اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

تعالي‮ ‬معي‮ ‬إلي‮ ‬الأوبرا الغجرية كارمن ترقص كجيتار‮ ‬يضطرب فية الحب‮

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

من نهر الدراما والتجريد‮ ‬يتشكل بالية كارمن صورا وإيقاعات وأنغاما وأضواء وظلالا بقعة من الضوء تتوسط أرضية خشبة مسرح دار الأوبرا المصرية‮... ‬موسيقي‮ ‬كارمن للفرنسي‮ ‬جورج بيزيه تشكل في‮ ‬فضاء المكان الديكور الصوتي‮ ‬والجو العاطفي‮ ‬الذي‮ ‬يمهد للمشهد والمنظر والتشكيل‮.. ‬بانتهاء اللحن القوي‮ ‬المرح في‮ ‬شيء من حزن،‮ ‬يسود الظلام خشبة المسرح لبضع لحظات،‮ ‬بعدها‮ ‬ينهمر الضوء علي‮ ‬مجموعة من الراقصات والراقصين‮ ‬يقومون بالتدريب علي‮ ‬الرقص‮... ‬ومثل آلات موسيقي‮ ‬الأوركسترا التي‮ ‬تضبط أنغامها علي‮ ‬نغمات السلم الموسيقي،‮ ‬يقوم التشكيل البشري‮ ‬المكون من أفراد وجماعات بضبط حركات الأذرع والسيقان وخطوط وانحناءات الجسد علي‮ ‬إيقاع دقات الأقدام‮.‬
الإسباني‮ ‬من اشبيليه أنطونيو‮... ‬يضرب بقدمه الأرض في‮ ‬إيقاع‮ ‬غاضب،‮ ‬راسمًا في‮ ‬فضاء المشهد جسدًا مشهرًا كالريح،‮ ‬وذراعين وساقين ووجهًا،‮ ‬في‮ ‬تعبير جميل عن موسيقي‮ ‬الجسد ونبض انفعاله‮... ‬والغجرية كارمن تتقدم بجسدها الفارع الطول،‮ ‬ترقص محركة أطراف ثوبها المزركش،‮ ‬وضاربة الأرض بقدميها،‮ ‬مصوبة سهام عينيها كغزال بري‮ ‬إلي‮ ‬قلوب الرجال الأشداء من حواليها‮.‬
كارمن الغجرية،‮ ‬ترقص كما لو أنها جيتار‮ ‬يضطرب فيه الحب فيبكي‮ ‬وينتحب‮: ‬آه‮ ‬يا حزن الغجري‮... ‬دائمًا أنت وحيد ونبيل ولا قلب هناك‮ ‬يجترئ علي‮ ‬أن‮ ‬يبادلك حبًا عنيفًا كالموج والريح،‮ ‬ورقيقًا كالنسيم وأوراق الورد‮... ‬آه‮ ‬يا حزن الغجري‮... ‬حزمة مشاعر ملتهبة أنت،‮ ‬وهم‮ ‬يسيرون في‮ ‬الأرض‮ ‬يقولون كلامًا كالكذب،‮ ‬وتحركهم عقول‮ ‬غير جميلة وعلاقات مشبوهة‮.‬
صوت جبلي‮ ‬خشن وجميل وعذب‮ ‬يغني‮ ‬أغنية حب،‮ ‬مصاحبًا جسد كارمن الراقص الممشوق كسيف‮... ‬وواحد من أفراد فرقة أنطونيو جادس للباليه علي‮ ‬خشبة مسرح الأوبرا‮ ‬يحتضن جيتاره،‮ ‬يوقع بأصابعه علي‮ ‬أوتاره،‮ ‬جراح عاشق‮ ‬يسكن الجبل ويحب جميلة من الغجر ليس لها عنوان‮.‬
كارمن،‮ ‬امرأة من الأندلس،‮ ‬مرحة كفراشة،‮ ‬صادقة ونقية علي‮ ‬فطرتها كنبات بري،‮ ‬حزينة كجواد جامح‮ ‬يلقي‮ ‬بنفسه في‮ ‬البحر الهائج ويبتلعه الموج‮... ‬كارمن،‮ ‬الموت فقط هو القادر علي‮ ‬تخليصها من الرغبة المحتدمة في‮ ‬الحب‮.‬
