اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

تجلي‮ ‬الإيهام في‮ ‬حقيقة المسرح

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

تتغذي‮ ‬جذور المسرح من أصوله الطقسية والأسطورية‮. ‬وتختلف هذه الجذور عن البقايا التي‮ ‬تفحمت في‮ ‬زمن آخر،‮ ‬إذ تأتي‮ ‬حيويتها من مصدر أعمق من الآليات المنطقية لعصر لا‮ ‬يعترف بالأساطير‮. ‬وبرؤية شاملة‮ ‬يقول‮ »‬مارتن إيسلين‮« ‬إن المسرح‮ ‬يقدم إمكانية العودة إلي‮ ‬الجذور التي‮ ‬لا حاجة بنا إلي‮ ‬أن نسميها‮ »‬التجربة الدينية‮«‬،‮ ‬لكن ما‮ ‬يمكن أن نسميه الارتباط بالأنماط الأولية النهائية للإنسان،‮ ‬والرهبة والغموض وعظمة مواجهة الإنسان لذاته،‮ ‬والكون،‮ ‬والعدم الذي‮ ‬يحيط به‮. ‬والتفاعل الذي‮ ‬يحدث داخل هذا التمجيد المستعر هو المكونات الأساسية للمسرح الذي‮ ‬هو حقيقة الإيهام‮. ‬وهو تحية من الأفق المتلاشي‮ ‬المبشر بسقوط التراث التمثيلي‮ ‬المميز عندما‮ ‬يندمج الوهم في‮ ‬الحقيقة‮.‬
وربما لم‮ ‬يهتم المسرح أبدًا بالعلاقة مع الماضي‮ ‬التاريخي،‮ ‬الذي‮ ‬يؤكد أن الطقس المخضب بالتضحية والذي‮ ‬بقي‮ ‬وحضر داخل كل أنواع الأداء هو الأشكال التي‮ ‬تبلورت من القربان الديوينسي‮. ‬ويبدو أن هذا أمر‮ ‬غير معترف به،‮ ‬وخصوصا في‮ ‬المسرح البريختي‮ ‬الذي‮ ‬يوجه كل من المؤدين والمشاهدين بعيدًا عن الانغماس الشعائري‮. ‬ومع ذلك هناك شوق من نوع ميتافيزيقي‮ ‬متسام‮ ‬ينتشر في‮ ‬تمثيل السرد المسرحي‮. ‬وهذا الشوق‮ ‬يؤكد نفسه باعتباره بحثًا عنيدًا عن الواقع المجسد وراء الحقيقة الواضحة المبشرة بالنجاح‮. ‬ولا‮ ‬يقدم لنا التجلي‮ ‬متعدد الصور للشكل المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬يسعي‮ ‬بشكل متواصل إلي‮ ‬الصدق أفصح دليل علي‮ ‬القدرة علي‮ ‬حركة وذاتية هذا المفهوم فقط،‮ ‬بل‮ ‬يقلده أيضا وكأنه من نص عام متناغم مع نفس الشوق المسكوت عنه من العالم علي‮ ‬اتساعه‮. ‬ولذلك‮ ‬يحظي‮ ‬المسرح بوضع متميز لكونه المراقِب‮ ‬Observer‮ ‬والمراقَب‮ ‬Observed ‮ ‬في‮ ‬الوقت نفسه‮.‬
