اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

وظيفة الدراماتورج‮ ‬ودوره في‮ ‬الوساطة بين المؤلف والمخرج

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

الجزء الثاني
إن تاريخ المسرح‮ ‬يذكر لنا العديد من الأمثلة التي‮ ‬تمت فيها عملية‮ "‬التدريم‮" ‬أي‮ ‬تحويل أعمال أدبية من أجناس مختلفة‮ ‬غير مسرحية‮ "‬كالقصة والرواية والقصائد‮" ‬إلي‮ ‬أعمال مسرحية تقدم في‮ ‬عروض مثل أعمال‮ "‬ديستوفيسكي‮" ‬والذي‮ ‬قدمت روايته الشهيرة‮ "‬الإخوة كارامازوف‮" ‬في‮ ‬مسرح الفن بموسكو‮ ‬1910 ثم توالي‮ ‬تقديم أعماله بعد ذلك،‮ ‬كما قدمت أعمال ألبير كامي‮ ‬الروائية بعد تحويلها إلي‮ ‬نصوص مسرحية‮ ‬،‮ ‬فقد قدمت‮ "‬الممسوسون‮" ‬1958 ثم‮ "‬الطاعون‮" ‬وغيرها من الأعمال‮... ‬كما قدمت رواية‮ "‬نص المحاكمة‮" ‬لكافكا والتي‮ ‬قدمها أندريه جيد وجان لوي‮ ‬بارو في‮ ‬باريس‮ ‬1947.... ومن أهم النماذج التي‮ ‬تمثل عملية التدريم أيضا تجربة بوتو شيتراوس وبيترشتاين لتقديم رواية مكسيم جوركي‮ "‬ضيوف الصيف‮" ‬علي‮ ‬مسرح شاوبن ببرلين‮. (- ‬Brauneek, Manfred & Schneilin. G. Theater Lexikon –Hamborg : Ro. (Ro. Ro. - pp282-289)
ويمكننا أن نحدد الحالات التي‮ ‬يتم اللجوء فيها إلي‮ ‬عملية التدريم كالآتي‮: ‬
‮- ‬إقبال عدد من المؤلفين العظام من كتاب الأجناس الأدبية المختلفة كالقصة والرواية والقصيدة علي‮ ‬الكتابة للمسرح دون وعي‮ ‬بتقنيات خشبة المسرح،‮ ‬وبقدر ما تحمل أعمالهم من أفكار عظيمة بقدر ما تفتقد‮  ‬التقنيات المسرحية،‮ ‬مما‮ ‬يتطلب إجراء عملية تدريم‮ ‬يقوم بها شخص متخصص وملم بأدوات وتقنيات العرض وخشبة المسرح حتي‮ ‬يصبح النص قابلا وصالحا للتقديم في‮ ‬عرض‮.‬
‮- ‬وجود أعمال روائية وقصصية عظيمة تغري‮ ‬المسرحيين بتقديمها في‮ ‬عروض مثل أعمال كافكا‮ ‬،‮ ‬جوركي،‮ ‬كامي‮ ‬،‮ ‬وقد قام بعض المؤلفين بتحويل رواياتهم الناجحة إلي‮ ‬نصوص مسرحية بهدف تقديمها في‮ ‬عروض مثلما فعل ألبير كامي‮ ‬في‮ ‬رواية‮ "‬الطاعون‮" ‬التي‮ ‬حولها إلي‮ ‬نص مسرحي‮ ‬باسم‮ "‬حالة حصار‮".‬
‮- ‬ظهور مذاهب فنية جديدة لا‮ ‬يمكنها أن تغفل التراث الإنساني‮ ‬السابق لها وتحاول التعامل معه،‮ ‬أو بالأحري‮ ‬تحاول أن تثبت وجهة نظرها و صحة توجهاتها من خلال تعاملها مع الأعمال الفنية للمذاهب والمدارس السابقة‮. ‬ويستند هذا التناول إلي‮ ‬طبيعة مفهوم التفسير وعلاقته بالأيدولوجية،‮ ‬فالعمل الفني‮ ‬إن هو إلا نوع من التحدي،‮ ‬ولا‮ ‬غرو أننا لا نلتمس العلل والأسباب بل‮ (‬نوائم‮) ‬فحسب بينه وبين أنفسنا ونبث فيه معان نستمد أصولها من طرائقنا في‮ ‬الحياة والفكر‮ (‬هوسر‮ ‬– أرنولد‮- ‬فلسفة تاريخ الفن‮ ‬– ترجمة‮ ‬– رمزي‮ ‬عبده جرجس‮- ‬الألف كتاب‮ ‬685 –ص(7)، وهو ما نلمسه في‮ ‬بداية ظهور المذهب الطبيعي‮ ‬عند‮ "‬أندريه أنطوان‮" ‬،‮ ‬حيث قام بإعداد قصة‮ (‬جاك دا مور‮) ‬لإميل زولا‮ ‬،‮ ‬وقدمها في‮ ‬افتتاح المسرح الحر،‮  ‬وبرر ذلك‮  ‬بعدم وجود النصوص الملائمة للطبيعية ولمنهجه‮.‬
