اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الواقع والخيال علي‮ "‬السفينة‮"‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

العلاقة بين الواقع والخيال‮ ‬،‮ ‬هي‮ ‬أكثر ما‮ ‬يلفت النظر في‮ ‬مسرحية‮ " ‬السفينة‮ " ‬التي‮ ‬صدرت مؤخرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة للشاعر والناقد الأدبي‮ ‬د‮. ‬محمد السيد إسماعيل‮ ‬،‮ ‬بمقدمة د‮. ‬عمرو دوارة،‮ ‬ضمن سلسلة‮ " ‬إبداعات الثورة‮ " . ‬أعرف أن علاقة الواقع بالخيال أمر لا‮ ‬يخلو منه عمل أدبي‮ ‬أو إبداعي‮ ‬بشكل عام‮ ‬،‮ ‬ولكن ما أقصده هنا‮ ‬يتعلق بكون مسرحية‮ " ‬السفينة‮ " ‬تنتمي‮ ‬إلي‮ ‬موجة الكتابة التي‮ ‬تحسب علي‮ ‬إبداعات الثورة‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعني‮ ‬أن خيالها‮ ‬يرتبط ارتباطا كبيرا وأساسيا بالثورة وينهل من حضورها الذي‮ ‬يمتد من الأسباب‮  ‬الاجتماعية والسياسية والثقافية التي‮ ‬مهدت لها والقوي‮ ‬المتنازعة والمتفاعلة فيها‮ ‬،‮ ‬مرورا بتفاصيلها وأحداثها وانتهاء بمآلاتها والأشواط التي‮ ‬قطعتها وما‮ ‬يتهددها من أخطار الثورة المضادة‮ . ‬الخيال هنا ـ كما في‮ ‬الكثير من كتابات المناسبات ـ‮ ‬يظل أسيرا للواقع‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬الرغم من المعالجات المختلفة‮  ‬التي‮ ‬يحاولها المؤلفون‮  ‬لاصطياد الواقع في‮ ‬شبكة الخيال‮ ‬،‮ ‬قلا‮ ‬يبقي‮ ‬أمام هؤلاء الكتاب سوي‮ ‬الفن‮ ‬،‮ ‬والخيال الفني‮ ‬الذي‮ ‬يجاهد لكي‮ ‬يغترب بالمناسبة عبر الشكل والأدوات‮ . ‬هنا في‮ ‬هذه المسرحية‮ ‬يمكننا أن نلمح هذه المجاهدة التي‮ ‬يقوم بها محمد سيد إسماعيل من أجل أن‮ ‬يحيل الواقع‮ (‬الذي‮ ‬يعرفه الناس جيدا‮ )  ‬إلي‮ ‬صورة فنية تسكن اللغة برموزها ومجازاتها‮ . ‬نص السفينة‮ ‬يتخلي‮ ‬عن البنية التقليدية التي‮ ‬تنمو إلي‮ ‬الأمام بحمولاتها من شخصيات وأفعال وصولا إلي‮ ‬عقدة‮  ‬يعقبها حل‮ ‬،‮  ‬ويعتمد بدلا من ذلك علي‮ ‬مجموعة من الرموز الدالة اجتماعيا والتي‮ ‬يتشكل عبرها الصراع الأساسي‮ ‬في‮ ‬النص‮ ‬،‮ ‬يستدعي‮ ‬الكاتب من الواقع بعض إشاراته‮  ‬الدالة ليعيد إنتاجها وتركيبها في‮ ‬مواقع علاماتية‮  ‬جديدة تحتلها في‮ ‬بنية أشمل‮ ‬،‮ ‬ويمكننا هنا التعرف مثلا علي‮ ‬بعض الحوادث المشهورة مثل واقعة الاعتداء علي‮ ‬الصحفي‮ ‬المعارض‮  ‬عبد الحليم قنديل‮ "‬عشان‮  ‬تتكلم عن أسيادك كويس‮ " ‬وكذا واقعة قتل أحد الأشخاص ببورسعيد‮  ‬بيد الشرطة بينما كان‮ ‬يحاول الاقتراب من موكب الرئيس لتسليمه شكوي‮ ‬،‮ ‬هناك إشارات إلي‮ ‬بيع القطاع العام‮ ‬،‮ ‬جملة المخلوع‮ " ‬خليهم‮ ‬يتسلوا‮ " ‬شعار‮ " ‬فكر جديد‮ " ‬الذي‮ ‬رفعه الوريث ورجاله كشعار للحزب‮ .. ‬إلخ‮  . ‬كما حاول الكاتب‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬سعيه للتخلص من سطوة زمن‮  " ‬الثورة‮ " ‬تفكيك أحداثها وبعض تفاصيلها