اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية
سور الكتب
سور الكتب

سور الكتب (94)

 

‮"‬العمل الفني‮ ‬المركب وفن التجهيز في‮ ‬الفراغ‮" ‬كتاب جديد صدر مؤخرا ضمن سلسلة‮ "‬آفاق الفن التشكيلي‮" ‬لمؤلفه د‮. ‬عادل ثروت‮. ‬
الكتاب‮ ‬يتيح الفرصة للتعرف علي‮ ‬اتجاهات الفن التجميعي‮ ‬المجهزة في‮ ‬الفراغ،‮ ‬وربطها بالعوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية التي‮ ‬أوجدتها في‮ ‬أوروبا،‮ ‬ومحو الالتباس حول مفاهيم الحداثة ومعايير الجمال بشأنها‮.‬
يركز د‮. ‬عادل ثابت في‮ ‬كتابه علي‮ ‬اتجاه الفن التجميعي‮ ‬الغربي‮ ‬بعد ظهوره في‮ ‬أوروبا في‮ ‬العقد الثاني‮ ‬من القرن العشرين،‮ ‬من خلال الحركة‮ "‬الدادية‮" ‬وهو الاتجاه الذي‮ ‬يقوم علي‮ ‬الجمع في‮ ‬مكان واحد،‮ ‬بين عناصر مادية مختلفة،‮ ‬مجسمة أو مصورة،‮ ‬مجهزة خصيصا للعمل أو سابقة التجهيز،‮ ‬أو من المخلفات القديمة أو النفايات الصناعية والمنزلية،‮ ‬ليشكل الفنان من هذه التجميعة عملا فنيا متكاملا،‮ ‬في‮ ‬وحدة عضوية‮. ‬الأمر الذي‮ ‬كان بمثابة صرخة تمرد علي‮ ‬كل الثوابت الاجتماعية والسياسية للمجتمع‮.‬

 

"‬تشخيص علي‮ ‬مسرح مكشوف‮" ‬ديوان شعري‮ ‬جديد للشاعر محمد علي‮ ‬عزب،‮ ‬صدر مؤخرا ضمن سلسلة‮ "‬حروف‮" ‬التي‮ ‬تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة‮. ‬تتميز شعرية محمد علي‮ ‬عزب،‮ ‬في‮ ‬هذا الديوان،‮ ‬بقدرة مدهشة علي‮ ‬صياغة الصورة الشعرية الكلية،‮ ‬بزخمها الدرامي،‮ ‬وتنامي‮ ‬حالاتها التصويرية،‮ ‬غير منفصلة عن وجدان وانفعال الشاعر من ناحية،‮ ‬وعن قدرته علي‮ ‬اصطياد التفاصيل الحية،‮ ‬والمتحركة،‮ ‬والطازحة من ناحية أخري‮. ‬محمد من أكثر شعراء العامية استفادة من فن السينما،‮ ‬والفن الدرامي‮ ‬حيث‮ ‬يتابع في‮ ‬قصيدته ـ كأنما عبر صور متحركة ـ وعبر شخصيات تتسم بالحضور ميلاد اللحظة،‮ ‬ليصل بها أخيرا إلي‮ ‬نهايتها،‮ ‬ودائما ما‮ ‬ينجح في‮ ‬التقاط النقطة الحرجة التي‮ ‬تفتح أمام سرده الشعري‮ ‬أبوابا متعددة علي‮ ‬العالم‮. ‬علي‮ ‬عزب صائغ‮ ‬ماهر،‮ ‬ينتقي‮ ‬مادته من أكثر وجوه الحياة امتلاء بالحضور‮.‬

 

