اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

أشجار بلا جذور‮ ..‬ مسرح بلا وطن‮ ..

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

يصعب أن‮ ‬يلتزم المسرحيون ويحذوا حذو الممثلة الهندية الجميلة‮ "‬بريتي‮ ‬زينتا‮" ‬التي‮ ‬ضربت عرض الحائط بردة فعل النقاد والأقلام الصحفية وانتصرت لحسها الوطني‮ ..‬ومن دون لباقة قامت بطرد أحد المتفرجين من صالة أحد العروض‮ .. ‬بعدما تجاهل السلام الوطني‮ ‬الذي‮ ‬يعزف في‮ ‬بداية كل حفلة ولم‮ ‬يقف احتراما‮ .. ‬بل وطالبت بأن‮ ‬يمنع من حضور أي‮ ‬عروض أخري؛ ولكن لكل مسرحي‮ ‬دوره في‮ ‬إطار عمله‮ ..‬ولنجاحه في‮ ‬ذلك شروط ومعايير‮.‬
بدأ منذ ما‮ ‬يقرب من مئة عام‮ ‬يتداول مصطلح‮ "‬المسرحيات الوطنية‮" ‬الذي‮ ‬أطلق علي‮ ‬نوعية من العروض تكتب نصوصها وتنفذ بهدف دعم الانتماء في‮ ‬نفوس وعقول المتفرجين‮ .. ‬ومع تطورها فضلت المسارح تقديمها دون إبراز أنها وطنية حتي‮ ‬لا تفقد قيمتها ويكون تأثيرها علي‮ ‬المتلقين أكبر‮ .. ‬والذي‮ ‬تجلت أهميتها في‮ ‬أوقات الحروب والأزمات‮ .. ‬ثم أصبحت ذكرياتها في‮ ‬حد ذاتها مادة أساسية لمختلف العروض الوطنية التي‮ ‬يذكر فيها الحاضرون بما قام وضحي‮ ‬به السابقون من أجل حياتهم ومستقبلهم‮.‬
رصدت العديد من الدراسات أن هذا الدور الحيوي‮ ‬الذي‮ ‬لعبه المسرح وحده دون سواه من روافد الفن الأخري‮ ‬أخذ‮ ‬يتراجع بشدة في‮ ‬العقدين الأخيرين في‮ ‬أوروبا الغربية وبحدة أكبر في‮ ‬الولايات المتحدة‮ .. ‬وهو ما اعتبره المفكرون والفلاسفة المعاصرون مؤشرا خطيرا لا‮ ‬يجب الاستهانة به‮ .. ‬وبدورهم أخذ الباحثون‮ ‬يدرسون هذه الظاهرة‮ ..‬صعودها ثم هبوطها‮ ..‬واستعانوا برواد المسرح وبالنماذج التي‮ ‬مازالت تحقق النجاح الجماهيري‮ ‬وتؤثر في‮ ‬بلدان أخري‮ .. ‬ووضعوا خطوطًا عريضة لطبيعة المسرحيات الوطنية الحقيقية‮.‬
سبقت جامعة جورجيا وقسم المسرح بها الجميع في‮ ‬رصد هذا التراجع في‮ ‬ثلاث دراسات وتسعة تقارير مدعمة بالإحصائيات والتحليلات بحثا عن تفسيرات مقنعة وذلك خلال الفترة ما بين عامي‮ ‬  2011 : 2008‮ ‬ولكن أطرافًا عدة أنكرت ذلك واتهمتهم بالتضليل تارة وبالتهويل تارة أخري‮ ‬وأبرزها صحف الواشنطن بوست التي‮ ‬كانت في‮ ‬ذلك الوقت تتغني‮ ‬بالدور الذي‮ ‬تلعبه المسارح ودور السينما وإقبال الجماهير الكبير علي‮ ‬هذه النوعية من العروض التي‮ ‬تشعل الحماسة الوطنية فيهم ومرادفات هذا الوصف خاصة خلال المعارك التي‮ ‬قادته أمريكا في‮ ‬ليبيا‮.‬
