اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

علامات الأداء المسرحي‮ ..‬

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

المسرح‮ ‬يؤدي‮ ‬في‮ ‬مكان خال وبأقل أدوات منذ‮ »‬إسخيلوس‮«‬،‮ ‬ومخرجين مثل‮ »‬إنجمار برجمان‮« ‬جعلوا من مثل هذه الممارسة أمرًا شائعًا علي‮ ‬خشبة المسرح المعاصرة‮.‬
والسؤال المثير هو هل المخيمات والأسواق،‮ ‬وهي‮ ‬أماكن مسرحية مألوفة،‮ ‬تؤسس أماكن تقليدية للتمثيل وحتي‮ ‬لو كانت تصلح،‮ ‬فلا بد أن تفسر مفهوم‮ »‬مسرح تحت الأرض‮ ‬Underground Theater‮ « ‬،‮ ‬حيث‮ ‬يقابل الممثلون المشاهدين في‮ ‬مكان وزمان معدين مسبقا،‮ ‬ويصاحبونهم في‮ ‬رحلة السفر في‮ »‬مترو لندن‮«‬،‮ ‬حيث‮ ‬يؤدي‮ ‬الممثلون حركات‮ ‬غريبة‮. ‬ويتكون العرض نفسه من تلك الأفعال الغريبة وردود أفعال ركاب المترو‮. ‬والركاب لا‮ ‬يعرفون أن هذا مسرح،‮ ‬ونتيجة لذلك تحتفي‮ ‬حتمية المكان المتفق عليه وفرضية المكان المغاير للمكان العادي‮ ‬في‮ ‬متاهة الخصائص‮.‬
وبذلك‮ ‬يصبح الفاصل بين مكان المؤدين ومكان المشاهدين مثار جدال في‮ ‬تجارب ما‮ ‬يسمي‮ »‬المسرح البيئي‮« ‬في‮ ‬الولايات المتحدة الأمريكية‮. ‬ومن خلال عرض الحدث في‮ ‬المكان الذي‮ ‬يوجد فيه المشاهد،‮ ‬والتحرك بين المتلقين للوصول‮. ‬من مكان إلي‮ ‬آخر،‮ ‬تنتهك‮ »‬جماعة الأداء‮ ‬Performance Group‮«‬ بقيادة المخرج ريتشارد شيشنر،‮ ‬الحدود المكانية التقليدية‮. ‬وبالطبع‮ ‬يمكن إقامة الدليل علي‮ ‬أن‮ »‬جماعة الأداء‮« ‬حملت معها حدود مكانها المسرحي‮ ‬الخاص،‮ ‬لأن المشاهدين كانوا‮ ‬يفهمونهم بطريقة مغايرة،‮ ‬ولذلك كان الانقسام المفاهيمي‮ ‬للمكان مؤثرا علي‮ ‬الفاصل الفعلي‮ ‬بين الممثل والمتلقي‮. ‬ورغم ذلك،‮ ‬فإن الأعمال الأخيرة للمخرج البولندي‮ »‬جيرزي‮ ‬جروتوفسكي‮« ‬قد أثارت الجدل حول هذا المفهوم‮. ‬إذ‮ ‬يتعاون المشاركون في‮ ‬مسرحة النظير لخلق الحدث،‮ ‬ويتصرف كل منهم باعتباره ممثلاً‮ ‬ومشاهدًا،‮ ‬وبذلك‮ ‬يرفضون الفاصل‮ »‬بين المؤدي‮ ‬والمشاهد‮« ‬نهائيا‮.‬
