اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

دليل الناقد الذكي‮ ‬لمدارس ومناهج النقد المسرحي سقراط النقد العربي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

ظهرت حينئذ كتابات‮ "‬محمد تيمور‮" ‬النقدية التعريفية علي‮ ‬صفحات مجلة‮ (‬السفور‮) ‬في‮ ‬عامي‮ ‬1918 و1919‮ ‬ مقدمة سلسلة مقالات متميزة عن تاريخ التمثيل في‮ ‬فرنسا ثم في‮ ‬مصر،‮ ‬ومع منتصف العشرينيات بدأت المجلات المتخصصة في‮ ‬الظهور مثل‮ (‬التياترو المصورة‮) ‬و(التمثيل‮) ‬عام‮ ‬1924  و(الميكروسكوب‮) ‬و(روز اليوسف‮) ‬و(المسرح‮) ‬عام‮ ‬ 1925 و(الممثل‮) ‬عام‮ ‬ 1926 و(الناقد‮) ‬عام‮ ‬1927  وقدمت هذه المجلات مقالات مترجمة عن المسرح مثل مقال للفرنسي‮ ‬وأبرز ممثلي‮ ‬النقد التأثيري‮ "‬جول‮  ‬لمتر‮" ‬عن‮ (‬تأثير لورد بيكون علي‮ ‬شكسبير‮)‬،‮ ‬ورأي‮ ‬الروائي‮ ‬الرومانسي‮ ‬الفرنسي‮ ‬أيضا‮ "‬فيكتور هيجو‮" ‬في‮ (‬مسرحية هملت‮).‬
ثم تأتي‮ ‬الأربعينيات،‮ ‬لتتسلم الأجيال الجديدة راية التنوير الفكري‮ ‬من الأجيال السابقة،‮ ‬تدعمها وتنتقل بها خطوات أوسع وأعمق في‮ ‬ظل واقع فوار بالمتغيرات العالمية والعربية،‮ ‬خاصة مع قيام الحرب العالمية الثانية،‮ ‬وما استتبع ذلك من تغيرات اجتماعية واقتصادية،‮ ‬وصعود شرائح دنيا من البورجوازية،‮ ‬ووجد جيل الأربعينيات بين‮ ‬يديه هرما من الأفكار المتفاعلة من داروينية وعقلانية وماركسية وتراثية،‮ ‬فضلا عن ممارسات نقدية وجهت حركة النقد نحو الاهتمام بالدلالات الاجتماعية والجمالية للفن،‮ ‬أضاف فيها جيل سلامة موسي‮ ‬ومفيد الشوباشي‮ ‬إلي‮ ‬رصيد طه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل ولطفي‮ ‬السيد وغيرهم من أجيال العقود الأولي،‮ ‬أضاف بعدا اجتماعيا للحرية الإنسانية،‮ ‬وبعدا علميا للنقد الاجتماعي‮.‬
اللانسونية
ومع بداية الخمسينيات،‮ ‬تخرج لساحة النقد كوكبة من النقاد العرب باجتهادات متميزة في‮ ‬حقل التأسيس المنهجي‮ ‬للنقد العربي،‮ ‬فنجد‮ "‬حسين مروه‮" ‬و"محمود أمين العالم‮" ‬و"عبد العظيم أنيس‮" ‬يعمقون مسار الواقعية الاشتراكية بأفكار ماركسية،‮ ‬جنبا إلي‮ ‬جنب الواقعية التأثيرية‮ (‬الانطباعية‮) ‬التي‮ ‬حمل لواءها في‮ ‬البادية‮ "‬محمد مندور‮" ‬بملامحها اللانسونية،‮ ‬والواقعية التاريخية الذي‮ ‬دعمها د‮. "‬لويس عوض‮" ‬بثقافته الموسوعية،‮ ‬والجمالية التي‮ ‬أتي‮ ‬بها‮ "‬رشاد رشدي‮" ‬مع نهاية الخمسينيات من مدرسة النقد الجديد الأنجلو أمريكية،‮ ‬ثم تأتي‮ ‬العقود الأخيرة لتطرح علي‮ ‬الساحة مناهج بنيوية وسيميولوجية وتفكيكية وغيرها مما تعرضنا له من قبل،‮ ‬ترفض توجهات نقد الخمسينيات والستينيات التي‮ ‬أعلت‮ (‬مادة‮) ‬العمل الإبداعي‮ ‬و(رسالته‮) ‬علي‮ ‬بنيته الأدبية والمسرحية،‮ ‬لتمارس إعلاء مقابلا لبنية العمل الفني‮ ‬وصياغته الشكلية علي‮ ‬حساب الوظيفة الاجتماعية والرسالة الإنسانية،‮ ‬مغلقة العمل الفني‮ ‬أو الأدبي‮ ‬علي‮ ‬ذاته،‮ ‬ودائرة في‮ ‬الأساس حول‮ (‬النص‮) ‬المبدع،‮ ‬مما دفعها نحو الإبداع اللغوي،‮ ‬وحقل الشعر بشكل خاص،‮ ‬أما المسرح كإبداع مرئي‮ ‬تتداخل فيه الكلمة بالحركة بالسينوجرافيا،‮ ‬وتتفاعل عبره الرؤية النصية بالرؤية الإخراجية ومشتملاتها مع رؤية الجمهور المتلقي‮ ‬له في‮ ‬وجود زماني‮/ ‬مكاني‮ ‬محدد،‮ ‬وعبر شروط ثقافية معينة،‮ ‬تجعل من هملت القرن السابع عشر‮ ‬غير هملت اليوم،‮ ‬وهملت مدريد‮ ‬غير هملت تونس،‮ ‬رغم انتماء هؤلاء‮ (‬الهملتيين‮) ‬إلي‮ ‬مبدع نصي‮ ‬واحد هو‮ "‬شكسبير‮"‬،‮ ‬وعليه‮ ‬يصبح العرض المسرحي‮ ‬داخل أطلال مصنع للسبائك قديم بوسط مدريد،‮ ‬غيره‮ ‬يعرض وسط أطلال مصنع للألبان مدمر في‮ ‬بغداد،‮ ‬وهو ما‮ ‬يتطلب مقاييس ومعايير نقدية تدور حول العرض المسرحي‮ ‬كعرض فني‮ ‬متكامل ودوره التغييبي‮ ‬أو التنويري‮ ‬في‮ ‬واقعه،‮ ‬كما‮ ‬يتطلب وعيا بالتفاعلات الحضارية بين بلدان العالم،‮ ‬وموقفا لا‮ ‬يرفض الغرب بعلاته ولا‮ ‬يقبله بعلاته أيضا‮. ‬
سقراط النقد العربي
في‮ ‬قاعات وممرات معهدي‮ ‬الفنون المسرحية والدراسات العربية العالية،‮ ‬راح‮ (‬المعلم‮) "‬محمد مندور‮" ‬يؤسس لفكره النقدي‮ ‬المسرحي‮ ‬بين تلاميذه،‮ ‬فيطرح الأسئلة ويقلب الأفكار ويثير العقول حول مفهوم المسرح ومنابعه،‮ ‬ثم‮ ‬يعيد كتابة ما قاله وسطره بعض من تلاميذه في‮ ‬صورة كتب تبدو أحيانا أقرب لكراسات الطلاب المتميزين،‮ ‬وتتكرر فيما بينها الأفكار،‮ ‬وبخاصة ما‮ ‬يتعلق بكتب التنظير،‮  ‬أما كتب التطبيق،‮ ‬فهي‮ ‬جامعة لمقالاته المنشورة في‮ ‬الصحف،‮ ‬ويغلب عليها وعيه بقارئ الجريدة المتأرجح بين التخصص ومجرد معرفة فن المسرح،‮ ‬ويهيمن عليها أيضا شعور المعلم المستنير المؤمن بأن دوره لا‮ ‬يقف عند حد نقل المعلومات والأفكار والصيغ‮ ‬الفنية،‮ ‬بل علي‮ ‬توعية العقل بأهميتها وتأثيرها في‮ ‬وجدانه،‮ ‬ولذا‮ ‬يبعث بأفكاره وآرائه وتعاليمه عبر أسلوب راق دون تعقيد،‮ ‬وصاف دون معاضلة،‮ ‬وذلك بإدراك أن أسلوب الكتابة ليست له وظيفة في‮ ‬ذاته،‮ ‬بل في‮ ‬قدرته علي‮ ‬حمل الأفكار ونقلها للمتلقي،‮ ‬وهو ذات ما آمن به في‮ ‬الفن وسبل التربية،‮ ‬فالشكل معبر عن المضمون،‮ ‬والوسيلة وسيط بين المرسل والمستقبل‮.‬
ولد‮ "‬محمد مندور‮" ‬عام‮ ‬1907‮ ‬ وهبط للقاهرة ليدرس القانون ليكون وكيلا للنائب العام مثلما توجه قبله‮ "‬أحمد أمين‮" ‬و"توفيق الحكيم‮"‬،‮ ‬ودفعه أستاذه د‮. "‬طه حسين‮" ‬للالتحاق بكلية الآداب مع الحقوق،‮ ‬وذلك عندما لمس نبوغه في‮ ‬قاعة درس الأدب العربي‮ ‬الذي‮ ‬كان مقررا علي‮ ‬طلاب السنة الأولي‮ ‬بكليتي‮ ‬الآداب والحقوق معا،‮ ‬وعقب تخرجه من الكليتين سافر إلي‮ ‬باريس عام‮ ‬1931 ‮ ‬ليدرس الآداب واللغات اليونانية القديمة واللاتينية والفرنسية وفقهها المقارن،‮ ‬ليكون امتداداً‮ ‬لاستاذه‮ "‬طه حسين‮"‬،‮ ‬وعاد عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية دون الحصول علي‮ ‬شهادة الدكتوراه التي‮ ‬طلب منه إنجازها في‮ ‬الأدب العربي،‮  ‬والذي‮ ‬أجبره أستاذه عقب عودته علي‮ ‬إنجازها في‮ ‬مصر،‮ ‬فأنجز أطروحته عن‮ "‬تيارات النقد العربي‮ ‬في‮ ‬القرن الرابع الهجري‮" ‬والتي‮ ‬طبعت فيما بعد باسم‮ (‬النقد المنهجي‮ ‬عند العرب‮)‬،‮ ‬والذي‮ ‬أسس منهجه فيها علي‮ ‬القراءة التأثرية التي‮ ‬وضعها الأكاديمي‮ ‬الفرنسي‮ "‬جوستاف لانسون‮" ‬في‮ ‬كتابه‮ (‬منهج البحث في‮ ‬تاريخ الأدب‮)‬،‮ ‬وهو الكتاب الذي‮ ‬ترجمه‮ "‬مندور‮" ‬نفسه وألحقه بكتابه‮ (‬النقد المنهجي‮).‬