في‮ ‬مجموعة‮ "‬المقهي‮ ‬القديم والفراشات‮" ‬للقاص عادل جاد‮ (‬دار ميريت ـ القاهرة ـ‮  ‬الطبعة الأولي‮ ‬2013‮)‬،‮ ‬قد نجد إلي‮ ‬حد بعيد تجسيدًا لمفهوم العبث واللامعقول،‮ ‬ومن ثم الهروب من الواقع وإليه،‮ ‬وتجسيدا لحس الافتقاد المتوالي‮ ‬الذي‮ ‬تستشعره النفس البشرية في‮ ‬مواجهة ما‮ ‬يحيط بها،‮ ‬علي‮ ‬نحو ما تأتي‮ ‬به النماذج القصصية التي‮ ‬يتعامل فيها القاص مع شخوصه انطلاقًا من ذاته المتوحدة بحس صوفي‮/ ‬روحاني‮ ‬متورط في‮ ‬الحياة من خلال شقها السديمي‮ ‬المحلق في‮ ‬الحلم أو الهارب من الواقع بتلك الروحانية التي‮ ‬تجتاز كل الفواصل والحواجز،‮ ‬بتلك السمة من‮ (‬التردد‮) ‬بين الصعود والهبوط‮:‬
‮"‬لا تفارقنا الذكريات القديمة بيسر،‮ ‬تظل ممسكةً‮ ‬بتلابيب العقل،‮ ‬تجلدنا مرات كثيرة بحوادث مريرة وأخري‮ ‬مشينة‮.. ‬أترك نفسي‮ ‬لعتمة الغرفة،‮ ‬تعتاد عيناي‮ ‬الظلام المحيط‮.. ‬يتحرك أمامي‮ ‬شريط الأحداث برخاوة‮. ‬تغادر الروح الجسد مرات ومرات ثم تعاود الرجوع‮". ‬
ذلك‮ (‬التردد‮) ‬الذي‮ ‬هو من سمات الصوفية،‮ ‬والذي‮ ‬يدفع بالذات في‮ ‬آتون تقلبها وارتيادها لعوالم مغايرة،‮ ‬قد تدفع للتعامل معها علي‮ ‬نحو التلبس والتنقل والحلول،‮ ‬ما‮ ‬يدفع إلي‮ ‬تجسيد فكرة العبث التي‮ ‬تقود في‮ ‬أغلب مواضعها إلي‮ ‬تجسيد فكرة اللامعقول المترتب علي‮ ‬الحالة الرافضة للواقع،‮ ‬الجانحة إلي‮ ‬ارتياد جوانب خفية من الذات في‮ ‬مواضع مختلفة،‮ ‬إذ أن الروح التي‮ ‬تحرك العمل‮/ ‬النص هي‮ ‬المهيمنة هنا إلي‮ ‬حد بعيد حيث‮ ‬يختتم هذا النص الافتتاحي‮ "‬هي‮ ‬ظلمة‮... ‬أشتهيها‮" ‬بالتأكيد علي‮ ‬هذه الحالة الملتبسة للروح مع الجسد‮:‬
‮"‬أنا الدرويش‮/ ‬الحالم‮/ ‬الزاهد‮/ ‬العاشق‮/ ‬التائب‮/ ‬الراجع‮.. ‬يفيض قلبي‮ ‬بطاقة أكبر من احتمالي،‮ ‬يغمر النور المكان‮.. ‬وأنشطر ضياءً‮.. ‬فضياء‮!".‬
حيث تكتمل اللغة الشاعرية المتوافقة مع الحالة،‮ ‬والمؤطرة لعملية الانعتاق المرجوة التي‮ ‬تفتح العالم أمام السارد كي‮ ‬يطوف فيه محاولا تحقيق هذه المعادلة،‮ ‬التي‮ ‬تشتبك مع الواقع أيضا في‮ ‬نص‮ "‬جحيم‮" ‬لتوطين الحس بالاغتراب وسط هذه المخلوقات المعتادة،‮ ‬للدخول في‮ ‬حالة أسطرة الجحيم أو الخوف أو عدم التصالح مع الواقع،‮ ‬بدايةً‮ ‬من مفتتح النص ذاته وحتي‮ ‬ختامه المؤكد علي‮ ‬تلك الحالة‮:‬
‮"‬تعلو ألسنة اللهب لعنان السماء كوحش أسطوري‮.. ".‬
‮ ‬ليكتمل المعني‮ ‬مع نهاية النص من خلال تلك التهويمات التي‮ ‬تجعل من‮ ‬غير المرئي‮ ‬كيانا قادرا علي‮ ‬تحفيز قدرة السارد علي‮ ‬استلهام واستخراج ما تمور به الذات من هواجس ومشاعر تدفع بها في‮ ‬اتجاه التعامل العبثي‮ ‬مع الحالة التي‮ ‬ربما صارت حالة لصيقة بهذا النموذج الإنساني‮:‬
‮"‬في‮ ‬الزاوية الأخري،‮ ‬بوجوههم العابسة ومشاعل اللهب تتراقص في‮ ‬أيديهم،‮ ‬كانوا هناك‮ ‬يتحركون كأشباح مبتهجة‮". ‬
فهنا‮ ‬يعكس السارد‮/ ‬الرائي‮ ‬بحسب التعبير الصوفي‮ ‬هذه الحالة التي‮ ‬تنقل التوتر وتعكس الحالة من منظور عدم الألفة وعدم التصالح مع هذا الواقع،‮ ‬حيث‮ ‬يبدو التعامل مع النص بحرفية تعضدها لغة تنحو إلي‮ ‬المجاز واستبطان الحالة والعروج بها إلي‮ ‬آفاق بعيدة تلتمس المتواري‮ ‬من المعني‮ ‬أو الدلالة‮. ‬
‮❊❊❊‬
ثمة اشتباك آخر مع مفهوم العبث،‮ ‬من خلال تيمة الحلم التي‮ ‬يلعب عليها القاص في‮ ‬أكثر من نص،‮ ‬حيث‮ ‬يدور كل منهما في‮ ‬جو حلمي‮/ ‬كابوسي‮ ‬أو حلم‮ ‬يقظة،‮ ‬مشتبك مع الواقع من جهة ومع الشكل العبثي‮ ‬التخييلي‮ ‬من جهة أخري،‮ ‬ويعد ارتباطا وطيدا،‮ ‬حيث تشكل المفردات الحلمية في‮ ‬حد ذاتها مع اضطراب الحدث،‮ ‬انعكاسا للحالة النفسية المشوشة التي‮ ‬تنتقل إليها توترات الذات لتصنع هذا المزيج من العبث نهايةً،‮ ‬ودخولا في‮ ‬نطاق اللامعقول الذي‮ ‬لا‮ ‬يمكن تقبله إلا علي‮ ‬أساس النزعة الحلمية‮/ ‬العبثية‮.‬
‮"‬كان عليّ‮ ‬التصرف بسرعة،‮ ‬تذكرت دورة مياه قريبة أحتفظ عادة ببعض الملابس في‮ ‬خزانة حديدية بها،‮ ‬أسرعت الخطو تجاهها‮.. ‬دسست بعض النقود في‮ ‬يد خادم الدورة بمجرد وصولي،‮ ‬وفتحت خزانتي‮ ‬وأخذت ملابس جديدة،‮ ‬لم تكن في‮ ‬أناقة الملابس الأولي‮"‬
في‮ ‬نص‮ "‬الحفلة‮" ‬يتمادي‮ ‬السرد في‮ ‬التعامل مع الحالة،‮ ‬وكأنما السارد الواحد هنا هو من‮ ‬يتنقل بذات الشخصية المضطربة ليكمل دوره في‮ ‬النص بذات اللهاث،‮ ‬وإن اختلفت التفاصيل وتشعبت لتخلق حالة أكثر حميمية دلالة علي‮ ‬الافتقاد الشديد لها،‮ ‬من خلال البحث عن المرأة‮/ ‬المحبوبة التي‮ ‬تمثل حجر زاوية وارتقاء لمفهوم البحث عن معادلة الوجود،‮ ‬وإن كان أيضا في‮ ‬متاهة حلمية متقافزة الأحداث‮:‬
‮"‬مسحت بعض قطرات الماء عن شعري‮ ‬وأنا أركض في‮ ‬اتجاه الجسر،‮ ‬وقرقعة حذائي‮ ‬علي‮ ‬الحجر تحدث صدي‮ ‬متتابعًا‮. ‬لمحت بعض العشاق متشابكي‮ ‬الأيدي‮ ‬أو‮ ‬يلفون خصور بعضهم وهم‮ ‬يتحركون ببطء وباعة متجولين في‮ ‬مدخل الجسر‮ ‬يذرعون الساحة،‮ ‬وهواة الصيد في‮ ‬الجانب الآخر من الجسر لم‮ ‬يبرحوا مكانهم‮. ‬نظرت في‮ ‬كل الاتجاهات باحثا عن‮ "‬امرأتي‮" ‬ولكنها لم تكن موجودة‮!".‬
تشتبك الحالة وتتصاعد،‮ ‬من خلال التفاصيل الكثيرة لمشهد متكامل‮ ‬يجسد للدخول الأعمق في‮ ‬حالة الاغتراب الذي‮ ‬يبدو من خلال فقد‮/ ‬افتقاد المرأة التي‮ ‬يسعي‮ ‬إليها برغم كل المحاذير التي‮ ‬يسوقها الحلم ويسقطها علي‮ ‬الواقع من خلال هذا التأرجح فيما بين الحركة العبثية،‮ ‬التي‮ ‬تتمادي‮ ‬في‮ ‬إبراز اللامعقول من التصرفات والنتائج واتساع دائرة البحث التي‮ ‬تقود إلي‮ ‬الهلوسة وتداخل الصور والوجوه والمشاهد،‮ ‬والدخول في‮ ‬المتاهة التي‮ ‬يصنعها تاريخ مخفي‮ ‬لايذكره النص‮!!‬
‮❊❊❊‬
من خلال نص‮ "‬الثعبان‮" ‬يلوح ملمح عبثي‮ ‬يكاد‮ ‬يمتد بذاك الخط السردي،‮ ‬حيث‮ ‬يتحول الواقع الخارجي‮ ‬إلي‮ ‬ساحة أشبه بالسيرك،‮ ‬أو الحلقة التي‮ ‬تلتف حول الحاوي‮ ‬في‮ ‬الشارع،‮ ‬بهذه المشهدية الراصدة،‮ ‬يقتحم القاص النص والحالة الآنية،‮ ‬التي‮ ‬يمثل المكان فيها بعدًا مفتوحًا علي‮ ‬الواقع‮/ ‬الحياة،‮ ‬يُختزل في‮ ‬حلقة حول‮ "‬حاوي‮" ‬أو مدعي‮ ‬بملامح مغايرة ملفتة للنظر،‮ ‬لمحاولة تدليس الواقع،‮ ‬والإيهام بقوة الإيحاء بتغلغل الحالة العبثية المفروضة،‮ ‬في‮ ‬علاقة متوهمة بين السارد والحاوي‮:‬
‮"‬توقف عندي‮ ‬للحظة تأملني‮ ‬وحياني‮ ‬بإيماءة من رأسه واستدار راجعا للخلف‮. ‬أعلن عن فقرة الإثارة القصوي‮".‬
ذلك ما‮ ‬يجعل السارد‮ ‬يتورط بطريقة عبثية في‮ ‬تلك اللعبة التي‮ ‬يمارسها الحاوي،‮ ‬بالإيحاء بالقوة والشجاعة التي‮ ‬يفتقدها السارد،‮ ‬وتبادل الأدوار‮ ‬غير المعتاد حدوثها‮:‬
‮"‬رفعت‮ ‬يدي‮ ‬ملمحا له كي‮ ‬أنهي‮ ‬الأمر فتراخي‮ ‬ضغط إصبعي‮ ‬علي‮ ‬فم الثعبان فأفلت مني،‮ ‬وشعرت بوخز ألم لاذع جراء لدغة الثعبان ليدي‮.. ‬تراجع الجمهور ثانية للخلف مذهولا ومذعورا وحدثت جلبة وفوضي‮".‬
اعتمادا علي‮ ‬الخط السردي‮ ‬الممتد الذي‮ ‬لا‮ ‬يدع للشخصية الفرصة كي‮ ‬تسترجع أي‮ ‬تاريخ أو مواقف في‮ ‬أجواء الدجل والنصب التي‮ ‬يتعامل بها المهرج‮/ ‬النصاب مع هؤلاء المنومين أو الواقعين تحت سيطرة الإيهام‮..‬
‮ ‬ذلك الإيحاء الضمني‮ ‬الذي‮ ‬يختتم به النص بأن هذا اللاعب‮ ‬يتلاعب بمن حوله بهذا الإيهام والتخويف من سم للثعبان‮ ‬غير موجود‮: ‬
‮"‬أسندني‮ ‬بعض الأشخاص ثم أجلسوني‮ ‬علي‮ ‬الأرض‮.. ‬أحسست بخدر شديد في‮ ‬يدي‮.. ‬وبدأ وجه الرجل‮ ‬يهتز‮.. ‬ويتلاشي‮ ‬وتتلاشي‮ ‬معه كل العيون المحدقة‮".‬
هكذا تكتمل الصورة العبثية متمثلة في‮ ‬حالة الغيبوبة،‮ ‬وفكرة الإيهام التي‮ ‬يلعب عليها ليدلل علي‮ ‬أن أغلب الآثار والتداعيات تأتي‮ ‬من خلال النفسية البشرية في‮ ‬إطار من التصرفات اللامعقولة التي‮ ‬ربما تبدلت قيمها لتدخل في‮ ‬نطاق المعقول والعادي‮ ‬والمتاح حدوثه‮. ‬
محمد عطية محمود

 