إلا أن الواشنطن بوست نفسها ومعها النيويورك تايمز وعشرات الصحف الأخري‮ ‬عادت بعد ما‮ ‬يقرب من أربع سنوات تنشر نتائج دراسات الجامعات المختلفة التي‮ ‬اتفقت علي‮ ‬تراجع شعبية هذه العروض ليس في‮ ‬خمس أو عشر سنوات ولكن في‮ ‬العشرين عامًا الأخيرة‮ .. ‬التي‮ ‬أهملت جميعها تأثير السينما التي‮ ‬يتعامل معها الجمهور علي‮ ‬أنها مصدر للترفيه والمتعة فقط‮ ..‬ولو أن في‮ ‬ذلك قدرا من السطحية من قبل المتفرجين‮.. ‬ولهم العذر لأن القائمين علي‮ ‬الفن السابع سبحوا في‮ ‬تيار تحقيق أقصي‮ ‬ربح علي‮ ‬حساب كل قيمة ورسالة إنسانية واجتماعية‮.‬
ومن أهم المحاور التي‮ ‬اتفقت عليها هذه الدراسات أن الفكر الذي‮ ‬تقدم به هذه العروض لم‮ ‬يواكب التغيرات السياسية والاجتماعية التي‮ ‬ألمت بالمجتمع واستخدام ذات المنبهات التي‮ ‬لم تعد تستحث الدوافع لدي‮ ‬المتفرجين‮ .. ‬بل أصابتهم بالملل فانصرفوا عن هذه النوعية برمتها مما تسبب في‮ ‬ظلم بعضها‮ .. ‬ولم‮ ‬يراعوا اختلاف الصورة الذهنية لبعض الشخصيات والأعراق والأحداث من فترة لأخري‮ ‬لدي‮ ‬المتفرج‮ .. ‬وإن حدث التغيير متأخرا فلن‮ ‬يفيد وأصبحت طرق العلاج التقليدية لا تفيد وفي‮ ‬حاجة لأساليب مبتكرة‮.  ‬
كما ألقت الضوء علي‮ ‬دور هذه العروض تاريخيا وتأثيرها الضروري‮ ‬والحتمي‮ ‬في‮ ‬تاريخ الأمم وخاصة الولايات المتحدة ومنها دراسة‮ "‬جيسون شافير‮" ‬أستاذ الأدب الإنجليزي‮ ‬بأكاديمية نافال الأمريكية التي‮ ‬جاء فيها بالاستشهادات ما قامت به المسارح من خلال عروضها في‮ ‬المستعمرات البريطانية بأمريكا الشمالية للتخلص من الاحتلال ونيل الحرية منذ أوائل القرن الثامن عشر‮ .. ‬وأن كتابه استطاعوا أن‮ ‬يجدوا اللغة والفكر والشكل المناسب للتوحيد بين الجموع المتفرقة تحت راية واحدة من أجل هدف قومي‮ ‬واحد‮.‬
ولهذا‮ ‬يعتبر طبيعة تجسيد حب الوطن ثقافيا وسياسيا جزءًا من هوية المجتمع الأمريكي‮ ‬وشكلاً‮ ‬حديثًا للروابط الشعبية وظلت العروض المسرحية تغذيها وتضيف إليها روحا متجددة تجلت خلال الحربين الأولي‮ ‬والثانية ولكنها تراجعت فيما بعد‮ .. ‬حيث انشغل المسرحيون في‮ ‬منافسة السينما وذهبوا‮ ‬يقدمون صوراً‮ ‬مزيفة لقومية مثالية دون الالتفات للمشاكل والمعوقات والتعامل معها بموضوعية وبمرور الوقت تضاعفت العلل والأمراض وأصبحت مزمنة‮.‬