وإعادة تشغيلها في‮ ‬النص عبر‮  ‬آليات زمنية مختلفة‮ ‬،‮ ‬وقد رأيناه‮ ‬يقدم مشاهد من الثورة باعتبارها رؤي‮ ‬لعدد من الشخصيات‮ ‬،‮ ‬استباقا لوقوعها في‮ ‬الواقع واستعاضة بها عن حدوثها وإيحاء بهذا الحدوث أيضا‮ . ‬يقول المساعد للراوي‮ : ‬تتحدث كأنك تراه‮ . ‬فيرد الأخير‮ : ‬أتحدث كأنني‮ ‬ربيته علي‮ ‬عيني‮ ‬وانتظرت خروجه القريب‮ . ‬ويقول شاب في‮ ‬موضع‮ : ‬الأمر‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬كثير من التضحيات‮ ‬،‮ ‬أن تملأ الدماء ميدانا بكامله‮ ‬،‮ ‬أن‮ ‬يفقد الآلاف عيونهم أو أذرعهم‮  ‬أو أرجلهم‮ ‬،‮ ‬أن تدهس السيارات الأجساد‮ . ‬كما‮ ‬يقول الشاب عن‮ " ‬السيد المهيب‮ " : ‬لن‮ ‬يتحرك بعد ذلك إلا محمولا بطائرة‮ ‬،‮ ‬أو محمولا علي‮ ‬نقالة‮ . ‬هكذا‮ ‬يقوم النص بعملية تحريك للزمن فنري‮ ‬صورا من الواقع محمولة علي‮ ‬رؤي‮ ‬استباقية لكثير من شخصيات النص‮ ‬،‮ ‬وتتداخل مشاهد وأزمنة مختلفة واقعية ورمزية لتصنع بنية مفارقة لبنية الزمن الطبيعي‮  ‬،‮ ‬مشيرة إلي‮ ‬محاولة الكاتب تحدي‮ ‬سطوة الصورة الواقعية للثورة وتغريبها في‮ ‬بنية‮ ‬غير تقليدية‮ ‬،‮ ‬ومع ذلك‮ ‬يظل أفق الخيال‮  ‬الذي‮ ‬يفتحه النص مرهونا بواقع‮ ‬،‮ ‬موضوعي‮ ‬،‮ ‬نشترك في‮ ‬معرفته جميعا‮ ‬،‮ ‬يسوق الموضوع إليه‮ ‬،‮ ‬ومن ذلك‮ ‬يقول الراوي‮ : ‬لكن من قال إن هناك فرقا بين الواقع والخيال‮ ‬،‮ ‬الخيال هو الابن‮ ‬غير البار للواقع‮ ‬،‮ ‬الابن المشاكس‮ ‬،‮ ‬العنيد المتمرد‮ ‬،‮ ‬خفيف الروح الذي‮ ‬يتسلق ثلاثين طابقا‮ ‬،‮ ‬لا لشيء إلا لكي‮ ‬يحرق علما لا‮ ‬يود رؤيته‮ .  ‬هكذا نجد في‮ ‬جملة الراوي‮ ‬ما‮ ‬يؤكد إشكالية الخيال في‮ ‬مثل هذه النصوص التي‮ ‬ترتبط وتتبع موضوعا محددا‮ ‬،‮ ‬الخيال‮ ‬يظل ملاصقا للواقع وإن تمرد فهو الابن المشاكس الذي‮ ‬لا‮ ‬يتعدي‮ ‬أقصي‮ ‬إمكانيات هذا الواقع وأكثرها تحقيقا لطاقاته ؛ الشاب الذي‮ ‬صعد مبني‮ ‬السفارة الإسرائيلية وأنزل العلم وقام بإحراقه‮ . ‬
في‮ ‬مقدمته‮ ( ‬الثورة المصرية بعيون المسرح‮ ) ‬أضاء د‮. ‬عمر دوارة مساحات واسعة من علاقة المسرح بالثورة‮ ‬،‮ ‬راصدا ما مهد وصاحب وعبر عن ثورة‮ ‬يوليو من عروض مسرحية وكذلك‮  ‬ثورة‮ ‬يناير‮ ‬،‮ ‬كما قدم دوارة دراسة حول نص‮ " ‬السفينة‮ " ‬انتهي‮ ‬منها إلي‮ ‬القول بأن النص بإيجابياته وسلبياته‮ ‬يعد بلا شك إضافة جديدة لمكتبة النصوص المصرية والعربية وإن أخذ علي‮ ‬النص عدم قابلية ما قدمه الكاتب من وصف للمكان للتحقق علي‮ ‬خشبة المسرح‮ ‬،‮ ‬كذلك رأي‮ ‬عدم أهمية لوجود الراوي‮ ‬ومساعده‮ . 

محمود الحلواني  ‬
          

معلومات أضافية

  • اسم الكتاب: ‬السفينة
  • المؤلف: د‮. ‬محمد السيد إسماعيل
  • الناشر: الهيئة العامة لقصور الثقافة
  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦٣

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here