وفي‮ ‬اليونان القديمة استخدمت كلمة‮ »‬Prosopon‮« ‬دون تمييز في‮ ‬المعني‮ ‬بين الوجه والقناع‮. ‬وتشير الطاقة الثنائية إلي‮ ‬مفهوم الذات التي‮ ‬لا تقتصر علي‮ ‬الفهم المتمركز حول الشخص،‮ ‬وفهم الحقيقة التي‮ ‬تقر التبادل بين المرئي‮ ‬واللامرئي‮. ‬إن الأمر مرتبط بمجتمع له منظور مختلف للواقع،‮ ‬مفهوم‮ ‬يتوازن علي‮ ‬طرفي‮ ‬عالمين‮. ‬فالقناع‮ ‬يشير إلي‮ ‬الوجه الصادق للحقيقة التي‮ ‬هي‮ ‬ليست حجابًا خفيًا،‮ ‬بل هي‮ ‬علامة مرئية‮. ‬وإذا فكرنا في‮ ‬القناع علي‮ ‬أنه شيء‮ ‬يخفي،‮ ‬فإن ذلك‮ ‬يعني‮ ‬أن هناك شيئًا أكثر حقيقة‮ ‬يكمن وراءه،‮ ‬مع أنه لا توجد حقيقة‮ ‬غامضة خلف القناع‮. ‬فقد كانت الحقيقة مرئية من خلال القناع‮.‬
ويفسر‮ »‬نيشيتاني‮ ‬كيجي‮« ‬كلمة‮ »‬شخص‮ ‬Person‮« ‬باستخدام المعني‮ ‬اللاتيني‮ ‬لكلمة‮ »‬شخصية‮ ‬Persona‮«  ‬لكي‮ ‬يؤسس وجه أو قناع العدم المطلق،‮ ‬ويقدم الشيء الذي‮ ‬يسمي‮ »‬شخصية‮ ‬Personality‮« ‬في‮ ‬انسجام تام مع العدم المطلق‮. ‬وعلي‮ ‬الرغم من أن‮ »‬الشخصية‮« ‬تسمي‮ »‬قناع‮« ‬فإنها ليست شيئا خارجيا مؤقتا‮ ‬يمكن منحه ومنعه عند الطلب،‮ ‬علاوة علي‮ ‬أنه حقيقي‮ ‬بكل ما في‮ ‬الكلمة من معني‮. ‬إنه أوضح الحقائق،‮ ‬فهو‮ ‬يأتي‮ ‬إلي‮ ‬الوجود فقط باعتباره شكلاً‮ ‬حقيقيًا لإنسان لا‮ ‬يضمر أي‮ ‬ذرة خداع أو زيف،‮ ‬ولذلك فإن الشخصية هي‮ ‬شيء حي‮ ‬فعلا‮. ‬إنها قناع العدم المطلق‮.. ‬وتشبه الروح الحية‮. ‬ولا شك أن التماس التكافلي‮ ‬لهذه العلاقة هو مفتاح فهم طبيعة حقيقة الإيهام في‮ ‬المسرح،‮ ‬إذ أنه إيهام‮ ‬يتحقق من خلال الواقع‮. ‬وبالمعني‮ ‬نفسه،‮ ‬فإن المسرح باعتباره قناع الإيهام المفترض،‮ ‬فإنه‮ ‬يمكن أن‮ ‬يُري‮ ‬وكأنه من خلال الواقع‮ .. ‬والأكثر من ذلك أنه‮ ‬يقترب من الحقيقة لأنه‮ ‬يتم تأمله فعلا باعتباره إيهامًا‮.‬
وصعوبة فهم قناع الشخصية باعتباره عدمًا واضحًا هو أمر محتمل من خلال وضعه كوسط بين الإيهام الفراغ‮. ‬والأرضية المتوسطة هي‮ ‬مكانة مميزة للوحدة حيث تصبح الثنائيات والتناقضات هي‮ ‬المفارقة الفعالة التي‮ ‬تؤسس المعجزة،‮ ‬كما‮ ‬يقول‮ »‬وليم أرشر‮«.‬
فهي‮ ‬إعجازية كما تبدو بالنسبة لـ‮ »‬نشيدا كيتارو‮« ‬هي‮ ‬أكثر من مجرد تمييز مباشر بين الظواهر المادية والروحانية التي‮ ‬تعني‮ ‬أن هناك نوعين من الحقيقة‮. ‬فالظواهر الروحانية هي‮ ‬الصورة الموحدة والجانب الذاتي،‮ ‬بينما الظواهر المادية هي‮ ‬الجانب الموضوعي‮.‬