لم تكن النتائح التي‮ ‬توصلت إليها الدراسات الأخري‮ ‬أكثر وضوحا وقتامة مثلما كانت عند شافير‮ .. ‬وتضمنت رؤي‮ ‬مثلت تجسيدا تفصيليا لتراجع أسبابه ومنها ما قاله الكاتب‮ "‬توم ستوبارد‮" ‬وبدأه بقوله‮ "‬أمر منطقي‮ ‬وتطور طبيعي‮ ‬لتفكك أسري‮ ‬وخلل أخلاقي‮ ‬أشرنا إليه كثيرا ولم تؤد الدولة دورها كما فعلت المؤسسات‮ ‬غير الرسمية التي‮ ‬حاولت ولكنها وحدها لن تستطيع‮ .. ‬وعمق أزمة فشل هذه العروض عدم تعامل المسارح معها بجدية وأصابتهم بآفة النمطية وارتباط العروض وأفكارها بالطابع الحربي‮ ‬والعسكري‮ ‬والمعارك‮ .. ‬في‮ ‬وقت أصبح فيه هذا الطابع‮ ‬يمثل هاجسًا سيئًا لدي‮ ‬المتفرجين ويذكرهم دائما بذكريات مؤلمة وضحايا الخيانة من قادة دفعوا بأبنائهم لفيتنام وكوبا والعراق بدوافع لا علاقة لها بالوطنية‮".‬
ويضيف توم‮: "‬كما لعبوا علي‮ ‬أفكار بالية لم تعد منطقية ولا مجال لأن تقنع المتفرجين بها التي‮ ‬جاءت بآثار عكسية أفادت البعض بأن حفزته ليبحث عن الحقيقة ولكنها أثرت علي‮ ‬النزعة الوطنية لديه‮ .. ‬كما أضرت بعلاقته بالمسرح لتفقد هذه العروض جمهورها بمرور الوقت‮ .. ‬ورغم هذا أصروا علي‮ ‬الاستمرار في‮ ‬الكذب الذي‮ ‬لا‮ ‬يتسق مع هذه النوعية من العروض والغرض منها التي‮ ‬تحتاج أكثر من‮ ‬غيرها للصدق‮ .. ‬فلا‮ ‬يمكن أن أظل أشيد بسياسة وساسة فاسدة واعتبار ذلك واجبًا وطنيًا‮.. ‬هذا الواقع‮ ‬غير المشجع ربما أثر بالسلب أيضا علي‮ ‬بعض العروض الجيدة‮ .. ‬خاصة أن هناك من لا ترضيهم المعالجات الجادة ولديهم القدرات المادية واللوجستية لوأدها والقضاء عليها‮".‬
وتضمنت دراسة أخري‮ ‬رؤية المخرج المخضرم‮ "‬جاك دوبرين‮" ‬الذي‮ ‬أرجع السبب الرئيسي‮ ‬لهذا التردي‮ ‬إلي‮ ‬فقد الإحساس بقيمة الأشياء وما تستحقه بشكل صحيح وقال‮ "‬نبدأها من كلمة‮ "‬وطنية‮" ‬التي‮ ‬تشير إلي‮ "‬وطن‮" .. ‬والذي‮ ‬يعني‮ ‬عائلة واحدة بينهم ألفة‮ .. ‬ودفء المشاعر الذي‮ ‬ربما‮ ‬يفتقده القادم من الخارج ويجب أن‮ ‬يجده داخل المسارح حتي‮ ‬وإن كانت العروض تقام في‮ ‬الشارع‮ .. ‬فعندما‮ ‬يقترب من مكان تواجد المؤدين‮ ‬يجد ما‮ ‬يجذبه بقوة ويلزمه أن‮ ‬يظل بصحبتهم حتي‮ ‬تكتمل الرسالة‮ .. ‬فالوطنية تتطلب مشاعر متبادلة من طرفين‮ ‬يحتاج كل منهما للآخر‮".‬
ويذهب بفكره إلي‮ ‬مفردات‮ ‬يمكن الاستفادة منها لترجمة الفكر النظري‮ ‬إلي‮ ‬تطبيق‮: "‬اللمسة الإنسانية تمهد الوجدان‮ .. ‬وهذه اللمسة تحتاج لوقت وجهد لتنمو‮ .. ‬ولهذا فإن البدء من التنشئة مع الصغار أيسر‮ .. ‬فالأمر‮ ‬يزداد صعوبة مع كبر سن المتلقين واكتسابهم لعادات ومعتقدات متفاوتة في‮ ‬قوتها وشدة الارتباط بها‮ .. ‬كما تحتاج لكثافة‮ .. ‬والأهم التعامل مع كل طوائف الشعب التي‮ ‬تشكل الوطن دون تفرقة لسد أي‮ ‬فجوة في‮ ‬النسيج تقلل من قوته ووحدته وتلاحمه‮".‬
بدوره وقع دوبرين اختياره علي‮ ‬النموذج اللاتيني‮ ‬

