اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

ندوات العروض المسرحية‮ ..‬ الماهية‮.. ‬والوظيفة‮.. ‬والصنعة‮.. ‬والتأثير

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

سألها مندهشا وهي‮ ‬خارجة من المسرح‮: ‬إيه مش هتحضري‮ ‬الندوة؟
أجابته بحسم وبديهية‮: ‬لأ طبعا‮.‬
‮< ‬ليه بس؟
‮< (‬أشارت إلي‮ ‬رأسها بيديها‮) ‬يا عم أنا مش ناقصة خوته
‮❊❊❊‬
هذا حوار افتراضي‮ ‬يحاول أن‮ ‬يعبر عن لسان حال بعض الجمهور المنصرف عن الندوات التي‮ ‬تعقد بعد العروض المسرحية بشكل عام،‮ ‬وخاصة في‮ ‬المهرجانات،‮ ‬وهو ما لا‮ ‬ينكر أو‮ ‬يتجاهل قطاعا آخر‮ ‬يحرص جدا أن‮ ‬يكون موجودا في‮ ‬الندوات،‮ ‬وغالبا ما‮ ‬يكون من المتخصصين أو صناع العروض أنفسهم وبعض أصدقائهم أو ذويهم‮.‬
فهل‮ ‬يفوت المنصرفين عن الندوات شيء كثير؟ هل حدث وشعر أحد الذين بقوا ليحضروا ندوة بعد عرض،‮ ‬شعورا كبيرا بالرضي‮ ‬والمتعة والفائدة،‮ ‬مما‮ ‬يجعله‮ ‬يخبر صديقا له أنه قد فاته ندوة رائعة؟ بالقطع نعم،‮ ‬حدث‮. ‬ولكن كم من المرات؟ وكم من الجمهور حدث معه هذا لمرة واحدة علي‮ ‬الأقل؟ أعتقد أن النتيجة لن تكون مبهجة لصناع الندوات وأصحاب قرارات وجودها‮.‬
ولذلك كان من الضروري‮ ‬طرح بعض الأسئلة علي‮ ‬من‮ ‬يقرر إجراء الندوات ومن‮ ‬يتحمل مسئولية صنعها وإدارتها وهي‮ ‬أسئلة الماهية،‮ ‬والوظيفة،‮ ‬والصنعة،‮ ‬والتأثير‮.‬
ما هي‮ ‬الندوة؟ هل هي‮ ‬محاضرة علمية أكاديمية؟ هل هي‮ ‬ممارسة نقدية تطبيقية؟ هل هي‮ ‬وسيلة‮ ‬يعرف منها صناع العرض مدي‮ ‬تأثيره علي‮ ‬الجمهور بعد العرض مباشرة؟ هل هي‮ ‬مساحة‮ ‬يمنحها صناع الندوة للجمهور حتي‮ ‬يعبر عن نفسه،‮ ‬ويكون له صوتا؟ هل هي‮ ‬إجراء شكلي‮ ‬زخرفي‮ ‬تكميلي‮ ‬لزوم المهرجانات؟ أم هي‮ ‬وسيلة شخصية للمديح أو تصفية الحسابات أو فتح مجالات للعمل المشترك؟‮.. ‬الخ‮.‬
أيا كانت إجابتك،‮ ‬فقبلا لا بد وأن تطرح السؤال علي‮ ‬نفسك وتجتهد في‮ ‬الإجابة عليه إذا كنت رئيسا لمهرجان،‮ ‬أو مديرا أو متحدثا في‮ ‬ندوة،‮ ‬فبناء علي‮ ‬إجابتك علي‮ ‬سؤال الماهية تبني‮ ‬كل الإجابات الأخري‮ ‬مبدئيا،‮ ‬وغني‮ ‬عن الذكر أن الإجابات كلها علي‮ ‬سبيل التمثيل،‮ ‬ولكل الحق في‮ ‬ابتكار إجاباته‮/ ‬ماهياته‮/ ‬ندواته،‮ ‬كما‮ ‬يمكن الدمج بين إجابتين أو أكثر‮.‬
ما أفهمه أنا أن الندوة هي‮ ‬الجانب الشفهي‮ ‬من النقد التطبيقي‮ ‬للعروض المسرحية،‮ ‬في‮ ‬مقابل الجانب المكتوب وهو المقال،‮ ‬وبناء علي‮ ‬هذه الماهية‮ ‬يبني‮ ‬تلقائيا سؤال الوظيفة‮.‬