يبدو أن أحد الملامح المميزة للمسرح،‮ ‬وهو الحضور المادي‮ ‬للممثلين،‮ ‬يظل أمرا‮ ‬غير قابل للانتهاك،‮ ‬ولكن الأمر ليس كذلك‮. ‬ومرة أخري،‮ ‬يتصرف‮ »‬بيكيت‮« ‬كنوع من هجوم الرجل الواحد علي‮ ‬المعايير المسرحية‮. ‬فالستارة ترتفع علي‮ ‬مسرحية‮ »‬تنفس‮« ‬لكي‮ ‬توضح خشبة مسرح مليئة بشتي‮ ‬أنواع سقط المتاع،‮ ‬ويتكون الحدث من ضوء‮ ‬يعلو وينخفض،‮ ‬يتناغم مع صوت فرع تنفس وصراخ طفل رضيع‮. ‬ولا توجد قصة،‮ ‬وديكور،‮ ‬ومكان افتراضي‮ ‬مغاير،‮ ‬وشخصية،‮ ‬ولا‮ ‬يوجد أيضا مؤد‮. ‬ومن المحير أن هناك خلفيات واضحة لرؤية المكان باعتباره مسرحًا‮.‬
فكيف‮ ‬يحدث ذلك،‮ ‬بينما تفتقر مسرحية‮ »‬تنفس‮« ‬الكثير من الملامح التي‮ ‬نعتقد أنها مميزة للمسرح،‮ ‬ومازلنا نشاهدها باعتبارها مسرحًا؟ الإجابة هي‮ ‬أن الحدث‮ ‬يقدمنا بعلامات ومؤشرات تتوجه إلينا هكذا‮. ‬وإذا قُدم عرض‮ »‬تنفس‮« ‬علي‮ ‬جانب الطريق،‮ ‬ومن دون أي‮ ‬تفسير،‮ ‬لكانت لدينا صعوبة في‮ ‬معرفة الكيفية التي‮ ‬نشاهده بها‮. ‬لكنه قُدم في‮ ‬مكان مسرحي‮ ‬معروف،‮ ‬بالشروط نفسها‮ (‬خشبة المسرح والستارة‮... ‬إلخ،‮ ‬وترتيب مكان الأداء والمشاهدة والمعرفة المسبقة بالغرض من المبني‮ ‬نفسه‮) ‬التي‮ ‬يمكن أن تشير إلي‮ ‬الهوية الملائمة للعمل‮. ‬وبالطبع تبدأ عملية التقمص،‮ ‬ويتم منح الحدث مكانته المحددة مبكرا قليلا‮ (‬قبل بداية العرض‮). ‬ومن المحتمل أن تكون قد قرأنا بعض النقد حول العرض،‮ ‬وشاهدنا مواد الدعاية،‮ ‬أو علي‮ ‬الأقل سمعنا عن‮ »‬صامويل بيكيت‮« ‬قبل أن نشتري‮ ‬التذاكر،‮ ‬وربما سبق أن شاهدنا العرض بالمصادفة في‮ ‬حديقة أو مخيم،‮ ‬ولذلك فإن مجموعة من المحددات الأخري‮ ‬المألوفة‮ - ‬تنظيم الممثلين‮/ ‬المشاهدين،‮ ‬والطريقة التي‮ ‬يتكلم بها المؤدون ويتحركون،‮ ‬وسلبية المشاهد‮.. ‬إلخ‮ - ‬يمكن أن تدلنا علي‮ ‬نوع الحدث،‮ ‬وكذلك كيف نشاهده‮.‬
لذلك لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتحدد تعريف المسرح بشكل دقيق من خلال فحص قائمة مكوناته‮. ‬لأننا عندما ندرك المسرح فإننا نقوم بما‮ ‬يعرف أساسًا بأنه‮ »‬فعل تفسيري‮«. ‬إذ إننا نقرأ العناصر المسرحية كعلامات،‮ ‬ونتناولها أولا باعتبارها تعني‮ ‬الهوية الثقافية العامة للحدث‮.‬
ويذهب دور المشاهد التفسيري،‮ ‬رغم ذلك،‮ ‬إلي‮ ‬ما وراء إدراك المسرح باعتباره نوعا‮. ‬فالمشاهد فاعل أيضا في‮ ‬إنتاج المعاني‮ ‬التي‮ ‬يقدمها حدث المسرح،‮ ‬لأن هذا أيضا‮ ‬يحتاج من المتلقي‮ ‬أن‮ ‬يستخدم خبرته الثقافية‮. ‬ولكي‮ ‬نفهم كيف‮ ‬يعمل المسرح،‮ ‬والمعاني‮ ‬التي‮ ‬يوضحها،‮ ‬والوسائل التي‮ ‬يفعل بها ذلك،‮ ‬فيجب علينا الآن أن نفحص مكان المشاهد داخل الثقافة‮.‬