في‮ ‬الحقيقة،‮ ‬يمكن اعتبار مسرحية‮ "‬الملك أوبو‮" ‬لجاري‮ ‬أول مثل حديث علي‮ ‬دراما اللامعقول‮. ‬ولا شك أن صموئيل بيكيت هو أعمق كتاب دراما اللامعقول وأعظمهم شأناً،‮ ‬فلا ريب أن مسرحيتي‮ "‬في‮ ‬انتظار جودو‮" ‬و"نهاية اللعبة‮" ‬عملان رائعان،‮ ‬كما أن مسرحيات‮ "‬الأيام السعيدة‮"‬،‮ ‬و"شريط كراب الأخير‮"‬،‮ ‬و"أفعال بلا أقوال‮" ‬صور شعرية عميقة ورائعة‮. ‬ويعتبر جان تارديو وبوريس فيان من أحسن كتاب دراما اللامعقول الفرنسيين،‮ ‬فإن تارديو كاتب‮ ‬يجرب ويستكشف بانتظام إمكانيات مسرح‮ ‬يمكن أن‮ ‬يفصل نفسه عن الكلام الاستطرادي‮ ‬حتي‮ ‬تصبح اللغة فيه مجرد صوت موسيقي،‮ ‬أما فيان ـ وهو من أتباع جاري‮ ‬المخلصين ـ فقد كتب مسرحية‮ "‬بناة الإمبراطورية‮" ‬التي‮ ‬يظهر فيها رجل‮ ‬يفر من الموت والوحدة‮. ‬
لماذا إذن اختار مارتن إسلين مسرحيات‮ ‬يونسكو وبيكيت وجينيه وأداموف ليجمع منها مختارات في‮ ‬كتاب واحد؟
من المعروف أن مصطلح العبث أو اللا معقول‮ ‬يعود إلي‮ ‬إسلين في‮ ‬فترة الخمسينيات والستينيات،‮ ‬وقد اشتق المصطلح من مقالة لألبير كامو كتبت في‮ ‬عام‮ ‬1942 ‮ ‬حيث‮ "‬قدم فيها الموقف الإنساني‮ ‬بشكل أساسي‮ ‬علي‮ ‬أنه موقفا عبثيا لا معني‮ ‬له‮"‬،‮ ‬وبعد إسلين تداول الكتاب والنقاد المصطلح بما‮ ‬يعني‮ ‬العبث واللا معقول‮.‬
عندما ظهرت مسرحيات‮ ‬يونسكو وبيكيت وجينيه وأداموف علي‮ ‬المسرح لأول مرة حيرت معظم النقاد والمشاهدين وأثارت سخطهم،‮ ‬ولا عجب في‮ ‬ذلك؛ إذ إن هذه المسرحيات تهزأ بجميع المعايير التي‮ ‬ظلت تقاس بها المسرحية قروناً‮ ‬كثيرة،‮ ‬ومن هنا لا بد أنها تظهر كأنها تتحدي‮ ‬الناس الذين‮ ‬يؤمون المسرح وهم‮ ‬ينتظرون أن‮ ‬يجدوا أمامهم عملاً‮ ‬يدركون أنه مسرحية محكمة الصنع،‮ ‬ويتوقع في‮ ‬المسرحية المحكمة الصنع أن تقدم شخصيات دوافعها مقنعة وتصويرها صادق،‮ ‬أما هذه المسرحيات تجيء في‮ ‬الغالب خالية من كائنات بشرية‮ ‬يمكن التعرف عليها تقدم علي‮ ‬أفعال خالية من الدوافع تماماً،‮ ‬وينتظر أن‮ ‬يجيء الإقناع في‮ ‬المسرحية المحكمة الصنع عن طريق حوار ذكي‮ ‬ومنطقي‮ ‬البناء،‮ ‬ولكننا نجد في‮ ‬بعض هذه المسرحيات حواراً‮ ‬يبدو وكأنه‮ ‬ينحدر إلي‮ ‬مستوي‮ ‬الثرثرة التي‮ ‬لا معني‮ ‬لها،‮ ‬ويتوقع أن‮ ‬يكون للمسرحية المحكمة الصنع بداية ووسط ونهاية حُبكت ببراعة،‮ ‬أما هذه المسرحيات فإنها تبدأ في‮ ‬الغالب عند نقطة متعسفة وتبدو وكأنها تنتهي‮ ‬أيضاً‮ ‬بشك لااعتباطي‮ ‬أو تعسفي،‮ ‬فإذا قسنا هذه المسرحيات بجميع المقاييس التقليدية في‮ ‬التذوق الأدبي‮ ‬للمسرحية نجدها ليست رديئة بصورة مقيتة فحسب،‮ ‬وإنما لا تستحق أيضاً‮ ‬اسم الدراما‮. ‬
بهذا المفهوم‮ ‬يقدم مارتن إسلين كتاب‮ "‬دراما اللامعقول‮" ‬من اختياره وتقديمه،‮ ‬الصادر عن سلسلة من المسرح العالمي‮ ‬الع‮ ‬ ترجمة صدقي‮ ‬عبد الله خطاب،‮ ‬ومراجعة د‮. ‬مصطفي‮ ‬إسماعيل الموافي،‮ ‬والكتاب عبارة عن أربع مسرحيات لأهم كتاب دراما اللامعقول،‮ ‬ذلك المصطلح الذي‮ ‬يعرفه إسلين بأنه نوع من الاختزال الفكري‮ ‬لنمط معقد من التشابه في‮ ‬التناول والطريقة والتقليد،‮ ‬ومن الأسس الفنية والفلسفية المشتركة،‮ ‬سواء أكان إدراكها بوعي‮ ‬أو بلا وعي،‮ ‬ومن التأثيرات الناجمة عن رصيد مشترك من التراث،‮ ‬ولهذا فإن تسمية هذا النوع تساعد في‮ ‬الفهم،‮ ‬ومقياس صلاحها هو مدي‮ ‬مساعدتها لنا علي‮ ‬فهم واستيعاب العمل الفني،‮ ‬وهي‮ ‬ليست تصنيفاً‮ ‬ملزماً،‮ ‬ولا شك أنها ليست شاملة أو جامعة مانعة‮.  ‬
فقد تحتوي‮ ‬مسرحية علي‮ ‬بعض العناصر التي‮ ‬يمكن فهمها جيدا علي‮ ‬ضوء مثل هذه التسمية،‮ ‬في‮ ‬حين نجد أن هناك عوامل أخري‮ ‬في‮ ‬المسرحية نفسها مستمدة من تقليد مغاير ويمكن فهمها بصورة أقل علي‮ ‬ضوء ذلك التقليد،‮ ‬لقد كتب آرثر أداموف مثلاً‮ ‬عدداً‮ ‬من المسرحيات التي‮ ‬تعتبر أمثلة أولي‮ ‬علي‮ ‬دراما‮ "‬اللامعقول‮"‬،‮ ‬أما الآن فهو‮ ‬يرفض هذا الأسلوب بصراحة تامة وعن عمد،‮ ‬ويكتب في‮ ‬إطار تقليد واقعي‮ ‬مختلف،‮ ‬ومع ذلك فإننا نجد حتي‮ ‬في‮ ‬آخر مسرحياته الملتزمة واقعياً‮ ‬واجتماعياً‮ ‬بعض النواحي‮ ‬التي‮ ‬يمكن أن توضح علي‮ ‬ضوء دراما اللامعقول كاستخدام الفواصل الرمزية‮ "‬وهي‮ ‬دمي‮ ‬القراقوز‮" ‬في‮ ‬مسرحيته ربيع عام‮ ‬ 71وبالإضافة إلي‮ ‬هذا فإن اصطلاحا مثل اصطلاح دراما اللامعقول عندما‮ ‬يتحدد ويفهم‮ ‬يكتسب قيمة معينة في‮ ‬إلقاء الأضواء علي‮ ‬مؤلفات الحقب السالفة،‮ ‬لقد كتب الناقد البولندي‮ ‬جان كوت مثلاً‮ ‬دراسة رائعة لمسرحية‮ "‬الملك لير‮" ‬علي‮ ‬ضوء مسرحية‮ "‬نهاية اللعبة‮" ‬لبيكيت،‮ ‬ولم تكن هذه محاولة أكاديمية لا جدوي‮ ‬منها،‮ ‬وإنما كانت عوناً‮ ‬حقيقياً‮ ‬كما اتضح في‮ ‬إخراج بيتر بروك لمسرحية‮ "‬الملك لير"؛ حيث استمد كثيراً‮ ‬جداً‮ ‬من أفكاره من مقالة كوت‮. ‬