ما هي‮ ‬وظيفة الندوة؟ وبالتالي،‮ ‬وظائف المشاركين في‮ ‬صنعها،‮ ‬وصنع سياقها الذي‮ ‬تتم فيه؟ بديهي‮ ‬أنك لا‮ ‬يمكنك أن تطلب من موظف القيام بوظيفة أخري‮ ‬غير ما‮ ‬يعلمه وخبره واكتسب مهاراته،‮ ‬فالندوة إذا كانت ممارسة نقدية فمن‮ ‬يصنعها هم النقاد،‮ ‬وإن كانت مسامرة فمن‮ ‬يصنعها هم المسامرون،‮ ‬وبما أني‮ ‬من ضمن من‮ ‬يرون ماهية الندوة في‮ ‬النقد التطبيقي،‮ ‬فإني‮ ‬أري‮ ‬أن وظيفة الندوة هي‮ ‬نقد العرض المسرحي‮ ‬بشكل حي‮ ‬ومباشر أمام الجمهور الذي‮ ‬حضر العرض وصناع العرض كذلك،‮ ‬وهو ما‮ ‬يضع الناقد في‮ ‬تحد كبير أمام وظيفة نقدية في‮ ‬وسيط أحد فنون الأداء المباشر أمام جمهور حي‮ ‬ومنفعل ومستعد للاختلاف والانفعال مع ما‮ ‬يقول الناقد،‮ ‬وهو أيضا جمهور متململ ومستعد للانصراف إذا ما طالت الندوة،‮ ‬أو‮ ‬غمضت وغير ذلك من تحديات‮. ‬
وهو ما‮ ‬يدفع البعض للاختباء خلف ترسانات معرفية‮ ‬يرهب بها جمهوره،‮ ‬ويرسخ بداخلهم قناعة مسبقة بأنه الأعلم،‮ ‬والأفهم،‮ ‬والقادر،‮ ‬والجبار،‮ ‬وهناك من‮ ‬يستبق الصراع ويداهن الجمهور وصناع العرض،‮ ‬فلا تخرج منه لا بنقد ولا بصدق ولا بشيء،‮ ‬وهناك من‮ ‬يقول كثيرا فلا‮ ‬يقول شيئا،‮ ‬وهناك من‮ ‬يتلعثم ويرتبك لكنه في‮ ‬النهاية‮ ‬يقول رأيه في‮ ‬وجه الوحش،‮ ‬وليكن ما‮ ‬يكون‮.‬
الندوة نقد تطبيقي‮.. ‬نعم،‮ ‬لكنها ليست كالمقال،‮ ‬فالأخير‮ ‬يكتب ويراجع وينشر في‮ ‬معزل عن جمهوره،‮ ‬فضلا عن أنه‮ ‬يركز علي‮ ‬تقنية واحدة أو مدخل نقدي‮ ‬نظري‮ ‬واحد‮ ‬يعززه بتحليل مختلف التقنيات،‮ ‬أما الندوة فيكون من الأفضل فيها أن تقوم بعدد من الإضاءات الجوهرية للعرض،‮ ‬ولفت انتباه الجمهور لبعض العلاقات،‮ ‬ولفت انتباه صناع العرض لكيفية بنائهم لعرضهم،‮ ‬وما نتج عنه هذا البناء في‮ ‬حدود رؤية الناقد الذي‮ ‬قد‮ ‬يصيب ويخطئ،‮ ‬لكنه لا‮ ‬ينافق ولا‮ ‬يحاكم‮.‬
ولهذا فهناك وظائف تنظيمية أخري‮ ‬تساعد في‮ ‬تأكيد ماهية الندوة وتحقيق وظيفتها،‮ ‬هذه الوظائف التنظيمية تبدأ من أول تنظيم المهرجان ووضع جدوله وأمكان عرضه،‮ ‬ودراسة مكان وزمان الندوة،‮ ‬وطبيعة العروض ومن هم النقاد الأنسب والأنفع والأمتع لإضاءة هذه العروض‮.‬
يضاف إليها مثلا،‮ ‬تنظيم لقاء نقدي‮ ‬وإنساني‮ ‬بين النقاد ومجموعة عمل العرض قبل العرض،‮ ‬وربما حضور بروفة جنرال،‮ ‬وتقديم نصائح تقنية لصناع العرض،‮ ‬مما‮ ‬يجعل الممارسة النقدية التالية خالية من مساحات كبيرة من توتر اللقاءات الأولي،‮ ‬وتحديات الأفهم والأعلم والأنجح والأبدع‮.‬