المجرد والمادي‮:‬
يساعد قانون النص‮ (‬الدرامي‮) ‬الحدث المسرحي‮ ‬لكي‮ ‬يتوظف كوحدة رمزية‮. ‬وقد كان هذا الاتساق الرمزي‮ ‬بؤرة العمل الذي‮ ‬قامت به جماعة الشكليين في‮ ‬براغ،‮ ‬وهم بلا جدال أول من وجه عيون السيميوطيقا‮ (‬أو علم الدلالة‮) ‬تجاه المسرح‮. ‬
وقدم‮ »‬كير إيلام‮« ‬تفسيرا للنتائج التي‮ ‬توصلوا إليها‮:‬
‮»‬تقمع حقيقة ظهور الشيء علي‮ ‬خشبة المسرح الوظيفة العملية للظواهر من أجل دور دلالي‮ ‬أو رمزي‮. ‬فالمائدة المعروضة في‮ ‬التمثيل الدرامي‮ ‬مثلا لن تختلف في‮ ‬طرازها المادي‮ ‬أو البنيوي‮ ‬عن قطعة الأثاث التي‮ ‬يستخدمها المشاهد،‮ ‬ومع ذلك فإنها تتحول بمعني‮ ‬ما‮: ‬تحوز إن جاز التعبير مجموعة من علامات الاقتباس‮. ‬ومن المغري‮ ‬أن نري‮ ‬المائدة علي‮ ‬خشبة المسرح وكأنها تحمل علاقة مباشرة بنظيرها الدرامي‮ - ‬المائدة الخيالية التي‮ ‬تمثلها‮ - ‬ولكن ليست هذه هي‮ ‬الحالة،‮ ‬فالشيء المادي‮ ‬يصبح بالأحري‮ ‬وحدة دلالية تمثل بشكل‮ ‬غير مباشر مائدة مغايرة‮ (‬مائدة متخيلة‮)‬،‮ ‬ولكن ذلك بالقياس للمدلول الوسيط للمائدة،‮ ‬بمعني‮ ‬نوع الأشياء التي‮ ‬هي‮ ‬أحد أعضائها‮«. ‬وهذا‮ ‬يؤكد رؤية الشكليين في‮ ‬براغ‮ ‬بحسب كلام‮ »‬يندتش هونزل‮«: »‬كل شيء‮ ‬يصنع واقع علي‮ ‬خشبة المسرح‮ ‬يمثل شيئًا آخر‮«.‬
ويشير‮ »‬بافيز‮« ‬إلي‮ ‬أن التمثيل‮ ‬يتضمن نوعين من الحركة،‮ ‬العالم الإيمائي‮ ‬للحركة نفسها،‮ ‬وعالم الإيماءات العادية المرسومة داخل اعتبارات التلقي‮ ‬التفسيرية كمفارقة‮.‬
وهو بذلك‮ ‬يصف موقفا فريدًا للأداء الحي‮. ‬فالشكل الفني‮ ‬لا‮ ‬يبني‮ ‬إيهاما حقيقيا،‮ ‬لأننا عندما نقرأ رواية أو نشاهد فيلما فإننا نظل واعين أننا نمارس خيالاً‮. ‬ولكن هذا أمر نسبي‮. ‬لأننا أثناء قراءة الرواية ننشغل باللغة،‮ ‬بينما في‮ ‬سينما التيار السائد ترتبط فعاليتنا التفسيرية بحدود الشاشة‮. ‬وعندما نواجه حضورًا بدنيًا فعليًا للممثل،‮ ‬رغم ذلك،‮ ‬فإننا نتذكر ما هو خارج الخيال،‮ ‬فنتذكر الصنعة ويكون المؤلف حاضرًا،‮ ‬وأن الحدث الذي‮ ‬نراه هو نتاج إبداعه التأليفي‮. ‬المسرح إذن شكل فني‮ ‬مثير للقلق لأن أداته الرمزية مهددة دائما بأخري،‮ ‬وهي‮ ‬الأداء التي‮ ‬يظل فيها خيالية المعني‮ ‬وصناعته صريحين وعلنيين‮.‬
