اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

‬الدور المفتوح بعض الملاحظات حول فن التمثيل المعاصر

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

يكشف تنوع مناهج التمثيل ووسائل التعبير المميزة للمسرح المعاصر التغير الدينامي‮ ‬في‮ ‬الأساليب التقليدية لفن التمثيل،‮ ‬وظهور أشكاله الجديدة‮. ‬وتشجعنا التحولات القوية السريعة فيه لكي‮ ‬نتأمل ممارساته بشكل أكثر اهتماما،‮ ‬حتي‮ ‬نستطيع أن نتأمل المفهوم التقليدي‮ ‬للتمثيل والمفهوم الاصطلاحي‮ ‬للدور‮.‬
إننا عموما نفهم التمثيل‮ ‬Acting باعتباره تمثيلاً‮ ‬لشيء آخر،‮ ‬مثل تصوير الشخصية الدرامية أو الشخص الحقيقي‮ ‬أثناء أداء دور الأشياء المسرحية المتحركة وغير المتحركة‮. ‬ويقر أبسط التعريفات وأكثرها شيوعًا لفن التمثيل بأنه عملية خلق صورة لشخصية خيالية‮.‬
والتمثيل هو عمل الممثل الذي‮ ‬يحكي‮ ‬قصة عن طريق تصوير شخصية مكتوبة في‮ ‬مسرحية‮. ‬ولذلك فإن مصطلح‮ "‬الدور‮ ‬Role" في‮ ‬فنون الأداء‮ ‬يعني‮ ‬عادة تفسير الممثل للشخصية الدرامية،‮ ‬كما أنه‮ ‬يوحي‮ ‬بأنه عندما‮ ‬يدعي‮ ‬الممثلون الأدوار في‮ ‬الدراما فإنهم‮ ‬يمثلون وكأنهم أشخاص آخرون‮. ‬ورغم ذلك،‮ ‬تؤثر الممارسة المسرحية المعاصرة في‮ ‬إعادة تقويم هذا الفهم للتمثيل وللدور لأن هناك العديد من العروض التي‮ ‬لا‮ ‬يمثل فيها الممثل دورًا آخر،‮ ‬بل‮ ‬يبتكر بدلا من ذلك السجل المجرد للدور،‮ ‬أو‮ ‬يؤدي‮ ‬دون التظاهر بأنه شخص آخر‮. ‬علاوة علي‮ ‬ذلك،‮ ‬تبدو أدوار معينة أنها‮ ‬غامضة وملتبسة،‮ ‬فمثلا عندما لا‮ ‬يجسد الممثل الشخصية فقط،‮ ‬بل‮ ‬يؤدي‮ ‬أفعالا مختلفة لا ترتبط بها أو لا ترتبط بالبنية السردية للعرض‮. ‬وأمثلة التمثيل هذه تدعو المشاهدين لتفسير عمل الممثل بحرية،‮ ‬ولذلك وفقا لرؤية‮ "‬أمبرتو إيكو‮" ‬فإن هذه الأعمال‮ ‬يمكن أن تُفهم علي‮ ‬أنها‮ "‬الأعمال المفتوحة‮ ‬Open worksِ‮ ‬التي‮ ‬تلح بقوة علي‮ ‬التلقي‮ ‬الإبداعي‮ ‬وتفسير المتلقي‮ ‬الفرد‮.‬
وفي‮ ‬أغلب الأحوال،‮ ‬يميز نقاد المسرح‮ ‬– عندما‮ ‬يحللون هذه الأمثلة المركبة مفتوحة النهاية والغامضة في‮ ‬الممارسة المسرحية‮ ‬– هذا الدور‮ (‬أداء تمثيلي‮ ‬أو نص درامي‮) ‬علي‮ ‬أنه عمل مفتوح‮. ‬ورغم ذلك لا‮ ‬يمكن استخدام هذا المفهوم كتمييز أوسع‮ ‬يصف الجماليات الخاصة للدور‮. ‬ولذلك أري‮ ‬أن مفهوم‮ "‬العمل المفتوح‮" ‬ربما‮ ‬يؤثر بشكل خاص في‮ ‬شرح أمثلة معينة في‮ ‬فن التمثيل المعاصر‮.‬
واقترح أن أشرح الملامح الأساسية للدور المفتوح في‮ ‬هذه المقالة‮. ‬فالمهوم الجديد للدور‮ ‬يقوم علي‮ ‬نظرية‮ "‬العمل المفتوح‮" ‬التي‮ ‬قال بها المفكر والناقد الإيطالي‮ "‬أمبرتو إيكو‮"‬،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬مفهوم‮ "‬العمل كنص‮ ‬Workas textِ‮ ‬التي‮ ‬قال بها الناقد الفرنسي‮ "‬رولاند بارث‮".‬
