اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

المسرح والظاهراتية

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

عندما بدأت في‮ ‬بحث التجارب الزمانية المكانية والتجارب الجسدية التي‮ ‬يمر خلالها الممثلون أثناء التدريب والإبداع،‮ ‬كنت أبحث عن المنهج النظري‮ ‬الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يجنبني‮ ‬استخدام النماذج والمصطلحات الديكارتية‮. ‬كما أنني‮ ‬كنت في‮ ‬حاجة ماسة إلي‮ ‬طريقة أتأمل بها وضع الجسم وانتمائه إلي‮ ‬زمان ومكان،‮ ‬مع احتفاظه في‮ ‬الوقت نفسه بذاتيته وطاقته‮.‬
والظاهراتية بمختلف منطلقاتها هي‮ ‬المنهج الملائم لفهم مختلف أشكال هذه التجربة‮. ‬وسوف أركز هنا علي‮ ‬مقولات بعض الظاهراتيين الذين تتلاءم نظرياتهم مع بحثي‮ ‬حول الطرق التي‮ ‬استُخدمت بها الظاهراتية في‮ ‬مجالات المسرح ودراسات الأداء المسرحي‮.‬
البحث الظاهراتي‮ ‬مثل أغلب بحوث المسرح‮ ‬يركز علي‮ ‬الأعمال المسرحية نفسها سواء أكانت مطبوعة‮  ‬في‮ ‬كتاب أو معروضة علي‮ ‬خشبة المسرح‮. ‬ومكانة الباحث في‮ ‬هذه الحالة هي‮ ‬مكانة القارئ أو المتلقي،‮ ‬ويتضح هذا الرأي‮ ‬في‮ ‬كتابات كل من‮ »‬بروس ويلشر‮« ‬و»روبرت أوستاتس‮« ‬و»ستانتون جارنر‮« ‬و»أليس رالينر‮« ‬الذين‮ ‬يستخدمون الظاهراتية في‮ ‬اكتشاف المسرح من هذا المنطلق‮.‬
ورغم اختلافي‮ ‬مع الأهداف التي‮ ‬وصلت إليها بحوثهم،‮ ‬فإن اهتمامي‮ ‬الرئيسي‮ ‬يكمن في‮ ‬خبرة الممارس للمسرح في‮ ‬إطار عمليات التدريب وإبداع المسرحيات،‮ ‬فضلا عن الأداء نفسه‮. ‬ولذلك فإنني‮ ‬أجد أن تناولهم مفيد في‮ ‬اكتشاف طريقة للتحدث عن التجربة الفكرية والتجسيد‮. ‬علاوة علي‮ ‬أن التدريبات والعروض تضاهي‮ ‬أو تحاول أن تبتكر‮ ‬غالبًا ظروفا مماثلة لتلك العروض المسرحية‮: ‬في‮ ‬أفعال المشاهدة،‮ ‬وما‮ ‬يُشاهد،‮ ‬وفي‮ ‬محاولة محاكاة العرض النهائي‮. ‬وهدفي‮ ‬هنا هو إيجاد المواضع التي‮ ‬يُقدم فيها العرض علي‮ ‬خشبة المسرح في‮ ‬مواقف‮ ‬يمكن أن تكون مماثلة لما‮ ‬يحدث في‮ ‬التدريب والإبداع‮. ‬وعندئذ أنقل رؤي‮ ‬هؤلاء المنظرين في‮ ‬سياق بحثي‮.‬
ويمكن تأمل الفاصل الذي‮ ‬أضعه بين مشاهدة المسرحية وعمليات التدريب والإبداع أثناء ملاحظتي‮ ‬لمختلف المناقشات،‮ ‬ويتضمن هذا الانقسام‮: ‬المسرحية المكتوبة أو المعروضة علي‮ ‬خشبة المسرح باعتبارها‮ »‬منتج تام الصنع‮« ‬والذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتغير‮ »‬ويكون حيًا كذلك‮« ‬في‮ ‬وعي‮ ‬ومفهوم المشاهد،‮ ‬ومن الناحية الأخري‮ ‬عمليات التدريب والإبداع التي‮ ‬تُري‮ ‬باعتبارها مواضع لاكتشاف أفاق المعاني‮ ‬غير المحدودة‮. ‬وقد تم الحفاظ علي‮ ‬هذا الانقسام في‮ ‬كتابات‮ »‬ويلشر‮«‬،‮ ‬لأنه‮ ‬يشير في‮ ‬أغلب الأحوال إلي‮ ‬المسرحيات ومحتوياتها‮ (‬الشخصية والقصة والأدوات‮.. ‬إلخ‮) ‬باعتبارها صورا مستقرة وراسخة ومحسوسة في‮ ‬المسرح باعتباره عملاً‮ ‬فنيا‮. ‬ويبدو أن الأداء كمثال،‮ ‬يحدث من أجل المشاهدين،‮ ‬وفي‮ ‬داخل فهمهم فقط‮. ‬إن‮ »‬ويلشر‮« ‬أولا وأخيرًا فيلسوف،‮ ‬واهتمامه بالطريقة التي‮ ‬تُفهم وتُمارس بها المسرحيات من خلال المشاهدين تعكس مكانته الخاصة باعتباره لا‮ ‬ينتمي‮ ‬للمسرح‮.‬
ومع ذلك،‮ ‬فإنني‮ ‬أجد مقولة‮ »‬ويلشر‮« »‬إن المسرح لا‮ ‬يشبه الحياة فقط،‮ ‬بل إن الحياة كالمسرح أيضًا‮« ‬هو كلام مفيد‮.‬
لأن‮ »‬ويلشر‮« ‬لا‮ ‬يشير إلي‮ ‬الأسلوب المحاكاتي‮ ‬للعرض كما نراه في‮ ‬المسرح الطبيعي‮ ‬مثلا،‮ ‬بل إن نظريته تتناول،‮ ‬بالأحري،‮ ‬تجربة‮ »‬المسرح‮ - ‬المشاهد‮ - ‬ما‮ ‬يُشاهد‮« ‬كجزء حيوي‮ ‬ومؤسس لوجودنا كبشر‮.‬
ولذلك‮ ‬يشكل المسرح شروط الاكتشاف والممارسة باستخدام العناصر الوجودية في‮ ‬حياة الإنسان‮.‬
وبتطبيق هذا الكلام علي‮ ‬أماكن التدريب والعرض‮ ‬يعني‮ ‬أن بحوث التدريب وعمليات العرض‮ ‬يمكن أن توضح صور خبرة وجودنا في‮ ‬العالم فيما وراء القيمة الفنية والمسرحية الفورية‮. ‬ويتضح هذا الأمر في‮ ‬مناقشة‮ »‬ويلشر‮« ‬لأسئلة‮ »‬الهوية‮« ‬و»الذات‮«‬،‮ ‬فهو‮ ‬يري‮ ‬أن المسرح كمجال للبحث الظاهراتي‮ ‬المتخصص‮ ‬يلعب دورًا في‮ ‬عودة الذات من‮ »‬المفهوم مسبقًا‮« ‬إلي‮ ‬ذاتها وهويتها‮. ‬وكذلك،‮ ‬لأن الهوية تتجسد،‮ ‬في‮ ‬أغلب الأحوال،‮ ‬عبر ملاحظة الكيفية التي‮ ‬يبني‮ ‬بها المسرح هوية الشخصية علي‮ ‬خشبة المسرح،‮ ‬فيمكننا أن نتعلم كذلك بناء الهوية في‮ ‬الحياة‮.‬
ويري‮ »‬روبرت أوستاتس‮« ‬في‮ ‬كتابه الضخم،‮ ‬الذي‮ ‬يحمل عنوان‮ »‬اعتماد كبير علي‮ ‬مساحات صغيرة‮: ‬حول ظاهريات المسرح‮«‬،‮ ‬أن الأشياء علي‮ ‬خشبة المسرح تكون أقرب إلي‮ ‬كونها مدلولات،‮ ‬فضلا عن أنها دوال،‮ ‬وأن الصورة والشيء والمظهر والإدعاء ووسيلة نقل العلامة والمضمون‮ ‬يتحاورون بشكل‮  ‬مذهل‮. ‬وهذا البرهان مرهون بمحاولته الجمع بين السيميوطيقا والظاهراتية،‮ ‬ومع ذلك فإن هذا المنهج‮ ‬يمكن أن‮ ‬يوضح مختلف الأساليب كرؤية وإبداع للمعاني‮ ‬الممنوحة لأساليب معينة ذات أفضلية‮. ‬ولذلك‮ ‬يرتبط منهجه بالمسرح التقليدي‮ ‬المرتكز علي‮ ‬النص‮.‬