المسرح إذن‮ ‬يعمل بنظامين،‮ ‬الأول سوف نسميه‮ »‬النظام التجريدي‮«. ‬وبحسب كلمات‮ »‬إيلام‮« ‬فإن هذا النظام‮ ‬يطمس الوظيفة العملية للظواهر من أجل الدور الرمزي‮ ‬والدلالي،‮ ‬ولذلك فهو مربوط بمكان آخر‮. ‬ولكون المسرح منفصل مفاهيميا عن المشاهدين،‮ ‬فإن المكان‮ ‬يتوظف علي‮ ‬المستوي‮ ‬الرمزي،‮ ‬ويتفاعل مع المجردات،‮ ‬وليس المكان المادي‮ ‬الملموس والعالم الاجتماعي‮ ‬النظير الذي‮ ‬نعيش فيه‮. ‬ولكنه عالم محدد فعلا،‮ ‬ومصنف من خلال خطاب شفرات مكانية‮. ‬وبذلك‮ ‬ينقل الحقيقة في‮ ‬إطار خطاب الموجودات الرمزية‮: ‬فمائدة خشبة المسرح تمثل نوعا عاما من الأشياء‮ (‬الموائد‮)‬،‮ ‬وتصبح صفة مستقلة للواقعية المسرحية الدائرية،‮ ‬ويُري‮ ‬عالم النزعة التعبيرية من خلال العين المشوهة للذات الأنانية المكبوتة‮.‬
إنها الخاصية الحقيقية للتغيير الرمزي‮ ‬للمكان‮ (‬المسرحي‮) ‬الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون إيهاميًا‮. ‬وبذلك تصبح خشبة المسرح مكانا مغايرا،‮ ‬وتصبح أشياؤها جزءًا من عالم المسرحية‮ - ‬فالشخص ليس ممثلاً‮ ‬لكنه الملك لير‮ - ‬وهذا لا‮ ‬ينطبق فقط علي‮ ‬المسرح الواقعي،‮ ‬بل‮ ‬ينطبق علي‮ ‬كل الأشياء التي‮ ‬تعزز الإيهام،‮ ‬وتعمل بشكل أساسي‮ ‬بالنظام التجريدي‮. ‬ولكن لدعم هذا الإيهام،‮ ‬فإن هذا التجريدي‮ ‬يجب أن‮ ‬يمحو آلياته ويجب أن‮ ‬يعيد تفسير كل العلامات التي‮ ‬هي‮ ‬نتاج الصنعة الفنية وهي‮ ‬الخيال‮.‬
والنوع الثاني،‮ ‬وسوف نسميه‮ »‬النظام المادي‮«‬،‮ ‬وهنا‮ ‬يُدرك الشخص علي‮ ‬خشبة المسرح باعتباره ممثلا،‮ ‬والمائدة مثل أي‮ ‬مائدة أخري‮. ‬ولا‮ ‬يتوظف هذا النظام رمزيا،‮ ‬لأن خشبة المسرح هنا لا‮ ‬يمكن أن تتمايز عن خشبة المسرح الفعلية،‮ ‬ومكان وزمان المشاهدين الاجتماعيين‮. ‬ولذلك‮ ‬يحظي‮ ‬نطقه بالمكانة الشرطية نفسها لأي‮ ‬نطق آخر عادي،‮ ‬نتيجة لإدراكنا أن معانيه تحدث‮. ‬ولذلك لا‮ ‬يتعامل مع تصنيفات رمزية منهجية،‮ ‬بل تتم معالجته علي‮ ‬خشبة المسرح المادية الفعلية،‮ ‬وكذلك تعددية الخطاب الكامن فيها‮. ‬ورؤي‮ ‬هذا النوع ليست رؤي‮ ‬مجردة،‮ ‬بل رؤي‮ ‬مؤيدة،‮ ‬يحكيها راو‮ ‬يمكن إدراكه‮.‬