ويقول إسلين إن مسرح اللامعقول قد‮ ‬يبدو عصرياً‮ ‬إلا أنه ليس كما‮ ‬يميل بعض فرسانه وفريق من ألد نقاده إلي‮ ‬تصويره علي‮ ‬أنه جدة ثورية،‮ ‬إن أفضل فهم لدراما اللامعقول هو الذي‮ ‬ينظر إليه باعتباره مزجاً‮ ‬جديداً‮ ‬لعدد من التقاليد أو السنن الأدبية الدرامية القديمة،‮ ‬بل حتي‮ ‬البالية منها،‮ ‬كتقليد المحاكاة بالحركات والتهريج التي‮ ‬ترجع إلي‮ ‬التشخيص الهزلي‮ ‬عند الرومان والإغريق وإلي‮ ‬الملهاة المرتجلة التي‮ ‬ظهرت في‮ ‬إيطاليا في‮ ‬عصر النهضة‮. ‬
ويري‮ ‬إسلين أنه‮ ‬يجب علينا النظر إلي‮ ‬تاريخ هذه الحركة التي‮ ‬بلغت ذروتها في‮ ‬أعمال بيكيت ويونسكو وجينيه،‮ ‬وقد كان أسلافها الأقربون هم كتاب مسرحيون كسترندبرج الذي‮ ‬انتقل من الطبيعة الفوتوغرافية إلي‮ ‬التصورات التعبيرية أكثر صراحة للأحلام والكوابيس والهواجس في‮ ‬مسرحياته،‮ ‬وكتاب روايات قصصية مثل جيمس جويس وكافكا،‮ ‬وكل هذه الأعمال أدت إلي‮ ‬دراما اللامعقول‮. ‬وهناك تأثير آخر مباشر هو تأثير الداديين والسرياليين والطليعة الباريسية التي‮ ‬استمدت من أمثال ألفرد جاري‮ ‬وجيوم أبولينير‮. ‬
أما أعلام الدراما اللامعقول في‮ ‬إيطاليا فهم دينو بزاتي‮ ‬وايزيو ديريكو،‮ ‬وفي‮ ‬ألمانيا جونتر جراس،‮ ‬وفولفجانج هيلد شايمر،‮ ‬كما‮ ‬يمكن اعتبار أعلامه في‮ ‬بريطانيا ن‮. ‬ف‮. ‬سيمسون،‮ ‬وجيمس سوندرز،‮ ‬وديفيد كامبتون،‮ ‬وهارولد بنتر‮.‬
ومما لاشك فيه أن‮ ‬يوجين‮ ‬يونسكو هو أخصب كتاب دراما اللامعقول وأكثرهم أصالة وأنه أيضاً‮ ‬من أعمقهم بالرغم مما نجد في‮ ‬مؤلفاته من جذور التهريج والهزل الذي‮ ‬يأتي‮ ‬به للتهريج ذاته‮. ‬كما أنه أعلي‮ ‬كتاب مسرح اللامعقول صوتاً‮ ‬والكاتب الوحيد بينهم المستعد لمناقشة الأسس النظرية لمؤلفاته،‮ ‬وللرد علي‮ ‬هجوم اليساريين الواقعيين الملتزمين علي‮ ‬هذه المؤلفات،‮ ‬وأهم موضوعات‮ ‬يونسكو‮ : ‬نقد اللغة،‮ ‬ومثول الموت دائماً‮ ‬في‮ ‬مسرحياته‮ "‬المغنية الأولي‮ ‬الصلعاء،‮ ‬الدرس،‮ ‬الكراسي،‮ ‬القاتل،‮ ‬الخرتيت،‮ ‬الملك‮ ‬يحتضر‮"‬،‮ ‬وقد كانت مسرحية‮ "‬أميديه أو كيف تتخلص منه‮" ‬أولي‮ ‬مسرحيات‮ ‬يونسكو الطويلة،‮ ‬وتحتوي‮ ‬علي‮ ‬صورة من أكثر صوره تأثيراً،‮ ‬كما تمتاز هذه المسرحية بما فيها من تراوح بين حالة من الانقباض والانبساط بين شعور بالثقل‮ ‬يشد الإنسان إلي‮ ‬الأرض وشعور بالخفة كأنه‮ ‬يطير في‮ ‬الفضاء،‮ ‬وهي‮ ‬صورة‮ ‬يتكرر ظهورها في‮ ‬مؤلفاته وتبلغ‮ ‬ذروتها في‮ ‬هذه المسرحية بالذات حين‮ ‬يحلق أميديه في‮ ‬الهواء مبتعداً‮ ‬في‮ ‬نهايتها‮.‬
كما‮ ‬يقف آرثر أداموف اليوم في‮ ‬المعسكر الذي‮ ‬يوجه إليه‮ ‬يونسكو أشد النقد،‮ ‬وهو معسكر الاشتراكيين الواقعيين الذين لسان حالهم مجلة‮ "‬المسرح الشعبي‮"‬،‮ ‬ولكن أداموف بدا كمتبع لآرتو،‮ ‬بشهادته عصابياً‮ ‬وغريباً‮ ‬في‮ ‬عالم لا معني‮ ‬له‮. ‬إن تطور أداموف من النقيض إلي‮ ‬النقيض‮ ‬يشكل موضوع سيرة فنية ونفسية ممتعة تحتل منها مسرحية‮ "‬الأستاذ تاران‮" ‬مكاناً‮ ‬بارزاً،‮ ‬ويمكن أن نري‮ ‬تقدم أداموف عملية من عمليات العلاج النفسي‮ ‬عن طريق الكتابة‮.‬
أما فيرناندو آرابال،‮ ‬فجذوره ممتدة في‮ ‬تراث إسبانيا السيريالي،‮ ‬وهي‮ ‬بلاد طالما اشتهرت بخصوبتها في‮ ‬الخيال المغرق والزخرفة التي‮ ‬تمزج بين الإنسان والحيوان في‮ ‬تشكيلات هزلية،‮ ‬ومثال ذلك‮ "‬آل جريكو جويا‮". ‬
وكذلك إدوارد إلبي‮ ‬فهو أحد الأمريكيين الذين مثلوا دراما اللامعقول فهو‮ ‬يشارك جينيه في‮ ‬إحساس اليتيم بالوحدة في‮ ‬عالم‮ ‬غريب،‮ ‬ولا شك أن مسرحيته‮ "‬من‮ ‬يخشي‮ ‬فرجينيا وولف‮" ‬جلبت له نجاحاً‮ ‬عظيماً‮ ‬في‮ ‬مسارح برودواي،‮ ‬إنها قصة الموت في‮ ‬رقصة وحشية‮. ‬
وتقدم مسرحيات الكتاب عالماً‮ ‬صوره صارمة وقاسية ومخيبة،‮ ‬وبالرغم من أنها تتخذ في‮ ‬معظم الأحيان قالب الخيالات المفرطة فإنها مع ذلك واقعية في‮ ‬جوهرها بمعني‮ ‬أنها لا تتهرب أبداً‮ ‬من واقع العقل الإنساني‮ ‬بما هو عليه من‮ ‬يأس وخوف ووحدة في‮ ‬ألم‮ ‬غريب وعدائي‮. ‬