ويؤكد‮ »‬أوستاتس‮« ‬في‮ ‬الفصلين الأخيرين من الكتاب علي‮ ‬مركزية الممثل بالنسبة للنص والمشاهدين‮. ‬ثم‮ ‬ينتقل إلي‮ ‬البحث عن العلاقة بين الممثل والشخصية من أجل فهم أعمق للممثل وذاته عندما‮ ‬يؤدي‮ ‬دوره‮. ‬وبينما‮ ‬يُري‮ ‬الممثل علي‮ ‬أنه‮ ‬يختفي‮ ‬داخل الشخصية،‮ ‬نلاحظ في‮ ‬الوقت نفسه أنه هو نفسه تجسيد لهذه الشخصية‮. ‬
ولذلك‮ ‬يمكن أن نري‮ ‬الشخصية هي‮ ‬الممثل،‮ ‬علاوة علي‮ ‬أن النص الذي‮ ‬يُعد تكرارا من جانب الممثل،‮ ‬يُتوقع أن‮ ‬يكون هو نفسه ملكا للممثل،‮ ‬إلي‮ ‬الحد الذي‮ ‬يجعله حيا فيفصح عن معان جديدة لم تكن موجودة في‮ ‬النص الأصلي‮ ‬المكتوب،‮ ‬وهذه البراهين المركبة تكتسب قيمتها عندما نتأمل الأساليب ذات الأساس البدني‮ ‬التي‮ ‬تركز علي‮ ‬الممثل المبدع‮. ‬فمثلا تصبح العلاقة بين الممثل والنص في‮ ‬هذه الأساليب أكثر من مجرد تفسير وملكية للنص،‮ ‬إنها تسمو إلي‮ ‬مستوي‮ ‬أعمق مما أشار إليه‮ »‬ستاتس‮«.‬
وقد تبني‮ »‬ستانتون جارنر‮« ‬منهجا مماثلا لمنهج‮ »‬ستاتس‮«‬،‮ ‬إذ‮ ‬يقترح إقامة حوار بين البحث الظاهراتي‮ ‬والسيميوطيقا،‮ ‬علاوة علي‮ ‬نظريات ما بعد البنيوية والتفكيك‮. ‬ويركز،‮ ‬مثلما فعل‮ »‬ستاتس‮« ‬علي‮ ‬التحليل الظاهراتي‮ ‬للمسرحيات وتجربة وخبرة المشاهدين‮. ‬ورغم ذلك فإنه‮ ‬يري‮ ‬أن تمثيلات المسرح تسود في‮ ‬كل تجارب كوننا في‮ ‬المسرح‮.‬
فالإظلام التام مثلاً‮ ‬نادرا ما‮ ‬يحدث في‮ ‬المسرح،‮ ‬ولكن‮ ‬يمكن ممارسته أو حتي‮ ‬ابتكاره في‮ ‬النص المنطوق‮.‬
إذ‮ ‬يقول‮ »‬يهب المجال المسرحي‮ ‬نفسه في‮ ‬إطار تذبذب لا‮ ‬يمكن اختزاله بين المستويات المفاهيمية،‮ ‬وعلي‮ ‬الرغم من أن رؤية التلقي‮ ‬منقسمة،‮ ‬فإن الصيغة المسرحية لهذا الحضور والتكريس تكون موجهة في‮ ‬إطار الفعلية التجريبية التي‮ ‬تقتحم الحدود بين‮ »‬الفعلي‮ ‬والتمثيلي‮«.‬
وبينما‮ ‬يستمر‮ »‬جارنر‮« ‬في‮ ‬تأمل التجربة،‮ ‬كما‮ ‬يتم تلقيها بشكل منفرد من جانب المشاهدين،‮ ‬والقول إنها مبتكرة علي‮ ‬خشبة المسرح،‮ ‬فإنني‮ ‬أقترح أن نستخدم آرائه المهمة عند النظر إلي‮ ‬خبرة الممثلين في‮ ‬العرض والتدريبات والابتكار‮.‬
يشير‮ »‬جارنر‮« ‬غالبا إلي‮ ‬جسم الممثل كما‮ ‬يُمارس من الخارج،‮ ‬كرائي‮ ‬للجسم،‮ ‬أو باعتباره وسيلة نقل مدلولات وتجسيدات النص‮. ‬ورغم ذلك تقوده أفكاره إلي‮ ‬قلب نظريته رأسا علي‮ ‬عقب،‮ ‬فيغامر بالدخول إلي‮ ‬تجربة الممثل،‮ ‬ويقول‮ »‬نظرا لأن الجسم معاش،‮ ‬فإن جسم الممثل علي‮ ‬خشبة المسرح‮ ‬يجسد ثنائية‮ »‬الحقيقة‮/ ‬الوهم‮« ‬و»العلامة‮/ ‬المدلول‮«‬،‮ ‬ويهدد بكسر هذه الثنائية ويعيدها إلي‮ ‬واقعها الحقيقي‮. ‬فجسم المتلقي‮ ‬في‮ ‬توجهه ووضعيته الخاصة‮ ‬غير مرئي‮ ‬في‮ ‬نظر الممثل باعتباره شخصية في‮ ‬عالم خشبة المسرح،‮ ‬مع أنه مرئي‮ ‬في‮ ‬نظر الممثل الواقف علي‮ ‬خشبة المسرح فعلا‮. ‬إن قدرة الممثل علي‮ ‬رؤية المشاهد تجعل تجربة المسرح مختلفة عن التجارب في‮ ‬سائر الفنون الأخري‮ »‬وأبرزها السينما‮«.‬
