اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

في‮ ‬ذكري‮ ‬عبد الناصر وفتحي‮ ‬رضوان عندما ذهب الزعيم إلي‮ ‬المسرح القومي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

من أبرز المنجزات التي‮ ‬حدثت في‮ ‬عهد جمال عبد الناصر،‮ ‬وفي‮ ‬السنوات التي‮ ‬كانت شعلة الثورة ترتفع في‮ ‬كافة المجالات،‮ ‬كانت الثقافة من أولويات هذا العهد،‮ ‬وعندما تقلب في‮ ‬دفاتر هذه الأيام،‮ ‬ستجد صحافة ثقافية عالية وثرية،‮ ‬بعد أن تحسر الناس علي‮ ‬انغلاق مجلتي‮ ‬الرسالة لأحمد حسن الزيات،‮ ‬والثقافة لأحمد أمين،‮ ‬ولكننا سرعان ما لاحظنا أن مجلة الرسالة عادت تحت عنوان جديد،‮ ‬وهو‮: (‬الرسالة الجديدة‮) ‬وشهدت صحافة ثقافية من طراز جديد،‮ ‬وتحركت فيها أقلام هامة وجادة وكبيرة،‮ ‬فكان‮ ‬يكتب فيها توفيق الحكيم وطه حسين ومحمود تيمور وأحمد حسن الزيات،‮ ‬ومن الشباب‮ -  ‬آنذاك‮ - ‬محمود أمين العالم وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي‮ ‬حجازي،‮ ‬وغيرهم،‮ ‬وكان محمد مندور‮ ‬ينشر فيها بشكل دائم،‮ ‬ويكفي‮ ‬أن ثلاثية نجيب محفوظ‮ (‬بين القصرين‮) ‬نشرت فيها منجمة عام‮ ‬1954،‮ ‬وأيضا دارت علي‮ ‬صفحاتها معارك كثيرة وحاسمة،‮ ‬وكان رئيس تحريرها الكاتب‮ ‬يوسف السباعي‮ ‬طرفا دائماً‮ ‬في‮ ‬هذه المعارك،‮ ‬وكذلك كانت مجلة التحرير التي‮ ‬تدرب ونشأ فيها كتاب كثيرون مثل محمود السعدني‮ ‬ومحفوظ عبد الرحمن وصبري‮ ‬مرسي‮ ‬ويوسف إدريس ومصطفي‮ ‬محمود،‮ ‬ثم مجلة الشهر التي‮ ‬كان‮ ‬يرأس تحريرها الضابط سعد الدين وهبة،‮ ‬بعد أن صدرت تحت اسم‮ »‬البوليس‮«‬،‮ ‬وتحول العنوان إلي‮ »‬الشهر‮«‬،‮ ‬وأيضا كان كتابها من الشباب الجدد‮ - ‬آنذاك‮ - ‬منهم الكاتب الروائي‮ ‬محمد أبو المعاطي‮ ‬أبو النجا،‮ ‬وسليمان فياض،‮ ‬ورجاء النقاش،‮ ‬ومحفوظ عبد الرحمن،‮ ‬وكانت في‮ ‬هذه المجلة علي‮ ‬وجه الخصوص أبواب مناقشات وبريد القراء كتب فيها كثيرون،‮ ‬وتدربوا علي‮ ‬المعارك الثقافية،‮ ‬منهم الراحل خيري‮ ‬أحمد شلبي،‮ ‬والشاعر أمل دنقل،‮ ‬وغيرهم‮.‬
وإذا كان هذا عن الصحافة الرسمية،‮ ‬والتي‮ ‬كانت تتولاها الدولة بشكل مباشر،‮ ‬فهناك علي‮ ‬ضفافها نشأت صحافة مستقلة جريئة وقوية ووثابة،‮ ‬أشهرها مجلة‮ »‬الغد‮«‬،‮ ‬ومجلة‮ »‬الأدب‮«‬،‮ ‬ومجلة‮ »‬كتابات مصرية‮«‬،‮ ‬وغيرها،‮ ‬عدا دور النشر المستقلة،‮ ‬قبل أن تغدر بكل ذلك أياد بطاشة،‮ ‬وراحت هذه الأيادي‮ ‬تغلق وتضرب وتبطش،‮ ‬وأظن أن الثقافة في‮ ‬هذا العهد تحتاج إلي‮ ‬تأمل ودراسة متأنية‮.‬
