اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الورشة التطبيقية‮ ‬ في‮ ‬الإخراج المسرحي ‮ ‬إنجمار بيرجمان وإخراج‮ »‬مس جوليا‮« .. ‬الجزء الخامس

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

التجسيد الأدائي‮ ‬لصدمة جوليا الكبري
إن سلوك جان العنيف تجاه جوليا‮ ‬يضعها في‮ ‬مأزق نفسي‮ ‬حاد،‮ ‬من هنا فهي‮ ‬لا تتمالك نفسها؛ إذ تنتابها حالة هيستيرية تفتك بجسدها،‮ ‬فتدخل في‮ ‬حالة تشبه حالات الصرع،‮ ‬وتقع علي‮ ‬الأرض بعد أن تدخل في‮ ‬نوبة من التشنجات تتقلب علي‮ ‬أثرها علي‮ ‬الأرض مرات عديدة،‮ ‬في‮ ‬حين نري‮ ‬ممثل دور جان‮ ‬يجلس علي‮ ‬كرسيه لا‮ ‬يحرك ساكناً‮ ‬ولا‮ ‬يفكر إلا في‮ ‬حلمه المجهض‮. ‬ومرة أخري‮ ‬يقود برجمان الإيقاع إلي‮ ‬قمة مستوياته عن طريق خلق التناقض في‮ ‬الصوت والصورة؛ هذا التناقض الكائن بين حركة جوليا المتشنجة علي‮ ‬الأرض في‮ ‬مقابل سكون جان‮. ‬علي‮ ‬الكرسي،‮ ‬وكذلك صراخ جوليا المصاحب لتشنجاتها في‮ ‬مقابل صمت مطبق‮ ‬يسيطرعلي‮ ‬جان‮. ‬ولا‮ ‬يكتفي‮ ‬جان بذلك،‮ ‬بل إنه‮ ‬يذهب ويحضر لنفسه كأساً‮ ‬من الخمر،‮ ‬ويشعل سيجاراً‮ ‬وهي‮ ‬تتلوي‮ ‬من عنف ما أصابها من صدمة‮. ‬وتصحو جوليا صحوة مؤقتة لتتذكر فجأة أنها ابنة الكونت عندما تجد نفسها منهارة ملتصقة بالأرض التي‮ ‬طالما حلمت بالسقوط عليها والغوص فيها،‮ ‬في‮ ‬مقابل جان الذي‮ ‬يجلس علي‮ ‬الكرسي‮ ‬في‮ ‬مستوي‮ ‬أعلي‮ ‬منها‮.‬
هذا التعاكس الرأسي‮ ‬أيقظ جوليا من‮ ‬غفوتها،‮ ‬فتحاملت علي‮ ‬نفسها،‮ ‬وقررت أن تذكره بوضعيتها الاجتماعية في‮ ‬مقابل وضعها الطبقي‮:‬
‮"‬جوليا أيها النذل،‮ ‬أيها الخادم،‮  ‬قف عندما أتحدث إليك‮"‬
هنا لا‮ ‬يجد جان مفراً‮ ‬من توجيه سيل من الإهانات لها مصحوباً‮ ‬بالكثير من اللطمات العنيفة علي‮ ‬جسدها،‮ ‬فيضربها بظهر‮ ‬يده علي‮ ‬كتفيها،‮ ‬ويسحبها بعنف بالغ‮ ‬من‮ ‬يدها،‮ ‬ويلقي‮ ‬بها علي‮ ‬المنضدة،‮ ‬ثم‮ ‬يلقي‮ ‬بجسده فوقها في‮ ‬إهانة جسدية بفعل جنسي‮ ‬خشن مهين لكي‮ ‬يذكرها بأنها فرطت في‮ ‬كرامتها لحظة أن سمحت لخادمها باختراقها‮.‬