وتوضح تقلبات الحضور والغياب هذه أن التجسيد عرضة للتهيئة والتحول،‮ ‬وتعدد وتفاوت صيغ‮ ‬الكشف والإفشاء،‮ ‬وأن أشكال الغموض التي‮ ‬تميز المجال الظاهراتي‮ ‬تمثل التجربة في‮ ‬تدفقها وتذبذبها داخل وفيما بين صيغ‮ ‬التوجه المفاهيمي‮.‬
وبينما‮ ‬يكتشف تحليل‮ »‬جارنر‮« ‬الصور المرئية في‮ ‬المسرح،‮ ‬تركز‮ »‬أليس راينر‮« ‬علي‮ ‬الظاهراتية كنسق‮ ‬يهتم،‮ ‬مثل المسرح،‮ ‬بالأشباح الخفية المسكوت عنها في‮ ‬واقعنا‮. ‬وبمناقشة هذه الأشباح الخفية توضح‮ »‬راينر‮« ‬صورة تجربة المسرح المسكوت عنه‮. ‬فهي‮ ‬تري‮ ‬أن عناصر المسرح‮ (‬الزمن والذاكرة والأدوات والكراسي‮ ‬والستائر‮) ‬تتطابق دائما مع بعضها داخل خبرات متعددة‮. ‬ولأن نقاشها‮ ‬ينتقل من أكثر العناصر انتشارا‮ (‬الزمن والذاكرة‮) ‬إلي‮ ‬أكثرها خصوصية‮ »‬الأدوات والكراسي‮ ‬والستائر‮« ‬فإنها تركز علي‮ ‬الملموس والخاص والمرئي،‮ ‬وبينما‮ ‬يتقدم وصفها في‮ ‬هذا الاتجاه،‮ ‬نراها ترجع‮ »‬فتضع‮« ‬كل البراهين السابقة‮. ‬وبذلك تخلق نمطًا تكراريًا‮ ‬يخدم أغلب براهينها‮. ‬وباستخدام الظاهراتية مع التحليل النفسي‮ ‬المنسوب إلي‮ »‬جاك لاكان‮« ‬تقول‮ »‬راينر‮« ‬إن تجربة المسرح الموجودة في‮ ‬حضور الأداء تخرج من فجوة أو تأخير النبر‮ (‬الترخيم‮) ‬بين الإدارك والوعي‮.‬
وتكرار هذا الترخيم البنيوي‮ ‬يساعد علي‮ ‬وجود بين الشخصي‮ ‬وذاكرة الحاضر،‮ ‬بأداء هذا الترخيم التكراري،‮ ‬تتجنب‮ »‬راينر‮« ‬مخاطرة تحول الكتابة إلي‮ ‬شيء مائع متعدد الوجوه داخل التمثيل والدلالة،‮ ‬ولذلك تثبته داخل معايير محددة‮. ‬وبذلك تؤكد الحاجة إلي‮ ‬أساليب تجديد في‮ ‬الكتابة،‮ ‬وخصوصا عندما تحاول اكتشاف التجربة باعتبارها عملية خلال الزمن‮.‬
وهذا النوع من المعرفة الشبحية،‮ ‬ليس موضوعًا رئيسا للخطاب،‮ ‬بمعني‮ ‬أنه لا‮ ‬يمكن شرحه وصياغته في‮ ‬كلمات،‮ ‬لأنه معرفة تجسيدية تجريبية‮. ‬ومثل هذه المعرفة،‮ ‬لا تتعلق بالتدوين،‮ ‬بل هي‮ ‬مسألة محاكاة وأداء‮ ‬يجسد الخصوصية المادية ويسد الفجوة التي‮ ‬تنشأ من التكرار والمحاكاة‮.‬
أوفر رافيد‮: ‬فنان وباحث مسرحي‮ ‬أمريكي‮:  ‬

 

تأليف‮: ‬أوفر رافيد
ترجمة‮: ‬أحمد عبد الفتاح

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٨

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here