اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

شارلي‮ ‬شابلن‮ ..‬‮ ‬الإنسان والفنان

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

كان أبوه ممثلا ولكنه قبل ذلك سكيرًا‮ ‬،‮ ‬وكانت أمه الممثلة والمغنية‮ (‬هانا تشابلن‮) ‬واسم شهرتها‮ (‬لِيلي‮ ‬هارلي‮) ‬وكان من سوء حظ الطفل شارلي‮ ‬أنّ‮ ‬الأمراض تمكنتْ‮ ‬من الأم بدءًا من فقد صوتها وانتهاءً‮ ‬بخلل في‮ ‬قواها العقلية‮. ‬ثم تتفاقم مأساة الطفل بعد انفصال الأب والأم ولم‮ ‬يبلغ‮ ‬الثالثة من عمره‮ ‬،‮ ‬فعاش طفولته بين الأب المشغول بكأسه وعشيقته والأم المريضة العاجزة عن رعايته‮. ‬وفي‮ ‬الجزء الأول من مذكراته البديعة‮ ‬يشعر القاريء بأنّ‮ (‬الفقر كان أستاذه الأول‮) ‬إذْ‮ ‬عاني‮ ‬الجوع‮ . ‬وجاء وقت عجزتْ‮ ‬فيه أسرته عن مواصلة الحياة الطبيعية داخل البيت ودخل للإنفاق منه‮ ‬،‮ ‬فذهبتْ‮ ‬الأم وأخوه ومعهم شارلي‮ ‬إلي‮ ‬ملجأ‮ (‬لامبث‮) ‬ثم‮ ‬غادرتْ‮ ‬الأم الملجأ ودخلتْ‮ ‬مستشفي‮ ‬للأمراض العقلية‮. ‬عمل الطفل في‮ ‬أكثر من مهنة في‮ ‬لندن وكان من بينها فرقة مسرحية هزلية للأطفال‮ . ‬وعمل في‮ ‬مغلق خشب مساعدًا لقاطعي‮ ‬الأخشاب‮ . ‬ثم سافر إلي‮ ‬أميركا عام‮ ‬1910 وبعد عدة شهور اضطر للعودة إلي‮ ‬لندن ثم عاد لأميركا مرة أخري‮ ‬عام‮ ‬1912. وفي‮ ‬عام‮ ‬1918 انتهي‮ ‬من فيلمه الأول‮ (‬حياة كلب‮) ‬وفي‮ ‬نفس العام قرّرتْ‮ ‬أميركا بيع سندات الحرب للتصدي‮ ‬للغزو النازي‮ ‬،‮ ‬ودُعي‮ ‬شابلن لأحد مؤتمرات الدعاية للسندات فخاطب الجمهور من علي‮ ‬خشبة المسرح‮ ((‬إنّ‮ ‬الألمان‮ ‬يطرقون بابكم‮ . ‬إننا‮ ‬يجب أنْ‮ ‬نوقفهم وسنوقفهم إذا اشتريتم سندات الحرب‮ . ‬وكل سند تشترونه سينقذ حياة جندي‮ . ‬حياة ابن له أم تنتظر عودته‮)) ‬ثم جاءته فكرة السخرية من الحرب فكتب سيناريو فيلم‮ (‬كتفــًا سلاح‮) ‬وبعد متاعب عديدة مع المنتجين توصل هو ومجموعة من أصدقائه إلي‮ ‬تأسيس‮ (‬شركة الفنانين المتحدين‮) ‬