وباتباع‮ "‬أمبرتو إيكو‮"‬،‮ ‬من المهم أن نحدد أن انفتاح أعمال فنية بعينها لابد أن‮ ‬ينظر إليه علي‮ ‬أنه نظام مقصود ومقترح من جانب المؤلف‮. ‬ولذلك فإن مفهوم الدور المفتوح‮ ‬يمكن أن‮ ‬يطبق علي‮ ‬أمثلة التمثيل هذه فقط والتي‮ ‬يكون فيها الانفتاح مقصودا ومختارا باعتباره استراتيجية فنية،‮ ‬أو طبقا لأمبرتو إيكو تلك الأدوار التي‮ ‬تلح علي‮ ‬التفسير الفعال من جانب الفرد الواعي‮ ‬الفاهم،‮ ‬والتي‮ ‬يؤتي‮ ‬بها إلي‮ ‬المتلقي‮ ‬بسبب نتيجتها في‮ ‬نفس الوقت لأنه‮ ‬يمارس في‮ ‬خطته الجمالية‮.‬
وبالإشارة إلي‮ ‬مفاهيم‮ "‬العمل المفتوح‮"‬،‮ ‬و"العمل كنص‮" ‬يمكننا أن نقرر أن الملامح الأساسية المميزة للدور المفتوح هي‮ ‬أنه لا‮ ‬يمتلك الشكل المتكامل المتماسك المغلق مثل الدور التقليدي‮. ‬فالدور التقليدي‮ ‬عموما هو منتج نهائي‮ ‬تام له بنية منطقية محددة،‮ ‬بينما الدور المفتوح هو عمل في‮ ‬حالة تفاعل له نهاية مفتوحة وبنية مضطربة ويسعي‮ ‬إلي‮ ‬التكامل من خلال المتلقي‮. ‬بمعني‮ ‬أن المتلقي‮ ‬يفهم الدور التقليدي‮ ‬علي‮ ‬أنه وحدة عضوية متكاملة‮ (‬مثل الشخصية المسرحية المادية‮)‬،‮ ‬في‮ ‬حين أنه‮ ‬يفهم الدور المفتوح علي‮ ‬أنه مجال احتمالات‮ (‬باستخدام مصطلح إيكو‮): ‬يتبلور الدور المفتوح ويتشكل أثناء فعل الفهم‮/ ‬التلقي‮ ‬ويدعو المشاهدين إلي‮ ‬ترتيب بنية عمل الممثل بشكل عقلاني‮. ‬وإذا كان الدور التقليدي‮ ‬موجه عادة لعقل المتلقي‮ ‬في‮ ‬اتجاه فهم معين للشخصية المسرحية،‮ ‬فإن الدور المفتوح‮ ‬يدعو المتلقي‮ ‬لتفسيره بشكل فردي،‮ ‬ويسمح بعدد أكبر من القراءات المحتملة‮.‬
وبالدخول في‮ ‬مجال الاحتمالات،‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكوَّن المتلقي‮ ‬رؤيته بحرية ويختار صيغ‮ ‬التناول ويبتكر علاقته بين دور الممثل وعناصر العرض الأخري‮. ‬ولذلك‮ ‬يقوم المتلقي‮ ‬بعده تفسيرات محتملة للدور‮. ‬وكما‮ ‬يقول‮ "‬رولاند بارث‮" ‬الدور المفتوح‮ ‬يُمارس فقط أثناء فعاليات الأداء‮.‬
ولما كان التماسك والعلية والكلية هي‮ ‬الملامح الأساسية للدور التقليدي،‮ ‬فإن الدور المفتوح‮ ‬يتميز بعدم الاتصال والتردد والتعدد والغموض‮. ‬
والممثل‮ ‬يؤدي‮ ‬بشكل تقليدي‮ ‬دور شخصية متعددة الأبعاد لها وظيفة محددة في‮ ‬البنية السردية للعرض‮. ‬