وبعدم إنتاجه لإيهام،‮ ‬فمن الممكن قبول آلياته وخياليته داخل الأداء‮. ‬بمعني‮ ‬أن الصنعة الفنية‮ ‬يجب أن تكون مفسرة في‮ ‬فهمنا للنص،‮ ‬إذ‮ ‬يجب ألا نفهم الحكي‮ ‬فقط بل‮ ‬يجب أن نفهم المحكي‮ ‬أيضا‮.‬
يتوظف هذان النظامان جنبا إلي‮ ‬جنب في‮ ‬أغلب الأشكال المسرحية‮. ‬ورغم ذلك فهما نقيضان،‮ ‬لأن الإيهام التجريدي‮ ‬يكون مهددا بالصنعة الفنية المادية الصريحة،‮ ‬وبالمثل‮ ‬يستطيع الإيهام بشكل كفء أن‮ ‬يعّرف من جديد علامات الإبداع ويعطيها معني‮ ‬

 

آخر‮.‬
المساحة الحوارية‮:‬
يوضح كل ما بحثناه أننا لا نستطيع أن نتكلم بشكل آمن عن إنتاج المعني،‮ ‬فالمعني‮ ‬يُصنع دائما في‮ ‬المسرح،‮ ‬وأحد أهم صناعه هم المشاهدون‮.‬
والمعاني‮ ‬المقدمة من خلال حدث مسرحي‮ ‬معين تنتج من التفاعل بين خشبة المسرح والقاعة‮. ‬فالمسرح‮ ‬يحكم قراءته الذاتية عن طريق تأسيس العلاقات،‮ ‬وطرق المشاهدة التي‮ ‬تساعد المشاهدين علي‮ ‬فهم النص المسرحي،‮ ‬وبذلك‮ ‬يحددون أنواع المعني‮ ‬التي‮ ‬يمكن صناعتها‮. ‬ونستطيع الآن أن نستخدم ذلك علاوة علي‮ ‬الأدوات التحليلية الأخري‮ ‬التي‮ ‬سبق أن فحصناها لفهم النظام الدلالي‮ ‬المميز للمسرح‮.‬
تُفهم الخبرة المسرحية أحيانا باعتبارها نوعًا من الهلاوس ومشاهدًا‮ ‬يعتقد فعلا أن ما‮ ‬يحدث علي‮ ‬خشبة المسرح هو شيء حقيقي‮. ‬وهذا خطأ‮. ‬فالمشاهد‮ ‬يظل مدركا بالطبع أنه في‮ ‬مسرح،‮ ‬وبذلك‮ ‬يمكنه تقويم الأسلوب وملاحظة الممثل المقصود،‮ ‬ويؤكد علي‮ ‬وحدة الجماعة من خلال الضحك والتصفيق‮. ‬المسرح إذن لا‮ ‬يتعامل مع التصديق بل‮ ‬يتعامل مع الدلالة،‮ ‬كما أنه لا‮ ‬يخلق أوهامًا أو ضلالات بل‮ ‬يخلق استجابات وتفسيرات‮.‬
ويحقق هذا بإنتاج علاقات بين المشاهد وخشبة المسرح‮. ‬والمصطلحات الدقيقة لهذه العلاقة تعتمد علي‮ ‬شكل المسرح المرتبط بها،‮ ‬لأن كل شكل‮ (‬مسرحي‮) ‬يحتاج متلقيًا لكي‮ ‬يتجاوب مع تجاور النظامين المادي‮ ‬والمجرد وقانونهما الخاص في‮ ‬النص‮.‬
العلاقة بين خشبة المسرح وقاعة المسرح إذن هي‮ ‬العلاقة التي‮ ‬يمكن أن نصطلح علي‮ ‬أنها علاقة‮ »‬حوارية‮«. ‬