ولأنّ‮ ‬شابلن فنان صادق مع نفسه‮ ‬،‮ ‬فهو كثيرًا ما‮ ‬ينتابه القلق والخوف علي‮ ‬عمله وأحيانـًا‮ ‬يتشاءم مثلما قال عن فيلمه‮ (‬كتفـًا سلاح‮) ‬الذي‮ ‬سخر فيه من الحرب فإذا بالفيلم‮ ‬يُحقق نجاحًا‮ ‬غير متوقع‮ . ‬وكان شابلن‮ ‬يُردّد دائمًا أنّ‮ ‬الفنان الكوميدي‮ ‬يمكن أنْ‮ ‬تكون أفكاره عن الكوميديا مسرفة في‮ ‬الخطأ‮. ‬ولأنه حريص علي‮ ‬مستواه الفني‮ ‬الرفيع رفض التعامل مع بعض المنتجين وقال لأحد أصدقائه‮ ((‬بعد الطريقة التي‮ ‬عاملوني‮ ‬بها‮ ‬،‮ ‬لم أعد أشعر نحوهم بأي‮ ‬احترام‮))  ‬وكتب أيضًا‮ ((‬من الحقائق العجيبة في‮ ‬عالم الخلق الكوميدي‮ ‬أنّ‮ ‬المآسي‮ ‬عادة توحي‮ ‬بالسخرية‮ ‬،‮ ‬لأنّ‮ ‬السخرية في‮ ‬اعتقادي‮ ‬موقف من مواقف التحدي‮ ‬،‮ ‬فنحن نسخر في‮ ‬مواجهة القوي‮ ‬التي‮ ‬نقف أمامها عاجزين وإلاّ‮ ‬أصابنا الجنون‮)) ‬ورغم مرور ثلاث سنوات علي‮ ‬انتشار الأفلام الناطقة فإنه أصرّ‮ ‬علي‮ ‬الاستمرار في‮ ‬إنتاج الفيلم الصامت وبالفعل أنتج فيلمه شديد الأهمية‮ (‬أضواء المدينة‮) ‬الذي‮ ‬استغرق عامًا كاملا وكتب موسيقي‮ ‬الفيلم‮. ‬وفي‮ ‬يوم الافتتاح وقف الناس منذ العاشرة صباحًا من أجل حجز التذاكر‮. ‬وحقــّـق الفيلم نجاحًا طيبًا‮.‬
‮    ‬وعن تجربة فيلمه‮ (‬الدكتاتور العظيم‮) ‬عن الزعيم النازي‮ ‬هتلر،‮ ‬كتب شابلن‮ ((‬عاد شبح الحرب من جديد وبدأ الألمان‮ ‬يزحفون‮. ‬فكيف‮ ‬يُمكنني‮ ‬أنْ‮ ‬أصرف انتباهي‮ ‬إلي‮ ‬عبث النساء أو في‮ ‬الحب‮ ‬،‮ ‬بينما الجنون‮ ‬يستيقظ علي‮ ‬يد ذلك الدميم الأحمق أدولف هتلر؟ واستغرق إعداد القصة عاميْن‮ . ‬وكانت المفارقة أنّ‮ ‬الرقابة في‮ ‬أميركا وفي‮ ‬بعض الدوائر الإنجليزية أبدوا قلقهم بشأن الفيلم المعادي‮ ‬لهتلر،‮ ‬وأنه‮ ‬يصعب عرضه في‮ ‬إنجلترا‮. ‬وتلك المعلومة التي‮ ‬ذكرها شابلن تضع أمام الباحث هذا السؤال‮ : ‬لماذا شعرتْ‮ ‬الدولتان بالقلق من إنتاج فيلم‮ ‬يسخر من هتلر؟ خاصة أنه‮ ((‬توالتْ‮ ‬الرسائل القلقة من مكتبنا في‮ ‬نيويورك تـُحاول إقناعي‮ ‬بالعدول عن الفيلم‮ ‬،‮ ‬معلنة أنني‮ ‬لن أتمكن من عرضه في‮ ‬إنجلترا أو أميركا‮. ‬ولكنني‮ ‬كنتُ‮ ‬مُـصممًا علي‮ ‬الاستمرار ولو اضطررتُ‮ ‬أنْ‮ ‬أستأجر له بنفسي‮ ‬صالات العرض‮)) ‬وكتب‮ ((‬كنتُ‮ ‬مُصممًا علي‮ ‬أنْ‮ ‬أواصل طريقي‮ ‬،‮ ‬فهتلر‮ ‬يجب أنْ‮ ‬يكون مادة للضحك‮ . ‬وكنتُ‮ ‬مُصرًا علي‮ ‬السخرية من خرافاتهم الغبية عن وجود عنصر ذي‮ ‬دم نقي‮ ‬،‮ ‬كأنما‮ ‬يمكن حقــًا أنْ‮ ‬يوجد في‮ ‬العالم مثل هذا العنصر‮)) ‬وقبل أنْ‮ ‬ينتهي‮ ‬من إعداد