وفي‮ ‬كتاب‮ »‬قراءة المسرح‮« ‬تقترح‮ »‬آن أوبرسفيلد‮« ‬أن البناء المعماري‮ ‬للمسرح،‮ ‬وتحديدا القاعة التقليدية،‮ ‬ليس بالضرورة إبداع مادي‮ ‬لتسلسلات داخلية وبنيات اجتماعية،‮ ‬بل هو بالأحري‮ ‬انعكاس للكيفية التي‮ ‬يتم بها إدراك هذه البنيات والتسلسلات باعتبارهم صورًا مكانية‮. ‬فما‮ ‬يسكن داخل معمار هذه الفكرة هي‮ ‬مشاهد من أداء أكبر‮ ‬يظهر من وراء إطار خشبة المسرح ويمتد إلي‮ ‬خارج أبواب القاعة‮. ‬وبالتزامن مع الأداء المسرحي‮ ‬يتجلي‮ ‬تجسيد من نوع آخر،‮ ‬لا‮ ‬يقل عن الأداء،‮ ‬لكنه خَفي‮ ‬بِسبب مجاله الضخم‮: ‬فالدراما ذات القضايا الملمحية الناشئة،‮ ‬في‮ ‬رأي‮ »‬أوبر سفيلد‮«‬،‮ ‬هي‮ ‬بيان الحياة نفسها‮. ‬ولذلك‮ ‬يقع المسرح في‮ ‬مفارقة الواقع والإيهام،‮ ‬وكلاهما‮ ‬يؤسسان لوجودهما،‮ ‬الذي‮ ‬هو بالتحديد السبب الذي‮ ‬يجعل المسرح‮ ‬يملك طاقة تقديم الثقب الذي‮ ‬نختلس منه النظر إلي‮ ‬خشبة مسرح الحياة‮.‬
وإذا لم تمثل قاعة المسرح،‮ ‬في‮ ‬بنائها المعماري‮ ‬المكاني،‮ ‬البيئة التي‮ ‬تصنعها بالضرورة،‮ ‬وتمثل بالأحري‮ ‬صورة أو تصورًا لما‮ ‬يكون عليه الواقع،‮ ‬فإنها عندئذ تكشف علامة أو رمز لفرضية أكبر‮.. ‬وهي‮ ‬الحقيقة‮. ‬فقاعة المسرح تقف كشاهد علي‮ ‬الإدراك المتواصل،‮ ‬والأداء هو الكائن العضوي‮ ‬الحي‮ ‬الذي‮ ‬تجسده‮.‬
إن المسرح حقيقي‮ ‬لأنه حي‮. ‬وبالإشارة إلي‮ ‬التجربة الجمالية باعتبارها تجربة صادقة ومميزة،‮ ‬بمعني‮ ‬أنها تشير إلي‮ ‬حقيقتها،‮ ‬يقرر‮ »‬جاوامار‮« ‬أنها تعني‮ ‬ببساطة كشف الحقيقة،‮ ‬وهذا في‮ ‬حد ذاته حدث‮«.‬
وهذا بالضبط ما‮ ‬يجعل المسرح صادقا،‮ ‬وليس مجرد انعكاس مرآوي‮ ‬للعالم من حوله،‮ ‬بل هو إبداع آني،‮ ‬لأن المسرح هو ما‮ ‬يعكسه،‮ ‬ولا‮ ‬يوجد أصل أكثر صدقا في‮ ‬التجربة الجمالية،‮ ‬غير المسرح الذي‮ ‬يشير إلي‮ ‬ما وراء ذاته من خلال تجربة أكثر صدقا من الحقيقة،‮ ‬لأنه،‮ ‬بمعني‮ ‬آخر،‮ ‬هو الحقيقة نفسها‮.‬
إن رفض الحقيقة الزائفة في‮ ‬محاولتها لأن تكون حقيقية هو اهتمام متكرر ومسيطر من أجل التأثير المتغير داخل المسرح منذ أواخر القرن التاسع عشر‮. ‬
