اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

المعالجات الدراميـة‮ ..‬ لشخصية جان دارك(٣)

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

كثف‮ "‬بريشت‮" ‬مسرحيته في‮ ‬مشهد المحاكمة،‮ ‬واعتمد علي‮ ‬المحاكمة كنقطة انطلاق رئيسة من خلالها تعرفنا إلي‮ "‬جان دارك‮"‬،‮ ‬وقضيتها العادلة ضد الاستعمار الإنجليزي‮. ‬ولم تكن الخيانة والاتهامات التي‮ ‬وجهت إليها إلا نوعًا من التلفيق،‮ ‬مثل الزندقة،‮ ‬وارتداء ملابس الرجال‮. ‬
إذن،‮ ‬الإنجليز ورجال الكنيسة الفرنسية هم الذين قادوا‮ "‬جان دارك‮" ‬إلي‮ ‬ساحة المحاكمة‮. ‬واستخدم بريشت‮  ‬تغريبه لصورة القضاء الذي‮ ‬يفترض فيه النزاهة والعدالة والتمسك بميثاق الشرف،‮ ‬علي‮ ‬عكس‮ "‬برنارد شو‮" ‬الذي‮ ‬صور المحكمة عادلة،‮ ‬وأنها أرادت أن تساعد‮ "‬جان‮"‬،‮ ‬لكن‮ "‬جان‮" ‬بنقص ثقافتها الدينية أدانت نفسها،‮ ‬لأنها لم تكن تفهم طبيعة التهمة الموجهة إليها،‮ ‬فأجابت بسذاجة أدت بها إلي‮ ‬المحرقة‮. ‬لكننا نجد هنا عند‮ "‬بريشت‮" ‬أنه عري‮ ‬القضاء من أردية الزيف التي‮ ‬يتخفي‮ ‬خلفها،‮ ‬ونقل لنا صورته البشعة القبيحة،‮ ‬عندما‮ ‬يتخلي‮ ‬عن شرفه مقابل المال،‮ ‬ويفسر الأحكام في‮ ‬كل مرة حسب المصلحة الشخصية،‮ ‬وتصبح كلمة العدالة مطاطة تتأرجح مع الريح كل مرة في‮ ‬اتجاه مناقض للآخر‮. ‬وليحقق فكرته التغريبية نري‮ ‬عنده القضاء وأعضاء المحكمة لا‮ ‬يعاملون‮ "‬جان‮" ‬علي‮ ‬أنها مناضلة تقاوم الاحتلال،‮ ‬وتقود الناس في‮ ‬الدفاع عن أرضها،‮ ‬وتري‮ ‬أن السلام‮ ‬يأتي‮ ‬عن طريق الكفاح؛ لكنهم كانوا‮ ‬يعاملونها علي‮ ‬أن بها هوسًا دينيًا وخبلاً‮ ‬وجنونًا،‮ ‬ويتحدثون إليها باستخفاف،‮ ‬في‮ ‬حين أنها ترد بجراءة وشجاعة وبراءة‮. ‬نعتوها بأنها ساحرة،‮ ‬وترتدي‮ ‬ملابس الرجال،‮ ‬وتسمع أصوات الشيطان‮. ‬وقد شبه‮ "‬دكتور دوفو‮" - ‬إحدي‮ ‬شخصيات المسرحية‮ - "‬جان‮" ‬بأنها مثل السمكة التي‮ ‬اصطادوها ولا بد‮ - ‬مهما كانت الأسباب‮ - ‬من شوائها؛ ولذلك أدانت المحكمة‮ "‬جان‮"‬،‮ ‬وحكمت عليها بالإعدام حرقًا أو شيًا‮.‬
إذن كانت المحكمة مجرد محكمة صورية تكونت بالرشوة،‮ ‬ولفقت التهم‮ "‬لجان‮" ‬مقابل الرشوة المجزية،‮ ‬وأن‮ "‬جان دارك‮" ‬كانت أكثر وطنية ووعيًا‮ ‬بالنضال من كل مواطنيها،‮ ‬وتكمن خطورتها في‮ ‬أنها تعرف ألاعيبهم وخيانتهم،‮ ‬ومن ناحية أخري‮ ‬تدفع حياتها ثمنًا لمبادئها الشريفة‮. ‬وقد حاولوا رشوتها بمنحها حياتها مقابل أن تتنازل عن هذا الأمر،‮ ‬وأن تعترف بحق المعتدي‮ ‬الإنجليزي‮ ‬في‮ ‬اغتصاب الأرض،‮ ‬لكنها رفضت هذا العرض الرخيص،‮ ‬وفضلت الموت حرقًا‮.‬
وفي‮ ‬التحقيقات استطاع رجال الدين أن‮ ‬يضغطوا عليها،‮ ‬مع ثقل المرض،‮ ‬فتراجعت عن موقفها،‮ ‬فحكم عليها بالسجن المؤبد بدلاً‮ ‬من الإعدام حرقًا،‮ ‬مما أغضب الإنجليز‮. ‬والناس لا‮ ‬يفعلون شيئًا من أجلها،‮ ‬واكتفوا بالتسلي‮ ‬بسيرتها وتفسير أحوالها‮. ‬كلٌ‮ ‬مشغول بحاله،‮ ‬لكن‮ "‬جان‮" ‬سريعًا ما تراجعت عن موقفها السلبي،‮ ‬وتمسكت بموقفها السابق‮. ‬
وقبل حرقها آمنت بصدق الأصوات التي‮ ‬سمعتها تقول لها إنك سوف تتحررين من السجن،‮ ‬ومن الحياة،‮ ‬ومن الموت،‮ ‬وإن الموت بالنسبة إليها حرية‮.‬
إن‮ "‬بريشت‮" ‬جعل من‮ "‬جان دارك‮" ‬إنسانة بسيطة،‮ ‬تؤمن بعدالة قضيتها التي‮ ‬ألهمتها إياها أصوات الشعب التي‮ ‬تحارب المعتدي‮ ‬الإنجليزي،‮ ‬وتحرج الكنيسة التي‮ ‬تكيف نفسها وأمورها الدينية حسب المصلحة،‮ ‬حتي‮ ‬لو كانت مع العدو المغتصب للأرض،‮ ‬وهي‮ ‬الفتاة التي‮ ‬لا تعرف القراءة والكتابة‮.‬
