اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الطليعة المسرحية والفن الدرامي‮ ‬بعد الحداثي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

في‮ ‬أواخر الستينيات دخلنا إلي‮ ‬عصر ما بعد الحداثة،‮ ‬وهو العصر الذي‮ ‬وقعت فيه حادثتان أوقفتا تقدم الدراما الطليعية‮. ‬الأول هو تبني‮ ‬كتاب الدراما بعد الحداثية لتعددية أسلوبية،‮ ‬ومزج انتقائي‮ ‬واستيطاني‮ ‬لمختلف الأساليب من مختلف العصور‮. ‬وفي‮ ‬ظل الحداثة ازدهرت مختلف الأساليب،‮ ‬ولكن في‮ ‬ظل أي‮ ‬أسلوب‮ »‬مثل التعبيرية والسيريالية‮« ‬سعي‮ ‬الفنان إلي‮ ‬الوحدة عن طريق الخضوع باستمرار لمجموعة التقاليد المرتبطة بهذه الصيغة‮. ‬والمشكلة في‮ ‬تعريف الحداثة هذا،‮ ‬هو أن مزج مختلف الأساليب بشكل جذري‮ ‬كان واضحا في‮ ‬أعمال كتاب الطليعة منذ العشرينيات‮.‬
والنسخة المتطورة للجدال بعد الحداثي‮ ‬لا تدعي‮ ‬فقط أن الانتقائية والاستبطان هما ما‮ ‬يميزانها،‮ ‬بل بالأحري‮ ‬فرضيتها الثقافية المختلفة والاستخدام بعد الحداثي‮. ‬وبدلا من توظيف ما بعد الحداثة داخل التقاليد الطليعية التي‮ ‬أسست فيها إيماءة مزج أساليب الوعي‮ ‬بالذات محاولة نموذجية لاحتلال مكان أكثر التيارات تطرفا،‮ ‬ميزت النزعة الاستبطانية الكلية في‮ ‬الثقافة بعد الحداثية استنفاذ الطاقة الهدامة والطموحات التي‮ ‬ارتبطت ذات‮ ‬يوم بالطليعة‮. ‬وما حدث طول فترة قرن من الزمان‮ - ‬وقد تعلم الفنانون مما حدث في‮ ‬العالم‮ - ‬هو أن الفنانين قد رفضوا الاعتقاد في‮ ‬قدرة الفن الثوري‮ ‬علي‮ ‬تغيير العالم،‮ ‬مع أنهم ظلوا‮ ‬يرددون الشعارات المنادية بذلك‮. ‬علاوة علي‮ ‬ذلك ظلت أفكار الطليعة الأولي‮ ‬حولهم،‮ ‬جاهزة للالتقاط والتدوير والاستدعاء للمحافظة علي‮ ‬مهمة أسلافهم الذين لم‮ ‬يتصوروا أنهم‮ ‬ينتمون إلي‮ ‬حركة واحدة‮.‬
وما بدا قبل الحرب العالمية الأولي‮ ‬أنه تدخل واضح من الفنانين في‮ ‬مستقبل مجتمعاتهم سولو كمنبوذين‮ ‬يعتقدون مثل‮ »‬أنطونين أرتو‮« ‬أنهم مبشرون،‮ ‬كان تيارا مدعوما من فترة السبعينيات مع اعتراف بأن البرامج الفنية التقدمية لا‮ ‬يمكن تبينها وممارستها من جانب العامة في‮ ‬أي‮ ‬بلد‮. ‬أو كما‮ ‬يقول‮ »‬فريدريك جامسون‮« : »‬كل ما كان موجودًا أو مازال باقيا هو محاكاة لأساليب ميتة،‮ ‬وكلام من وراء قناع وبصوت الأساليب الموجودة في‮ ‬متحف المتخيل الذي‮ ‬ينتمي‮ ‬إلي‮ ‬الماضي‮«. ‬أو كما‮ ‬يقول‮ »‬إيهاب حسن‮« ‬لا‮ ‬يمكن تمييز سوي‮ ‬الغموض والانقطاع والهرطقة والعشوائية والتشوه والتفكيك والإزاحة والانفصال والتشرذم باعتبارها المبادئ الأساسية لما بعد الحداثة‮«.‬
