اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

تجربة الكاتب المسرحي الشكل وقانون الوحدات الثلاث

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

وعلي‮ ‬ذكر معضلة الشكل المسرحي‮ ‬والاستفادة من أشكال التراث الشعبي‮ ‬المصري،‮ ‬لا أنسي‮ ‬أن أذكر علاقته بأقدم قانون حدد الشكل المسرحي‮ ‬وهو قانون الوحدات الثلاث الذي‮ ‬وضعه أرسطو في‮ ‬كتابه فن الشعر،‮ ‬ونعني‮ ‬به وحدة الموضوع ووحدة الزمان ووحدة المكان،‮ ‬وفي‮ ‬الحقيقة‮ ‬يعتبر هذا القانون من أهم قوانين الدراما المسرحية،‮ ‬بل ربما‮ ‬يعتبر القانون الأعلي‮ ‬الذي‮ ‬يميز الشكل المسرحي‮ ‬عن‮ ‬غيره من فنون الدراما،‮ ‬فليس هناك شريك‮ ‬يستطيع أن‮ ‬ينازع شكل المسرح علي‮ ‬هذا القانون الصارم،‮ ‬فالدراما الإذاعية والسينمائية والتليفزيونية كسرت هذا القانون فضلا عن الدراما في‮ ‬شكلها الحديث الذي‮ ‬بدأ واضحا مع شكسبير حتي‮ ‬وقتنا هذا‮. ‬عندما قرأت عن هذا القانون كنت أراه بمثابة التحدي‮ ‬الأكبر الذي‮ ‬يواجه الكاتب المسرحي،‮ ‬وإذا استطاع كاتب المسرح أن‮ ‬يستجيب لهذا التحدي‮ ‬فقد حقق نصرا دراميا‮ ‬يستحق عليه التقدير،‮ ‬بل إنني‮ ‬كنت أعتبر أن الالتزام بالوحدات الثلاث في‮ ‬كتابة النص المسرحي‮ ‬يعتبر المثل الأعلي‮ ‬للدراما المسرحية الذي‮ ‬يبرز قدرات الكاتب وتمكنه من أن‮ ‬يصنع عملا مسرحيا داخل هذا الإطار الحديدي‮ ‬الذي‮ ‬يكثف فيه موضوعه الدرامي‮ ‬داخل فترة زمنية محددة لا تزيد علي‮ ‬اليوم الواحد وفي‮ ‬مكان أو ديكور واحد،‮ ‬وهذا الالتزام الصارم كان‮ ‬يمثل لي‮ ‬متعة فنية عالية أثناء معالجة العمل المسرحي،‮ ‬تماما كما كان‮ ‬يفعل الشاعر القديم حينما‮ ‬يبني‮ ‬قصائده داخل أطر بحور الشعر العربي‮ ‬وتفعيلاته الدقيقة‮. ‬وفي‮ ‬اعتقادي‮ ‬أن أرسطو حينما وضع هذا القانون كان‮ ‬يريد أن‮ ‬يميز فن المسرح عن‮ ‬غيره من الفنون خصوصا فن الملحمة وعلي‮ ‬رأسها أشهر الملاحم التي‮ ‬كتبها هوميروس‮ »‬الإلياذة والأوديسا‮« ‬اللتين تضجان ليس بوحدة الموضوع بل بتعدد الموضوعات والأحداث الكثيفة،‮ ‬وليس بوحدة الزمان بل بامتداد الأحداث والوقائع علي‮ ‬مدي‮ ‬سنوات وسنوات وليس بوحدة المكان بل باتساع المسافات والبلدان والبحار‮.‬
ويبدو أن أرسطو بهذا القانون كان واقعيًا أكثر من الواقعيين أو ملكيا أكثر من الملك،‮ ‬فهو‮ ‬يعتقد أن وجود مسرح في‮ ‬مكان واحد وهو المدرج الإغريقي‮ ‬وفي‮ ‬زمان واحد وهو فترة جلوس المشاهدين داخل هذا المدرج لمشاهدة العرض كان‮ ‬يقتضي‮ ‬رؤية موضوع واحد في‮ ‬مكان واحد وفي‮ ‬زمان واحد،‮ ‬ولذلك نجد مثلا مأساة أوديب تبدأ من نهاية الأحداث التي‮ ‬مر بها أوديب،‮ ‬رغم أن هذه الأحداث في‮ ‬حقيقتها بدأت منذ مولده حتي‮ ‬النهاية التي‮ ‬انتهت بمأساته،‮ ‬إذن كان أرسطو والكتاب الإغريق‮ ‬يرون أن المكان والزمان لا‮ ‬يتسعان لأحداث ممتدة من ولادة الإنسان حتي‮ ‬مماته،‮ ‬وهو الأمر الذي‮ ‬جعل كاتبا مثل شكسبير‮ ‬يحطم هذه القاعدة الثلاثية ويطيح بوحدة الموضوع بأن‮ ‬يختلق بجانبه موضوعات أخري‮ ‬موازية ويطيح بوحدة الزمان ويجعله ممتدا إلي‮ ‬ما شاء الله ويطيح بوحدة المكان الذي‮ ‬أصبح علي‮ ‬يده عشرات المشاهد في‮ ‬أماكن عديدة‮.‬