وأراد‮ "‬بريشت‮" ‬أن‮ ‬يقول في‮ ‬هذه المسرحية إن تضحية‮ "‬جان دارك‮" ‬لم تذهب سدي،‮ ‬فبعد مرور خمس سنوات،‮ ‬بدأ الشعب في‮ ‬تحرير فرنسا نهائيًا من الاحتلال الإنجليزي‮ ‬وعمل علي‮ ‬اتحادها،‮ ‬وأصبحت الحركة الشعبية في‮ ‬باريس تحذو حذو‮ "‬جان دارك‮" ‬الأسطوري‮.‬
كما أكد‮ "‬بريشت‮" ‬أن الأصوات التي‮ ‬كانت تسمعها جان ما هي‮ ‬إلا أصوات الشعب وأناته ومعاناته،‮ ‬ذلك الشعب الذي‮ ‬كان‮ ‬ينوء كاهله بثقل ظلم الاستعمار الإنجليزي‮.‬
ونستطيع أن نتلمس الفارق الجوهري‮ ‬بين معالجة‮ "‬شيللر‮"‬،‮ ‬و"شو‮"‬،‮ ‬و"بريشت‮". ‬إن‮ "‬شيللر‮" ‬جعلها قديسة حالمة،‮ ‬و"شو‮" ‬أسقط عنها صفة القداسة وأكسبها حماسة وتهورًا،‮ ‬وموهبة حربية،‮ ‬مع نقص الخبرة الدينية والسياسية‮. ‬أما‮ "‬بريشت‮" ‬فهو علي‮ ‬العكس تماما من‮ "‬شو‮"‬،‮ ‬فقد صورها تمتلك وعيًا سياسيًا كبيرًا،‮ ‬وكان هذا مكمن خطورتها بالنسبة إلي‮ ‬الأعداء والخونة،‮ ‬وكانت تعي‮ ‬أن لهذا النضال ثمنًا لا بد أن تدفعه؛ ومن ثم دفعت حياتها ثمنًا لمبادئها الشريفة‮.‬
جان آنوي‮ ‬وجان دارك
معالجة‮ "‬جان آنوي‮"‬(1987 – 1910) ‮ ‬تقف عند مرحلة تتويج الملك‮ "‬شارل السابع‮". ‬ترك الستار‮ ‬ينزل علي‮ ‬مشهد تتويج ولي‮ ‬العهد بوصفه رمزًا لانتصار‮ "‬جان‮"‬،‮ ‬كما أن‮ "‬جان آنوي‮" ‬سمح لنفسه أيضًا بإعادة ترتيب الأحداث التاريخية وفق رؤيته الدرامية،‮ ‬ولم‮ ‬يبال بترتيب الأحداث الزمني،‮ ‬كما استعان بتكنيك محبب إليه،‮ ‬وهو المسرح داخل المسرح،‮ ‬أو التمثيل داخل التمثيل،‮ ‬ليحول الشخصيات إلي‮ ‬أدوار،‮ ‬تأثرا بأسلوب‮ "‬برانديللو‮". ‬لقد حرر نفسه من التزامه المطلق بالخط التاريخي‮ ‬الزمني‮ ‬لسير الأحداث،‮ ‬

 

وظهور مسرحيته في‮ ‬صورة عرض تاريخي‮. ‬
‮"‬جان‮" ‬هذه الفلاحة البسيطة العنيدة الماكرة،‮ ‬القديسة،‮ ‬الطفلة،‮ ‬أكدت طهارتها،‮ ‬اختارت الموت حرقًا علي‮ ‬أن تنكر نفسها،‮ ‬حتي‮ ‬لا تتنكر لماض نظيف آمنت به،‮ ‬وما زالت تؤمن به‮. ‬
أخذ‮ "‬آنوي‮" ‬أيضًا بالرواية التاريخية التي‮ ‬تقول إن عزيمتها قد لانت بعض لحظات،‮ ‬وأوشكت أن تنكر نفسها،‮ ‬وإن لم‮ ‬يكن ذلك خوفًا من الحريق؛ وإنما‮ ‬يرجع إلي‮ ‬ضغط بعض رجال الكنيسة من قضاتها الذين كانوا‮ ‬يحاولون إنقاذها،‮ ‬لكنها ثابت إلي‮ ‬نفسها،‮ ‬وأعلنت تشبثها بما رأت أنه هو الحق،‮ ‬وأنه هو الذي‮ ‬يليق بكرامة الإنسان‮. ‬وهو هنا متأثر‮ - ‬إلي‮ ‬حد ما‮ - ‬بالمسرحية التي‮ ‬كتبها‮ "‬بريشت‮" ‬بعنوان‮ "‬محاكمة جان دارك‮" ‬(1950)، فقد اتخذ الموقف نفسه من الرواية التاريخية،‮ ‬حيث كتب‮ "‬آنوي‮" ‬مسرحيته بعدها بثلاث سنوات بعنوان‮ "‬جان أو القُبرَّة‮" ‬(Jeanne oder die Lerche 1953). سجل في‮ ‬هذه المسرحية رفضها الحياة في‮ ‬ظل الذل والاستعمار،‮ ‬واختيارها الموت ثمنًا للحرية،‮ ‬وتحريضها الناس من أجل تلك الحرية،‮ ‬ولم‮ ‬يفعل بها كما‮ ‬يفعل ببطلاته دائمًا من اليأس من بلوغ‮ ‬حد الطهارة؛ بل جعلها حريصة علي‮ ‬اتخاذ موقف،‮ ‬لا بديل له سوي‮ ‬التعذيب والحريق‮.‬
جعل‮ "‬آنوي‮" ‬المسرح خاليًا أول الأمر،‮ ‬وبهذا أعلن‮ "‬آنوي‮" ‬منذ البداية،‮ ‬من خلال إرشاداته الإخراجية لمسرحية‮ "‬جان دارك‮"‬،‮ ‬أنه مكان للتمثيل‮. ‬المكان ثابت،‮ ‬والإضاءة هي‮ ‬التي‮ ‬توحي‮ ‬بتغير المكان والزمان،‮ ‬لعرض قضية‮ "‬جان دارك‮". ‬ثم تتحول خشبة المسرح إلي‮ ‬قاعة محكمة فيها تعالج قضية‮ "‬جان دارك‮". ‬وتتغير فورًا لأن‮ "‬جان‮" ‬مفروض أنها تروي‮ ‬للمحكمة قصة حياتها،‮ ‬وهكذا‮ ‬يتم التمثيل داخل التمثيل‮.‬