عادل العدوي

 

‮" ‬الفريق سعد الدين الشاذلي‮ .. ‬مهندس حرب أكتوبر‮ " ‬كتاب جديد صدر مؤخرا ضمن إصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة لمؤلفه أحمد علي‮ ‬عطية‮ . ‬
الكتاب‮ ‬يتناول السيرة الذاتية للفريق سعد الدين الشاذلي‮ ‬أحد أهم قادة العسكرية المصرية خلال حرب أكتوبر‮ ‬،‮ ‬وذلك من خلال تتبع رحلة حياة هذا القائد العظيم من الميلاد حتي‮ ‬الرحيل‮ ‬،‮ ‬متناولا أهم محطات حياته بالرصد والتحليل‮ ‬،‮ ‬خاصة تلك المواقف التي‮ ‬لا تزال تثير الكثير من الجدل‮ .‬

 

الأجدر بنا أن نذكر أن الصراع بين الروح والجسد هو صراع أزلي‮ ‬منذ بدء الخلق‮ ‬،‮ ‬رصدته الأساطير والمعتقدات الشعبية المتوارثة‮ ‬،‮ ‬وحريُ‮ ‬بنا أن نذكر أيضاً‮ ‬أن تلاقي‮ ‬الأرواح وتنافرها‮  ‬هو سر روعة هذا الكون‮ ‬،‮ ‬وأن الحياة بكل كائناتها قائمة علي‮ ‬الصراع بين الروح والجسد‮ . ‬ونص‮ ‬يليق بسكران للقاص محمد أبو الدهب‮  ‬يسمو بالروح لتكون كائناً‮ ‬حراً‮ ‬طليقاً‮ ‬لا‮ ‬يصدها موانع‮ ‬،‮ ‬والأجساد بالنسبة لها شفافة كلوح زجاج بلوري‮ ‬،‮ ‬أو كثوب حريري‮ ‬يمكن اختراقه بسهولة ويسر‮ ‬،‮ ‬فثمة علاقة وطيدة بينهما‮ ‬،‮ ‬وإنما هي‮ ‬علاقة لا‮ ‬يحدها نظام‮ . ‬فروح البطل المخمور دائماً‮ ‬قفزت لتخلق روحاً‮ ‬أخري‮ ‬تحاورها وذلك مثل سيد عبد الرازق‮ ‬– الذي‮ ‬اختلقه ليكون مرافقاً‮ ‬له في‮ ‬رحلته الغيبية في‮ ‬عالم من الممكن أن نطلق عليه افتراضياً‮ ‬،‮ ‬أو هو عالم ممسوخ من الواقع‮ ‬،‮ ‬يراه هو بكل متناقضاته‮ ‬،‮ ‬فالظاهر‮ ‬غالباً‮ ‬لا‮ ‬يعبر عن المكنون‮ ‬،‮ ‬والجسد هذا التكوين اللين ذو المفاصل والثنيات‮ ‬– المكون من الرأس والصدر والرجلين ما هو إلا شكل اسطواني‮ ‬معبأ بنوازع وأسرار وخفايا تحبسها فوهة الفم‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬غالباً‮ ‬ما‮ ‬ينطق بكلمات لا تعبر عما في‮ ‬داخله‮ ‬،‮ ‬وإذا كنت قد آشرت إلي‮ ‬الروح بأنها في‮ ‬النص روح حرة طليقة‮ ‬– فهي‮ ‬بالفعل روح البطل والذي‮ ‬يحاول بها وبجسده المضمور أن‮ ‬ينطلق ليحرر الأرواح الأخري‮ ‬،‮ ‬مثل علاقته بزميلاته في‮ ‬المكتب صباح‮ ‬– ‮ ‬وسلوي‮ ‬وتحية العاملة‮ ‬،‮ ‬فهو في‮ ‬حالته المضمورة هذه‮ ‬يري‮ ‬الأجساد شفافة تفضح خبايا الروح التي‮ ‬ترتكن بزاوية علي‮ ‬شمال الصدر‮ ‬،‮ ‬فهو‮ ‬يعلم أن حركات تحية العاملة بنفور صدرها المتدلي‮ ‬عمداً‮ ‬– يعبر عن مكنون روحها التي‮ ‬تود أن تتحرر‮ ‬– فباغتها هو بمراودته لها‮ ‬– فأبت مدعية المسكنة‮ ‬،‮ ‬وأيضاً‮ ‬رسائله الجنسية لزميلاته‮ . ‬فهن في‮ ‬الظاهر‮ ‬– كما‮ ‬يعتقد‮ ‬يلومنه ويبررن‮ ‬غفرانهن له بأنه دائماً‮ ‬ما‮ ‬يكون مخموراً‮ . ‬وجسده الذي‮ ‬يعبس فيه‮ ‬– ‮ ‬ليخرج الأمعاء والمعدة والكبد ليشطفهم كحبات الطماطم ويعيد وضعهم مرة أخري‮ ‬– ‮ ‬فهذا‮ ‬يجعلنا نوقن أنه‮ ‬يتحاور مع الجسد كمرآة أمامه‮ ‬– ‮ ‬يري‮ ‬ما ترصده ووقوفه تحت الدش الذي‮ ‬ينتظر أن تسخن مياهه ليشطف جسده وما‮ ‬يحويه‮ ‬– ‮ ‬تخترقه المياه كشلال‮ ‬يطهرها‮ ‬– ‮ ‬هو‮ ‬ينتظر هذه اللحظة‮ ‬– ‮ ‬وهذه اللحظة هي‮ ‬عمر المتتالية القصصية التي‮ ‬اتسمت بحبكة الرواية والتي‮ ‬استدعي‮ ‬فيها كل‮ ‬يومياته السابقة‮ ‬،‮ ‬فوثبت روحه إلي‮ ‬أرواح الآخرين‮ ‬،‮ ‬فتذكر أمه التي‮ ‬ماتت وهو مخمورا وأبيه ونفوره من أفعاله وسيد عبد الرازق الشخص الهلامي‮ ‬الهش الذي‮ ‬يرافقه وزجاجات البراندي‮ ‬ورسائله وعربدته في‮ ‬البارات‮.‬
فإن البراندي‮ ‬هو السر الذي‮ ‬يلجأ إليه لينتشي‮ ‬ويعلو بروحه وجسده أيضاً‮ ‬علي‮ ‬كل السلوكيات الظاهرة والتي‮ ‬يعرف حقيقتها‮ .‬
ففكرة الخروج عن الوعي‮ ‬لفضح الواقع من الظاهر أنها فلسفة أبو الدهب في‮ ‬طرح أفكاره ورؤاه‮ ‬،‮ ‬ورغم أن الروح حرة طليقة من الجائز أن نغفر لها كل شذوذها وتمردها وسخطها وذلك بحجة الخروج عن الوعي‮ .‬
إن التضاد والتصادم‮ ‬غالباً‮ ‬ما‮ ‬يخلق فلسفة تبرهن علي‮ ‬فكر الكاتب‮ ‬– بالضبط كتصادم صخرتان‮ ‬يتولد من بينهما الشرر‮ ‬،‮ ‬فهو في‮ ‬حالة تصادم مستمر مع واقعه‮ ‬،‮ ‬تصادم‮ ‬يتألف نظامه من استخدامه لحيل وأدوات من الجائز أن نطلق عليها حيلا هشة ضد نظام صلد‮ .‬
‮- ‬ولكنها هشاشة ألسنة النار‮ ‬،‮ ‬ومن هذه الحيل أنسنة الأشياء المحيطة التي‮ ‬تشكل وعيه‮ ‬،‮ ‬أو إذا صح التعبير تشكل خروجه عن الوعي‮ ‬– ليلامس كل الأرواح ويحرر الأجساد من ثقلها بتحدي‮ ‬جاذبية الواقع الملتبس‮ ‬،‮ ‬المتواري‮ ‬خلف أقنعة وقيم‮ ‬يراها هشة‮ ‬ينفرها الجسد والروح معاً‮ .‬
‮- ‬إن ثقافة أبو الدهب البصرية لها كبير الأثر في‮ ‬كتابة هذا النص‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يعتمد اعتماداً‮ ‬كلياً‮ ‬علي‮ ‬التحاور مع الأشياء من حوله ككرتونة الشاي‮ ‬ومنضدة الكمبيوتر والسخان وزجاجة البراندي‮ ‬الذي‮ ‬وصفها وصفا تشكيلياً‮ ‬مراوغاً‮ ‬لعينيه‮ ‬،‮ ‬وأيضاًَ‮ ‬تشكيلة لصورة مبتكرة توصف حالته باستعارته لصورة سيارة تقع‮ ‬،‮ ‬أو رسمة لصورة أيقونة الرسائل في‮ ‬الموبايل بأنها تحمل الرسالة وتطير سكرانة‮ ‬،‮ ‬أو للتوكتوك الذي‮ ‬رآه سيد عبد الرازق شاحنة كبيرة مما أضفي‮ ‬علي‮ ‬السرد مسحه من الكوميديا‮ ‬– منطقية مع تطور الأحداث‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يكتف بالابتكار في‮ ‬الصورة‮ ‬،‮ ‬ولكنه جرب أيضاً‮ ‬في‮ ‬اللغة‮ . ‬فقد نحت جملاً‮ ‬بلاغية حية‮ ‬ تخصه هو مثل جملة‮  ( ‬هكذا‮ ‬– بغشم‮ ‬– ببراندي‮ ‬علي‮ ‬الأرجح‮ ) ‬فجاءت ببراندي‮ ‬مرادفة لغشم وذلك بعد جملته الشهيرة لتحية العاملة‮ .‬
وكان للرد‮- ‬فعل السحر‮- ‬في‮ ‬النص رغم ارتباكه المقصود ليحقق الحالة ولكنك لا تخطئ أن هناك أحداثا كبري‮ ‬وقصة جعلت البطل في‮ ‬حالة خروج عن الوعي‮ ‬فلجأ لحيلة استدعاء الماضي‮ ‬وشكله مستخدماً‮ ‬طريقة الكولاج في‮ ‬التشكيل وذلك بوضعه مواقف وأحداث ليست متشابهة ولكن‮ ‬يربطها جميعاً‮ ‬خيط رقيق لا‮ ‬يري‮ ‬بالعين المجردة‮ ‬،‮ ‬فهو رفيع وخفيف مثل خفة الجسد ورشاقة الروح‮ ‬،‮ ‬فمن الجائز اختراقه ومن الجائز أيضاً‮ ‬اختراقه هو لكل الأزمنة والأجساد فالروح والجسد القلقان والمضطربان الرافضان لمرارة الواقع الانهزامي‮ ‬– يحاولان التشبث بهذا الخيط الرفيع الذي‮ ‬لا‮ ‬يري‮ ‬فيبدو الاضطراب منطقياً‮ ‬مكثفاً‮ ‬لحالته‮ ‬،‮ ‬وحالة من حوله‮ ‬،‮ ‬وتبقي‮ ‬الروح تبحث عن جسد آخر نقي‮ ‬،‮ ‬ويظل الجسد حائراً‮ ‬مترنحاً‮ ‬مخموراً‮ ‬يبحث عن روح مستقرة تجعله أكثر شفافية وصراحة مع الكائنات من حوله التي‮ ‬تقفز وتعدو لتبحث عن مصائر أخري‮ ‬تشكل وعيه من جديد‮ .‬
محمد عكاشة

 

‮" ‬المدخل الشرقي‮ ‬لمصر‮ " ‬كتاب جديد صدر مؤخرا للدكتور عباس مصطفي‮ ‬عمار‮ ‬،‮ ‬ضمن سلسلة‮ " ‬ذاكر الكتابة‮ " ‬التي‮ ‬تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة‮ . ‬
الكتاب‮ ‬يعد من أهم الكتب التي‮ ‬صدرت في‮ ‬بابه‮ ‬،‮ ‬حيث‮ ‬يقدم دراسة قيمة ومهمة للغاية عن اهمية سيناء‮ ‬،‮ ‬بوصفها المدخل الشرقي‮ ‬لمصر‮ ‬،‮ ‬والحلقة المهمة من حلقات الاتصال بين مصر وما‮ ‬يجاورها من بلاد الشرق الاوسط والأدني‮ ‬،‮ ‬ومن حيث كونها المدخل الرئيسي‮ ‬الذي‮ ‬استخدمه الغزاة‮ ‬،‮ ‬والطامعون في‮ ‬مصر،‮ ‬عبر العصور‮ . ‬
ونظرا للأهمية الكبيرة التي‮ ‬يحتلها هذا الكتاب فقد أشار إليه كثير من المتخصصين في‮ ‬عدد من الأعمال البحثية التي‮ ‬تدور حول سيناء‮ ‬،‮ ‬كذلك ذكره الراحل الكبير جمال حمدان في‮ ‬كتابه القيم‮ " ‬شخصية مصر‮ ‬،‮ ‬بوصفه واحدا من الكتب المهمة التي‮ ‬تحدثت في‮ ‬هذا الموضوع‮ . ‬
مؤلف الكتاب د‮ . ‬عباس مصطفي‮ ‬عمار ولد عام‮ ‬1907 ،شغل عدة مناصب مهمة بعد ثورة‮ ‬يوليو ؛ حيث تولي‮ ‬وزارة الشئون الاجتماعية‮ ‬،‮ ‬ثم وزيرا للمعارف‮ .‬

 