كم هو صعب وشاق‮ ‬يا أنطونيو،‮ ‬أن تحب امرأة مثل كارمن،‮ ‬مشتعلة الحب كبرق طليق‮ ‬يضيء ليل المسافات‮... ‬كم هو صعب وشاق‮ ‬يا أنطونيو،‮ ‬أن تحتفظ بحب امرأة مثل كارمن،‮ ‬مكتفية بذاتها‮ "‬تتلقي‮ ‬ألوان الحب ولا تعطيه،‮ ‬لا تثني‮ ‬ركبتها النورانية في‮ ‬استجداء في‮ ‬حق رجل من طين،‮ ‬أيًا ما كان،‮ ‬وغدًا،‮ ‬شهمًا،‮ ‬عملاقًا،‮ ‬أو أفاقًا‮"‬(1).‮ ‬
كم هو شاق وصعب‮ ‬يا أنطونيو،‮ ‬أن تحب امرأة مثل كارمن هي‮ ‬روح إسبانيا التي‮ ‬تنادي‮ ‬عليها محذرة‮: "‬ليكن كل الفرسان الشجعان ممن‮ ‬يحلو مرآهم في‮ ‬عينيك،‮ ‬لك خدامًا لا عشاقًا،‮ ‬أو عشاقًا لا معشوقين‮"‬(2).
هل الموت هو عقاب كارمن،‮ ‬لأنها لم تستمع إلي‮ ‬ما تقوله لها أشجار إسبانيا،‮ ‬واشتعلت فيها الرغبة في‮ ‬حب مصارع الثيران،‮ ‬وأصبح لها معشوقًا لا عاشقًا؟‮... ‬وهل هي‮ ‬كارمن أخري‮ ‬من رحم الأرض سوف تجيء،‮ ‬لتملأ الوادي‮ ‬والجبل والسهل رقصًا،‮ ‬ولتشعل الرغبة في‮ ‬أجساد الإسبان،‮ ‬فيضربون بأقدامهم الأرض،‮ ‬في‮ ‬مواسم الحصاد والرقص والغناء والموسيقي؟
من نهر الدراما والتجريد تتتابع الرقصات التي‮ ‬يتشكل منها باليه كارمن صورًا ومشاهد ومرئيات وإيقاعات وأنغامًا وأضواء وظلالاً‮... ‬الباليه لا‮ ‬يقص علينا حكاية الغجرية كارمن‮ "‬ستيلا اراوثو‮" ‬وخوسيه‮ "‬أنطونيو جادس‮" ‬والزوج‮ "‬كاندي‮ ‬رومان‮" ‬ومصارع الثيران‮ "‬خوان ألبا‮"‬،‮ ‬وإنما تكشف لنا الرقصات التي‮ ‬صممها‮ "‬كارلوس ساورا‮" ‬عن المعني‮ ‬الدال الذي‮ ‬يختفي‮ ‬وراء الحركة والإيماءة والشكل‮.. ‬كما تظهر لنا الرقصات،‮ ‬الحركة المعانقة للتشكيل،‮ ‬والمنظر العام للمشهد،‮ ‬الذي‮ ‬يعبر عن روح الدراما،‮ ‬بعد أن‮ ‬ينتشلها التجريد من نثر التفاصيل ويرتفع بها إلي‮ ‬سامق الشعر‮.‬
إيقاع عنيف وغاضب،‮ ‬ولحن‮ ‬غنائي‮ ‬متدفق،‮ ‬وتشكيل راقص جميل،‮ ‬وتكوينات بالظل والضوء‮... ‬من هذه المفردات والعناصر تتألف رؤية مصمم الرقصات كارلوس ساورا والراقص الأول في‮ ‬إسبانيا انطونيو جادس،‮ ‬التي‮ ‬تشكلت في‮ ‬صورة باليه متفرد،‮ ‬ذي‮ ‬طابع خاص ومذاق مختلف عن أي‮ ‬باليه آخر‮ ‬يحمل اسم كارمن،‮ ‬ويعتمد علي‮ ‬موسيقي‮ ‬الفرنسي‮ ‬جورج بيزيه‮.‬
المشهد الراقص أمامنا علي‮ ‬مسرح دار الأوبرا المصرية،‮ ‬يستمد خطوطه وألوانه ونوره وظله،‮ ‬من إيقاعات الفلامنكو،‮ ‬ونغمات الجيتار،‮ ‬واضطراب أطراف ثياب الراقصات الإسبانيات في‮ ‬أيديهن‮... ‬وعن طريق التآلف بين الإيقاع والحركة واللحن والخطوط والألوان،‮ ‬تتبدي‮ ‬للمشاهد،‮ ‬متتابعة من الألحان والإيقاعات،‮ ‬ذات تشكيل جميل‮ ‬يقترب من نسق القصيدة الشعرية‮.‬
‮  ‬(1)‮ .‬ (2)  الشاعر صلاح عبد الصبور

 

أحمد هريدي

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٦١

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here