اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

بينا باوش .. أبدعت في التانزتياتر وجذبت بريخت ورينهارت له

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

 
هزمت كل العوائق والعقبات..واجتازت حواجز لا ذنب لها فيها حيث فتحت عينيها على سقوط بلادها .. وانهيار تام لكل القامات الأدبية والفنية وهروب كبير للمبدعين الذي لم يثنها عن طريق الثقافة والفن من أجل المجتمع الذي وضعته نصب عينيها ورفضها للطريق الذي حاول أن يرسمه لها الآخرون حتى والديها..وصنعت لنفسها طريقا واصلت فيه إلى آخره حتى الرمق الأخير وتركت وصاياها مثلما تسلمت تعاليم ووصايا السابقين في تتابع خلاق.
في ليلة عاصفة من ليالي الصيف الممطرة بمدينة سوليجن شمال نهر الراين .. التابعة لمقاطعة أو محافظة دسيلدورف بالغرب الألماني .. وضعت انيتا أول بناتها وأخرهن وثالث وآخر طفل لها ولزوجها أوجست .. ورغم أمنية والدتها أن يهبهم الله ذكراً ثالثاً .. ولكن زوجها سعد كثيرا بابنته وجعل جميع وجبات مطعمهم في هذا اليوم مجانية .. بل وخصم نصف أجر الغرف التي كانوا يؤجرونها في خلفية هذا المطعم على الرغم من صعوبة الفترة التي كانت تمر بها أوروبا في ظل معارك النازي مع الدول الأوروبية المختلفة.
وازدادت الأمور تأزما وأخذ دخل مطعم أوجست يقل تدريجيا ولكنه تمسك بحلم أن يجعل من ابنته التي أصر على التحدي بها وأنها لا تقل عن الذكور .. سياسية مرموقة .. ولهذا حرص على تثقيفها سياسيا وتاريخيا من ناحية ..وتشجيعها على الاحتكاك بالناس والاهتمام والإحساس بهم .. إيمانا منه بأن الحكم الألماني السائد في وقتها تحت قيادة هتلر سيسقط لا محالة .. وأن المستقبل لمن يدرك مشاكل الناس وأوجاعهم .. ويعمل جاهدا على خدمتهم.
أما والدتها كانت تخشى على ابنتها من مواجهة الناس في ظل حالة الاستنفار وخاصة في سنوات عمرها الأولى .. حيث كان والدها يتجول بها في شوارع المدينة .. لتجلس مع هذا وذاك وهي لم تكمل الخامسة من عمرها .. وكانت وصية والدتها الدائمة أن تحرص جيدا وتنتبه حتى تدرك أصحاب النوايا الحسنة من السيئة وألا تجعل أي من قلبها وعقلها يستأثر بقرارها .. ولكن عليها أن تحاول الوقوف على مسافة واحدة منهما وأن تستعطفهما حتى يتعاونا معا من أجلها.
ودخلت عمتها وخالها من جانبهما محاولان صنع حلم لها ما بين طبيبة وفنانة تشكيلية .. وما بين جذب من هنا ومن هناك .. جمعت فلبينة ابنة أوجست أفضل الأشياء من كل ما قدمه لها الأب والأم والأقارب .. ولاسم فلبينة الذي أطلقه عليها والدها قصة أخرى .. حيث قامت السيدة القادمة من الفلبين والتي تسكن بجوار منزلهما منذ جاءت صبية مهاجرة من بلادها بتوليد زوجته .. ولصعوبة اسمها كان يناديها بفلبينة .. ولسعادته بالمجهود الذي بذلته لثماني ساعات من أجل ابنته أطلق عليها هذا الاسم.