تتنوع أبنية الرواية‮ ‬– ‮ ‬طبقا‮ ‬ً‮ ‬لموقع الراوي‮ ‬من الأحداث‮ ‬– ‮ ‬تنوعا‮ ‬ً‮ ‬لافتا‮ ‬ً؛ ولاشك أن هذا الموقع‮ ‬ينعكس علي‮ ‬درجة المعرفة التي‮ ‬يتمتع بها الراوي‮ ‬الذي‮ ‬قد‮ ‬يكون راويا خارجيا عليماً‮ ‬أو راويا داخلياً‮ ‬مشاركا في‮ ‬الأحداث تتساوي‮ ‬معرفته مع معرفة الشخصيات أو‮  ‬راويا متعدد الأصوات حيث تقدم كل شخصية حكايتها‮  ‬أو رؤيتها للأحداث‮. ‬
والحقيقة أن بناء رواية‮ " ‬تلك القري‮ " ‬للكاتب أحمد سراج‮ (‬سما للنشر والتوزيع‮ ‬2014‮) ‬بناء مختلف متميز لأننا لا نستطيع نسبته إلي‮ ‬الأشكل من أشكال السابقة ؛ وربما‮ ‬يرجع هذا‮ ‬– ‮ ‬في‮ ‬تصوري‮ ‬– ‮ ‬إلي‮ ‬أن الكاتب‮ ‬يتمتع بأكثر من موهبة‮ ‬،‮ ‬فهو شاعر وروائي‮ ‬وكاتب مسرح ولا شك أن هذه القدرات قد اثرت علي‮ ‬هذه البنية الروائية المتميزة والتي‮ ‬تجمع بين وضعية الراوي‮ ‬الخارجي‮ ‬العليم والبنية متعددة الاصوات ولكي‮ ‬يجمع الكاتب بين هذين النمطين دون ارباك للقارئ حرص علي‮ ‬تصميم البناء بشكل محكم فبدأ بما سماه‮ " ‬عن الواح الكتابة‮ "‬مجيبا‮ ‬ًعن سؤال متي؟ كتمهيد عام للاحداث ثم قسم الرواية الي‮ ‬اربعة اقسام كبيرة تحمل هذه العناوين الدالة‮ :‬من سفر العودة،من وجع التغريبة،من ايام الهروب والخروج،في‮ ‬طريق العودة؛بادئا كل قسم منها بعنوان فرعي‮ ‬مقدم علي‮ ‬لسان الراوي‮ ‬الخارجي‮ ‬ثم تبدأ الشخصيات في‮ ‬سرد حكاياتها‮.‬ ويهمني‮ ‬التوقف أمام العناوين الفرعية فهي‮ ‬تبدأ وتنتهي‮ ‬بــ"متي‮" ‬بما‮ ‬يعني‮ ‬ان الزمن لايقل أهمية عن المكان الذي‮ ‬يوحي‮ ‬به عنوان الرواية‮ . ‬انه زمن المتاهة والتهجير الجبري‮ ‬او الطوعي‮ ‬والاقتنال العربي‮ ‬العربي‮  ‬او العربي‮ ‬الاسلامي؛زمن الغزو الخارجي‮ ‬والقمع الداخلي؛الامر الذي‮ ‬جعل المكان هنا في‮ ‬مصر وهناك في‮ ‬العراق مكانا‮ ‬ً‮ ‬طاردا‮ ‬ً‮ ‬لا تستقر فيه الشخصيات ولا تجد فيه أمانها ويصبح السفر قطعة من العذاب كما تصبح الرحلة قاصرة داخل محيطها العربي‮ ‬بين اماكن متشابهة في‮ ‬فقرها وقمعها واهدارها لادمية‮ .‬الانسان ؛بعد ان كانت فيما مضي‮ ‬رحلة اكتشاف للأخر الغربي‮ ‬بما‮ ‬يترتب علي‮ ‬ذلك من اثراء للذات وانفتاح علي‮ ‬افاق حضارية مختلفة وكما تشابهت الأماكن هنا وهناك تشابهت الشخصيات ايضا‮ ‬ً‮ ‬،لا فرق بين مصري‮ ‬وعراقي‮ ‬في‮ ‬الاحساس بالقهر والمحاصرة والمطاردة‮ ‬،من هنا‮ ‬يتناوب ثماني‮  ‬شخصيات السرد لتقديم حكاياتهم التي‮ ‬تختلف في‮ ‬تفاصيلها وتتفق في‮ ‬دلالاتها العامة علي‮ ‬سبيل التماثل أو المفارقة وهذه الشخصيات‮  ‬هي‮:‬
عبده‮ ‬،سعيد،‮ ‬اسامة،‮ ‬هندي،‮ ‬شه د(مصريون‮)‬،‮ ‬سلسبيل،‮ ‬عبير(عراقيتان‮)‬،‮ ‬عامر‮ (‬من أب مصري‮ ‬وهو‮: ‬عبده‮ ‬،وأم عراقية‮:  ‬سلسبيل‮) ‬كما تفاوتت مرات التناوب علي‮ ‬السرد بين شخصية وأخري‮ ‬،وكان اكثرها هندي‮ ‬وسلسبيل‮ (‬اربع مرات‮)‬،ثم اسامة‮ (‬ثلاث مرات‮)‬،‮ ‬وعبده وسعيد وشهد وعبير(مرتان‮)‬،‮ ‬وعامر‮ (‬مرة واحدة‮ ) ‬ هذا التوصيف العام لبناء الرواية‮ ‬يدل علي‮ ‬التصميم الواعي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يترك شيئا‮ ‬ً‮ ‬لفعل المصادفة كما‮ ‬يعكس رغبة في‮ ‬تقديم زوايا رؤي‮ ‬متعددة تتماثل في‮ ‬اهميتها ومحوريتها فلا‮ ‬يمكن مثلا تقديم حكاية عبده وسلسبيل علي‮ ‬حكاية اسامة وشهد او حكاية هندي‮ ‬مع زوجته الدميمة وعلاقاته النسائية المتعددة؛ او تقاطع وعي‮ ‬د‮. ‬عبير العراقية مع وعي‮  ‬أسامة المصري‮ ‬مدرس التاريخ،فكلاهما‮ ‬يقف ضد الاستبداد وتزييف التاريخ‮ : ‬وأخيرا‮ ‬ً‮ ‬وعي‮ "‬عامر‮" ‬الحائربين شجاعة المواجهة التي‮ ‬تؤدي‮-‬غالبا‮ -‬ الي‮ ‬الموت كما حدث‮  ‬مع عامر الخفاجي‮ ‬أحد أبطال السيرة الهلالية والمواجهة باطراف اليد كما‮ ‬يقال التي‮ ‬يمثلها تموز وعشتار وما قد‮ ‬يترتب عليها من تجدد للحياة ؛ او تناقض وعي‮ ‬د‮. ‬عبير التي‮ ‬تبحث في‮ ‬كيفية الحفاظ علي‮ ‬الاثار بوصفها رمزا‮ ‬ً‮ ‬لحضارة‮  ‬ينبغي‮ ‬استمرارها ووعي‮ ‬هندي‮ ‬الذي‮ ‬يسعي‮ ‬لبيع أثاروطنه بوصفها أداة للتربح والثراء المادي‮. ‬لا‮ ‬يمكن تقديم‮  ‬حكاية من تلك الحكايات علي‮ ‬اخري‮ ‬وبالتالي‮ ‬لا نستطيع وصف احدي‮ ‬الشخصيات بأنها شخصية رئيسية تدور في‮ ‬فلكها شخصيات ثانوية مساعدة كما هو الحال في‮ ‬البناء التقليدي‮ ‬للرواية ؛ بما‮ ‬يعني‮ ‬اننا امام بنية‮ "‬افقية‮" ‬تقف فيها الشخصيات بحكاياتها المتعددة علي‮ ‬قدم المساواة‮ ‬،‮ ‬لا بنية‮ "‬رأسية‮" ‬تقوم علي‮ ‬التراتب‮ .‬