الفيلم أعلنتْ‮ ‬إنجلترا الحرب علي‮ ‬النازي‮ . ‬وازداد الموقف سوءًا بعد أنْ‮ ‬دخل النازي‮ ‬بلجيكا ثم انهيار خط ماجينو‮. ‬ثم الموقف الرهيب في‮ ‬دنكرك واحتلال فرنسا‮. ‬فكانت إنجلترا تـُحارب وظهرها للحائط‮ ‬،‮ ‬عندئذ بدأ مكتب نيويورك‮ ‬يُرسل البرقيات وفيها‮ (‬اسرعوا بالفيلم‮ . ‬إنّ‮ ‬الجميع في‮ ‬انتظاره‮)) ‬ثم قرّر هتلر أنْ‮ ‬يغزو روسيا‮ . ‬وعن تلك الظروف كتب شابلن‮ ((‬وكنتُ‮ ‬أثناء إعداد الفيلم قد تلقيتُ‮ ‬عددًا من رسائل المتعصبين ضد الفيلم‮ . ‬وكان بعضها‮ ‬يُهدّد بإلقاء القنابل في‮ ‬دور السينما ونسف الشاشة أثناء عرض الفيلم‮)) ‬وعندما باح بمخاوفه لأحد أصدقائه قال له‮ ((‬إنّ‮ ‬لك من الجمهور‮ ‬يا شارلي‮ ‬ما‮ ‬يكفي‮ ‬لحمايتك‮)) ‬وكان افتتاح الفيلم‮ (‬الذي‮ ‬تكلف مليونيْ‮ ‬دولار‮) ‬في‮ ‬الكابيتول وتم استقباله بحفاوة‮ ((‬وسجـّـل أكبر إيراد لأي‮ ‬فيلم من أفلامي‮)) ‬ثم كانت المفاجأة عندما تلقي‮ ‬شابلن دعوة لمقابلة الرئيس الأمريكي‮ ‬روزفلت الذي‮ ‬قال له‮ ((‬إنّ‮ ‬فيلمك قد أثار لنا الكثير من المتاعب في‮ ‬الأرجنتين‮)) ‬ولما حكي‮ ‬عن تلك المقابلة لأحد أصدقائه قال له‮ ((‬لقد استقبلك البيت الأبيض ولكنه لم‮ ‬يحتضنك‮)) ‬وعن تلك العلاقة الشائكة والمُـلتبسة بين موقف أميركا وحربها ضد النازي‮ ‬وفي‮ ‬نفس الوقت لم تـُرحّب بالفيلم الذي‮ ‬يسخر من النازي‮ ‬هتلر،‮ ‬ذكر شابلن أنّ‮ ‬النازيين‮ ((‬كانوا قد تسللوا إلي‮ ‬المؤسسات والمنظمات الأمريكية وكانت هذه المنظمات تـُستخدم‮ ‬– بوعي‮ ‬أو بغير وعي‮ ‬– كأدوات في‮ ‬يد النازي‮)) ‬وتلقي‮ ‬دعوة لحضور مؤتمر لدعم روسيا في‮ ‬حربها ضد الألمان‮ ‬،‮ ‬وكانت القاعة تسع لمائة ألف‮ ‬،‮ ‬وكانت الخطب مائعة ومتحفظة‮ ((‬فأحسستُ‮ ‬أنّ‮ ‬الحلفاء‮ ‬غرباء في‮ ‬فراشنا‮)) ‬وعندما طـُـلبَ‮ ‬منه إلقاء كلمة قال‮ ((‬أيها الرفاق‮)) ‬فارتجتْ‮ ‬القاعة بالقهقهات العالية‮. ‬ثم قال‮ ((‬إنني‮ ‬أقدر أنّ‮ ‬عددًا كبيرًا من الروس بيننا‮ . ‬وأنّ‮ ‬الطريقة التي‮ ‬يُـقاتل بها مواطنوكم ويموتون في‮ ‬هذه اللحظة تجعل مخاطبتكم بالرفاق شرفـًا ومكرمة‮. ‬وبعد التصفيق قال‮ ((‬إنني‮ ‬لستُ‮ ‬شيوعيًا ولكنني‮ ‬إنسان‮ . ‬وأعتقد أنني‮ ‬أفهم الأحاسيس الإنسانية‮. ‬إنّ‮ ‬الشيوعيين ليسوا