ولن ننسي‮ ‬أحد بناة هذه الثقافة،‮ ‬والراعي‮ ‬الأول والمسئول عن إنجازات عديدة هو الكاتب والمناضل الكبير فتحي‮ ‬رضوان،‮ ‬والذي‮ ‬حلت ذكري‮ ‬ميلاده المئوية،‮ ‬هذا العام،‮ ‬ولم تتح الظروف أن‮ ‬يتم الاحتفال به بما‮ ‬يليق به وبإنجازاته المتعددة،‮ ‬من روايات وقصص ومسرحيات وكتب،‮ ‬وبصفته كان الوزير الذي‮ ‬أنجزت في‮ ‬عهده انجازات مرموقة،‮ ‬علي‮ ‬رأسها إنجازات تخص المسرح،‮ ‬وهو ذاته كان كاتباً‮ ‬مسرحيا،‮ ‬وفناناً‮ ‬كبيراً،‮ ‬وله صولات وجولات كبيرة،‮ ‬وواضحة في‮ ‬مجال المسرح،‮ ‬ولا نريد أن نتحدث عن مسرحه هنا،‮ ‬بقدر،‮ ‬ما نريد الإشارة إلي‮ ‬بعض المحاورات التي‮ ‬كانت تدور بينه وبين جمال عبد الناصر من الناحية،‮ ‬ومدي‮ ‬اهتمام جمال عبد الناصر بهذا الفن،‮ ‬الذي‮ ‬شمل في‮ ‬عهده صعود أسماء كبيرة وعديدة وهامة،‮ ‬مثل نعمان عاشور والفريد فرج ونجيب سرور وسعد الدين وهبة،‮ ‬ومحمود دياب وميخائيل رومان وغيرهم‮.‬
يحكي‮ ‬فتحي‮ ‬رضوان أن جمال عبد الناصر اتصل به مساء‮ ‬يوم،‮ ‬وكانت الساعة قبل الثانية،‮ ‬وداعبه،‮ ‬وقال له‮.. ‬نريد أن نذهب إلي‮ ‬الشيطان،‮ ‬وكان عبد الناصر‮ ‬يقصد أن‮ ‬يذهبوا معاً‮ ‬لمشاهدة مسرحية‮ »‬دموع إبليس‮« ‬المعروضة‮ - ‬آنذاك عام‮ ‬1956‮ - ‬وكانت آثارت جدلاً‮ ‬كبيراً‮ ‬بين النقاد،‮ ‬جدلاً‮ ‬فيه السلبي‮ ‬والإيجابي،‮ ‬ودارت معركة حول المدي‮ ‬الذي‮ ‬يتاح للمخرج أن‮ ‬يغير بضعة عناصر في‮ ‬النص الأصلي،‮ ‬وكان البعض‮ - ‬بالطبع‮ - ‬ينتصر لحرية المخرج في‮ ‬التغيير المطلق في‮ ‬الديكور وفي‮ ‬المشاهد،‮ ‬وربما ترتيبها،‮ ‬دون الاقتراب من الرؤية العامة للمؤلف،‮ ‬وكان هناك من‮ ‬يذهبون عكس ذلك،‮ ‬وإعلاء النص،‮ ‬دون الاقتراب منه،‮ ‬وما المخرج إلا المنفذ فقط،‮ ‬والمترجم بدقة وأمانة كل ما أتي‮ ‬به النص،‮ ‬ولم تدر هذه المناقشات حول التقنيات فقط،‮ ‬بل دارت حول مضمون المسرحية ذاته،‮ ‬والجدير بالذكر أن فتحي‮ ‬رضوان لم‮ ‬يكن من أنصار فكرة أن المؤلف لابد أن‮ ‬يكتب مقدمات لأعمال لشرحها،‮ ‬أو اعطاء تعليمات للمخرج،‮ ‬يقول في‮ ‬مقدمة سريعة كتبها لمسرحيته‮: (‬أخلاق للبيع‮)! ‬علي‮ ‬أن المؤلف المسرحي،‮ ‬يسيء إلي‮ ‬عمله،‮ ‬ويسيء إلي‮ ‬قراء هذا العمل،‮ ‬إن هو حد خيالهم بمقدمة‮ ‬يكتبها،‮ ‬ولابد لكي‮ ‬يعوض الناس عن هذه الخسارة،‮ ‬أن تكون مقدماته طرازاً‮ ‬عاليا من الأدب‮.‬
المهم أن جمال عبد الناصر فاجأ فتحي‮ ‬رضوان بطلبه هذا،‮ ‬وراح رضوان‮ ‬يعيد اتصاله بدار الأوبرا ليعلمهم بزيارة السيد الرئيس،‮ ‬واتصل بأحمد حمروش وقد كان مدير المسرح القومي‮ - ‬آنذاك‮ - ‬ووجده علي‮ ‬علم بهذه الزيارة المفاجئة،‮ ‬وكان رضوان‮ ‬يخشي‮ ‬أن‮ ‬يخذله جمهوره في‮ ‬هذا اليوم،‮ ‬ولكن الله قد ستر،‮ ‬ولم تكن المقاعد فارغة،‮ ‬ولم تكن بالطبع مكدسة‮.‬