 

وطالب المسرحيين بالاهتمام به‮ "‬لم تنجح المسارح في‮ ‬الحفاظ علي‮ ‬الروح الوطنية وتنميتها لفترات طويلة مثلما نجحت المسارح في‮ ‬أمريكا اللاتينية والتي‮ ‬تخرج فيها الفرق إلي‮ ‬الميادين والشوارع بحثا عن الأطفال قبل‮ ‬غيرهم لاحتضانهم واللعب معهم وفق خطة نلمسها إن شاركنا في‮ ‬كرنفال‮ "‬سوباولو‮ ‬– ريو دي‮ ‬جانيرو‮" ‬الأخير مثلا‮ .. ‬الذي‮ ‬شارك فيه سبع عشر فرقة مرت بعشر مراحل من مدينة لأخري‮".‬
ولأن جامعة جورجيا كانت سباقة في‮ ‬اكتشاف العلة‮ .. ‬لهذا حاولت علاجها بتأسيس مسرح خاص بالعروض الوطنية تلزم كل طلاب قسم المسرح والدراما بالاشتراك فيه‮ .. ‬وبقية الطلاب بمشاهدته كنشاط أساسي‮ ‬يعدون بعدها تقريرا عن كل عرض ليفيدهم في‮ ‬تقييمهم ذهنيا وهو ما‮ ‬يدعم سجلاتهم الدراسية‮ .. ‬كما دعت الجامعة‮ ‬غيرها في‮ ‬اجتماع رابطة الجامعات للسير في‮ ‬ذات الدرب كما‮ ‬يدرسون اقتراحا لفتح أبواب المسرح مستقبلا لطلاب المدارس في‮ ‬المدينة‮.‬
وبعيدا عما إذا كان هذا النهج من قبل جامعة جورجيا‮ ‬يكفي‮ ‬أم لا‮ .. ‬فإنه تحرك جيد ومثمر أعقبه تقرير نوعي‮ ‬هام صدر عن قسم المسرح هناك عن أفضل عشرة عروض وطنية أمريكية فنيا في‮ ‬العشرين عامًا الأخيرة التي‮ ‬فشلت جماهيريا منها عرض‮ "‬أخوات أندرو‮" ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يبتعد عن الشكل والطابع العسكري‮ .. ‬ولكنه تميز بملامحه الكوميدية والموسيقية وخفة ظل بطلاته وفكرة أن الجنود أبناء الوطن ويستحقون الاهتمام في‮ ‬كل الأوقات بعيدا عن صحة أو خطأ المشاركة في‮ ‬المعركة‮.‬
وهناك أيضا عرض‮ "‬دكتور سروجي‮" ‬الذي‮ ‬يعيبه أنه‮ ‬يكرس لغير الوطنية الأمريكية‮ .. ‬ولكن للأصول الاسكتلندية التي‮ ‬تشكل النسبة الأكبر من سكان جاروا بمنيسوتا‮ .. ‬وكذا عرض‮ "‬في‮ ‬قلب أمريكا‮" ‬الذي‮ ‬يميل قليلا إلي‮ ‬معالجة العنصرية بين الأعراق المختلفة،‮ ‬وأفضل هذه العروض‮ "‬الولاء‮" ‬وهو أول تجربة‮ ‬يابانية أمريكية مشتركة لتمجيد المحاربين من الجانبين بعيدا عن العداء الذي‮ ‬انتهي‮ ‬من وجهة نظر بطله العجوز‮ "‬جورج تاكي‮" ‬وتأكيده علي‮ ‬أن المسرح لا‮ ‬يمكن ألا‮ ‬يعبر عن وطنيته التي‮ ‬تشبه الجذور للأشجار‮ .. ‬فالروح الوطنية التي‮ ‬لا‮ ‬غني‮ ‬عنها لكل مسرحي‮ ‬وكل فنان جعلت من بريتي‮ ‬زينتا رمز الوطنية في‮ ‬الهند عند جمهورها ولا عزاء للنقاد‮.‬
المصادر‮:  ‬        
www.saladenoticias.net
www.utsandiego.com
www.nexusdaily.com

جمال المراغي

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨١

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here