مختلفين عن‮ ‬غيرهم‮ ‬،‮ ‬فهم إذا ما فقدوا ذراعًا أو ساقــًا‮ ‬يتألمون كما نتألم ويموتون كما نموت‮. ‬والأم الشيوعية هي‮ ‬نفسها كل أم أخري‮ . ‬إنني‮ ‬لا أحتاج إلي‮ ‬أنْ‮ ‬أكون شيوعيًا حتي‮ ‬أعرف ذلك‮ . ‬والآن ها أنا أقف مدافعـًا عن المعونة العسكرية للروس‮ . ‬لقد قيل لي‮ ‬أنّ‮ ‬للحلفاء مليونيْ‮ ‬جندي‮ ‬يتسكعون في‮ ‬شمال أيرلندا‮ ‬،‮ ‬بينما‮ ‬يُواجه الروس وحدهم حواليْ‮ ‬مائتيْ‮ ‬فرقة من النازيين‮ . ‬إنّ‮ ‬الروس حلفاؤنا‮. ‬إنهم لا‮ ‬يقاتلون من أجل أسلوبهم في‮ ‬الحياة فقط‮ ‬،‮ ‬وإنما من أجل أسلوبنا أيضًا‮. ‬فلنفتح الآن جبهة ثانية‮)) ‬فدوي‮ ‬التصفيق من جديد وبعد أنْ‮ ‬ساد الهدوء قال‮ ((‬مادام هذا هو ما تشعرون به‮ ‬،‮ ‬فهل‮ ‬يسمح كل منكم مشكورًا بإرسال برقية إلي‮ ‬الرئيس‮)) ‬ورغم هذا الدور الإنساني‮ ‬فإنه خشي‮ ‬أنْ‮ ‬يكون مثل‮ (‬دون كيشوت‮) ‬في‮ ‬رائعة سرفانتس‮. ‬
‮    ‬وعندما زار شابلن لندن وتقابل مع الزعيم الروحي‮ ‬للشعب الهندي‮ (‬المهاتما‮ ‬غاندي‮) ‬قال له رئيس وزراء بريطانيا تشرشل‮ ((‬لقد سكتنا طويلا علي‮ ‬هذا الرجل‮ . ‬والواجب أنْ‮ ‬يُوضع في‮ ‬السجن وأنْ‮ ‬يبقي‮ ‬فيه‮. ‬لأننا سنفقد الهند ما لم نكن حازمين‮)) ‬فكان رد شابلن‮ (‬البريطاني‮) ‬إنّ‮ ((‬وضع‮ ‬غاندي‮ ‬في‮ ‬السجن لن‮ ‬يُجدي‮ . ‬فإذا سجنتم‮ ‬غاندي‮ ‬سيظهر‮ ‬غيره‮ . ‬إنه رمز لما‮ ‬يريده الشعب الهندي‮ . ‬وإلي‮ ‬أنْ‮ ‬يحصل الهنود علي‮ ‬ما‮ ‬يريدون فإنهم سيواصلون تقديم‮ ‬غاندي‮ ‬بعد آخر‮)) ‬وفي‮ ‬مقابلته مع‮ ‬غاندي‮ ‬قال له‮ ((‬إنني‮ ‬أقف بعواطفي‮ ‬مع آمال الهند ونضالها من أجل الحرية‮. ‬ولكنني‮ ‬برغم ذلك أشعر بشيء من الحيرة بسبب نفوركم من الآلات‮)) ‬فقال‮ ‬غاندي‮ ((‬أفهم أهمية الآلات ولكن علي‮ ‬الهند قبل أنْ‮ ‬تـُحقق هذه الأهداف أنْ‮ ‬تـُخلــّص نفسها أولا من الحكم البريطاني‮ . ‬وهذا هو السبب في‮ ‬أننا جعلنا الواجب الوطني‮ ‬علي‮ ‬كل هندي‮ ‬أنْ‮ ‬يغزل قطنه وينسج ثوبه بنفسه حتي‮ ‬نتخلص من التبعية البريطانية‮. ‬لقد جعلتنا الآلة تابعين لإنجلترا‮. ‬والطريق الوحيد لتحرير أنفسنا من هذه التبعية هو أنْ‮ ‬نـُقاطع كافة السلع المصنوعة آليًا‮)) ‬فكان تعليق شابلن‮ ((‬وهكذا تلقيتُ‮ ‬درسًا بارعًا في‮ ‬المناورات