وفي‮ ‬الميعاد ذهب عبد الناصر وبصحبته نائبه عبد الحكيم عامر،‮ ‬ويصف فتحي‮ ‬رضوان المشهد‮: (‬وكلاهما في‮ ‬أحسن حالاته المعنوية،‮ ‬يتبادلان التعليقات الضاحكة،‮ ‬وكما استقبلا بالتصفيق‮) ‬حيا الرئيس الجمهور الذي‮ ‬كان في‮ ‬المسرح بسرور،‮ ‬وعاد وهو‮ ‬يقول‮: »‬الناس عادة تقبل علي‮ ‬المسرحيات التي‮ ‬بها أسماء كبيرة‮«.. ‬وقد سأله بعد ذلك عن أسماء الأبطال،‮ ‬وكان تعليق عبد الناصر‮: (‬لا بأس بهم،‮ ‬ولكن ليس عدد الكبار منهم كافيا‮) ‬وكان رأي‮ ‬فتحي‮ ‬رضوان‮: (‬إن مهمة وزارة الثقافة أن تغير العادات الثقافية‮ ‬غير المحسنة ولو تعبنا بعد ذلك،‮ ‬ومن العادات السيئة أن‮ ‬يكون العمل الفني‮ ‬وقفا علي‮ ‬أسماء بعينها،‮ ‬فمهمة وزارة الثقافة أن تكشف للناس عن مواهب جديدة،‮ ‬وأن تقدم لهم أسماء لا‮ ‬يعرفونها ولم‮ ‬يسمعوا بها‮).. ‬ووافق عبد الناصر علي‮ ‬ذلك وعقب‮ (‬هذا صحيح‮.. ‬ولكن التغيير متعب‮).‬
وبدأت المسرحية،‮ ‬وكان عبد الناصر ونائبه‮ - ‬حسب رضوان‮ - ‬مندمجين مع العرض وأحداثه،‮ ‬ولم‮ ‬يتبادلا أدني‮ ‬الحديث،‮ ‬وهذا دليل قاطع علي‮ ‬احترام العرض،‮ ‬وبعد الفصل الثاني‮ ‬أستأذن مدير الأوبرا في‮ ‬أن‮ ‬يستقبل الرئيس الممثلين،‮ ‬فرحب بذلك،‮ ‬وصافحوه،‮ ‬وتبادل معهم الأحاديث،‮ ‬فلما جاء دور‮ (‬أحمد علام‮) ‬أطال سعة الحديث لما‮ ‬يكنه عبد الناصر لهذا الرجل من تقدير‮.‬
ودون الاستطراد في‮ ‬هذه الأحاديث،‮ ‬علق عبد الناصر علي‮ ‬المسرحية،‮ ‬وبدأ عبد الناصر بتعليقه حول النهاية،‮ ‬ووجه سؤاله إلي‮ ‬فتحي‮ ‬رضوان،‮ (‬لماذا انتهت المسرحية بوفاة البطل ونقل جثمانه،‮ ‬وهو منظر فوق كآبته،‮ ‬فإنه مرتبك ولا‮ ‬يبدو جميلاً،‮ ‬لقد كنت أفضل أن تختم المسرحية بطعن البطل وبكاء إبليس،‮ ‬فهو متفق مع عنوان المسرحية،‮ ‬وما بعده‮.. ‬لا معني‮ ‬له،‮.. ‬وكان رد فتحي‮ ‬رضوان‮ (‬إن ما بعده‮ ‬يقال عنه بالإنجليزية‮ (‬انتي‮ ‬كلايمكس‮) ‬أي‮ (‬انكسار القمة‮) ‬فسأله عبد الناصر عن معني‮ ‬هذه الكلمة فرد رضوان‮: (‬الغريب أن ما تقترحه هو نفس المسرحية الأصلية،‮ ‬ولكن المخرج رأي‮ ‬تعديل ترتيب الأحداث،‮ ‬ولم أرد أن أعارضه‮)‬،‮ ‬وكان رأي‮ ‬عبد الناصر‮ ‬ينطبق‮ - ‬طبعا‮ - ‬مع أفكاره فقال‮: (‬أنا أعتقد أن العمل المسرحي‮ ‬ملك المؤلف،‮ ‬لا ملك المخرج ولا‮ ‬يجوز له أن‮ ‬يخرج بالنص عن أصله‮.. ‬ولكن له أن‮ ‬يقره كما هو‮). ‬ودارت المناقشات بين الثلاثة فتحي‮ ‬رضوان وجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر،‮ ‬حول المسرح وحول الفنان عموما،‮ ‬والمدهش أن عبد الحكيم عامر،‮ ‬رجل الجيش الصارم‮ ‬يذهب ويهتم ويناقش،‮ ‬وبالطبع جمال عبد الناصر ذاته الذي‮ ‬يقتطع من وقته في‮ ‬تلك الأيام المجيدة والمشحونة بأحداث قومية وعربية وعالمية،‮ ‬ليذهب إلي‮ ‬المسرح،‮ ‬ويناقش تفاصيله،‮ ‬ويرجح من كفةالأعمال الجيدة،‮ ‬رحم الله أياما كان الرؤساء والزعماء والقادة‮ ‬يهتمون بالفن،‮ ‬ويعضدون دولته،‮ ‬ويعملون علي‮ ‬تقوية قوائمه‮ ‬،‮ ‬ليتنا نتعلم،‮ ‬ليتنا نفهم،‮ ‬رحم الله جمال عبد الناصر وفتحي‮ ‬رضوان‮.‬

 

شعبان‮ ‬يوسف

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here