لم يكن اسمها فقط هو ما أخذته من هذه السيدة .. ولكنها كانت تحبذ الجلوس إليها والسماع إلى الموسيقى الآسيوية والألمانية معها .. والتي اعتادت أن تشرح لها إحساس كل جزئية مما تسمع ومعناها .. كما أخذت عنها حب الرقص وتعلمت العديد من فوائده وما يمكن أن يؤديه من وظائف في حياة البشر .. حتى أصبح شيئاً مقدساً في حياتها .. فأصبحت صاحبة أذن حساسة وجسد لين مرن يتحرك تبعا لإحساسه.
بعد إصرار وإلحاح منها .. التحقت بمدرسة الفلكلور بمدينة إسين التي تبعد 125 كيلومتراً عن محل سكنها وتحملت مشقة الذهاب والعودة بحب شديد بعد أن رفض والدها إقامتها بعيدا عنهم .. وكانت وقتها في الرابعة عشر من عمرها .. وكان تمسكها بهذه المدرسة التي سألت عنها وعرفت أن بها رواداً فضلوا البقاء ببلادهم عن الهروب بعيدا ومازال يحبوهم الأمل في تغيير الأمور.
استفادت فلبينة كثيرا من الوقت الطويل الذي كانت تقضيه في مطعم والدها والغرف الفندقية الملازمة له .. وكانت فرصة لمراقبة الناس والاستماع لأحاديثهم والتعرف على مشاكلهم وكذا على أحلامهم وأمانيهم وكل ما يسعون لتحقيقه في المستقبل القريب والبعيد .. وكان صدى هذا لديها كبيرا .. فانتقل لها خلال فترات احتدام الحرب الإحساس بالخوف والذعر مما سبب لها بعض النوبات العصبية أثناء نومها.
وهناك بدأت رحلة التواصل .. والجيل الذي يكمل عمل من سبقه بل ويبدع فيه ..وكان لقاؤها الأول والأهم مع "كورت روس " راقص الباليه الشهير ومصمم الرقصات الذي تمسك ببلاده ولم يهرب منها .. والذي حرص على أن يعطيها بإخلاص..وأمام اهتمامها الشديد خصص لها وقتا لتدريبها على كل خطوة وحركة..وخلال علاقتها به..اقتربت من حلمه الذي تمثل في "التانزثياتر".
استصعب الأستاذ روس اسمها فاختصره إلى بينا وأصبحت " بينا باوش " (1940 – 2009 ) .. التي حضرت محاولاته الجادة للتوفيق بين الرقص الكلاسيكي وتقنيات الرقص الحر الحديث المتطورة والمتجددة باستمرار .. وأكثر ما يميز هذه المدرسة أنها تجمع بين تعليم مختلف أنواع الفنون من أوبرا وموسيقى ودراما ورسم ونحت وحتى التصوير الفوتوغرافي والتصميم وتأثير كل منهم على الآخر.
أما حلم روس " التانزثياتر " هو نوعية من الرقص التعبيري ظهرت في فيينا في عشرينيات القرن الماضي .. طورها روس بداية من عام 1927 لتصبح شكلاً من أشكال المسرح التعبيري من خلال الرقص .. فيمكن تجسيد الأحداث من خلال موسيقى وحركات راقصة وهو يختلف عن الباليه كونه حرا لا يخضع لقواعده الصارمة .. وشارك روس في سعيه مصممين آخرين مثل " رودلف فان لابان " الذي اهتمت بينا بسيرة حياته وبحثت فيها .. وكذلك " ماري ورجمان " التي تواصلت معها بينا في سنواتها الأخيرة.
نالت باوش منحة خاصة من مدرسة جوليارد نيويورك 1958 .. ولم تدرس بقدر ما كانت تقدم من أفكارها وخطواتها المبتكرة .. وبعد عامين عادت مجددا لألمانيا وكونت عدداً من مجموعات الرقص التعبيري .. بل وحولت مسرح " فوبرتال " الذي تولت قيادته إلى مسارح " التانزثياتر " .. وبداية من عام 1971 أخذت هذه النوعية تحوز على اهتمام الجماهير الألمانية .. وعام بعد عام أصبح نوعية رئيسية في خريطة المسرح الأوروبي لرائدته ورائدة المسرح الراقص " بينا باوش ".