‮- ‬يلجأ بعض المخرجين‮ ‬– وخاصة أصحاب فكرة المسرحة والمسرح الجديد‮- ‬إلي‮ ‬الأعمال‮ ‬غير المكتوبة للمسرح لتصبح أساسا لتجاربهم‮ ‬،‮ ‬نظرا لجدتها وعدم استهلاكها في‮ ‬عروض مسرحية سابقة‮ ‬،‮ ‬مما‮ ‬يمنح العروض الطزاجة وعدم معرفة الجمهور بها من قبل‮ ‬،‮ ‬ومن ثم‮ ‬يعطي‮ ‬المخرج فضل السبق والابتكار،‮ ‬وكذلك‮ ‬يعتمد أصحاب فكرة المسرحة فكرة تحويل الأعمال الأدبية‮ ‬غير المكتوبة للمسرح إلي‮ ‬نصوص وعروض مسرحية نظرا لعدم اعتمادها علي‮ ‬الحوار والكلمات إلا في‮ ‬حدود ضيقة‮.‬
إن الرواية والقصة تعتمد علي‮ ‬الوصف بدرجة كبيرة،‮ ‬وهو ما‮ ‬يمكن ترجمته إلي‮ ‬أفعال وحركة وأحداث،‮ ‬والتقليل من الكلمات والحوار مما‮ ‬يزيد من مساحة الإبداع بالنسبة للمخرج وللممثل أيضا‮..‬والمثال علي‮ ‬ذلك تناول بروتوفيسكي‮ ‬للكتاب المقدس وتقديمه في‮ ‬عروض،‮ ‬وكذلك بيتر بروك‮ "‬للشهنامة‮" ‬الإيرانية‮ .‬
‮- ‬ظهور أشكال فنية جديدة تتطلب تطويع النصوص لها وتكون المساحة التي‮ ‬تعطيها الرواية والقصة والحكايات الشعبية وأحيانا الشعر أكبر مما تعطيه النصوص المسرحية التقليدية‮. ‬إن ظهور تكنولوجيا الديجتال‮ (‬الرقمية‮) ‬علي‮ ‬سبيل المثال ووضع الشاشات علي‮ ‬المسرح وما‮ ‬يتطلبه ذلك من تقنيات مصاحبة،‮ ‬وما تثيره من خيال جديد،‮ ‬والانتقال من مكان لآخر،‮ ‬والاعتماد علي‮ ‬شخصيات خيالية وإمكانية تحقيق هذا الخيال من خلال علاقة خشبة المسرح بالشاشة‮ ‬يجعل المخرجين‮ ‬يتجهون للأعمال التي‮ ‬تثير الخيال أكثر من‮ ‬غيرها‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يتوفر في‮ ‬قصص الخيال العلمي‮ ‬والتي‮ ‬لم‮ ‬يدخل فيها المسرح بشكل كبير نظرا للإطار التقليدي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يتحكم فيه‮.‬
‮- ‬التخلص من قبضة المؤلف المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬أصبح في‮ ‬كثير من الأحيان من خلال‮ (‬حقوق الملكية الفكرية‮) ‬مراقبا لنصه،‮ ‬وأصبح‮ ‬يتدخل في‮ ‬عمل المخرج ويحكمه سواء بوعي‮ ‬أو بغير وعي،‮ ‬في‮ ‬حين أن صاحب الرواية أو القصة‮ ‬يعتبر عملية التدريم والتحويل إلي‮ ‬عرض مسرحي‮ ‬دليلا علي‮ ‬نجاح عمله الفني‮ ‬وإضافة له دون الإخلال بالعمل الأصلي‮ ‬المطبوع والمنشور‮.‬
‮- ‬مسرحة المناهج التعليمية وتبسيطها وتقديمها بشكل محبب للجمهور‮ ‬،‮ ‬مما‮ ‬يتطلب المعالجة العلمية الدراماتورجية القادرة علي‮ ‬صياغته في‮ ‬شكل فني‮.‬
‮ ‬لقد تطورت وظيفة الدراماتورج من تحويل عمل أدبي‮ ‬غير مسرحي‮ ‬إلي‮ ‬عمل مسرحي‮ ‬يقدم في‮ ‬عرض ليصبح توجها للعمل علي‮ ‬نصوص مسرحية ليصبح الدراماتورج وظيفة فنية مختلف عليها،‮ ‬فيعتبره الكثيرون مستشارا فنيا وأدبيا ومعاونا للمخرج وللإدارة‮ (‬إدارة الفرقة‮).‬
ولكن ملامح عمل الدراماتورج أيضاً‮ ‬ما تزال‮ ‬غير واضحة ودوره متفاوت ومتباين بين المسارح المختلفة‮.  ( ‬د‮. ‬كمال عيد‮- ‬مدرسة ايرفين بسكاتور المسرحية‮ - ‬في‮ ‬مجله المسرح‮. ‬عدد‮ ‬23- ص25)‮)‬