كتب‮ "‬آنوي‮" ‬المسرحية بلا فواصل،‮ ‬فاضطر المخرجون إلي‮ ‬تقسيم المسرحية إلي‮ ‬قسمين لعمل الاستراحة‮. ‬وتبدأ الأحداث التي‮ ‬تشبه اللقطات السينمائية،‮ ‬من خلال صيحاتها علي‮ ‬الجنود لإنقاذ فرنسا‮. ‬نري‮ ‬أبا‮ "‬جان‮" ‬يضربها بعنف اعتقادًا منه أن لها عشيقًا،‮ ‬وأنها تهوي‮ ‬التسكع بين الجنود بحثًا عن متعة‮ ‬غير شريفة،‮ ‬ومحاولة الأم أن تتفهم نياتها،‮ ‬ثم محاولة‮ "‬جان‮" ‬مع‮ "‬بودريكور‮" ‬Beaudricourt، لإقناعه بإعطائها حصانًا وأسلحة بالإضافة إلي‮ ‬ملابس الرجال،‮ ‬حتي‮ ‬نصل إلي‮ ‬حديثها مع‮ "‬شارل السابع‮"‬،‮ ‬وإقناعه بأن‮ ‬يثق بها كقائد عسكري،‮ ‬وبأسلوبها المبتكر‮ ‬غير التقليدي‮. ‬وفي‮ ‬مشاهد قصيرة نخبر بانتصاراتها وحياتها بين الجنود وسط المعارك‮. ‬
في‮ ‬الجزء الثاني‮ ‬من محاكمتها تركز علي‮ ‬عملية الرفض،‮ ‬وعدم الخضوع لفكرة القهر،‮ ‬ثم تمر بلحظة ضعف،‮ ‬لكنها تتراجع مرة أخري‮ ‬وتتمسك بموقفها السابق‮. ‬وبعد أن أعدوا العدة مرة أخري‮ ‬لحرقها،‮ ‬وبعد إتمام الإجراءات كلها،‮ ‬يخرج‮ "‬بودريكور‮" ‬من بين صفوف الجمهور صارخًا بأعلي‮ ‬صوته‮ ‬– توقفوا‮ ‬– معلنًا أنه لا‮ ‬يجب أن‮ ‬يسيروا إلي‮ ‬نهاية الحكاية،‮ ‬ويذكرهم بأنهم أغفلوا مشهد التتويج الموجود أيضًا في‮ ‬حكايتها التاريخية،‮ ‬وينبههم علي‮ ‬أن هذا ظلم،‮ ‬ومن حق‮ "‬جان‮" ‬أن تمثل التتويج‮ . ‬ويوافق القس‮ "‬كوشون‮" ‬أيضًا علي‮ ‬ذلك‮ .‬
وهكذا‮ ‬يأمر‮ "‬كوشون‮" ‬بإخلاء المسرح من أدوات الإعدام،‮ ‬وتهيئته لمشهد التتويج؛ ذلك أن النهاية الحقيقية التي‮ ‬سوف‮ ‬يتذكرها الناس هي‮ ‬تتويج الملك الذي‮ ‬قامت به‮ "‬جان‮". ‬و‮ ‬يعلق‮ "‬شارل‮": "‬النهاية الحقيقية لن تأتي‮ ‬أبدًا‮. ‬النهاية التي‮ ‬لن‮ ‬يكف الناس عن تداولها بعد أن‮ ‬يكون كل شيء قد دنس،‮ ‬ليست حالة بؤسها،‮ ‬وإنما هي‮ ‬العصفورة المحلقة في‮ ‬عنان السماء،‮ ‬هي‮ "‬جان‮" ‬في‮ ‬رانس محوطة بتمام مجدها‮. "‬جان دارك‮" ‬قصة تنتهي‮ ‬نهاية جميلة‮ ".‬
وتنتهي‮ ‬المسرحية بالموكب الذي‮ ‬يبدأ مسيره نحو المذبح،‮ ‬كل الحضور‮ ‬يجثون‮. ‬لا‮ ‬يبقي‮ ‬أحد واقفًا‮ ‬غير‮ "‬جان‮"‬،‮ ‬مستقيمة العود،‮ ‬مرتكزة علي‮ ‬راياتها،‮ ‬تبتسم للسماء،‮ ‬كما في‮ ‬كل الصور التي‮ ‬تعرضها الكتب‮. "‬كبير المطارنة‮" ‬يضع التاج علي‮ ‬رأس‮ "‬شارل‮" ... ‬وينزل الستار بطيئًا علي‮ ‬هذه الصورة الجميلة في‮ ‬أحد كتب القراءة المدرسية‮.‬
هذا المشهد الأخير أوضح معني‮ ‬البداية،‮ ‬لقد كان بكل بوضوح في‮ ‬البداية تمثيلاً‮ ‬مسرحيًا،‮ ‬وانتهت المسرحية أيضًا هكذا‮. ‬لقد جمع المؤلف شخصياته علي‮ ‬خشبة المسرح،‮ ‬أخذ هذا الحق في‮ ‬عرض الشخصيات التي‮ ‬تعرضها الحكاية التاريخية،‮ ‬ليرينا أو‮ ‬يطلعنا أو‮ ‬يعرض علينا الذي‮ ‬يراه هو صحيحًا‮.‬
الصورة والحقيقة والمسرح والتاريخ‮ ‬
لقد صور‮ "‬آنوي‮" "‬جان‮" ‬في‮ ‬النهاية منتصرة لإرادتها الشخصية المستقلة التي‮ ‬تخالف إرادة القطيع والضعفاء والساكتين عن الحق،‮ ‬مصطدمًا بالسياق التاريخي‮. ‬إن‮ "‬جان‮" ‬بهذا الانتصار خلدت اسمها،‮ ‬وأضحت حياتها مخلدة أكثر من أعدائها‮. ‬وهكذا أصبحت صورتها الجميلة تزين كتب القراءة‮. ‬إنهما كذلك الصورة والحقيقة،‮ ‬وكذلك عند‮ "‬آنوي‮" ‬المسرح والتاريخ‮.‬
استخدم‮ "‬آنوي‮" ‬وسيلة المسرح داخل المسرح،‮ ‬وعملية كسر الإيهام ليؤكد عملية التمثيل،‮ ‬ولينبه أن الهدف من التخلص من‮ "‬جان دارك‮" ‬كان لدواعٍ‮ ‬سياسية وليست دينية‮. ‬ومع ذلك أسلموها إلي‮ ‬محكمة دينية للوصول إلي‮ ‬نتائج سياسية؛ولهذا السبب جعل‮ "‬آنوي‮" ‬في‮ ‬أثناء المحاكمة الأمور السياسية والعسكرية في‮ ‬خلفية المسرحية تومض باستمرار بصورة قصيرة‮. ‬بهذه التقنية أكسب‮ "‬آنوي‮" ‬الجزء المعروف للمادة التاريخية إضافات محلية أصيلة،‮ ‬وتأثيرات أصيلة أيضًا‮. ‬