التكتيكية للكفاح الهندي‮ ‬من أجل الحرية،‮ ‬مصدره رجل واقعي‮ ‬،‮ ‬حالم‮ ‬،‮ ‬حاد الذهن‮ ‬،‮ ‬يملك إرادة حديدية لتنفيذ ما‮ ‬يقول‮ . ‬وكان مما قاله لي‮ ‬أيضًا أنّ‮ ‬أعلي‮ ‬مراتب الاستقلال هي‮ ‬التخفف من الأشياء التي‮ ‬لا ضرورة لها‮ . ‬وأنّ‮ ‬العنف لا‮ ‬يلبث في‮ ‬النهاية أنْ‮ ‬يُـدمر نفسه‮)) ‬
ولأنّ‮ ‬شابلن كان إنسانـًا قبل أنْ‮ ‬يكون فنانـًا‮ ‬،‮ ‬اهتم برعاية أمه وأدخلها المستشفي‮ ‬وأنفق عليها بسخاء‮ ‬،‮ ‬وبعد أنْ‮ ‬جاءتْ‮ ‬الأخبار بأنّ‮ ‬صحة والدته قد تحسّنتْ‮ . ‬وبالفعل طوال رحلة العودة في‮ ‬الباخرة كانت تصرفات الأم طبيعية‮. ‬وعندما وصلتْ‮ ‬إلي‮ ‬نيويورك كانت لطيفة ومتزنة‮. ‬ولكن عندما خاطبها رئيس إدارة الهجرة قائلا‮ ((‬أهلا مسز شابلن‮ . ‬هذه فرصة سعيدة‮. ‬إذن فأنتِ‮ ‬والدة شابلن الشهير،‮ ‬فإذا بها ترد عليه بعذوبة بالغة‮ ((‬نعم وأنت السيد المسيح‮)) ‬وبعد عدة شهور دار حوار بينه وبين أمه فسألها‮ ((‬ما رأيك في‮ ‬ابنك الآن ؟ وفي‮ ‬كل هذا الهجص؟‮ )) ‬وذلك التعبير‮ ‬يصعب ترجمته من الإنجليزية إلي‮ ‬العربية‮ ‬،‮ ‬إلاّ‮ ‬باستخدام كلمة‮ (‬الهجص‮) ‬المصرية كما فعل الراحل الجليل صلاح حافظ في‮ ‬ترجمته لمذكرات شابلن‮ (‬كتاب الهلال‮ ‬– سبتمبر65- ص‮ ‬84) وهذه الكلمة نستخدمها نحن المصريين للتعبير عن الكلمات أو الأفعال التي‮ ‬ليست لها قيمة‮. ‬فكان رد الأم‮ : ‬ألا تـُفضـّـل أنْ‮ ‬تعيش حقيقة نفسك ؟ بدلا من هذا العالم المسرحي‮ ‬الموهوم؟‮)) ‬ضحك وقال لها‮ ((‬أنتِ‮ ‬المسئولة عن عالم الوهم هذا‮)) ‬وبعد لحظة صمت قالت‮ ((‬لو أنك وضعتَ‮ ‬مواهبك هذه في‮ ‬خدمة الرب فكم من آلاف الأرواح‮ ‬يمكن أنْ‮ ‬تكسبها‮)) ‬فابتسم وقال‮ ((‬لعلني‮ ‬كنتُ‮ ‬أكسب الكثير من الأرواح ولكن لا أكسب أي‮ ‬نقود‮)) ‬وعندما أخذ أمه إلي‮ ‬منزله في‮ ‬تلال بيفرلي‮ ‬،‮ ‬انبهرتْ‮ ‬بالأثاث وبكثرة الخدم والوصيفات‮ . ‬ثم نظرتْ‮ ‬من النافذة علي‮ ‬منظر المحيط الهادي‮ ‬وقالت‮ ((‬حرام أنْ‮ ‬يُـقلق الإنسانُ‮ ‬هذا الصمت‮)) ‬وبعد أنْ‮ ‬سرحتْ‮ ‬طويلا قالت لابنها‮ ((‬لابد أنك بالغ‮ ‬الثراء؟