وبهذا نعني‮ ‬أن أدوار كل شريك في‮ ‬التبادل هي‮ ‬علاقة محددة مع الآخرين‮. ‬فطبيعة نطق الشخص الذي‮ ‬يملي‮ ‬صيغة تلقيه‮ ‬يفرض مجموعة من الاستجابات الملائمة للآخر‮. ‬وبرغم المزاعم المبالغ‮ ‬فيها فيما‮ ‬يتعلق بالتغذية الاسترجاعية،‮ ‬فإن قوة إملاء هذه العلاقة تكمن عموما في‮ ‬أيدي‮ ‬خشبة المسرح‮. ‬وبالممارسة‮ ‬يشير كل شكل مسرحي‮ ‬إلي‮ ‬الكيفية التي‮ ‬يمكن للمشاهدين تفسيره بها،‮ ‬وهذا النوع من الاستراتيجيات التفسيرية التي‮ ‬يجب أن تُستخدم في‮ ‬قراءته تخلق كذلك مشاهده كمفسر‮.‬
ولذلك سوف تنتج مختلف الأشكال المسرحية مختلف المشاهدين‮. ‬فكل شكل مسرحي‮ ‬يجهز مشاركه المميز،‮ ‬وتقدم هويته بشكل تلقائي‮ ‬دورا مكملا لمشاهده‮. ‬
فدور المشاهد‮ ‬يتكون من تبني‮ ‬استراتيجية تفسيرية ملائمة لهذا النوع من المسرح،‮ ‬ومنطق موجود داخل الشكل نفسه‮.‬
وهذا‮ ‬يوضح الدور الفعال الذي‮ ‬يلعبه المشاهد في‮ ‬تفسير النص‮. ‬فالمسرح لا‮ ‬يفرض قراءة إلا من خلال خطاب‮ ‬يفرض رؤيته علي‮ ‬العالم‮. ‬فكل شكل‮ ‬يرحب بالأحري‮ ‬بالمشاهد،‮ ‬ويقدم الموضع الذي‮ ‬يكون فيه النص مقروءًا‮. ‬
فهوية خشبة المسرح باعتبارها شكلا استطراديا تحدد العلاقات الحوارية التي‮ ‬تتضمن الاستراتيجية التفسيرية الملائمة‮ - ‬وهي‮ ‬تضم بشكل جمعي‮ ‬الوضع التفسيري‮. ‬
ويستطيع المشاهد تبني‮ ‬هذا الوضع،‮ ‬وفي‮ ‬النهاية‮ ‬يفهم العرض،‮ ‬ويفهم لماذا نذهب إلي‮ ‬المسرح‮. ‬فالأمر ليس تلك الأشكال الإيهامية،‮ ‬علي‮ ‬سبيل المثال،‮ ‬رفض الوعي‮ ‬بحضور الممثل أو رفض إبداعات المسرح‮. ‬وهذه الأسئلة بالأحري‮ ‬خارج العلاقات المفترضة،‮ ‬ووراء استراتيجيات القراءة التي‮ ‬أشير أنها ملائمة‮. ‬المشاهد إذن‮ ‬يجب أن‮ ‬يلاحظ ويقبل ويضع الشفرات التفسيرية في‮ ‬موضع الممارسة وبذلك تعمل داخل معايير المشهد المرسل في‮ ‬الحدث نفسه‮.‬
وكل شكل من أشكال المسرح‮ ‬يتنبأ بمجموعة محدودة من المشاهدين كإجابة لاقتراحه‮. ‬والدخول في‮ ‬هذه العلاقات الحوارية‮ ‬يعني‮ ‬قبول أولئك المؤدين،‮ ‬وأن‮ ‬يمثلوا في‮ ‬تناغم مع المتلقين الآخرين،‮ ‬ولكي‮ ‬يصبحوا أعضاءً‮ ‬من المشاهدين‮.‬
ترجمة‮: ‬أحمد‮ ‬
عبد الفتاح

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٦

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here