ويتجلي‮ ‬ذلك بوضوح في‮ ‬مناهج التمثيل عند‮ »‬ستانسلافسكي‮«‬‮ ‬والمشاهد الواقعية في‮ ‬المسرح الطبيعي‮ »‬رغم الاعتراض عليها باعتبارها إيهامًا برجوازيًا‮«‬،‮ ‬ومسرح القسوة عند‮ »‬أنطونين آرتو‮« ‬ووضوح المسرح الفقير عند‮ »‬جروتوفسكي‮« ‬الذي‮ ‬سعي‮ ‬إلي‮ ‬محو الفاصل بين الممثل والمتلقي،‮ ‬ومسرح المناسبات في‮ ‬أواخر الخمسينيات،‮ ‬وممارسات الأداء اللاحقة حتي‮ ‬يومنا هذا‮. ‬وبشكل مثير للشغف،‮ ‬يقوم مسرح‮ »‬النو‮« ‬الياباني،‮ ‬ذو طابع التمثيل الأسلوبي،‮ ‬علي‮ ‬المبادئ نفسها التي‮ ‬تميز النموذج التمثيلي‮ ‬الغريزي‮ ‬عند‮ »‬ستانسلافسكي‮«. ‬فكيف‮ ‬يمكن لهذين النوعين اللذين لا‮ ‬يمكن التوفيق بينهما أن‮ ‬يستمرا وينشآ من الأصل نفسه؟‮. ‬إن ما‮ ‬ينتج هو خط مستمر دائم التغير،‮ ‬يندفع بندم عميق لا‮ ‬يهدأ لتقديم الحقيقة‮.‬
إنها الحقيقة في‮ ‬كل مجالات الوجود،‮ ‬التي‮ ‬أعلن‮ »‬أوتو برهام‮« ‬أنها الهدف المدوي‮ ‬للدراما الطبيعية،‮ ‬في‮ ‬المنفستو الذي‮ ‬قدمه في‮ ‬برلين عام‮ ‬1890‮. ‬إذ كانت النزعة الطبيعية عند‮ »‬برهام‮« ‬هي‮ ‬شعر الفن الذي‮ ‬وصل بطيرانه الخجول من الواقعي‮ ‬إلي‮ ‬اللا واقعي،‮ ‬وإلي‮ ‬مثالية تبددت في‮ ‬ظلام الماضي‮ ‬البعيد‮.‬
وقد شهدت بعض التحولات عودة تدريجية إلي‮ ‬المكونات الحيوية،‮ ‬وهي‮ ‬أدوات الممثل‮. ‬وكانت هذه محاولة بطولية لتأسيس الفرضية الديكارتية التي‮ ‬سوف‮ ‬يتم تعميمها بواسطة الذي‮ ‬انبعث من الكهف،‮ ‬وبشكل نهائي‮ ‬لعنة السعي‮ ‬إلي‮ ‬محاكاة الحقيقة‮. ‬فالنزعة البطولية للكوجيتو الديكارتي‮ ‬تكمن في‮ ‬الفهم المتمركز حول ذات الشخص الذي‮ ‬يكرس صيغة الوجود المدركة في‮ ‬ذاتها‮. ‬والشيء البغيض إلي‮ ‬النفس هو اختزال المسرح في‮ ‬استقلال الممثل،‮ ‬وهي‮ ‬تعرية افتراضية للشيء‮ ‬غير الضروري‮ ‬من أجل الوصول إلي‮ ‬المادة الخام،‮ ‬ينتج عنه الانهيار بسبب صدي‮ ‬النرجسية المدوية في‮ ‬الكهف‮.‬
فحقيقتنا هي‮ ‬الإيهام نفسه الذي‮ ‬تعرفه في‮ ‬المسرح‮. ‬وبهذا المعني‮ ‬فقط‮ ‬يمكننا أن نقول إن‮ »‬الحياة مسرحية‮ ‬Life is Theatrical‮«. ‬فلا توجد صور للعرض في‮ ‬الحياة،‮ ‬ولكن الحياة نفسها عرض مسرحي‮. ‬ويعلن‮ »‬أرتو‮« ‬أن المسرح‮ ‬يكشف الحقيقة والترهل والزيف،‮ ‬فهو‮ ‬يهز القصور الذاتي‮ ‬الخانق للمادة،‮ ‬ولذلك‮ ‬يترك القناع ليسقط‮. ‬ورغم ذلك،‮ ‬عندما‮ ‬يتم قبول القناع وكأنه حقيقة فلا داع لأن‮ ‬يسقط لكي‮ ‬يكشف بعض الحقيقة الخفية لأن إيهام المسرح هو حقيقته‮.‬