‮)) ‬فرد عليها‮ ((‬إنني‮ ‬في‮ ‬هذه اللحظة أساوي‮ ‬خمسة ملايين دولار‮)) ‬فقالت‮ ((‬المهم أنْ‮ ‬تـُحافظ علي‮ ‬صحتك حتي‮ ‬تستمتع بهذه الثروة‮)) ‬وبعد عاميْن‮ ‬– وكان شابلن مشغولا في‮ ‬إعداد فيلم‮ (‬السيرك‮) ‬تلقي‮ ‬خبر وفاتها‮ ‬،‮ ‬فأزال آثار الماكياج وذهب إلي‮ ‬المستشفي‮ . ‬فكتب وهو‮ ‬يتذكر تلك اللحظات‮ ((‬حتي‮ ‬بعد الموت كان تعبير وجهها‮ ‬يبدو مهمومًا‮ ‬،‮ ‬كما لو كانت تتوقع المزيد من الآلام‮ . ‬وكم كان‮ ‬غريبًا أنْ‮ ‬تنتهي‮ ‬حياتها هنا علي‮ ‬مقربة من هوليود بكل قيمها الخرقاء‮. ‬وعلي‮ ‬مسافة سبعة آلاف ميل من‮ (‬لاملث‮) ‬موطن تعاستها‮ (‬حيث الملجأ الذي‮ ‬عاشتْ‮ ‬فيه‮) ‬وبدأ‮ ‬يُـداهمني‮ ‬فيض من الذكريات عن كفاحها طول الحياة‮ . ‬ومعاناتها وشجاعتها ومحنة عمرها الضائع فبكيتُ‮ . ‬وبالرغم من تدينها كانت تحب الخاطئين وتري‮ ‬نفسها فيهم‮ . ‬ولم‮ ‬يكن في‮ ‬طبيعتها ذرة من الفظاظة‮. ‬وما من تعبير لاذع جري‮ ‬علي‮ ‬لسانها إلاّ‮ ‬وكان بليغـًا لمقتضي‮ ‬الحال‮ . ‬وبالرغم من حياة الفقر إلاّ‮ ‬أنها حمتني‮ ‬وأخي‮ ‬سيدني‮ ‬من الشارع‮ ‬،‮ ‬وجعلتنا نشعر بأننا لسنا نتاجًا عاديًا للفقر،‮ ‬بل أشخاصًا مُـتفردين وممتازين‮))     ‬
‮    ‬وعندما زار شابلن ألمانيا‮ (‬بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية‮) ‬كتب‮ ((‬كانت برلين شيئــًا‮ ‬يثير الاكتئاب‮ ‬،‮ ‬إذْ‮ ‬كان‮ ‬– وما‮ ‬يزال‮ ‬– يُحلق عليها جو الهزيمة‮ ‬،‮ ‬بما خلــّـفته من البقايا المُـبكية من الجنود مبتوري‮ ‬الأذرع والسيقان وهم‮ ‬يستجدون في‮ ‬كل زاوية من كل شارع‮)) ‬
‮    ‬الفنان الكبير شابلن تعرّف علي‮ ‬مفكرين وعلماء كثيرين أمثال هـ‮ . ‬ج‮ . ‬ويلز،‮ ‬وبرنارد شو،‮ ‬وكتب عنه سومرست موم‮ ((‬شارلي‮ ‬شابلن‮ : ‬فكاهة بسيطة‮ ‬،‮ ‬حلوة‮ ‬،‮ ‬غير مفتعلة‮ ‬،‮ ‬ومع ذلك‮ ‬يُراودك الإحساس طوال الوقت بأنّ‮ ‬وراءها حزنـًا عميقــًا‮ ‬،‮ ‬وأنّ‮ ‬فكاهته مغلفة بالحزن‮)) ‬كما أنّ‮ ‬شهرة شابلن صارت عالمية‮ ‬،‮ ‬وتقابل مع الفنان بيكاسو والفيلسوف جان بول سارتر،‮ ‬ومع ذلك فإنّ‮ ‬الإدارة الأمريكية دأبتْ‮ ‬علي‮ ‬مضايقته واستدعته‮ (‬لجنة النشاط‮ ‬غير الأمريكي‮) ‬أكثر من مرة‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬كل مرة قال لهم‮ ((‬إنني‮ ‬لستُ‮ ‬شيوعيًا‮ . ‬ولم‮ ‬يحدث أنْ‮ ‬انضممتُ‮ ‬إلي‮ ‬أي‮ ‬حزب أو منظمة في‮ ‬حياتي‮ ‬وأنا من أولئك الذين تسمونهم‮ (‬دعاة السلام‮) ‬وفي‮ ‬استدعاء آخر أمام ثلاثة محققين سأله كبيرهم‮ : ‬هل شارلي‮ ‬شابلن هو اسمك الحقيقي‮ ‬؟ قال‮ : ‬نعم‮ . ‬فسأله‮ : ‬يقول بعض الناس أنّ‮ ‬اسمك‮ ... (‬وذكر اسمًا أجنبيًا‮) ‬فقال‮ : ‬إنّ‮ ‬اسمي‮ ‬كاسم أبي‮ ‬،‮ ‬هو شارلي‮ ‬شابلن‮ . ‬وقد وُلدتُ‮ ‬في‮ ‬لندن‮ . ‬فسأله‮ : ‬أتقول أنك لم تكن شيوعيًا علي‮ ‬الاطلاق ؟ فقال‮ : ‬علي‮ ‬الاطلاق‮ . ‬ولم‮ ‬يسبق لي‮ ‬أنْ‮ ‬انضممتُ‮ ‬إلي‮ ‬منظمة سياسية في‮ ‬حياتي‮ . ‬فقال المُحقق‮ : ‬سبق أنْ‮ ‬ألقيتَ‮ ‬خطبة قلت فيها‮ ((‬أيها الرفاق‮)) ‬فماذا كنت تعني‮ ‬بذلك ؟ فكان رد شابلن‮ ‬– ليس الفنان والإنسان فقط‮ ‬،‮ ‬وإنما الفيلسوف والمفكر المُـدافع عن مبادئه فقال‮ : ‬كنت أعني‮ ‬الكلمة بالضبط‮ ‬،‮ ‬ابحث عنها في‮ ‬القاموس‮ ‬،‮ ‬فليس للشيوعيين حق احتكار الكلمة‮. ‬ولما عجز المحقق عن إدانته لجأ للأسلوب الفج القبيح فسأله‮ : ‬هل ارتكبتَ‮ ‬جريمة الزنا في‮ ‬حياتك ؟ فعمل شابلن بطريقة أولاد البلد المصريين الذين نحتوا تعبير‮ ((‬هات من الآخر‮)) ‬فقال للمحقق‮ : ‬اسمع‮ . ‬إذا كنتَ‮ ‬تبحث عن حجة قانونية لإبعادي‮ ‬عن أميركا فقل لي‮ . ‬وسأرتب شئوني‮ ‬علي‮ ‬هذا الأساس‮ ‬،‮ ‬لأنني‮ ‬لا أرغب أنْ‮ ‬أبقي‮ ‬كشخص‮ ‬غير مرغوب فيه في‮ ‬أي‮ ‬مكان‮ . ‬فسأله المُحقق إذا حدث‮ ‬غزو لأميركا‮ ‬،‮ ‬فهل تحارب دفاعًا عنها ؟ فقال‮ : ‬بالطبع فأنا أحبها‮ . ‬إنها بيتي‮ ‬وعشتُ‮ ‬هنا أكثر من أربعين عامًا‮ . ‬فقال المُحقق‮ : ‬ولكنك لم تتجنس أبدًا‮ . ‬فقال‮ : ‬ليس هناك قانون‮ ‬يحرم ذلك‮ . ‬وأنا أدفع الضرائب هنا‮ . ‬بعد كل تلك المناورة فاجأه المحقق بسؤال‮ : ‬ولكن لماذا تتبع خط الحزب الشيوعي؟ وهنا برز ذكاء شابلن الحاد فردّ‮ ‬السؤال بسؤال للمحقق‮ : ‬أتعلم كيف تورطتُ‮ ‬في‮ ‬كل هذه المتاعب ؟ هزّ‮ ‬الرجل رأسه ولم‮ ‬يرد‮ ‬،‮ ‬فقال شابلن‮ : ‬بسبب مجاملتي‮ ‬لحكومتكم‮. ‬
‮    ‬قرّر شابلن ترك أميركا نهائيًا‮ ‬،‮ ‬خاصة بعد أنْ‮ ‬هاجمه شباب‮ (‬الحركة الفاشستية الجديدة‮) ‬وقال‮ ((‬لن أعود لأميركا ولو ظهر فيها المسيح‮) ‬وعاش بقية حياته في‮ ‬سويسرا التي‮ ‬حولتْ‮ ‬منزله إلي‮ ‬متحف‮ .‬

طلعت رضوان

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here