وأخيرًا فإن‮ "‬جان‮" ‬التي‮ ‬تتمركز بوضوح،‮ ‬وتحتل الدور الرئيس في‮ ‬المسرحية،‮ ‬ليست هي‮ "‬جان‮" ‬التاريخية،‮ ‬ولكنها من ابتكاره‮. ‬وقد جمع‮ "‬آنوي‮" ‬في‮ ‬هذه‮ "‬الجان‮" ‬صفات عدة،‮ ‬وخليطًا من المعالجات السابقة عليه‮: ‬العذراء الساحرة الإنجليزية‮ (‬شكسبير‮)‬،‮ ‬والعذراء الألمانية‮ (‬شيللر‮)‬،‮ ‬والملحدة الأيرلندية‮ (‬شو‮)‬،‮ ‬وجان الماركسية في‮ ‬المذابح‮ (‬بريشت‮)‬،‮ ‬وجان الوعي‮ ‬الفرنسي‮. ‬إنها توليفة أو تركيبة فنية‮. ‬وكذلك منظور المسرح داخل المسرح‮. ‬المشهد الوحيد الذي‮ ‬جاء من عنده،‮ ‬هو ذلك المشهد الذي‮ ‬صور فيه‮ "‬جان‮" ‬تلك الفتاة المسكينة الصغيرة التي‮ ‬يدميها والدها ضربًا،‮ ‬والتي‮ ‬أساءت الأم فهمها‮.‬
أما المشاهد أو المواقف المعروفة‮ ‬– مع‮ "‬بودريكور‮"‬،‮ ‬و"شارل‮"‬،‮ ‬و"لاهير‮"‬،‮ ‬فإننا نتبين مدي‮ ‬ابتكاره لها من خلال مقارنة بسيطة بالأعمال السابقة عليه‮.‬
فقد أقنعت‮ "‬بودريكور‮" ‬بحيلة فرضتها الضرورة،‮ ‬أقنعته بأنه‮ ‬يتمتع بذكاء عال،‮ ‬وأنه قادر علي‮ ‬إحراز النصر وإنقاذ فرنسا‮. ‬وقد صدقها،‮ ‬في‮ ‬حين أنه عند‮ "‬شو‮" ‬صدقها عندما عادت أفراخه تضع البيض مرة أخري،‮ ‬وعند‮ "‬جان آنوي‮" ‬استطاعت أن تبث في‮"‬الدوفين‮" (‬شارل السابع‮) ‬الجبان روح الشجاعة،‮ ‬وجعلته‮ ‬ينحي‮ ‬خوفه جانبًا،‮ ‬في‮ ‬حين كانت وسيلة إقناعه عند‮ "‬شو‮" ‬هي‮ ‬ما ورد نفسه في‮ ‬السيرة التاريخية،‮ ‬خاصة أن‮ " ‬شو‮" ‬تأثر بشخصية‮ "‬شارل السابع‮" ‬التاريخية بكل عيوبها،‮ ‬ولم‮ ‬يحاول أن‮ ‬يجملها،‮ ‬بينما أحاط‮ "‬شيللر‮" ‬شخصية‮ "‬شارل‮" - ‬إلي‮ ‬حد ما‮ - ‬بقدر من الاحترام والوقار والرومانسية،‮ ‬خاصة فيما‮ ‬يخص التضحية بالذات من أجل الآخر،‮ ‬وتغليب أمر العاطفة علي‮ ‬العقل حتي‮ ‬لو أضر بنفسه‮.‬
و"لاهير‮" ‬عند‮ "‬آنوي‮" ‬أيضًا‮ ‬يختلف عن‮ "‬لاهير‮" ‬عند‮ "‬شو‮". ‬وكذلك عند‮ "‬شيللر‮"‬،‮ ‬فهو عند‮ "‬شو‮" ‬سكير نتن،‮ ‬تفوح منه رائحة البصل،‮ ‬في‮ ‬حين أنه عند‮ "‬شيللر‮" ‬بطل شجاع،‮ ‬ومحارب شريف‮. ‬وعند‮ "‬شو‮" ‬لم تقنعه قدرتها العسكرية المصحوبة بالرعاية الإلهية،‮ ‬ولكن من خلال معجزة تحول الرياح المفاجئ في‮ ‬الاتجاه الذي‮ ‬كان‮ ‬يتمناه للقيام بالهجوم،‮ ‬اقنع‮ "‬شو‮" ‬بقوة عقليتها العسكرية‮. ‬وهو عند‮ "‬آنوي‮" ‬نذل ومتخاذل،‮ ‬ترك‮ "‬جان‮" ‬في‮ ‬مأزق هو و"شارل‮" ‬في‮ ‬نهاية الأمر،‮ ‬والوحيد الذي‮ ‬بذل جهدًا هو‮ "‬بودريكور‮"‬،‮ ‬عندما جاءته فكرة أن‮ ‬يوقف عملية الإعدام حرقًا،‮ ‬ويذكرهم بمشهد التتويج‮.‬
ونهاية المسرحية أظهرت عدم واقعية المسرحية،‮ ‬وأن العملية كانت مجرد تمثيل فقط‮. ‬والنهاية أكدت أيضًا البداية؛ وهي‮ ‬أنها كانت مجرد طرح فني‮ ‬لحقبة تاريخية‮.‬
لقد ركز‮ "‬جان آنوي‮" ‬علي‮ ‬الدوافع الإنسانية عند‮ "‬جان دارك‮"‬،‮ ‬وهو الفارق الجوهري‮ ‬بين معالجته والمعالجات الأخري،‮ ‬فكانت دائمًا تؤكد الرحمة الإلهية داخل الإنسان‮. ‬عندما سألها المفتش في‮ ‬المحكمة عن الرسالة الإلهية أكدت في‮ ‬إجابتها وسلوكياتها الجوانب والدوافع الإنسانية‮ . . ‬إنها جاءت من أجل عرقلة الإنجليز عن عمليات النهب والتسلط التي‮ ‬يمارسونها،‮ ‬وكانت نموذجًا إنسانيًا‮: ‬ترعي‮ ‬الأطفال الفقراء،‮ ‬والمرضي،‮ ‬و أحيانًا تسير أميالاً‮ ‬بعيدة من أجل أن تحضر طبقًا من الحساء لامرأة عجوز وحيدة تسكن في‮ ‬كوخ في‮ ‬أقصي‮ ‬الغابة‮. ‬وفي‮ ‬المعركة كانت تساعد الجرحي،‮ ‬وتواسي‮ ‬الذين‮ ‬يحتضرون،‮ ‬بلا تفرقة بين الإنجليز والفرنسيين‮. ‬وعندما سألها‮ "‬كوشون‮" ‬لماذا لم تبلغ‮ ‬الضابط في‮ ‬السجن عن محاولات الاغتصاب التي‮ ‬تتعرض لها من الحرس،‮ ‬أجابت بعد وقفة قصيرة‮: " ‬إنني‮ ‬إذا أبلغت عنهم عرضتهم للشنق‮". ‬أيضًا الذي‮ ‬منعها دافع إنساني‮ ‬بالدرجة الأولي‮ . "‬آنوي‮" ‬ركز علي‮ ‬الجانب الإنساني‮ ‬في‮ ‬شخصية‮ "‬جان‮" ‬أكثر مما ركز علي‮ ‬الجانب الديني‮. ‬إنها تقول‮: "‬إن معجزة الله العظيمة علي‮ ‬الأرض هي‮ ‬الإنسان‮".‬
