اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

تجربة الكاتب المسرحي التجربة التراجيدية الثانية

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

بدأت التفكير في‮ ‬مسرحية‮ »‬الثأر ورحلة العذاب‮« ‬عقب كتابة مسرحية‮ »‬فرسان الله والأرض‮« ‬أي‮ ‬في‮ ‬منتصف الستينيات من القرن الماضي،‮ ‬وظلت الفكرة تراودني‮ ‬بين حين وآخر خصوصًا وأنني‮ ‬حاولت دراسة الأزمة الروحية والفلسفية التي‮ ‬كان‮ ‬يعيشها شعراء العصر الجاهلي‮ ‬لا سيما الشعراء الصعاليك،‮ ‬فقد كنت أراها مرحلة تموج بالأفكار والفلسفية والوجودية التي‮ ‬تعبر عن أزمة الإنسان في‮ ‬الكون في‮ ‬مواجهة قضايا الوجود والحياة والمعاناة الفكرية التي‮ ‬كان‮ ‬يعانيها الإنسان بشكل فردي‮ ‬أو بشكل جماعي،‮ ‬ولذلك كانت لدي‮ ‬هؤلاء الشعراء الصعاليك أفكار فلسفية وجودية وأحيانا عبثية إلي‮ ‬جانب أفكار أخري‮ ‬اجتماعية أقرب إلي‮ ‬الاشتراكية في‮ ‬مفهومها الإنساني‮ ‬وليس الأيدولوجي‮ - ‬كل هذه الأفكار كان منشؤها الشعور باللامعني‮ ‬في‮ ‬الحياة والإحساس بعبثيتها،‮ ‬وعدم الانتماء لأي‮ ‬قيمة ذات معني‮ ‬نظرًا للمعاناة الشديدة التي‮ ‬كانوا‮ ‬يشعرون بها في‮ ‬مجتمع صحراء الجزيرة العربية القاتلة باعتبارها صعاليك خلعتهم قبائلهم وتبرأت منهم وطردتهم إلي‮ ‬هذه الصحراء الشاسعة بكل ما فيها من قسوة وعنف ووحشية وحواء،‮ ‬وكان من الطبيعي‮ ‬أن تظهر الدعوة الإسلامية في‮ ‬مثل هذه الظروف خصوصًا وقد سبقتها إرهاصات لدعوات أخري‮ ‬من بعض الشعراء والدعاة والحكماء ممن ادعوا الحكمة أو النبوة للخروج من هذا المأزق الوجودي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬إلي‮ ‬أن اكتملت الرؤية وتبلورت الدعوة الإسلامية،‮ ‬ومن ثم قلبت كل المفاهيم والأفكار التي‮ ‬سادت في‮ ‬تلك الفترة وحولت مسارها من العبثية واللاانتماء إلي‮ ‬طريق النظرية الجديدة التي‮ ‬تبنتها هذه الدعوة باعتبارها حلا لكل مشاكل الإنسان الواقعية والميتافيزيقية‮.‬
كل هذه الأفكار كانت تراودني‮ ‬منذ منتصف الستينيات‮  ‬حتي‮ ‬نهاية السبعينيات حيث كانت الحياة السياسية في‮ ‬مصر والمنطقة العربية قد وقعت في‮ ‬مأزق معاهدة السلام مع العدو الإسرائيلي،‮ ‬وارتفعت مقولة أن لا حل سوي‮ ‬مسالمة هذا العدو الشرس الذي‮ ‬يستعين بأمريكا التي‮ ‬تملك تسعة وتعسين في‮ ‬المئة من أوراق اللعبة،‮ ‬هنا وجدت نفسي‮ ‬أشرع في‮ ‬كتابة مسرحية‮ »‬الثأثر ورحلة العذاب‮« ‬التي‮ ‬تدور حول مأسرة الشاعر الجاهلي‮ ‬امرؤ القيس الذي‮ ‬رفض حياة أبيه الملك ويعيش حياة العبث واللهو والصعلكة مع خلفاء القبائل وسط الصحراء الممتدة والتي‮ ‬وجد فيها تعبيرًا عما‮ ‬يعانيه من خواء وعبث الوجود ولامبالاة إلي‮ ‬أن‮ ‬يأتيه خبر مقتل والده الملك حجر