المكان‮ ‬– كما ذكرت‮ ‬– مكان طارد في‮ ‬الوطن وفي‮ ‬المنفي‮ ‬وهذا ما‮ ‬يلخصه السارد الخارجي‮ ‬بسؤاله الاستنكاري‮ :" ‬ضاقت علينا في‮ ‬الوطن‮ ‬،‮ ‬فكيف تتسع في‮ ‬المنفي‮ ‬؟‮!" (‬ص63‮) ‬ففرص العمل كلها خارج‮ "‬القرية‮" ‬؛ في‮ ‬العاصمة أو الجبل الجديد ؛ لكن عبده‮ ‬يقترح‮ : ‬الرافد كما لو كان قد اتخذ هذا القرار من قبل ؛ والرافد هو العراق وهو رمز قريب الدلالة‮ ‬يقصد به الكاتب الإشارة الواضحة علي‮ ‬نحو ما اختار لمصر اسم‮ " ‬سمر ولاسرائيل اسم‮ "‬الدولة الزرقاء‮ " ‬ولحزب البعث الكبير اسم‮ "‬حزب الوعد الكبير‮" ‬،‮ ‬ولاشك أن هذه الحيلة الفنية تعني‮  ‬أننا لسنا أمام رواية تسجيلية تتعامل مع الأماكن بأسمائها الحقيقة‮ ‬،‮ ‬ولسنا أيضا أمام رواية خيالية بعيدة عن الواقع‮ .‬
فالرواية باعتبارها فنا‮ ‬ً‮ ‬– قبل أي‮ ‬شئ آخر‮ ‬– تأخذ من الواقع وتضيف إليه وتعدل من عناصره ؛وهذا ما‮ ‬يفسر تقنية التقديم والتأخير في‮ ‬البنية الزمنية التي‮ ‬لاتعتمد‮   ‬التطور الخطي‮ ‬بل تقوم علي‮ ‬التداخل بين الحاضر والماضي‮ ‬القريب والبعيد من خلال استدعاء السيرة الهلالية وأسطورة تموز‮ . ‬والحقيقة أن اختيار السيرة الهلالية تحديدا‮ ‬ً‮ ‬هو اختيار دال للتشابه الواضح بين النزوح الهلالي‮ ‬شبه الجماعي‮ ‬من أرض العرب بسبب جدبها والنزوح المصري‮ ‬شبه الجماعي‮ ‬ـايضا‮ ‬ًـ من القري‮ ‬المصرية بسبب ما بها من فقر ؛ ونتيجة التمرد علي‮ ‬الظروف الجامعة بين الرحلتين الهلالية والمصرية‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬نتيجة مركزية داخل الرواية تجدها مجسدة في‮ ‬شخصية د/عبير التي‮ ‬قاومت سلطة الملك المستبد وسلطة المحتل وفي‮ ‬الفصل التمهيدي‮ ‬المعنون بــ‮ (‬عن الواح الحكاية‮) ‬يظهر ذلك التدرج من صراع الانسان مع الطبيعة الي‮ ‬صراعه مع‮ ‬غيره من البشر ومحاولة قهرهم والسيطرة عليهم‮ : "‬فلما فشا الجوع والقحط بين الفلاحين‮ ‬،‮ ‬وزاد العمد وشيوخ الخفر والأعيان‮ ‬،‮ ‬لا‮ ‬يصيبهم مرض ولا جوع‮ ‬،عرف الفلاحون عدوهم الحقيقي‮ ‬،‮ ‬وبكوا اباهم النهر الذي‮ ‬كان‮ ‬يغسلهم من همومهم ومذليهم،‮ ‬فارضعت نساؤهم الذرية الخنوع والمذلة ظاهرا‮ ‬ً‮ ‬والرفض والمقاومة باطنا‮. ‬ولكل آن أوان‮. ‬وهب الآباء الي‮ ‬الموالد ومجالس الذ كر والسير والملاحم‮ ‬،‮ ‬وتلالأ الهلالي‮ ‬وعنترة والظاهر والزير‮ . ‬ورأي‮ ‬الجميع أن ذلك حسن‮ (‬صــ12ـــــ‮) ‬ومن الواضح أن أسلوب المقطع السابق‮ ‬يتناص مع احدي‮ ‬قصائد‮  ‬امل دنقل التي‮ ‬تتناص بدورها مع اسلوب العهد الجديد علي‮ ‬ان الاهم من ذلك هو مايقدمه هذا المقطع من لحظة اكتشاف الفلاحين لعدوهم الحقيقي‮ ‬وهم‮ : ‬العمد وشيوخ الخفر والأعيان في‮ ‬تركيبة تجمع بين السلطة السياسية والاجتماعية ومايلازمهما من أدوات قمعية‮ ‬, ثم اعتماد المواجهة بالحيلة التي‮ ‬اشتهر بها المصريون لحين المواجهة الصريحة فلكل ان اوان وهنا تدخل سير البطولات بوصفها طاقة روحية تؤكد الاحتشاد وصولا الي‮ ‬اللحظة الفاصلة‮ . ‬لكن تاريخ التطور البشري‮ ‬ليس صاعدا بالضرورة فهناك انتكاسات ومحو للهوية واستكانة للواقع وقلب المعايير فبمجرد تقادم الزمن وتكاثر الابناء وابناء الابناء وانفصالهم عن امهاتهم بدأ المسخ والتحول‮ ‬, فصالحوا العدو وحاربوا الاخوة‮ (‬ص12‮) ‬ولنلاحظ ان كل هذه الاشارات الدالة تأتي‮ ‬في‮ ‬الفصل التمهيدي‮ ‬للرواية علي‮ ‬لسان الراوي‮ ‬الخارجي‮ ‬, مما‮ ‬يدفعنا الي‮ ‬تأويل الرواية باعتبارها تذكيرا بالبديهيات وتمييزا بين الاعداء والاخوة وتأكيدا لقيمة المقاومة ومن هنا تكثر التلميحات السياسية علي‮ ‬لسان زوجة الجنرال في‮ ‬حديثها مع‮ (‬عبده‮ ): (‬رئيسكم قبل هلاكه كان‮ ‬يريد أن‮ ‬يصل الماء الي‮ ‬الأعداء‮ )... (‬أنتم هكذا لايحكمكم سوي‮ ‬الطواغيت‮ ) ( ‬ص23‮)‬ ان تباين وعي‮ ‬الشخصيات بالحدث الواحد لايعكس فحسب تعدد وجهات النظر بل‮ ‬يعكس حسا بالمفارقة فعندما تتحدث زوجة الجنرال عن الثورة‮ ‬يعلق عبده بقوله‮ ( ‬وهل سأقوم انا وهندي‮ ‬بهذه الثورة ؟ هندي‮ ‬يانهار اسود لقد كان جده‮ ‬يضرب من الباشا بالحذاء فيصرخ احذر‮ ‬ياباشا الحذاء سيتسخ‮ ‬ياباشا ويقبل الحذاء ويمسحه بخده‮ " "‬صــ24‮"‬ والمفارقة هنا هي‮ ‬مفارقة موقف تتوازي‮ ‬مع المفارقة اللفظية التي‮ ‬نجدها مثلا في‮ ‬قول د.عبير‮ "‬اننا متقدمون في‮ ‬تعذيب انفسنا فقط‮ " "‬صــ144‮"‬ وقد‮ ‬يتداخل هذان المستويان في‮ ‬قولها‮ "‬اعتقلني‮ ‬بنوجلدتي‮ ‬وحررني‮ ‬الاحتلال‮ " "‬صـ145‮"‬كما ان مصائر الشخصيات توحي‮ ‬بأننا أمام رحلة مجهضة ذهابا وايابا حيث تراوحت هذه المصائر بين الغياب كما في‮ ‬حالة عبده والقتل كما في‮ ‬حالة هندي‮ ‬وألم الفقد كما في‮ ‬حالة اسامة وشهد بعد انفصالهما مما‮ ‬يجعل الرحلة عموما أقرب الي‮ ‬المتاهة التي‮ ‬لم‮ ‬ينج منها أحد‮ .‬
وأخيرا فنحن أمام رواية متميزة استفادت من الشعر خاصة في‮ ‬اسلوب اسامة وشهد ؛والمسرح في‮ ‬شكل البناء حيث بدت الشخصيات أشبه بالشخصيات الدرامية التي‮ ‬تقدم نفسها بصورة مباشرة ثم‮ ‬يأتي‮ ‬تعليق الراوي‮ ‬– بديل الكورس القديم‮ ‬– علي‮ ‬الأحداث أن كل ماسبق‮ ‬يؤكد أن الرواية قد جمعت بين سمتين أساسيتين‮ :‬احكام البناء و تمرد الوعي‮ ‬وهذا في‮ ‬تصوري‮ ‬من علامات تميزها وخصوصيتها الواضحة‮   ‬