ساهمت بما وصلت إليه باوش في اهتمامها بمشاكل المجتمع ونقل معاناته إلى الخشبة .. والتواصل عبر الموسيقى والرقص مع الجماهير بالإضافة إلى إجادتها في تصميم القطع الشطرنجية المتتابعة بطريقة سلسة عشقها الجمهور .. واستمر بحثها في ثلاثة اتجاهات مشاركة الناس، الموسيقات المختلفة عبر الكرة الأرضية، تصميم الرقصات التي يمكنها أن تتجانس مع الموسيقى وتؤثر في المتفرجين وتعبر عن أحاسيسهم ومشاعرهم.
دعتها الولايات المتحدة لإعادة هيكلة الرقص التعبيري لديهم لفترة .. ونجحت في إحداث ثورة مازال الأمريكان يسيرون من خلالها حتى الآن.. ويطورون من أدواتهم .. وخاصة تجاربها التي جعلت خلالها كلا الجنسين يلعبان أدواراً بخلاف جنسهم .. كما أضافت لمحات ضاحكة تزيد من عوامل الجذب ويزيد معها رسوخ التعبير المسرحي الراقص في أذهان المتفرجين.
قامت باوش في ألمانيا بعدة تجارب بعدما نجحت في جذب كتاب كبار أمثال "بريخت ورينهارت " لهذه النوعية .. فقدمت روائعهم بموسيقى راقصة تعبيرية .. ركزت تماما في هذا الجانب حتى كانت تجربتها الأهم والأشهر عندما قدمت " ماكبث " لشكسبير عام 1978 بمعاونة مسرح " كاديك " بمدينة بوخوم .. وسجلت عبارتها الشهيرة أسفل عنوانها " حلم كورت روس " إهداء لمعلمها وقدوتها والذي كان طريح الفراش يعاني من المرض وذلك قبل وفاته بأقل من عام.
سعى العديد من البلدان عبر فنانيها ومسارحها إلى تطوير أدواتها وتأسيس تانزثياتر لديها .. منها " ياديدو "، " باليرمو باليرمو " بإيطاليا، " النافذة " بهونج كونج، " فوجو " بلشبونة، " وينسلاند " بوادبست، " أجوا " بالبرازيل، " نفيس " باسطنبول، " تيشي " بطوكيو، " قطع الماس " بسيول، " الخيزران الأزرق " بالهند وآخرها " الجديد " بشيلي عام 2009.
في الجديد بشيلي دعت الجماهير لمشاركة الراقصين بشكل منتظم لإضافة بعد آخر إلى جانب الارتجال الراقص والذي زاد معه صعوبة ما يواجه المؤدين وحرفيتهم للتعبير بوضوح عن الأحاسيس والمشاعر ..وهو الغرض الأساسي من هذه العروض .. فالهدف قلبي قبل أن يكون عقلياً أو فكرياً باعتبار أن إحساس القلب سيؤدي حتما لإثارة الفكر وإعمال العقل.
ظلت بينا تقدم قطعها طوال سنوات بصفة متواصلة ومن أهمها " إنسان " عام 1986، " دوزين " 1995 وحتى آخر ما قدمت عام 2009 .. وقبل وفاتها بعدة أيام .. ويحمل اسم " حلم لا يموت " والذي أعيد تقديمه في أكثر من 40 دولة هذا العام احتفالا بذكرى الرائدة الألمانية " بينا باوش " الذي .. تجسدت حياتها وتجاربها لتكن نموذجاً للإصرار والكشف عن سر التركيبة الألمانية والنهوض القوي بعد كل سقوط خلال تاريخ الجيرمان الطويل.
جمال المراغي

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : 267

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here