تهمة‮ "‬جان‮" ‬ليست كما عند‮ "‬شو‮" ‬الزندقة والاتصال بالله بنفسها من دون واسطة الكنيسة،‮ ‬ولكن لأنها تري‮ ‬أن الله حي،‮ ‬وتتجلي‮ ‬قدرته في‮ ‬الإنسان‮. ‬ويري‮ "‬آنوي‮" ‬أن الكنيسة لا تكتفي‮ ‬بدورها بوصفها مؤسسة دينية تفرض وصايتها علي‮ ‬الإنسان،‮ ‬ولكنها تري‮ ‬أن الألوهية تحقق تدميرًا للإنسان‮.‬
عند‮ "‬شو‮" ‬وجودها في‮ ‬السجن‮ ‬غير محتمل،‮ ‬لا تقدر علي‮ ‬احتماله مدي‮ ‬الحياة،‮ ‬لأنها ستنفصل عن الحياة‮.‬
عند‮ "‬آنوي‮" ‬وجودها في‮ ‬السجن لا‮ ‬يحتمل لأنه‮ ‬يدمر نفسها الإنسانية‮. ‬وهنا‮ ‬يبرهن علي‮ ‬أن الصراع‮ ‬يدور بين ما هو إنساني‮ ‬و ما هو‮ ‬غير إنساني‮.‬
الكنيسة كانت تطالبها دائمًا علي‮ ‬لسان‮ "‬كوشون‮" ‬بقول نعم‮ . ‬تطالبها بالقهر‮. ‬لكنها أبت،‮ ‬وقالت للقهر‮ " ‬لا‮ ". ‬
المصادر
برتولت بريشت،‮ ‬محاكمة جان دارك،‮ ‬ترجمة د‮. ‬يسري‮ ‬خميس،‮ ‬الهيئة المصرية العامة للكتاب‮ ‬،‮ ‬القاهرة‮.‬1988
برتولد‮ (‬برتولت‮) ‬بريشت،‮ ‬جان دارك قديسة المسالخ،‮ ‬ترجمة نبيل حفار،‮ ‬دار الفارابي‮ ‬،‮ ‬بيروت،‮ ‬1981
جان آنوي‮ ‬،‮ ‬القبرة،‮ ‬ترجمة د‮. ‬محمد القصاص،‮ ‬من المسرح العالمي،‮ ‬الكويت،‮ ‬1969
جورج برنارد شو،‮ ‬جان درك،‮ ‬ترجمة د‮. ‬أحمد زكي،‮ ‬مكتبة النهضة المصرية،‮ ‬1963
فتحي‮ ‬عامر،‮ ‬عبد الرحمن بدوي‮ ‬فيلسوف العقل الوجودي،‮ ‬الإنترنت‮ ‬،‮ ‬rezgar . com

المراجع
د‮. ‬مصطفي‮ ‬ماهر،‮ ‬شيللر،‮ ‬الهيئة المصرية العامة للكتاب،‮ ‬القاهرة،‮ ‬1987
د‮. ‬عدنان رشيد،‮ ‬مسرح برشت،‮ ‬دار النهضة العربية،‮ ‬بيروت،‮ ‬1988
د‮. ‬عدنان رشيد،‮ ‬الأدب الألماني‮ ‬من الكلاسيكية إلي‮ ‬الرومانتيكية،‮ ‬كتاب الرياض‮ ‬،‮ ‬1999
حمدي‮ ‬الخياط،‮ ‬تاريخ الأدب الألماني،‮ ‬دار اقتصاديات الشرق للتأليف والترجمة والنشر،‮ ‬ألمانيا الاتحادية،‮ ‬كولونيا‮ ‬
Gertrud Mander , Shaw , Friedrich Verlag , Hannover , 1977
Henning Rischbieter , Schiller I , Friedrich Verlag , Hannover , 1975
Henning Rischbieter , Brecht I , Friedrich Verlag , Hannover , 1966
Volker Canaris , Anouilh , Friedrich Verlag , Hannover , 1968
وظهور مسرحيته في‮ ‬صورة عرض تاريخي‮. ‬
‮"‬جان‮" ‬هذه الفلاحة البسيطة العنيدة الماكرة،‮ ‬القديسة،‮ ‬الطفلة،‮ ‬أكدت طهارتها،‮ ‬اختارت الموت حرقًا علي‮ ‬أن تنكر نفسها،‮ ‬حتي‮ ‬لا تتنكر لماض نظيف آمنت به،‮ ‬وما زالت تؤمن به‮. ‬
أخذ‮ "‬آنوي‮" ‬أيضًا بالرواية التاريخية التي‮ ‬تقول إن عزيمتها قد لانت بعض لحظات،‮ ‬وأوشكت أن تنكر نفسها،‮ ‬وإن لم‮ ‬يكن ذلك خوفًا من الحريق؛ وإنما‮ ‬يرجع إلي‮ ‬ضغط بعض رجال الكنيسة من قضاتها الذين كانوا‮ ‬يحاولون إنقاذها،‮ ‬لكنها ثابت إلي‮ ‬نفسها،‮ ‬وأعلنت تشبثها بما رأت أنه هو الحق،‮ ‬وأنه هو الذي‮ ‬يليق بكرامة الإنسان‮. ‬وهو هنا متأثر‮ - ‬إلي‮ ‬حد ما‮ - ‬بالمسرحية التي‮ ‬كتبها‮ "‬بريشت‮" ‬بعنوان‮ "‬محاكمة جان دارك‮" ‬(1950)، فقد اتخذ الموقف نفسه من الرواية التاريخية،‮ ‬حيث كتب‮ "‬آنوي‮" ‬مسرحيته بعدها بثلاث سنوات بعنوان‮ "‬جان أو القُبرَّة‮" ‬(Jeanne oder die Lerche 1953). سجل في‮ ‬هذه المسرحية رفضها الحياة في‮ ‬ظل الذل والاستعمار،‮ ‬واختيارها الموت ثمنًا للحرية،‮ ‬وتحريضها الناس من أجل تلك الحرية،‮ ‬ولم‮ ‬يفعل بها كما‮ ‬يفعل ببطلاته دائمًا من اليأس من بلوغ‮ ‬حد الطهارة؛ بل جعلها حريصة علي‮ ‬اتخاذ موقف،‮ ‬لا بديل له سوي‮ ‬التعذيب والحريق‮.‬