ولذلك تظل الطليعة معنا اليوم باعتبارها تنبؤًا جماليًا‮. ‬وبنضالها داخل حدود التوجه الشكلي‮ ‬الاستيطاني‮ ‬وضد السياق الاجتماعي‮ ‬الغامض،‮ ‬فإن مثل هذه الطليعة تحمل شهادة مثيرة لحالة‮ ‬غموض العقل‮. ‬إنها تحاول أن تعرض حيوية إبداعية ونقدية،‮ ‬مع أنها تعلي‮ ‬من أدني‮ ‬التوقعات‮. ‬فهي‮ ‬مع الاستخدام الفعال والعدواني‮ ‬أحيانا علي‮ ‬الإرادة الفردية،‮ ‬مع أنها تشي‮ ‬بالرضوخ والإذعان‮ ‬غير المريح‮. ‬وترتبط بالاكتشاف الواعي‮ ‬بالذات لطبيعية وحدود وإمكانيات الدراما والمسرح في‮ ‬المجتمع المعاصر‮. ‬ورغم ذلك،‮ ‬فإن رؤي‮ ‬المستقبل المزودة بمثل هذه الأعمال هي‮ ‬رؤي‮ ‬مؤقتة وغامضة،‮ ‬وتوحي‮ ‬بأن الطليعة لم تستطع أن تتحرك وراء الشك وفقدان الثقة في‮ ‬اتجاه رؤية إلهامية‮.‬
وبتحريك الاستعارة التي‮ ‬تعزز مفهوم الطليعة‮ ‬يمكننا أن نبرهن أننا دخلنا إلي‮ ‬المرحلة التي‮ ‬تم فيها استبدال ثقافة النفي‮ ‬بمنطقة محاطة من ناحية بأشباح الطليعة ومن الناحية الأخري‮ ‬بالثقافة الشعبية‮. ‬فأساليب الطليعة التي‮ ‬كانت هدامة ذات‮ ‬يوم تم استيعابها في‮ ‬الثقافة الشعبية،‮ ‬لكي‮ ‬يتم اختزال الهوة بين منتجات الثقافة الطليعية ومنتجات الثقافة الشعبية،‮ ‬مثل عرض‮ »‬جولي‮ ‬تايمور‮« »‬ملك الغابة‮« ‬في‮ ‬برودواي،‮ ‬الذي‮ ‬تم اختزاله في‮ ‬العرض التليفزيوني‮.‬
وإذا كانت الطليعة التاريخية تكونت من موجات‮ ‬غضب برجوازي‮ ‬مضاد،‮ ‬وميول‮ ‬يسارية،‮ ‬الموجة تلو الآخري،‮ ‬مع أن الفنانين الخياليين‮ ‬يلقون بأنفسهم علي‮ ‬شاطيء مضاد أحيانا،‮ ‬وطبقا لهذا البرهان،‮ ‬يتشبع المجتمع بكل موجة رفضها‮. ‬فكل موجة أضيفت وقدمت طرازا جديدا،‮ ‬تحولت إلي‮ ‬أسلوب منافس للأساليب الأخري،‮ ‬وذلك من خلال ما كان‮ ‬يُري‮ ‬في‮ ‬السابق علي‮ ‬أنه العدو القابل للتعريف‮ »‬أو النسق الثقافي‮ ‬الرسمي‮ ‬الذي‮ ‬يحمل القيم والمعتقدات‮«.‬
ونتيجة لذلك لم تستطيع الطليعة اليوم أن تفعل أكثر من التعبير،‮ ‬بشكل عقيم،‮ ‬عن التحرر من الوهم باستخدام مثالياتها،‮ ‬بينما وقعت الثقافة الشعبية في‮ ‬سحر الوهم لكي‮ ‬تدعي‮ ‬الإبداع المتطرف والجرأة والاختلاف‮. ‬وبالطبع،‮ ‬أصبحت عبارة‮ »‬الطليعة‮« ‬نفسها تسويقية،‮ ‬وأصبحت موضوعاتها سلع استثمارية تفيد في‮ ‬أغراض إنشاء المشروعات الثقافية،‮ ‬في‮ ‬شكل لوحات فنية وقطع نحت ومُلصقات مسرحية تزين جدران تلك المنشآت‮ - ‬باسم الثقافة والتعليم‮.‬