منهج ومراحل
أنجز‮ "‬مندور‮" ‬رسالته للدكتوراه بإشراف عميد كلية الآداب المؤرخ المتميز والمتحمس له د‮. "‬أحمد أمين‮"‬،‮ ‬ليحصل علي‮ ‬الدرجة التي‮ ‬تؤهله للعمل بالجامعة،‮ ‬والتي‮ ‬سرعان ما تركها ليتفرغ‮ ‬خلال الأربعينيات من القرن الماضي‮ ‬للعمل العام ؛ كاتبا صحفيا،‮ ‬وناشطا بالطليعة الوفدية،‮ ‬ومحاميا عن البسطاء،‮ ‬وسارت كتاباته بالتوازي‮ ‬بين حقول السياسة والثقافة والأدب،‮ ‬تجلت الكتابة في‮ ‬الحقلين الأول والثاني‮ ‬في‮ ‬مجموعة كبيرة من مقالاته التي‮ ‬نشرت بصحف الوفد،‮ ‬وجمع البعض منها فيما بعد في‮ ‬كتب مثل‮ (‬كتابات لم تنشر‮) ‬في‮ ‬منتصف الستينيات،‮ ‬وتجلت الكتابة الأدبية في‮ ‬كتابيه‮ (‬نماذج بشرية‮) ‬1943 ‮ (‬في‮ ‬الميزان الجديد‮) ‬1944‮ ‬ وكانا أيضا تجميعا لمقالات نشرت له بالصحف المختلفة،‮ ‬قدم في‮ ‬الأول مجموعة من الشخصيات الأدبية التي‮ ‬صارت أقرب للنماذج البشرية المحتذي‮ ‬بها،‮ ‬مثل‮ "‬دون كيشوت‮" ‬و"فاوست‮" ‬و"فيجارو‮" ‬قارئا النص الأدبي‮ ‬برؤية إنسانية تتوخي‮ ‬الموضوعية دون تنازل عن تأثره كمتلق ذي‮ ‬ذائقة نقدية رفيعة وقائمة علي‮ ‬الدربة والممارسة،‮ ‬وحدد في‮ ‬الكتاب الثاني‮ ‬منهجه في‮ ‬دراسة النقد علي‮ ‬طريقة الجامعات الفرنسية التي‮ ‬درس بها في‮ ‬ثلاثينيات القرن الماضي،‮ ‬والمعتمدة علي‮ (‬تفسير النصوص‮) ‬والتعليق عليها وشرح النظريات والمناهج عبر الدراسة التطبيقية لها‮. ‬
    أسس‮ "‬مندور‮" ‬منهجه النقدي‮ ‬علي‮ ‬رؤيته للثقافة العربية الحديثة في‮ ‬النصف الأول من القرن العشرين،‮ ‬والتي‮ ‬رأي‮ ‬أنها تقوم علي‮ ‬أساسين‮ : ‬بعث التراث العربي‮ ‬القديم والأخذ عن أوربا،‮ ‬مستفيدا في‮ ‬ذلك بما طرحه العرب في‮ ‬القرنين الثالث والرابع الهجريين،‮ ‬ومتفحصا منجزاتهم،‮ ‬بالمعايير النقدية التي‮ ‬تعلمها في‮ ‬أوربا،‮ ‬وبصورة خاصة في‮ ‬فرنسا،‮ ‬التي‮ ‬لم تقف عند حدود التأثير في‮ ‬لغته المستفيدة بدورها من دراساته القانونية الصارمة والأدبية البليغة،‮ ‬بل في‮ ‬نمط تفكيره ورؤيته للحياة،‮ ‬وقد قسم هو منهجه في‮ ‬النقد،‮ ‬في‮ ‬حوار لاحق زمنيا مع الناقد‮ "‬فؤاد دواره‮"‬،‮ ‬إلي‮ ‬ثلاث مراحل هي‮ : ‬المرحلة الجمالية‮ (‬التأثرية‮)‬،‮ ‬والمرحلة الموضوعية‮ (‬التحليلية‮) ‬والمرحلة الإيديولوجية،‮ ‬وأن حكمت هذه المراحل الثلاث رؤية سوسيولوجية تربط الفن بالحياة،‮ ‬والإبداع بالوظيفة المجتمعية‮.    ‬

د. حسن عطيه

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٦

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here