جعل‮ "‬آنوي‮" ‬المسرح خاليًا أول الأمر،‮ ‬وبهذا أعلن‮ "‬آنوي‮" ‬منذ البداية،‮ ‬من خلال إرشاداته الإخراجية لمسرحية‮ "‬جان دارك‮"‬،‮ ‬أنه مكان للتمثيل‮. ‬المكان ثابت،‮ ‬والإضاءة هي‮ ‬التي‮ ‬توحي‮ ‬بتغير المكان والزمان،‮ ‬لعرض قضية‮ "‬جان دارك‮". ‬ثم تتحول خشبة المسرح إلي‮ ‬قاعة محكمة فيها تعالج قضية‮ "‬جان دارك‮". ‬وتتغير فورًا لأن‮ "‬جان‮" ‬مفروض أنها تروي‮ ‬للمحكمة قصة حياتها،‮ ‬وهكذا‮ ‬يتم التمثيل داخل التمثيل‮.‬
كتب‮ "‬آنوي‮" ‬المسرحية بلا فواصل،‮ ‬فاضطر المخرجون إلي‮ ‬تقسيم المسرحية إلي‮ ‬قسمين لعمل الاستراحة‮. ‬وتبدأ الأحداث التي‮ ‬تشبه اللقطات السينمائية،‮ ‬من خلال صيحاتها علي‮ ‬الجنود لإنقاذ فرنسا‮. ‬نري‮ ‬أبا‮ "‬جان‮" ‬يضربها بعنف اعتقادًا منه أن لها عشيقًا،‮ ‬وأنها تهوي‮ ‬التسكع بين الجنود بحثًا عن متعة‮ ‬غير شريفة،‮ ‬ومحاولة الأم أن تتفهم نياتها،‮ ‬ثم محاولة‮ "‬جان‮" ‬مع‮ "‬بودريكور‮" ‬Beaudricourt، لإقناعه بإعطائها حصانًا وأسلحة بالإضافة إلي‮ ‬ملابس الرجال،‮ ‬حتي‮ ‬نصل إلي‮ ‬حديثها مع‮ "‬شارل السابع‮"‬،‮ ‬وإقناعه بأن‮ ‬يثق بها كقائد عسكري،‮ ‬وبأسلوبها المبتكر‮ ‬غير التقليدي‮. ‬وفي‮ ‬مشاهد قصيرة نخبر بانتصاراتها وحياتها بين الجنود وسط المعارك‮. ‬
في‮ ‬الجزء الثاني‮ ‬من محاكمتها تركز علي‮ ‬عملية الرفض،‮ ‬وعدم الخضوع لفكرة القهر،‮ ‬ثم تمر بلحظة ضعف،‮ ‬لكنها تتراجع مرة أخري‮ ‬وتتمسك بموقفها السابق‮. ‬وبعد أن أعدوا العدة مرة أخري‮ ‬لحرقها،‮ ‬وبعد إتمام الإجراءات كلها،‮ ‬يخرج‮ "‬بودريكور‮" ‬من بين صفوف الجمهور صارخًا بأعلي‮ ‬صوته‮ ‬– توقفوا‮ ‬– معلنًا أنه لا‮ ‬يجب أن‮ ‬يسيروا إلي‮ ‬نهاية الحكاية،‮ ‬ويذكرهم بأنهم أغفلوا مشهد التتويج الموجود أيضًا في‮ ‬حكايتها التاريخية،‮ ‬وينبههم علي‮ ‬أن هذا ظلم،‮ ‬ومن حق‮ "‬جان‮" ‬أن تمثل التتويج‮ . ‬ويوافق القس‮ "‬كوشون‮" ‬أيضًا علي‮ ‬ذلك‮ .‬
وهكذا‮ ‬يأمر‮ "‬كوشون‮" ‬بإخلاء المسرح من أدوات الإعدام،‮ ‬وتهيئته لمشهد التتويج؛ ذلك أن النهاية الحقيقية التي‮ ‬سوف‮ ‬يتذكرها الناس هي‮ ‬تتويج الملك الذي‮ ‬قامت به‮ "‬جان‮". ‬و‮ ‬يعلق‮ "‬شارل‮": "‬النهاية الحقيقية لن تأتي‮ ‬أبدًا‮. ‬النهاية التي‮ ‬لن‮ ‬يكف الناس عن تداولها بعد أن‮ ‬يكون كل شيء قد دنس،‮ ‬ليست حالة بؤسها،‮ ‬وإنما هي‮ ‬العصفورة المحلقة في‮ ‬عنان السماء،‮ ‬هي‮ "‬جان‮" ‬في‮ ‬رانس محوطة بتمام مجدها‮. "‬جان دارك‮" ‬قصة تنتهي‮ ‬نهاية جميلة‮ ".‬
وتنتهي‮ ‬المسرحية بالموكب الذي‮ ‬يبدأ مسيره نحو المذبح،‮ ‬كل الحضور‮ ‬يجثون‮. ‬لا‮ ‬يبقي‮ ‬أحد واقفًا‮ ‬غير‮ "‬جان‮"‬،‮ ‬مستقيمة العود،‮ ‬مرتكزة علي‮ ‬راياتها،‮ ‬تبتسم للسماء،‮ ‬كما في‮ ‬كل الصور التي‮ ‬تعرضها الكتب‮. "‬كبير المطارنة‮" ‬يضع التاج علي‮ ‬رأس‮ "‬شارل‮" ... ‬وينزل الستار بطيئًا علي‮ ‬هذه الصورة الجميلة في‮ ‬أحد كتب القراءة المدرسية‮.‬
هذا المشهد الأخير أوضح معني‮ ‬البداية،‮ ‬لقد كان بكل بوضوح في‮ ‬البداية تمثيلاً‮ ‬مسرحيًا،‮ ‬وانتهت المسرحية أيضًا هكذا‮. ‬لقد جمع المؤلف شخصياته علي‮ ‬خشبة المسرح،‮ ‬أخذ هذا الحق في‮ ‬عرض الشخصيات التي‮ ‬تعرضها الحكاية التاريخية،‮ ‬ليرينا أو‮ ‬يطلعنا أو‮ ‬يعرض علينا الذي‮ ‬يراه هو صحيحًا‮.‬
الصورة والحقيقة والمسرح والتاريخ‮ ‬