والسبب الثاني‮ ‬لوقف تقدم الطليعة،‮ ‬كان ومازال تعظيم الأداء بعد الحداثي،‮ ‬من خلال دمج المخرج والمؤلف في‮ ‬شخص نجم واحد‮ (‬مثل بيتر بروك،‮ ‬وجيرزي‮ ‬جروتوفسكي،‮ ‬وأندريه سيربان،‮ ‬وبيتر سيللرز،‮ ‬وتادويش كانتور،‮ ‬وروبرت ليباج‮)‬،‮ ‬وأيضا من خلال تحطيم الحدود بين الأشكال الدرامية وأساليب الأداء،‮ ‬وبين الأساليب الفنية والعصور،‮ ‬وبين الفنون وبعضها البعض‮. ‬ومرة أخري،‮ ‬تكتشف ظهور أحداث كهذه،‮ ‬وخصوصا التي‮ ‬تعبر عن الانهيارات الأخيرة داخل الحداثة‮: ‬مثل تركيبات الرمزيين،‮ ‬أو كتابة المسرحيات باستخدام مختلف وسائل الاتصال،‮ ‬أو طبقا لإملاءات وسيط فني‮ ‬بعينه‮. ‬ومن بين هذه الأعمال مسرحية‮ »‬هنري‮ ‬روسو‮« (‬زيارة إلي‮ ‬معرض باريسي‮) ‬عام‮ ‬1889،‮ ‬ومسرحية‮ »‬أرنولد شوينبرج‮« (‬اليد المحظوظة‮) ‬عام‮ ‬1913،‮ ‬ومسرحية‮ »‬جان كوكتو‮« (‬الموكب‮) ‬عام‮ ‬1917،‮ ‬ومسرحية‮ »‬جيوم أبولنير‮« (‬لون الزمن‮) ‬1918،‮ ‬ومسرحية‮ »‬إرنست بارلاش‮« (‬ابن الغم البائس‮) ‬ومسرحية‮ »‬أوسكار شليمر‮« (‬المجلس النموذجي‮) ‬عام‮ ‬1922،‮ ‬ومسرحية‮ »‬بابلو بيكاسو‮« (‬الإمساك بالرغبة من ذيلها‮) ‬عام‮ ‬1941‮.‬
وعندما نري‮ ‬مثل هذا الانهيار في‮ ‬طليعة ما بعد الحرب العالمية الثانية،‮ ‬في‮ ‬مسرح المناسبات عند‮ »‬الآن كابرو‮« ‬في‮ ‬آواخر الخمسينيات‮ - ‬أو فن الأداء الخالص،‮ ‬بمعني‮ ‬أن الفن البصري‮ ‬كان‮ ‬يتم أداؤه باستخدام أجسام بشرية مادية‮ (‬حقيقية‮) - ‬بأن‮ ‬يتم زراعة الأداء باعتباره فنًا في‮ ‬ذاته بعيدًا عن أي‮ ‬نص مسبق‮. ‬وقد تأكد هذا التيار في‮ ‬محاولات فنانين آخرين لنقل المسرح بعيدًا عن الشكل التقليدي‮ ‬الذي‮ ‬اعتمد علي‮ ‬النص،‮ ‬ووضعه في‮ ‬محيط سهل التناول،‮ ‬ثم انتقل التأكيد في‮ ‬مسرح المناسبات من المشاهدة السلبية إلي‮ ‬المشاركة الفعالة،‮ ‬وبذلك أصبح المتلقي‮ ‬مبدعًا مشاركًا في‮ ‬العمل ويستخرج المعني‮ ‬الذي‮ ‬يريده وربما‮ ‬يشكك في‮ ‬نوايا الفنان ووجوده‮. ‬ثالثا،‮ ‬مالت الآنية وبؤر التركيز المتعددة لإزاحة التتابع الاصطلاحي‮ ‬وحتي‮ ‬غير الاصطلاحي‮ ‬في‮ ‬الدراما النصية،‮ ‬إذ لم تعد توجد ذريعة بأن‮ ‬يسمع كل الموجودين في‮ ‬الحدث المسرحي‮ ‬متعدد الوسائط في‮ ‬الوقت نفسه وبالترتيب نفسه‮.‬
وقد انتقل الكثير من هذه الأفكار إلي‮ »‬المسرح البيئي‮ ‬Environmental theater‮«‬،‮ ‬وهو مصطلح صار شائعا بفضل المنظر الأمريكي‮ »‬ريتشارد شيشنر‮« ‬من أجل التمييز بين المسرح التقليدي‮ ‬ومسرح المناسبات‮. ‬