يري‮ ‬جان الآن واقعه اليائس المحبط‮  ‬بعد تبخر تلك الأحلام الوردية التي‮ ‬طالما عابثت ذهنه؛ في‮ ‬حين تضع جوليا رأسها بين كفيها باكية‮. ‬ومرة أخري‮ ‬يضيف برجمان لقطة جمالية قائمة علي‮ ‬التناقض في‮ ‬الصورة حيث تجلس جوليا علي‮ ‬الكرسي‮. ‬بينما‮ ‬يتحرك جان حولها حركة دائرية وهو‮ ‬يؤنبها،‮ ‬هذا التباين فيما بين السكون والحركة الدائرية‮ ‬يعززه تباين آخر في‮ ‬الصوت في‮ ‬مقابل صمت جوليا المطبق في‮ ‬مواجهة ضجيج جان الذي‮ ‬يؤنبها علي‮ ‬ما آل إليه حاله،‮ ‬وعلي‮ ‬زيف طبقتها التي‮ ‬شبهها بالذهب الذي‮ ‬طالما حلم باقتناصه حتي‮ ‬إذا ما ملكه في‮ ‬قبضة‮ ‬يده أدرك أن هذا الذهب لم‮ ‬يكن إلا بريقاً‮ ‬زائفاً‮. ‬عندها‮ ‬يدرك جان أن ما كان‮ ‬يجاهد في‮ ‬سبيل الوصول إليه ليس أفضل ولا أكثر أصالة من واقعه الذي‮ ‬عاشه طوال عمره كله‮. ‬وإمعاناً‮ ‬في‮ ‬توجيه المزيد من الإهانة لسليلة الأسرة الراقية؛‮ ‬يقوم جان بمداعبتها مرة أخري،‮ ‬فيضع‮ ‬يديه علي‮ ‬كتفيها وظهرها له ويعبث في‮ ‬صدرها،‮ ‬ثم‮ ‬يقبلها وهي‮ ‬مستسلمة‮ ‬يائسة لا تملك من أمر إرادتها شيئاً،‮ ‬وتزداد حركته الشهوانية فينفعل أكثر وأكثر،‮ ‬وتسيطر عليه حالة من حالات التهيج الجنسي‮ ‬التي‮ ‬يغلب عليها طابع الإهانة والسادية والعبث بعرض طبقة بأسرها أكثر مما تسيطرعليه حالة نشوة حسية رومانتيكية‮. ‬يظهر ذلك من خلال نظراته الحادة التي‮ ‬لا تحمل طابع شهوة بقدر ما تحمل إحباطاً‮ ‬وكراهية موجهين إلي‮ ‬جوليا التي‮ ‬يري‮ ‬جان‮ - ‬في‮ ‬هذه اللحظة‮ -  ‬أنها السبب الأوحد لعدم تمكنه من الإمساك بالفرع الأول الذي‮ ‬سيصل به إلي‮ ‬ذروة شجرة أحلامه‮. ‬لا‮ ‬يتوقف الأمر عند النظرات الحادة،‮ ‬بل‮ ‬يمتد ليشمل سلوكاً‮ ‬جنسياً‮ ‬خشناً؛ إذ‮ ‬يستدير ليواجهها،‮ ‬ويجلس علي‮ ‬الأرض في‮ ‬حركات متشنجة،‮ ‬ويدس‮ ‬يده أسفل فستانها،‮ ‬ويعبث بجسدها بشكل حيواني،‮ ‬ثم‮ ‬يقبض عليها من صدرها بعنف بالغ‮ ‬وهي‮ ‬حائرة تتنازعها الرغبات المتباينة فيما بين الاستسلام للنشوة الجنسية الخفيفة التي‮ ‬يمكن أن تستخلص بعضاً‮ ‬من أثرها خلال استجابتها الفطرية لاحتياج بيولوجي‮ ‬يعتري‮ ‬الإنسان في‮ ‬لحظة عوز أو ضعف،‮ ‬ومحاولاتها المستمرة للتغلب علي‮ ‬تلك الصدمة التي‮ ‬تعيش آثارها باكية متحسرة علي‮ ‬تلك الأيام الخوالي‮ ‬التي‮ ‬كانت فيها واحدة من أبناء الطبقة العليا تشمخ بأنفها وتأمرعبيدها فيطيعون الأمر،‮ ‬وهي‮ ‬تخشي‮ ‬من لحظة عودة أبيها،‮ ‬إذ‮ ‬يجدها وقد ألقت بتاريخ عائلتها ومكانتها الاجتماعية في‮ ‬بئر من القذارة التي‮ ‬تفوق في‮ ‬دناءتها قذارة طبقة الخدم‮.‬