وبشكل متناقض،‮ ‬يسعي‮ ‬المسرح إلي‮ ‬التحرر من قناع الإيهام،‮ ‬وهو بذلك‮ ‬يسعي‮ ‬أساسًا إلي‮ ‬الحقيقة والواقع‮. ‬وبدعوي‮ ‬التخلص من زيف المسرح سعي‮ »‬تادويش كانتور‮« ‬إلي‮ ‬اللا تمثيل لكي‮ ‬يصبغ‮ ‬خشبة المسرح بقوة حياته،‮ ‬فقد اعتبر التمثيل‮ ‬غير مسئول عن الإيهام‮. ‬وقد خفف‮ »‬جروتوفسكي‮« ‬من ذلك من خلال مواجهته للأسطورة،‮ ‬فالقناع الحي‮ ‬يسقط ويتحطم،‮ ‬ولم‮ ‬يعد ضروريا لتحقيق ما‮ ‬يجري‮ ‬بالفعل‮. ‬وانطلاقا من سياق مختلف تماما‮ (‬وهو الأداء الطقسي‮ ‬عند قبائل‮ »‬اليوروبا‮« ‬في‮ ‬غرب أفريقيا‮) ‬مع أنه‮ ‬يتمسك بنفس‮ ‬غموض الإيهام والحقيقة‮.‬
تقرر‮ »‬مارجريت ديريول‮« ‬أن كل ما نراه ونشاهده بشكل آني‮ ‬من خلال أقنعة الحقيقة والإيهام هو إعادة توجيه الفروض العاملة‮.‬
والاعتراف بأننا في‮ ‬المسرح،‮ ‬فيجب علي‮ ‬المتلقي‮ ‬أن‮ ‬يعرف أنه في‮ ‬المسرح،‮ ‬وهي‮ ‬الخطوة الأولي‮ ‬والأقرب إلي‮ ‬كشف أسطورة الإيهام التي‮ ‬تلوح وكأنها نقوش فقيرة قليلة القيمة‮. ‬ويقول‮ »‬بريخت‮« ‬إن ما‮ ‬يجب أن‮ ‬يفعله مصممو الديكور هو أن‮ ‬يجعلوك تصدق أنك في‮ ‬مسرح‮. ‬أو بالأحري‮ ‬يجب عليهم أن‮ ‬يجعلوك تصدق أنك في‮ ‬مسرح عندما تكون في‮ ‬مكان حقيقي‮ ‬من أماكن الحياة الفعلية‮. ‬ويقرر‮ »‬تشيكوف‮« ‬أن خشبة المسرح تعكس جوهر الحياة،‮ ‬ولا داع لأن تقدم أشياء‮ ‬غير ضرورية‮. ‬إن منهج إزالة أي‮ ‬شيء‮ ‬غير طبيعي‮ ‬من خشبة المسرح‮ »‬بمعني‮ ‬آخر السينوغرافيا‮ ‬غير الطبيعية‮« ‬يحول خشبة المسرح من إيهام بالحقيقة إلي‮ ‬إشارة إلي‮ ‬الحقيقة‮.‬
وفضلا عن رؤية الحياة كحقيقة جامدة،‮ ‬يمكن قراءة صور المسرح من خلالها كما في‮ ‬توكيد‮ »‬إيسلين‮« ‬الحتمي‮ »‬إن كثيرًا من حياتنا مسرحي‮«‬،‮ ‬وتشير مذكرات‮ »‬زيمي‮ ‬موتوكيو‮« ‬إلي‮ ‬صدي‮ ‬قريب من هذا وهو‮ »‬أن الأداء من نفس نوع الحياة في‮ ‬بداهتها وزوالها واعتمادها علي‮ ‬التجربة‮«. ‬ويشير المخرج‮ »‬يامازاكي‮ ‬ماساكازو‮« ‬إلي‮ ‬أن‮ »‬زيمي‮« ‬حذر الممثل من الدخول إلي‮ ‬مشاعره واستخدام أساليبه الفنية