د. محمد السيد اسماعيل

 

لا‮ ‬يزال المسرح بوصفه‮ " ‬أبو الفنون‮ "  ‬قادرا علي‮ ‬أن‮ ‬يمد الأنواع الأدبية الأخري‮ ‬،‮ ‬الأحدث عمرا وتجربة‮ ‬،‮ ‬بما‮ ‬يصلها بخبرات وأدوات‮  ‬أكثر عمقا وإيغالا في‮ ‬التاريخ الأدبي‮ .‬
 هذا ما تنبئنا به‮ " ‬دولة العقرب‮ " ‬رواية فؤاد قنديل التي‮ ‬صدرت منذ أشهر قليلة عن مكتبة الدار العربية للكتاب‮ .  ‬
ترتكن‮  "‬دولة العقرب‮"  ‬علي‮ ‬عدد‮  ‬من العناصر المسرحية التي‮ ‬تشكل عوامل مهمة وفاعلة علي‮ ‬مستوي‮ ‬بنيتها الروائية‮ ‬،‮ ‬كما علي‮ ‬مستوي‮ ‬تفاصيل حبكتها الداخلية‮ .‬
 فعلي‮ ‬مستوي‮ ‬البنية‮ ‬يمكننا أن نضع أيدينا بداية علي‮ ‬تقنية‮  " ‬الكورس‮ " ‬المسرحي‮ ‬القديم‮ ‬،‮ ‬التي‮  ‬يستعيرها قنديل‮ ‬،‮  ‬ليعيد توظيفها‮  ‬بتصرف روائي‮ ‬،‮ ‬يتسم بالذكاء والجدة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬صياغة بنيته الروائية،‮ ‬وتوجيه سرديتها،‮  ‬وهو ما نلمحه فيما‮ ‬يسبق أقسام الرواية وفصولها ؛ حيث‮ ‬يقوم الكاتب بدور‮ "‬الكورس‮"  ‬الذي‮ ‬يقدم لنا شخصيات الرواية‮ ‬،‮ ‬بل ويعمل أيضا علي‮ ‬تأكيد عنصر الإيهام بواقعية هذه الشخصيات‮  . ‬
يبدأ قنديل روايته من واقع سكندري،‮  ‬حيث مقتل الشابين‮  " ‬خالد سعيد‮ " ‬و‮" ‬سيد بلال‮" ‬علي‮ ‬أيدي‮ ‬الشرطة‮ ‬،‮ ‬وأمن الدولة‮ ‬،‮ ‬ثم‮ ‬يعود من هناك إلي‮ ‬حادثة اختفاء الصحفي‮ ‬المعارض بالأهرام‮  " ‬رضا هلال‮"  ‬وتكسير عظام مناضل آخر،‮ ‬علي‮ ‬أيدي‮ ‬النظام نفسه‮ ‬،‮  ‬ثم‮ ‬يصل قنديل مابين تلك الشخصيات الواقعية‮ ‬،‮ ‬وبين شخصياته التخييلية الروائية،‮ ‬كما‮ ‬يصل واقعية أحداث الإسكندرية بأخيولة السيدة زينب في‮ ‬نسيج سردي‮ ‬متصل‮ ‬،‮ ‬لنلتقي‮  ‬بشخصيات ريم وناجي‮ ‬،‮ ‬وزينب الأم،‮ ‬ومرسي،‮  ‬إلي‮ ‬آخر تلك الشخصيات التي‮ ‬يشكل منها الكاتب متنه الروائي‮ .‬
 هذا الوصل بين الواقعي‮ ‬وبين‮  ‬المتخيل هو ماراهن عليه الكاتب لتحقيق عنصر الإيهام باستمرارية سرده لأحداث تنتمي‮ ‬للواقع نفسه‮ ‬،‮ ‬واقع ما قبل ثورة‮ ‬يناير،‮ ‬والمؤدي‮ ‬إلي‮ ‬حدوث الثورة وهو ما نجح فيه‮ .  ‬
يستبق الكاتب طرح عالمه الروائي‮ ‬بذلك‮  ‬السارد‮ / ‬الراوي‮ ‬الذي‮ ‬يقوم بتقديم شخصياته إلي‮ ‬القارئ،‮ ‬في‮ ‬إشارات تشير في‮ ‬إيجاز وتكثيف إلي‮ ‬مواقعها من الحبكة الروائية،‮ ‬موحية بعالم تلك الشخصيات الذي‮ ‬سوف نطالعه في‮ ‬المتن،‮ ‬حريصة علي‮ ‬تشويق القارئ ودفعه للتعرف علي‮ ‬الحكاية‮ ‬،‮ ‬يقول مثلا‮  : "‬أما ما حدث من مرسي‮ ‬فقد فاق كل التصورات وصدم كل المشاعر‮ ... ‬تصرف مجنون وغير محسوب بالمرة قلب كل الموازين والثوابت وجرجر عددا من شخصيات العائلة والحي‮ ‬إلي‮ ‬مهاو كثيرة ومفجعة‮ " .‬
تقوم بنية الرواية،‮  ‬بعد ذلك‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬تناوب الحكي‮ ‬فيما بين شخصياتها،‮ ‬مع ظهور صوت‮  ‬السارد‮ / ‬الراوي‮ ‬الخارجي،‮ ‬من حين لآخر‮ ‬،‮ ‬الأمر الذي‮  ‬يضعها في‮ ‬إطار‮ " ‬رواية الأصوات‮  " ‬هذه التقنية التي‮ ‬يمكن أن نلمح فيها ظلا قريبا للمونولوج الذي‮ ‬يقدمه الممثل المسرحي،‮  ‬حين‮ ‬يحتل منصة العرض ليقدم نفسه وحكايته للجمهور بينما تتسلط عليه بؤرة الضوء مع إظلام باقي‮ ‬مساحة منصة العرض،‮  ‬ومن خلال هذه‮  ‬المونولوجات تبدأ الشخصيات الأخري‮ ‬في‮ ‬الظهور و تتخلق عوالم الرواية وتتشابك‮ ‬،‮ ‬وصولا لتمام حبكتها‮ .‬
كذلك‮ ‬يذهب اهتمام قنديل بعنصر التمثيل الحي‮ ‬،‮ ‬والتشخيص المسرحي‮ ‬إلي‮ ‬حد حضور تضمينات من مرويات جانبية،‮  ‬كان‮ ‬يمكن الاكتفاء بالإشارة إليها،‮ ‬غير أنه أراد لها أن تحضر كنص مشخص في‮ ‬متنه الروائي،‮   ‬فحضرت النكتة بنصوصها‮ ‬،‮ ‬لتحتل مساحة سردية تخصها‮ ‬،‮ ‬كما حضرت الأشعار الصوفية‮  ‬وآيات القرآن‮  ‬بنصوصها،‮ ‬وكذلك بعض المقولات النظرية‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعمل علي‮ ‬دعم عنصر التشخيص والإيهام بالحضور الواقعي‮ . ‬
كذلك‮ ‬يتأكد حضور المسرح في‮ ‬الرواية من خلال شخصية‮ " ‬ريم‮ " ‬ممثلة المسرح‮  ‬بما‮ ‬يستتبعه حضورها‮  ‬من سرد‮  ‬يدخل بالقارئ إلي‮ ‬أروقة المسرح وأجوائه من بروفات‮ ‬،‮ ‬وعروض‮ ‬،‮ ‬وتصرفات مخرجين‮ ‬،‮ ‬وذكر لأسماء مسارح‮ ‬،‮ ‬ومؤلفين مسرحيين‮ ‬،‮ ‬وتاريخ أفكار،‮ ‬ونقد مسرحي،‮ ‬ومناقشة أدوار وما تمثله من معان إنسانية‮ ‬،‮ ‬مثل‮  ‬شخصية‮ "‬نورا‮ " ‬في‮ ‬مسرحية‮ "‬البطة البرية‮"  ‬لهنريك إبسن‮ ‬،‮ ‬ومثل‮ "‬الأم شجاعة‮ " ‬لبريخت‮ ‬،‮ ‬ذلك الكاتب والمفكر المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬شكل ثاني‮ ‬أكبر النقلات‮  ‬المهمة في‮ ‬تاريخ الفكر النظري‮  ‬المسرحي‮ ‬بعد أرسطو،‮ ‬وقد أفرد الكاتب لأفكاره‮  ‬مساحة سردية‮  ‬متميزة،‮ ‬حيث قدمته الرواية‮  ‬بوصفه‮ " ‬صاحب تجربة مسرحية واجتماعية وسياسية شديدة الخصوبة والعمق‮ ‬،‮ ‬تلائم نصوصه المناخ السياسي‮ ‬في‮ ‬بلداننا،‮ ‬حيث‮ ‬يدفع باتجاه تمكين المرأة خاصة في‮ ‬الدول المتخلفة‮ " ‬ويتوقف الكاتب‮ ‬،‮ " ‬من خلال وعي‮ ‬بطلته‮ "‬ريم‮ " ‬،‮ ‬أمام مسرحية‮ " ‬الأم شجاعة‮ " ‬رابطا بين شجاعة بطلتها وقدرتها علي‮ ‬المقاومة والاختيار،‮  ‬وبين ضعف الأم‮"  ‬زينب‮ "  ‬ومؤكدا علي‮ ‬حماس بطلته‮ " ‬ريم‮ " ‬لخيار الأم شجاعة‮  ‬ومقاومتها‮ ‬،‮ ‬لذلك تقول‮  ‬ريم‮:  " ‬أنا بريختية‮ ‬،‮  ‬وتبرر ريم حماسها للأم شجاعة ولبريخت بأن‮ " ‬المسرح ابتكره الإنسان ليس للتطهير فقط كما قال أرسطو ولكن للتغيير والتحرير أيضا‮  . ‬
أما عن الفضاء الروائي‮ ‬في‮ " ‬دولة العقرب‮ "  ‬فقد سعي‮ ‬فؤاد قنديل لشغله بفضاء مواز للحراك المصري‮ ‬قبل ثورة‮ ‬يناير‮ ‬،‮ ‬حيث اختار أن تدور أحداثه في‮ ‬موقع صغير هو حي‮ ‬السيدة زينب‮ ‬،‮ ‬كما اختار الكاتب أن‮ ‬يقدم‮  ‬تاريخ أسرة مصرية‮ ‬،‮ ‬يتوازي‮ ‬ما‮ ‬يدور داخلها من أحداث ويتقاطع مع الحراك المصري‮ ‬الأكبر‮ ‬،‮ ‬رابطا بين فضائه‮  ‬الأسري‮ ‬الأصغر،‮ ‬والفضاء المصري‮ ‬الموازي‮ ‬،‮ ‬بمجموعة من الروابط والإشارات والمخايلات الرمزية التي‮ ‬تجعل القارئ‮ ‬ينتقل فيما بين الفضائين‮ ‬،‮ ‬فيري‮ ‬في‮ " ‬شخصية‮ " ‬مرسي‮" ‬البليد‮ ‬،‮ ‬ثم المغتصب‮ ‬،‮ ‬شخصية‮ " ‬مبارك‮" ‬ويتعرف علي‮ ‬مصر في‮  ‬شخصية‮ " ‬ريم‮ " ‬وأمها‮  "‬زينب‮"  ‬معا‮ ‬،‮ ‬ويستخلص من‮  ‬زواج‮ "‬مرسي‮" ‬من‮ " ‬زينب‮ " ‬و اغتصابه‮  ‬لـ‮ "‬ريم‮ "  ‬ابنتها،‮  ‬اغتصاب مبارك ورجاله لمصر‮ ‬،‮ ‬كما‮ ‬يري‮ ‬في‮ ‬شجاعة ريم وناجي‮ ‬وما جري‮ ‬لهما صورة لما جري‮ ‬للشباب المصري‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬أدي‮ ‬إلي‮ ‬الثورة‮  ‬علي‮ ‬الأوضاع و فجر الثورة‮ .  ‬تمضي‮ ‬الرواية محملة‮  ‬بتلك المخايلات الرمزية لتنتهي‮ ‬بحدث الثورة‮ ‬،‮ ‬بينما‮ "‬ريم‮ " ‬التي‮ ‬تعرضت لحادثة قتل تعبر النفق المظلم‮ ‬،‮ ‬وسط هجوم‮  ‬العقارب ودقها زجاج سيارة الإسعاف التي‮ ‬تنقلها إلي‮ ‬المستشفي‮ ‬،‮ ‬غير أن بارقة أمل في‮ ‬إمكانية الشفاء والخلاص تلوح من عيني‮ ‬ريم‮ ‬،‮ ‬مع تسليم الرواية بأن ذلك لن‮ ‬يكون سهلا في‮ ‬دولة لا‮ ‬يزال العقارب‮ ‬يعملون عملهم فيها‮ . ‬
لا شك أن‮ " ‬دولة العقرب‮ " ‬قد نجحت في‮ ‬أن تضع نفسها كواحدة من أكثر الأعمال الأدبية التي‮ ‬اتخذت من الثورة محورا لها‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬لم تسلم ـ مبكرا ـ بإمكانية تحقيق أهداف الثورة بمجرد قيامها‮ ‬،‮ ‬حيث أشارت إلي‮ ‬وعورة الطريق،‮ ‬وعدم انتهاء دولة العقارب تماما،‮ ‬وهو ما تأكد في‮ ‬المشهد الأخير في‮ ‬الرواية،‮ ‬بمهاجمة العقارب لسيارة الإسعاف داخل النفق‮ .  ‬

محمود الحلواني

الصفحة 1 من 7
You are here