بن الحارث ملك كندة وعليه أن‮ ‬يأخذ بثأر أبيه الذي‮ ‬كان قد أمر بقتله بسبب صعلكته،‮ ‬ورغم أنه رفض في‮ ‬البداية وبإصرار شديد أن‮ ‬يأخذ بهذا الثأر إلا أنه قد قبله تحديا للآلهة التي‮ ‬حذرته من قبول الثأر،‮ ‬ومضي‮ ‬في‮ ‬طريق الحرب‮ ‬يقاتل قتله أبيه ليس وحدهم ولكن من كانوا وراء قتله من القوي‮ ‬العظمي‮ ‬الممثلة في‮ ‬ذلك الوقت الفرس والروم،‮ ‬أي‮ ‬من كانت بأيديهم معظم أوراق اللعبة،‮ ‬وهنا وقع في‮ ‬الخطأ التراجيدي‮ ‬الذي‮ ‬أودي‮ ‬بحياته وذلك حينما أراد أن‮ ‬يستعين بقوة الروم في‮ ‬مواجهة قوة الفرس وكانت النتيجة أن وقع في‮ ‬الخديعة التي‮ ‬قضت عليه وهي‮ ‬ثقته في‮ ‬الملوك والقياصرة وتخليه عن أصحاب القضية الأصلية وهم أصدقائه من الصعاليك الذين كانوا خير عون له في‮ ‬الحصول علي‮ ‬حقه وثأر أبيه‮.‬
في‮ ‬ذلك الوقت كنت قد عدت من عملي‮ ‬في‮ ‬البعثة التعليمية في‮ ‬ليبيا والتي‮ ‬قضيت فيها أربع سنوات عجاف لم أكتب فيها كلمة إبداعية واحدة،‮ ‬ووجدتني‮ ‬غارقا في‮ ‬كتابة هذه المسرحية التراجيدية دون أن أتوقف وكأنما كنت قبلها مسجونا مقيد الفكر والإبداع ثم جاء الإفراج الذي‮ ‬أطلق كل ما لدي‮ ‬من قوي‮ ‬إبداعية كامنة كتبت فيها هذه المسرحية ومسرحية‮ »‬رجل في‮ ‬القلعة‮« ‬في‮ ‬فترة العام الذي‮ ‬أعقب هذه العودة مباشرة بلا توقف بالإضافة إلي‮ ‬أنني‮ ‬كنت متشوقا لممارسة الفعل المسرحي‮ ‬علي‮ ‬خشبة المسرح،‮ ‬ووجدت ضالتي‮ ‬حين شاركت في‮ ‬إنشاء نادي‮ ‬للمسرح في‮ ‬قصر ثقافة دمياط وذلك قبل الانتقال إلي‮ ‬القاهرة،‮ ‬وقد عاونني‮ ‬في‮ ‬ذلك أصدقاء مسرحيون راحلون هم محمد محمد الشربيني‮ ‬ومجدي‮ ‬الجلاد وفوزي‮ ‬سراج وبالتعاون أيضا مع أصدقاء أدباء من نادي‮ ‬الأدب في‮ ‬قصر الثقافة منهم محسن‮ ‬يونس وعبد العزيز حبة ومحمد الزكي،‮ ‬وكان إنشاء هذا النادي‮ ‬بمثابة البذرة الأولي‮ ‬التي‮ ‬ترعرعت منها نوادي‮ ‬المسرح في‮ ‬الثقافة الجماهيرية والتي‮ ‬قام علي‮ ‬ترسيخها وإرساء دعائمها فيما بعد المخرج الراحل عادل العليمي‮ ‬والمخرج سامي‮ ‬طه،‮ ‬في‮ ‬هذا النادي‮ ‬قدمنا ثلاث تجارب تعتبر هي‮ ‬الأخري‮ ‬بدايات للمسرح التجريبي‮ ‬من وجهة نظرنا مثل تشخيص القصة القصيرة علي‮ ‬خشبة المسرح وهي‮ ‬أشبه بالمونودراما وكذلك تجربة عن‮ ‬يوميات نجار دمياطي‮ ‬ومعاناته في‮ ‬ظل ظروف اقتصادية صعبة،‮ ‬ثم تجربة جمعنا فيها ما بين القصيدة الشعرية وأحد الفنون التشكيلية وهي‮ ‬فن النحت‮. ‬أثناء ذلك كنت أقوم برحلة أسبوعية إلي‮ ‬القاهرة لأحاول معرفة ظروف توقف عرض مسرحيتي‮ »‬سيف الله‮« ‬التي‮ ‬أوقفها المخرج سمير العصفوري‮ ‬ليلة الافتتاح أول‮ ‬يناير سنة‮ ‬1980‮ ‬بسبب خوفه من تهديدات الجماعات الدينية المتطرفة،‮ ‬وحاولت استئناف عرضها ولكنني‮ ‬فشلت في‮ ‬مسعاي،‮ ‬وكان من المفروض أن‮ ‬يتم محاسبة إدارة مسرح الطليعة علي‮ ‬توقف العرض الذي‮ ‬يعتبر إهدارا للمال العام،‮ ‬وطالبت من مدير مسرح الطليعة حينذاك الفنان محمود الحديني‮ ‬الذي‮ ‬تولي‮ ‬مسئولية إدارة المسرح بعد انتقال سمير العصفوري‮ ‬إلي‮ ‬المسرح الحديث أن‮ ‬يتولي‮ ‬مسئولية التحقيق في‮ ‬هذا الموضوع إلا أنه أخبرني‮ ‬أنه ليس مسئولا عن خطة المسرح السابقة ولا‮ ‬يريد أن‮ ‬يدخل نفسه في‮ ‬هذه القضية التي‮ ‬قد تسيء إلي‮ ‬علاقته بسمير العصفوري،‮ ‬وفي‮ ‬محاولة منه لإبداء عدم مسئوليته عن الماضي‮ ‬وتحمله مسئولية الحاضر طلب مني‮ ‬مسرحية أخري‮ ‬ليقدمها في‮ ‬خطته بمسرح الطليعة في‮ ‬هذا العام،‮ ‬وإدراكا مني‮ ‬إلي‮ ‬أنه من العبث البكاء علي‮ ‬اللبن المسكوب أخبرته أنني‮ ‬بصدد كتابة مسرحية‮ »‬الثأر ورحلة العذاب‮« ‬وسوف أقدمها إليه بمجرد الانتهاء من كتابتها،‮ ‬وبالفعل قدمت إليه المسرحية وقرأها وتحمس لها ووضعها في‮ ‬خطة مسرح الطليعة من إخراج الراحل ماهر عبد الحميد الذي‮ ‬بدأ فعلا في‮ ‬خطة الإخراج،‮ ‬إلا أنه حدثت عدة تغييرات إدارية وانتقل محمود الحديني‮ ‬إلي‮ ‬المسرح الحديث،‮ ‬وعاد سمير العصفوري‮ ‬إلي‮ ‬مسرح الطليعة،‮ ‬وما أن عرف أن مسرحيتي‮ ‬في‮ ‬خطة المسرح حتي‮ ‬أخذ في‮ ‬إثارة المعوقات لمنع إنتاجها ولا أدري‮ ‬سببا لذلك‮ ‬غير أنني‮ ‬أري‮ ‬أنها طبيعته الذاتية،‮ ‬فهذا المسرح‮.. ‬أي‮ ‬مسرح الطليعة كان‮ ‬يعتبره ملكا خاصا به ولا‮ ‬يقدم عليه إلا ما قد‮ ‬يتفق ومزاجه الخاص أو من‮ ‬يسايره في‮ ‬توجهاته الإخراجية التي‮ ‬تتسم دائما بالسخرية أو ما أسميه أنا بالمسخرة،‮ ‬فإن معظم أعماله المسرحية تأخذ هذا الطابع العبثي‮ ‬الساخر،‮ ‬ويبدو أن مسرحية‮ »‬سيف الله‮« ‬كانت الاستثناء الوحيد الذي‮ ‬يقدمه علي‮ ‬خشبة مسرحه الخاص لأنها مسرحية تتسم بالجدية والصرامة التي‮ ‬لا تتفق مع توجهاته الفنية الساخرة،‮ ‬ومن هنا كما‮ ‬يبدو وجد فرصته للتخلص منها عندما أثارت الجماعات الدينية المتطرفة الزوبعة حول المسرحية فأوقفها ليلة الافتتاح ليقول في‮ ‬نفسه‮ »‬بركة‮ ‬يا جامع‮«‬،‮ ‬هذا هو تفسيري‮ ‬لموقفه الغريب الذي‮ ‬قد‮ ‬ينقذه من اتهامه بالخوف والجبن من هذه الجماعات الإرهابية‮.‬
حينئذ توجهت إلي‮ ‬محمود الحديني‮ ‬في‮ ‬مسرح السلام لأذكره بمسئوليته عما حدث في‮ ‬عهده كمدير لمسرح الطليعة،‮ ‬وإذا كان قد تنصل من مسئوليته عن مسرحية‮ »‬سيف الله‮« ‬لأنها لم تكن من إنتاجه أو في‮ ‬عهده،‮ ‬فإن مسرحية‮ »‬الثأر ورحلة العذاب‮« ‬كانت باختياره وتحت مسئوليته المباشرة،‮ ‬فتري‮ ‬ماذا هو فاعل؟

محمد ابو العلا السلاموني

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٦

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here