صورعديدة متباينة متعاركة تتأرجح وتتصارع في‮ ‬ذهنها،‮ ‬في‮ ‬حين لايتوقف جان عن معابثتها تارة من تحت ثوبها،‮ ‬وتارة من صدرها وهي‮ ‬تحتضنه‮  ‬في‮ ‬صورة معبرة عن مشاعر متضاربة تعتريها؛ ففي‮ ‬حضنها له فرار من إحساسها بالإهانة والخوف من الكونت الغائب الحاضر،‮ ‬وفي‮ ‬حضنها استجابة فطرية للاحتياج وللشعور بالأمان،‮ ‬وفي‮ ‬حضنها رد فعل‮ ‬غريزي‮ ‬لإثارته لها‮. ‬وبالتدريج تتصاعد الحالة الانفعالية لجوليا فتسيطرعليها حالة من حالات الاستجابة البيولوجية تأخذها بعيداً‮ ‬عن كل أفكارها،‮ ‬فتنفعل وتحتضنه بعنف في‮ ‬شبق جنسي‮ ‬واضح؛ إذ ترفع قدميها لأعلي،‮ ‬وهو لا‮ ‬يتوقف عن تصعيد تلك الحالة الانفعالية حتي‮ ‬ليبدو الأمر وكأنها مواقعة جنسية كاملة؛ في‮ ‬حين‮ ‬يستمر جان في‮ ‬سلوكه الحيواني‮ ‬تجاهها ولمساته الفجة،‮ ‬وكأنه‮ ‬يعيد مشهد سقوط سيدته المروع‮. ‬
ويتصاعد الموقف الدرامي،‮ ‬فيمسك جان بشعرها في‮ ‬عنف لايخلو من ملامح سادية‮ ‬يتصف بها ذلك الخادم المتسلق،‮ ‬وبسبب تلك المعاملة الخشنة من جانبه‮ ‬يستيقظ وعي‮ ‬جوليا تدريجياً‮ ‬في‮ ‬محاولات ضعيفة متواترة لمقاومته؛ حيث تحاول الإمساك ولو بطرف من أطراف إرادتها الغائبة إلي‮ ‬أن تتمكن من دفعه مرة واحدة ليقع علي‮ ‬الأرض‮ ‬غير مصدق بأنها استطاعت أن تفلت من قبضته‮. ‬وهنا تدفن جوليا رأسها بين كفيها،‮ ‬وتلصق أنفها بسطح المنضدة،‮ ‬ثم ترفع رأسها وتنظر إلي‮ ‬أنحاء المطبخ الذي‮ ‬أصبح هو بيئتها وموقع هزيمتها،‮ ‬وتصيح في‮ ‬وجه جان‮:‬
‮"‬جوليا دعني‮ ‬لحالي‮ .. ‬لن تستطيع أن تكسبني‮ ‬بهذه الطريقة‮"‬
د‮. ‬جمال‮ ‬ياقوت‮ ‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٦

1 تعليق

  • أضف تعليقك محمد حسن الخميس, 15 كانون2/يناير 2015 13:03 أرسلت بواسطة محمد حسن

    بالتوفيق لكل المسرحيين في الوطن العربي واتمنى ان يعود المسرح ابو الفنون كعادته

    زميلكم محمد حسن ممثل مسرحي من قطاع غزة - فلسطين

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here