لتأكيدها‮. ‬فهدوء الممثل وقيوده في‮ ‬مسرح‮ »‬النو‮« ‬الياباني‮ ‬يستحضر الموضوعية التي‮ ‬يتبناها‮ »‬بريخت‮«‬،‮ ‬إذ‮ ‬يقول في‮ ‬مذكراته‮ »‬بدلا من الإعلان بإثارة الحماس‮ ‬يجب علي‮ ‬الممثل أن‮ ‬يبذل جهده لكي‮ ‬يتزن ولا‮ ‬يكون حماسيا جدًا‮. ‬إذ‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون منفتح العقل،‮ ‬ولا‮ ‬يسعي‮ ‬إلي‮ ‬المشاعر لكي‮ ‬يعكسها‮.‬
وبينما‮ ‬يحض التخيل علي‮ ‬مشاركة فعالة من جانب المشاهدين،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحول الأداء إلي‮ ‬حدث أو لحظة حية،‮ ‬وهي‮ ‬أداة قيمة في‮ ‬هذا الغرض‮.‬
وعلي‮ ‬الرغم من أنها التفاتة مهمة،‮ ‬فإنها في‮ ‬واقع الأمر مأزق‮. ‬فالخيال جزء من عالم الحواس،‮ ‬ولأنه‮ ‬يملؤنا فإنه‮ ‬يبعدنا عن العالم اللامرئي‮. ‬وإذا كان الإمام الغزالي‮ ‬قد اعتبر‮ »‬التخيل‮« ‬شكلا دنيويًا،‮ ‬فإنه‮ ‬يدل علي‮ ‬عقدة نيتشه المعلنة،‮ ‬وثقل الموضوع‮. ‬فالتخيل الذي‮ ‬يخفي‮ ‬الأسرار‮ ‬يقف بينك وبين الضياء‮. ‬ثم‮ ‬يشرح الغزالي‮ ‬بعد ذلك كيف أنه بتطهير التخيل‮ ‬يصبح الطين زجاجًا ويمكنه الإشارة إلي‮ ‬الأنوار،‮ ‬أو بالأحري‮ ‬يحافظ علي‮ ‬النور من التلاشي‮ ‬في‮ ‬الرياح العاتية‮. ‬ثم‮ ‬يتحدث عن مواكبة الظاهري‮ ‬والباطني‮ ‬التي‮ ‬تُفسر مجازيا بأنها نزع الخفين اللذين‮ ‬يشيران إلي‮ ‬المرور من عالم إلي‮ ‬آخر‮. ‬ونزع الخفين هذا هو الإشارة الظاهرية للنبذ الباطني‮ ‬للعالمين‮. ‬فالتخيل‮ ‬يعمل كسلم للعالم اللامرئي‮ ‬الذي‮ ‬يسميه‮ »‬الغزالي‮« (‬السلطان‮)‬،‮ ‬وهو الذي‮ ‬يقول عنه‮ »‬فيتجنشتاين‮« »‬حيث لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يتكلم أحد،‮ ‬وحيث‮ ‬يجب أن‮ ‬يصمت‮. ‬والتخيل،‮ ‬كوسيلة وأداة للإشارة،‮ ‬يتطلب أن نستخدمه‮. ‬وقد جربت الدراما الطبيعية التمرد عندما جعلت التخيل فياضًا‮. ‬فمن خلال المتمرد المستعصي‮ ‬يمكن للتخيل أن‮ ‬يحرك الأداء ويصبح نقديا‮. ‬ولهذا ربما فضل‮ »‬بريخت‮« ‬نوعا ما تخيل المشاهدين علي‮ ‬التمثيل المؤثر للمؤدي‮.‬
‮ ‬تأليف‮: ‬سيليا مورجان
ترجمة‮: ‬أحمد عبد الفتاح

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٣

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here