ولذلك‮ ‬يهتم الممثل كثيرا بالملائمة النفسية واستمرارية الدور الذي‮ ‬يؤديه ويحاول أن‮ ‬يكمل،‮ ‬علي‮ ‬نحو ضيق،‮ ‬مختلف أجزاء الدور لكي‮ ‬يبدع شخصية مسرحية جديرة بالاستحقاق‮. ‬ولكن الدور المفتوح‮ ‬يقدم عادة صورة الشخصية الدرامية التي‮ ‬يمكن أن توصف بأنها متشظية وغير مستقرة وغير محددة الملامح ولها سمات نفسية باهتة‮. ‬علاوة علي‮ ‬أن الممثل أثناء أداء الدور المفتوح‮ ‬يمكن أن‮ ‬يمثل شخصية تقع تحت تغيرات جذرية،‮ ‬أو‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتكامل مع عدة شخصيات في‮ ‬دور واحد،‮ ‬أو بالعكس‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يصور الشخصية التي‮ ‬يؤديها مختلف الممثلين في‮ ‬نفس الوقت‮. ‬ولهذا السبب‮ ‬يتوظف الدور المفتوح في‮ ‬الميزانسين‮ (‬نص العرض‮) ‬وليس باعتباره عنصرًا مستقلاً‮ ‬عن السرد،‮ ‬بل باعتباره مكوَّنًا متعدد الوظائف‮. ‬وخلال أجزاء معينة من الأداء،‮ ‬يستطيع الممثل أن‮ ‬يؤدي‮ ‬شخصية درامية معينة،‮ ‬لكنه‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يؤدي‮ ‬أثناء العرض حركات لا ترتبط بالشخصية التي‮ ‬يمثلها‮. ‬ولذلك فإن حركات الممثل وإيماءاته وصوته وشكل جسمة ليس لها وظيفة تمثيلية في‮ ‬السرد‮. ‬وكما‮ ‬يقول‮ "‬فيليب زاريلي‮": "‬ما‮ ‬يفعله الممثل أو المؤدي‮ ‬علي‮ ‬خشبة المسرح في‮ ‬بداية القرن الحادي‮ ‬والعشرين‮ ‬يتراوح بين الشخصية الواقعية علي‮ ‬نحو سيكولوجي‮ ‬والأداء المتتابع لعدة أدوار أو شخصيات،‮ ‬وصولا إلي‮ ‬تجسيد المهام،‮ ‬أو الدخول إلي‮ ‬الصورة دون أي‮ ‬إيحاءات من الشخصية الدرامية‮.‬
يميز هذا النوع من الأداء تناقضات ومفارقات دور الممثل،‮ ‬كما‮ ‬يميز التغيرات والتمزقات في‮ ‬سجلات الأدوار،‮ ‬ويسمح للممثل أن‮ ‬يكمل مختلف مناهج التمثيل ومختلف وسائل التعبير في‮ ‬دور واحد‮.‬
فالممثل‮ ‬يُسمح له ويُشجع أيضا،‮ ‬رغم ذلك،‮ ‬علي‮ ‬مزج أساليب التمثيل المتنوعة باعتبارها منهجًا سيكولوجيا في‮ ‬إبداع الشخصية ووسيلة‮ ‬غير تمثيلية‮ / ‬غير محاكاتية في‮ ‬التعبير،‮ ‬وعناصر مميزة في‮ ‬المسرح البدني‮ ‬والتمثيل المصنف علي‮ ‬مستوي‮ ‬رفيع أو حتي‮ ‬الأداء بطريقة‮ ‬غير تمثيلية‮. ‬فالدور المفتوح‮ ‬يغري‮ ‬الممثل أن‮ ‬يندمج‮ / ‬يتحد‮ / ‬يشارك في‮ ‬أجزاء الدور المختلفة هذه بشكل أسلوبي‮ ‬ويشجعه علي‮ ‬التفكير في‮ ‬المصداقية النفسية للشخصية التي‮ ‬يمثلها،‮ ‬بدلا من الوحدة لسجل الدور‮. ‬إن الدور المفتوح‮ ‬يدفع الممثل إلي‮ ‬تجاوز حدود التمثيل الدرامي‮ ‬المنطقي،‮ ‬ويستخدم ممارسات فنية مختلفة‮ (‬كالموسيقي‮ ‬والرقص والسيرك والبانتومايم والفنون البصرية والفنون العسكرية‮). ‬والعمل المفتوح،‮ ‬أو كما‮ ‬يشير‮ "‬بارث‮" ‬العمل كنص‮ ‬يحاول أن‮ ‬يضع نفسه وراء حدود الإعجاب،‮ ‬إنه متناقض وكلي،‮ ‬ويقدم احتمالات كثيرة لأدائه وفهمه وتفسيره‮.‬