وفي‮ ‬هذا النوع من المسرح تتحدث كل عناصر العرض لغتها فضلا عن أنها تدعم الكلمات،‮ ‬فلا داع أن‮ ‬يكون النص نقطة البداية أو هدف العرض‮ - ‬لأن النص‮ ‬غير ضروري‮ ‬وربما من الأفضل عدم وجود نص‮ - ‬بمعني‮ ‬أن الوفاء للنص،‮ ‬ذلك الاعتقاد المقدس الذي‮ ‬سيطر علي‮ ‬الأداء صار‮ ‬غير ضروري،‮ ‬وفقا لما بعد الحداثة،‮ ‬سواء كشكل للاستفسار النقدي‮ ‬أو كمسرح،‮ ‬واستمر في‮ ‬تحدي‮ ‬النص سواء كان سلطويا،‮ ‬أو حتي‮ ‬أي‮ ‬شيء آخر أكثر من نص العرض‮ - ‬وسواء كانت المسرحية موجودة في‮ ‬النهاية قبل أن تعرض علي‮ ‬خشبة المسرح أم لا‮.‬
وفي‮ ‬كتاب‮ »‬الفكر المخضب بالدم‮ ‬Blooded Thought‮« ‬يقول‮ »‬هربرت بلو‮«: »‬ما دام الأداء مستمرًا،‮ ‬فإن النص‮ ‬يظل هو أفضل أدلتنا بعد الحقيقة،‮ ‬مثل نصوص ونشرات المسرح الإليزابيثي‮«‬،‮ ‬ثم نسأل‮ »‬ما هي‮ ‬طبيعة النص أمام الحقيقة؟ ويري‮ ‬أن فكرة العرض أصبحت هي‮ ‬الوسيط،‮ ‬وغالبا المصطلح الهدام في‮ ‬زواج المسرح والدراما‮. ‬وأصبح اهتمام جماعات الأداء الأمريكية مثل‮ »‬مابوماينز‮« ‬و»جراند‮ ‬يونيون‮« ‬بالشكل أكثر من اهتمامهم بالمضمون‮: ‬الاهتمام بوسائل الاتصال والأماكن التي‮ ‬تحدث فيها المسرحيات والأفراد المؤدين وعلاقتهم بالعرض والمشاهدين‮.‬
وبالطبع نشأت الطليعة المسرحية علي‮ ‬أسلوب أداء متطرف‮ ‬يفكك الدراما ويعيد صياغتها أو ربما‮ ‬ينكرها تماما،‮ ‬كما‮ ‬يظهر في‮ ‬أعمال‮ »‬ووستر جروب‮« ‬والمسرح الحي‮ ‬والمسرح المفتوح،‮ ‬ومسرح الخبز والدمية،‮ ‬ومسرح بينج شونج والمسرح الساخر،‮ ‬ومسرح الصور عند روبرت ديلسون‮.‬
وتوحي‮ ‬بنية كثير من هذه الكتابات أن هناك مواجهة حوارية تحت السطح،‮ ‬يتابع فيها الكاتب المسرحي‮ ‬أحداث الحياة فضلا عن صياغتها دراميا‮. ‬فكل مشهد هو بمثابة طعنة للمعرفة لكي‮ ‬تؤكد نقطة أو توضح فكرة فضلا عن أنها تجمع دليلاً‮. ‬ويبدو من قراءة الصفحات وكأن كتاب المسرح‮ ‬يتصارعون مع الأساليب الفنية ويحاولون التملص من العبارات والإيقاعات والصراعات المألوفة‮.‬
وفي‮ ‬مثل هذه اللحظات نتصور أن الكتاب‮ ‬يحثون أنفسهم للدخول إلي‮ ‬موضوعات أو شخصيات مركبة ويتركون الأشياء التي‮ ‬تبدو لهم مألوفة ومفهومة‮.‬
فلربما‮ ‬يظهر لهم شيء‮ ‬غير متوقع‮. ‬بالنسبة للكاتب المسرحي‮ ‬ذي‮ ‬المزاج التحليلي،‮ ‬فإنه‮ ‬يري‮ ‬الشخصيات كأنها مشروعات وبالتالي‮ ‬يصبح تقديمها علي‮ ‬خشبة المسرح هو نوع من طرح الأسئلة واللغة والحركة التي‮ ‬هي‮ ‬أدوات الاستفهام‮.‬
والكتابة بالنسبة لهؤلاء الكتاب القلقين تظل كتابة تحت التعديل‮ ‬يوضع فيها الشكل الدرامي‮ ‬في‮ ‬موضع الاستفسار‮. ‬

 

تأليف‮: ‬روبرت كارديللو
ترجمة‮: ‬أحمد عبد الفتاح

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٤

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here