترجمات،‮ ‬تتفاوت إخلاصًا وتوفيقًا لكنها ككل ترجمة ستكون دائمًا وبالضرورة أدني‮ ‬من الأصل‮.‬
وإذا كانت تلك هي‮ ‬رؤية بيراندللو في‮ ‬العلاقة بين الأدب والمسرح فإن جان بول سارتر في‮ ‬مقالته‮ »‬مسئولية الكاتب‮« ‬يحاول أن‮ ‬يضع الكتاب أمام مسئولياتهم الحقيقية،‮ ‬فإذا كان كل إنسان لديه مسئولية باعتبار تخصصه كالطبيب والإسكاف فكل منهما مسئول بصفته طبيبًا أو إسكافًا‮.‬
ويري‮ ‬أن عبارة‮ »‬عالم واحد‮« ‬التي‮ ‬يميل الأمريكيون إلي‮ ‬استخدامها تعني‮ ‬أشياء كثيرة ولكنها تعني‮ ‬بين ما تعني‮ ‬أن كل إنسان مسئول عما‮ ‬يجري‮ ‬في‮ ‬العالم‮.‬
وإذا كان الأخصائي‮ ‬بصفته هذه ليس مسئولاً‮ ‬في‮ ‬الواقع عن كل شيء أمام كل إنسان،‮ ‬فما مسئولية أولئك الأخصائيين الذين نسميهم الكتاب؟ هل هم مسئولون كبشر مسئولية كاملة وتتمثل هذه المسئولية في‮ ‬إنتاجهم أم أن مسئولية الكاتب لا تتعدي‮ ‬الحدود الضيقة لتخصصه،‮ ‬أي‮ ‬لا تتعدي‮ ‬حدود تلك المشكلات الخاصة التي‮ ‬يثيرها فن الكتابة ذاته؟
ومقالة سارتر تحاول الإجابة عن هذا السؤال،‮ ‬ويبدو أن إجابته تلك تتأكد وتتلخص في‮ ‬المقالة التالية لها‮ - ‬لسرتر أيضًا‮ - ‬والمعنونة بـ‮ »‬نحن نكتب لعصرنا‮«.‬
الكتاب‮ ‬يشتمل علي‮ ‬كثيرًا من المقالات التي‮ ‬تدور معظمها حول عملية الإبداع ودوره في‮ ‬المجتمع من خلال تجارب الكتاب المبدعين ذاتهم في‮ ‬إنتاجهم،‮ ‬ويعز علينا أن نحصر مناقشة أو عرض جميع الأفكار التي‮ ‬يدور حولها الكتاب مع تنوع المادة واختلاف الأقلام‮.

عادل العدوي  ‬

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: ‬الرؤية الإبداعية‮ (‬مجموعة مقالات‮)
  • المؤلف: إشراف‮: ‬هاسكل بلوك‮ - ‬هيرمان سالنجر ترجمة‮: ‬أسعد حليم مراجعة‮: ‬د‮. ‬محمد مندور
  • الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٨٥

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here