ورغم ذلك،‮ ‬يمكننا من خلال تحليل الأمثلة المادية للتمثيل المعاصر أن نميز ملامح هذا الدور مثل عدم التحديد والنوع ووحدة الشكل والمضمون والعلاقات السياقية وعلاقات التناص مع عناصر الأداء الأخري‮.‬
وبالرجوع إلي‮ ‬مفاهيم العمل المفتوح والعمل كنص‮ ‬يمكننا أن ندعي‮ ‬أن الملامح الحاسمة للدور المفتوح هي‮ ‬غموضه‮. ‬فالدور التقليدي‮ (‬أو الأمثلة الأخري‮ ‬لما‮ ‬يسمي‮ ‬العمل المغلق‮) ‬يوحي‮ ‬نسبيا بمعني‮ ‬أحادي‮ ‬أو‮ ‬يتم تفسيره وفقا لما‮ ‬يتوجه إليه عقل المتلقي‮ ‬وفي‮ ‬الاتجاه الذي‮ ‬يحدده المؤلف‮. ‬وعلي‮ ‬العكس‮ ‬يقدم الدور المفتوح نفسه كعمل كلي‮ ‬مفتوح النهاية‮ ‬يحمي‮ ‬نفسه كما‮ ‬يشير‮ "‬بارث‮" ‬من الاستهلاك،‮ ‬ويطالب المتلقي،‮ ‬بمشاركة عملية،‮ ‬ويدعو المفسر لإبداع المعاني‮ ‬المتاحة فيه‮. ‬فالدور المفتوح متغاير الخواص متناقض ومثير للاستفزاز‮. ‬وفي‮ ‬النص المثالي‮ ‬تتعدد الشبكات وتتفاعل دون أن‮ ‬يستطيع أي‮ ‬منها محو الآخر فالنص كوكبة من الدلالات وليس بنية من المدلولات وله عدة مداخل،‮ ‬لا‮ ‬يمكن الادعاء بأن أيا منها هو المدخل الرئيسي‮.‬
ولذلك‮ ‬يؤثر الدور المفتوح في‮ ‬المتلقي‮ ‬لكي‮ ‬يعيد النظر في‮ ‬الفهم التقليدي‮ ‬للتمثيل وصيغ‮ ‬فن الممثل التقليدية،‮ ‬ويفتح المتلقي‮ ‬نفسه علي‮ ‬عملية التفسير،‮ ‬وتثير أمثلة العمل المفتوح نوعًا جديدًا من الاتصال المسرحي‮ ‬يدعو إلي‮ ‬ممارسة تفسيرية‮ (‬وليس عملية مراقبة‮/ ‬استهلاك خاملة‮) ‬فالمفسر لم‮ ‬يعد هو المتلقي‮ ‬فقط بل هو المشارك الإبداعي‮ ‬في‮ ‬الأداء،‮ ‬لأن الممثل ليس هو وحده الذي‮ ‬يقوم بعملية بناء الدور بل إن المتلقي‮ ‬يشاركه البناء أيضا‮. ‬بمعني‮ ‬أن الطبيعة المتكسرة واللامركزية المتغايرة الخواص للدور المفتوح تغري‮ ‬المتلقي‮ ‬أن‮ ‬يصبح مؤلفًا مشاركًا وفاعلا في‮ ‬الدور‮.. ‬وكما‮ ‬يشير‮ "‬بارث‮" "‬كلما كان النص كليا فقلما كان مكتوبا قبل أن أقرأه‮".‬
ولذلك عند تحليل التمثيل المعاصر،‮ ‬من المهم أن نلاحظ أن الدور‮ ‬يمكن أن‮  ‬يُبني‮ ‬بشكل واع علي‮ ‬أنه نص كلي‮ ‬ومفتوح وتعتمد قراءته علي‮ ‬علاقته بعناصر العرض الأخري‮ ‬والتفسير الفردي‮ ‬للمتلقي‮. ‬ولذلك‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون مفهوم الدور المفتوح مفيدًا لأنه‮ ‬يلهمنا تأمل التمثيل باعتباره الأداء متعدد الوجوه والوظائف الذي‮ ‬يمزج تفسير الشخصية الدرامية بإبداع السجل الخارجي‮ ‬للدور علاوة علي‮ ‬تنوع وتعدد التعبير البدني‮ ‬بطريقة لا تمثيلية‮.‬

 

تأليف‮: ‬روتا مازيكيني
ترجمة‮: ‬أحمد عبد الفتاح

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٥٧

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here