تري‮ ‬هل كانت نظرة أرسطو والكتاب الإغريق قاصرة إلي‮ ‬هذا الحد الذي‮ ‬لم‮ ‬يجعلهم‮ ‬يستشرفون المستقبل وتتسع رؤيتهم لاستيعاب العديد من الموضوعات والأزمنة والأمكنة،‮ ‬وهو ما تحقق للفنون الدرامية التي‮ ‬انسلخت عن فن المسرح وحققت فيه إنجازات باهرة فيما بعد كالمسلسلات الإذاعية والتليفزيونية والأفلام السينمائية وغيرها من الفنون الدرامية؟ للإجابة علي‮ ‬هذا السؤال أري‮ ‬أن الأمر علي‮ ‬رأي‮ ‬أصحاب نظريات الفقه الإسلامي‮ ‬يحتاج إلي‮ ‬تأويل في‮ ‬تفسير معني‮ ‬قانون الوحدات الثلاث عند أرسطو وهو ما أراه متحققا بالفعل في‮ ‬لعبة ما‮ ‬يسمي‮ ‬بالمسرح داخل المسرح وهو ما سوف أوضحه فيما بعد‮.‬
علي‮ ‬أية حال فقد كنت مغرما بقانون الوحدات الثلاث الذي‮ ‬كان‮ ‬يستنفر قدراتي‮ ‬الدرامية ويستنفر موهبتي‮ ‬في‮ ‬كتابة مسرحيات تلتزم بهذا القانون التزاما‮ ‬يكاد‮ ‬يكون حرفيا،‮ ‬مما جعلني‮ ‬أتعمد أن أكتب المسرحية في‮ ‬مشهد واحد أو مشهدين علي‮ ‬الأكثر،‮ ‬خصوصا في‮ ‬المسرحيات ذات الفصل الواحد وهي‮ ‬بالطبع أنسب الأشكال المسرحية التي‮ ‬يمكن أن تستوعب هذا القانون،‮ ‬فقد كتبت أول مسرحية من ذات الفصل الواحد وكانت بعنوان‮ »‬درس في‮ ‬المأساة‮« ‬تدور حول شخص‮ ‬يائس من الحياة بعد تجربة عاطفية فاشلة ويقرر الانتحار من فوق أحد الكباري‮ ‬المقامة علي‮ ‬النيل،‮ ‬ويقابله‮ ‬‮ ‬
‮ ‬شخص‮ ‬يستوقفه ليعرف منه سبب مأساته ويحاوره في‮ ‬محاولة منه لأن‮ ‬يثنيه عن قراره بالانتحار ولكن دون جدوي،‮ ‬وفجأة‮ ‬يتناهي‮ ‬إلي‮ ‬سمعهما أصوات استغاثة تحذر من أن هذا الكوبري‮ ‬علي‮ ‬وشك الانهيار ومن أمامهما‮ ‬يسرع الناس هربا قبل وقوع الكارثة وحينئذ لا‮ ‬يجد هذا الشخص الذي‮ ‬كان‮ ‬ينوي‮ ‬الانتحار‮ ‬غرقا إلا أن‮ ‬يسرع هو الآخر هاربا وسط الهاربين‮. ‬المسرحية الثانية كانت أيضا من ذات الفصل الواحد وهي‮ ‬مسرحية‮ »‬مباراة بلا نتيجة‮« ‬وهي‮ ‬تدور حول شاب ورجل‮ ‬يجلسان في‮ ‬المقهي‮ ‬يلعبان لعبة الطاولة،‮ ‬ومن خلال حوارهما المختلط بتعليقاتهما علي‮ ‬المباراة وعلي‮ ‬الزهر والحظ والمكسب والخسارة تتضح أزمة هذا الشاب الذي‮ ‬قرر أن‮ ‬يقطع صلته بالفتاة التي‮ ‬يحبها إلا أنها هددته بالانتحار إذا لم‮ ‬يعد إليها وحددت له موعدا إلا أنه نسي‮ ‬هذا الموعد وربما كان قد مضي‮ ‬زمن علي‮ ‬هذا الموعد وربما تكون قد انتحرت بالفعل‮. ‬هاتان المسرحيتان هما أول ما نشر لي‮ ‬من مسرحيات في‮ ‬مطبوعات جمعية الرواد الأدبية في‮ ‬أوائل الستينيات وقد التزمت فيهما بقانون الوحدات الثلاث،‮ ‬وبالطبع فإن المسرحيات ذات الفصل الواحد‮ ‬يمكن أن تتحقق فيها هذا القانون بدرجة سهلة؟ إلا أن الصعوبة في‮ ‬أن تتحقق في‮ ‬المسرحيات الطويلة،‮ ‬وهذا ما حاولت أن أحققه فيما كتبت من مسرحيات بعد ذلك‮. ‬تحقق هذا في‮ ‬المسرحيات الثلاث التي‮ ‬سبق أن أشرت إليها وأنا أتحدث عن معضلة الشكل المسرحي،‮ ‬أعني‮ ‬مسرحية‮ »‬حلم ليلة حرب‮« ‬التي‮ ‬تدور أحداثها حول أسطورة واحدة وفي‮ ‬ليلة واحدة هي‮ ‬ليلة القدر وفي‮ ‬مكان واحد وهو فوق السطوح،‮ ‬أيضا مسرحية‮ »‬الحريق‮« ‬التي‮ ‬تدور أحداثها حول احتفالية حرق‮ »‬دمية الألنبي‮ ‬في‮ ‬ليلة شم النسيم وفي‮ ‬مكان واحد وهو ساحة حديقة قصر الإقطاعي‮ ‬بالقرية،‮ ‬وكذلك مسرحية‮ »‬رواية النديم عن هوجة الزعيم‮« ‬التي‮ ‬تدور أحداثها عن الثورة العرابية ولمدة ساعة أو ساعتين في‮ ‬ساحة من ساحات القرية‮. ‬تحقق ذلك القانون أيضا في‮ ‬مسرحية كتبتها في‮ ‬أوائل الثمانينيات وهي‮ ‬مسرحية‮ »‬مآذن المحروسة‮« ‬التي‮ ‬تدور أحداثها حول ثورة القاهرة الأولي‮ ‬ضد الحملة الفرنسية في‮ ‬ساحة من ساحات القاهرة الفاطمية بمناسبة واحدة جمعت بين المولد النبوي‮ ‬ووفاء النيل وعيد الجمهورية الفرنسية الذي‮ ‬تصادف حدوث المناسبات الثلاث في‮ ‬ليلة واحدة‮.‬
والذي‮ ‬ساعد بالفعل علي‮ ‬تحقيق هذا القانون كان في‮ ‬الحقيقة هو استخدام لعبة المسرح داخل المسرح خصوصا في‮ ‬المسرحيتين الأخيرتين‮ »‬رواية النديم عن هوجة الزعيم‮« ‬و»مآذن المحروسة‮«‬،‮ ‬ذلك أن لعبة المسرح داخل المسرح تختزل كلا من الموضوع والزمان والمكان وتجعلها كالكبسولة المركزة التي‮ ‬تحتوي‮ ‬علي‮ ‬كل منها بلا تكلف فني‮ ‬ولا تكلفه مادية،‮ ‬كما أن لعبة التشخيص الشعبي‮ ‬تعطي‮ ‬الفرصة لاحتواء هذا القانون وتضفي‮ ‬عليه المزيد من الخصوبة والثراء والابتكار وكأنها تحقق مبدأ الكل في‮ ‬واحد،‮ ‬والذي‮ ‬يؤكد ذلك هو أن التراث الشعبي‮ ‬المصري‮ ‬الذي‮ ‬ابتكر هذا الشكل أمكنة أن‮ ‬يستوعب هذا القانون ببساطة ويحقق من ورائه إنجازات درامية هائلة من فنون العرض الشعبية في‮ ‬الساحات الذي‮ ‬حقق أيضا الجاذبية الجماهيرية في‮ ‬الريف والحضر والبادية‮. ‬وعلي‮ ‬سبيل المثال أيضا أذكر مسرحية‮ »‬رجل في‮ ‬القلعة‮« ‬التي‮ ‬تدور أحداثها في‮ ‬ليلة واحدة وفي‮ ‬مكان واحد وهو قصر محمد علي‮ ‬باشا بالقلعة،‮ ‬ورغم أن الأحداث كلها تدور خلال أربعين عاما هي‮ ‬فترة حكم محمد علي‮ ‬ومن خلال أماكن تمتد من مصر إلي‮ ‬الشام إلي‮ ‬تركيا،‮ ‬فإن الشكل الشعبي‮ ‬الذي‮ ‬دارت داخله أحداث المسرحية اختزلت كل هذه الأزمنة والأمكنة وجعلها تدور في‮ ‬ليلة واحدة وهي‮ ‬ليلة الاحتفال بتنصيب محمد علي‮ ‬باشا واليا علي‮ ‬مصر المحروسة‮.‬
محمد أبو العلا السلاموني

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٤

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here