لقد صور‮ "‬آنوي‮" "‬جان‮" ‬في‮ ‬النهاية منتصرة لإرادتها الشخصية المستقلة التي‮ ‬تخالف إرادة القطيع والضعفاء والساكتين عن الحق،‮ ‬مصطدمًا بالسياق التاريخي‮. ‬إن‮ "‬جان‮" ‬بهذا الانتصار خلدت اسمها،‮ ‬وأضحت حياتها مخلدة أكثر من أعدائها‮. ‬وهكذا أصبحت صورتها الجميلة تزين كتب القراءة‮. ‬إنهما كذلك الصورة والحقيقة،‮ ‬وكذلك عند‮ "‬آنوي‮" ‬المسرح والتاريخ‮.‬
استخدم‮ "‬آنوي‮" ‬وسيلة المسرح داخل المسرح،‮ ‬وعملية كسر الإيهام ليؤكد عملية التمثيل،‮ ‬ولينبه أن الهدف من التخلص من‮ "‬جان دارك‮" ‬كان لدواعٍ‮ ‬سياسية وليست دينية‮. ‬ومع ذلك أسلموها إلي‮ ‬محكمة دينية للوصول إلي‮ ‬نتائج سياسية؛ولهذا السبب جعل‮ "‬آنوي‮" ‬في‮ ‬أثناء المحاكمة الأمور السياسية والعسكرية في‮ ‬خلفية المسرحية تومض باستمرار بصورة قصيرة‮. ‬بهذه التقنية أكسب‮ "‬آنوي‮" ‬الجزء المعروف للمادة التاريخية إضافات محلية أصيلة،‮ ‬وتأثيرات أصيلة أيضًا‮. ‬
وأخيرًا فإن‮ "‬جان‮" ‬التي‮ ‬تتمركز بوضوح،‮ ‬وتحتل الدور الرئيس في‮ ‬المسرحية،‮ ‬ليست هي‮ "‬جان‮" ‬التاريخية،‮ ‬ولكنها من ابتكاره‮. ‬وقد جمع‮ "‬آنوي‮" ‬في‮ ‬هذه‮ "‬الجان‮" ‬صفات عدة،‮ ‬وخليطًا من المعالجات السابقة عليه‮: ‬العذراء الساحرة الإنجليزية‮ (‬شكسبير‮)‬،‮ ‬والعذراء الألمانية‮ (‬شيللر‮)‬،‮ ‬والملحدة الأيرلندية‮ (‬شو‮)‬،‮ ‬وجان الماركسية في‮ ‬المذابح‮ (‬بريشت‮)‬،‮ ‬وجان الوعي‮ ‬الفرنسي‮. ‬إنها توليفة أو تركيبة فنية‮. ‬وكذلك منظور المسرح داخل المسرح‮. ‬المشهد الوحيد الذي‮ ‬جاء من عنده،‮ ‬هو ذلك المشهد الذي‮ ‬صور فيه‮ "‬جان‮" ‬تلك الفتاة المسكينة الصغيرة التي‮ ‬يدميها والدها ضربًا،‮ ‬والتي‮ ‬أساءت الأم فهمها‮.‬
أما المشاهد أو المواقف المعروفة‮ ‬– مع‮ "‬بودريكور‮"‬،‮ ‬و"شارل‮"‬،‮ ‬و"لاهير‮"‬،‮ ‬فإننا نتبين مدي‮ ‬ابتكاره لها من خلال مقارنة بسيطة بالأعمال السابقة عليه‮.‬
فقد أقنعت‮ "‬بودريكور‮" ‬بحيلة فرضتها الضرورة،‮ ‬أقنعته بأنه‮ ‬يتمتع بذكاء عال،‮ ‬وأنه قادر علي‮ ‬إحراز النصر وإنقاذ فرنسا‮. ‬وقد صدقها،‮ ‬في‮ ‬حين أنه عند‮ "‬شو‮" ‬صدقها عندما عادت أفراخه تضع البيض مرة أخري،‮ ‬وعند‮ "‬جان آنوي‮" ‬استطاعت أن تبث في‮"‬الدوفين‮" (‬شارل السابع‮) ‬الجبان روح الشجاعة،‮ ‬وجعلته‮ ‬ينحي‮ ‬خوفه جانبًا،‮ ‬في‮ ‬حين كانت وسيلة إقناعه عند‮ "‬شو‮" ‬هي‮ ‬ما ورد نفسه في‮ ‬السيرة التاريخية،‮ ‬خاصة أن‮ " ‬شو‮" ‬تأثر بشخصية‮ "‬شارل السابع‮" ‬التاريخية بكل عيوبها،‮ ‬ولم‮ ‬يحاول أن‮ ‬يجملها،‮ ‬بينما أحاط‮ "‬شيللر‮" ‬شخصية‮ "‬شارل‮" - ‬إلي‮ ‬حد ما‮ - ‬بقدر من الاحترام والوقار والرومانسية،‮ ‬خاصة فيما‮ ‬يخص التضحية بالذات من أجل الآخر،‮ ‬وتغليب أمر العاطفة علي‮ ‬العقل حتي‮ ‬لو أضر بنفسه‮.‬
و"لاهير‮" ‬عند‮ "‬آنوي‮" ‬أيضًا‮ ‬يختلف عن‮ "‬لاهير‮" ‬عند‮ "‬شو‮". ‬وكذلك عند‮ "‬شيللر‮"‬،‮ ‬فهو عند‮ "‬شو‮" ‬سكير نتن،‮ ‬تفوح منه رائحة البصل،‮ ‬في‮ ‬حين أنه عند‮ "‬شيللر‮" ‬بطل شجاع،‮ ‬ومحارب شريف‮. ‬وعند‮ "‬شو‮" ‬لم تقنعه قدرتها العسكرية المصحوبة بالرعاية الإلهية،‮ ‬ولكن من خلال معجزة تحول الرياح المفاجئ في‮ ‬الاتجاه الذي‮ ‬كان‮ ‬يتمناه للقيام بالهجوم،‮ ‬اقنع‮ "‬شو‮" ‬بقوة عقليتها العسكرية‮. ‬وهو عند‮ "‬آنوي‮" ‬نذل ومتخاذل،‮ ‬ترك‮ "‬جان‮" ‬في‮ ‬مأزق هو و"شارل‮" ‬في‮ ‬نهاية الأمر،‮ ‬والوحيد الذي‮ ‬بذل جهدًا هو‮ "‬بودريكور‮"‬،‮ ‬عندما جاءته فكرة أن‮ ‬يوقف عملية الإعدام حرقًا،‮ ‬ويذكرهم بمشهد التتويج‮.‬
ونهاية المسرحية أظهرت عدم واقعية المسرحية،‮ ‬وأن العملية كانت مجرد تمثيل فقط‮. ‬والنهاية أكدت أيضًا البداية؛ وهي‮ ‬أنها كانت مجرد طرح فني‮ ‬لحقبة تاريخية‮.‬