وبكل تأكيد أكرر أن الإجابات المقترحة هنا ليست هي‮ ‬جوهر الطرح،‮ ‬بل هي‮ ‬الأسئلة،‮ ‬وعلي‮ ‬كل صادق أن‮ ‬يجيب إجاباته ويبتكر وسائله ومنهجه وأدواته في‮ ‬تحقيق أهدافه،‮ ‬وهنا‮ ‬يأتي‮ ‬دور سؤال الصنعة‮.‬
وكما قال أرسطو في‮ ‬الكتاب الأشهر في‮ ‬تاريخ النظرية النقدية‮ "‬فن الشعر‮" ‬معرفا الكاتب الدرامي‮ ‬المسرحي‮ ‬بأنه صانع حبكات،‮ ‬فإن معيار الحكم علي‮ ‬كل وظيفة هو مقدار تمكن صاحبها من صنعته،‮ ‬فبقدر ما‮ ‬يتمكن كل صاحب وظيفة من تحديد وظيفته بدقة ووضوح بقدر ما كان عليه أن‮ ‬يبتكر كل التقنيات اللازمة لتحقيق هذه الوظيفة بنجاح‮.‬
وليس بعيدا عن‮ "‬فن الشعر‮" ‬أنه جعل عنصر الفكر في‮ ‬الأجزاء الكيفية الستة لبناء النص الدرامي‮ ‬محله كتابين منفصلين هما‮ "‬الخطابة‮" ‬و"السياسة‮"‬،‮ ‬فعمل الناقد التطبيقي‮ ‬في‮ ‬الندوات أيضا‮ ‬يتماس مع عمل السياسي‮ ‬والخطيب،‮ ‬فهو مطالب بأن‮ ‬يجعل جمهوره مستمتعا ومنجذبا ومتشوقا لسماع المزيد،‮ ‬وربما نجح في‮ ‬استفزاز ردود فعل حية تمثل تجاوبات مع إضاءاته‮.. ‬حتي‮ ‬يكون الغالبية في‮ ‬حالة من الحزن أن الوقت لم‮ ‬يسمح بالمزيد من الاستفادة والاستمتاع بهذه الوجبة الفكرية والشعورية،‮ ‬وحتي‮ ‬يشهد الحاضر للندوة أن من تركها قد فاته الكثير‮. ‬وهو الهدف الأكبر ومحل السؤال الأخير وهو سؤال التأثير‮.‬
كثيرا ما‮ ‬يتورط النقاد نفسيا وذهنيا في‮ ‬دوامات إثبات أنهم‮ ‬يعرفون وأنهم جديرون بكونهم نقادا وأن المجتمع عليه أن‮ ‬يلتفت إليهم ويقدرهم كما‮ ‬يقدر الممثلين والمخرجين والمؤلفين‮.. ‬من وجهة نظر النقاد المنتمين لهذه الورطة بالطبع،‮ ‬وينسي‮ ‬الواحد منهم أن هدفه ليس إثبات أنه عارف،‮ ‬بل تحقيق قدر من المعرفة عند جمهوره،‮ ‬هذه المعرفة لا بد أن تكون كالعمل الإبداعي؛ مغلفة بالإمتاع،‮ ‬وإلا أصبحت ثقيلة وساهمت كغيرها من الممارسات الملغزة الغامضة الفجة في‮ ‬توسيع الفجوة بين الجمهور وبين النقد‮.‬
هذا التأثير الفكري‮ ‬والشعوري‮ ‬والروحي‮ ‬والتقني‮.. ‬هو هدف الندوة،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعيد المنظمين بشكل متكرر لإعادة النظر في‮ ‬إجاباتهم عن السؤال الأول وما بعده،‮ ‬فلو أن الماهية والوظيفة والصنعة لم تنتج تأثيرا علي‮ ‬جمهور مستهدف فلا بد أن هناك عيبا وخللا في‮ ‬إجابات الأسئلة السابقة‮.‬

أحمد
‮ ‬عامر

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٦

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here