يصف لنا هارولد كليرمان‮ (‬انظر‮: ‬كلير مان‮ ‬– هارولد‮ ‬،‮ ‬حول الإخراج المسرحي،‮ ‬ترجمة ممدوح عدوان،‮)  ‬دور الدراماتورج في‮ ‬المسرح الألماني‮ ‬بأنه‮ "‬طبيب المسرحيه‮" ‬حيث‮ ‬يخلصها من الأمراض العالقه ويجهزها لتصبح قابلة للتجسيد والتنفيذ علي‮ ‬المسرح‮.‬
وتشير الدراسات إلي‮ ‬المسؤوليات التي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يضطلع بها الدراماتورج والتي‮ ‬تختلف من مؤسسة إلي‮ ‬آخري‮ ‬ومن فرقه مسرحية إلي‮ ‬أخري،‮ ‬فإنه‮ ‬يمكن أن‮ ‬يسهم في‮ ‬اختيار الممثلين والاستماع إليهم‮  ‬والتعاقد معهم،‮ ‬تطوير مقاطع النص‮ ( ‬تعديل بالترتيب أو الحذف أو الإضافة‮) ‬،‮ ‬مساعدة المخرج في‮ ‬البروفات وتقديم أبحاث تاريخية عن الظروف الاجتماعية في‮ ‬أماكن وأزمنة محددة وطريقة الكلام والأداء‮. ‬وكذلك الطرز المسرحية للعروض ولمساعدة المصممين في‮ ‬الإنتاج المسرحي‮.‬
وقد‮ ‬يساعد الدراماتورج في‮ ‬تطوير نص أصلي،‮ ‬أو ترجمته من لغة أخري،‮ ‬لتقديمه برؤية محلية،‮ ‬وكتابة مقالات عن العمل المسرحي‮ ‬والاتصال بوسائل الإعلام‮. ‬ويبقي‮ ‬الدراماتورج مستقلا وتبقي‮ ‬عينه النقدية علي‮ ‬أنشطة الشركة‮ (‬الفرقة‮) ‬الإبداعية‮.‬
قد‮ ‬يساعد الدراماتورج أيضاً‮ ‬في‮ ‬ترجمة نص مسرحي‮ ‬ما لتقديمه برؤية مسرحية محلية تتناسب مع المكان والزمان ومجتمع الجمهور الذي‮ ‬يتلقي‮ ‬العرض باعتبار أن الترجمة تتضمن قدراً‮ ‬من الذاتية للمترجم‮. ‬
فمصطلح الترجمه‮ ‬يتتضمن كلمتين هما‮.  ‬Translation:  ‮ ‬وتعني‮ ‬الترجمه الحرفية للنص وهي‮ ‬ترجمة قاصرة وغير علمية إذ أن الكلمة الواحدة عند ترجمتها من لغة لأخري‮ ‬يوجد لها أكثر من مرادف وتحمل أكثر من معني‮. ‬والمترجم في‮ ‬هذه الحاله‮ ‬يختار مرادفاً‮ ‬معينا‮ ‬يحمل معني‮ ‬محدداً‮ ‬وبذلك الاختيار‮ ‬يكون المترجم قد فسر الكلمة ووضعها في‮ ‬سياق محدد‮ ‬يقوم علي‮ ‬وجهة نظره التي‮ ‬تحددها عناصر الأيديولوجية والهوية والانتماءات وعناصر تكوين الشخصية‮. ‬
ولذلك فقد تطور هذا المصطلح‮ ( ‬الترجمه‮) ‬ليصبح‮ ‬Interpretation  ‮ ‬وهي‮ ‬تعني‮ ‬التفسير أو التأويل‮  .‬
إن الدراماتورج عندما‮ ‬يقوم بدور المترجم‮ (‬المفسر‮) ‬يطرح وجهة نظره والتي‮ ‬تبدأ من مجرد اختياره للنص الذي‮ ‬سيترجمه دون‮ ‬غيره من النصوص‮. ‬ثم تأتي‮ ‬بعد ذلك عملية الترجمة والتفسير ذاتها‮. ‬فمونولوج مكون من عدة صفحات في‮ ‬لغة ما قد‮ ‬يترجمها أحدهم في‮ ‬جملة أو عدة جمل بسيطة،‮ ‬كما أن جملة واحدة‮ ‬يمكن شرحها في‮ ‬صفحات كاملة طبقاً‮ ‬لأسلوب المترجم وقدراته ووجهة نظره وما تحمله من أفكار،‮ ‬وكل ذلك‮ ‬يدخل ضمن شروط التلقي‮ ‬والتفسير الاجتماعي،‮ ‬فكلما تغيرت الشروط الاجتماعية والتاريخية للتلقي‮ ‬تغير المعني‮.‬
إن الترجمة في‮ ‬حد ذاتها هي‮ ‬رؤية دراماتورجية لغوية وفكرية للنص تقترب من التقديم في‮ ‬عرض‮ ‬يتفق مع المجتمع والفترة الزمنية التي‮ ‬يقدم فيها‮.‬

 

د‮. ‬أيمن الشيوي

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٢١

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here