لقد ركز‮ "‬جان آنوي‮" ‬علي‮ ‬الدوافع الإنسانية عند‮ "‬جان دارك‮"‬،‮ ‬وهو الفارق الجوهري‮ ‬بين معالجته والمعالجات الأخري،‮ ‬فكانت دائمًا تؤكد الرحمة الإلهية داخل الإنسان‮. ‬عندما سألها المفتش في‮ ‬المحكمة عن الرسالة الإلهية أكدت في‮ ‬إجابتها وسلوكياتها الجوانب والدوافع الإنسانية‮ . . ‬إنها جاءت من أجل عرقلة الإنجليز عن عمليات النهب والتسلط التي‮ ‬يمارسونها،‮ ‬وكانت نموذجًا إنسانيًا‮: ‬ترعي‮ ‬الأطفال الفقراء،‮ ‬والمرضي،‮ ‬و أحيانًا تسير أميالاً‮ ‬بعيدة من أجل أن تحضر طبقًا من الحساء لامرأة عجوز وحيدة تسكن في‮ ‬كوخ في‮ ‬أقصي‮ ‬الغابة‮. ‬وفي‮ ‬المعركة كانت تساعد الجرحي،‮ ‬وتواسي‮ ‬الذين‮ ‬يحتضرون،‮ ‬بلا تفرقة بين الإنجليز والفرنسيين‮. ‬وعندما سألها‮ "‬كوشون‮" ‬لماذا لم تبلغ‮ ‬الضابط في‮ ‬السجن عن محاولات الاغتصاب التي‮ ‬تتعرض لها من الحرس،‮ ‬أجابت بعد وقفة قصيرة‮: " ‬إنني‮ ‬إذا أبلغت عنهم عرضتهم للشنق‮". ‬أيضًا الذي‮ ‬منعها دافع إنساني‮ ‬بالدرجة الأولي‮ . "‬آنوي‮" ‬ركز علي‮ ‬الجانب الإنساني‮ ‬في‮ ‬شخصية‮ "‬جان‮" ‬أكثر مما ركز علي‮ ‬الجانب الديني‮. ‬إنها تقول‮: "‬إن معجزة الله العظيمة علي‮ ‬الأرض هي‮ ‬الإنسان‮".‬
تهمة‮ "‬جان‮" ‬ليست كما عند‮ "‬شو‮" ‬الزندقة والاتصال بالله بنفسها من دون واسطة الكنيسة،‮ ‬ولكن لأنها تري‮ ‬أن الله حي،‮ ‬وتتجلي‮ ‬قدرته في‮ ‬الإنسان‮. ‬ويري‮ "‬آنوي‮" ‬أن الكنيسة لا تكتفي‮ ‬بدورها بوصفها مؤسسة دينية تفرض وصايتها علي‮ ‬الإنسان،‮ ‬ولكنها تري‮ ‬أن الألوهية تحقق تدميرًا للإنسان‮.‬
عند‮ "‬شو‮" ‬وجودها في‮ ‬السجن‮ ‬غير محتمل،‮ ‬لا تقدر علي‮ ‬احتماله مدي‮ ‬الحياة،‮ ‬لأنها ستنفصل عن الحياة‮.‬
عند‮ "‬آنوي‮" ‬وجودها في‮ ‬السجن لا‮ ‬يحتمل لأنه‮ ‬يدمر نفسها الإنسانية‮. ‬وهنا‮ ‬يبرهن علي‮ ‬أن الصراع‮ ‬يدور بين ما هو إنساني‮ ‬و ما هو‮ ‬غير إنساني‮.‬
الكنيسة كانت تطالبها دائمًا علي‮ ‬لسان‮ "‬كوشون‮" ‬بقول نعم‮ . ‬تطالبها بالقهر‮. ‬لكنها أبت،‮ ‬وقالت للقهر‮ " ‬لا‮ ". ‬
المصادر
برتولت بريشت،‮ ‬محاكمة جان دارك،‮ ‬ترجمة د‮. ‬يسري‮ ‬خميس،‮ ‬الهيئة المصرية العامة للكتاب‮ ‬،‮ ‬القاهرة‮.‬1988
برتولد‮ (‬برتولت‮) ‬بريشت،‮ ‬جان دارك قديسة المسالخ،‮ ‬ترجمة نبيل حفار،‮ ‬دار الفارابي‮ ‬،‮ ‬بيروت،‮ ‬1981
جان آنوي‮ ‬،‮ ‬القبرة،‮ ‬ترجمة د‮. ‬محمد القصاص،‮ ‬من المسرح العالمي،‮ ‬الكويت،‮ ‬1969
جورج برنارد شو،‮ ‬جان درك،‮ ‬ترجمة د‮. ‬أحمد زكي،‮ ‬مكتبة النهضة المصرية،‮ ‬1963
فتحي‮ ‬عامر،‮ ‬عبد الرحمن بدوي‮ ‬فيلسوف العقل الوجودي،‮ ‬الإنترنت‮ ‬،‮ ‬rezgar . com

المراجع
د‮. ‬مصطفي‮ ‬ماهر،‮ ‬شيللر،‮ ‬الهيئة المصرية العامة للكتاب،‮ ‬القاهرة،‮ ‬1987
د‮. ‬عدنان رشيد،‮ ‬مسرح برشت،‮ ‬دار النهضة العربية،‮ ‬بيروت،‮ ‬1988
د‮. ‬عدنان رشيد،‮ ‬الأدب الألماني‮ ‬من الكلاسيكية إلي‮ ‬الرومانتيكية،‮ ‬كتاب الرياض‮ ‬،‮ ‬1999
حمدي‮ ‬الخياط،‮ ‬تاريخ الأدب الألماني،‮ ‬دار اقتصاديات الشرق للتأليف والترجمة والنشر،‮ ‬ألمانيا الاتحادية،‮ ‬كولونيا‮ ‬
Gertrud Mander , Shaw , Friedrich Verlag , Hannover , 1977
Henning Rischbieter , Schiller I , Friedrich Verlag , Hannover , 1975
Henning Rischbieter , Brecht I , Friedrich Verlag , Hannover , 1966
Volker Canaris , Anouilh , Friedrich Verlag , Hannover , 1968

د. عطية العقاد

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٧٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here