اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

دليل الناقد الذكي‮ ‬ لمدارس ومناهج النقد المسرحي تأسيس التنظير النقدي‮ ‬العربي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

‮ ‬وكنا أشرنا في‮ ‬دراسة لنا‮ ‬غير مكتملة‮ ‬،‮ ‬نشرت ب‮ (‬مسرحنا‮) ‬منذ عدة شهور‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬أن العرب في‮ ‬مستهل نهضتهم الحديثة مع بدايات القرن التاسع عشر‮ ‬،‮ ‬قد واجهوا تحديا وجوديا مع الغرب المتسلح بالمعرفة والقوة المادية المنتصر بها عليه في‮ ‬الحملة الفرنسية وفي‮ ‬الاحتلال البريطاني‮ ‬،‮ ‬فعملوا علي‮  ‬إدراك ما‮ ‬ينقصهم من عوامل القوة المعرفية والمنجزات الإبداعية التي‮ ‬يمتلكها الغرب باعتبارها منجزات إنسانية لنا فيها نصيب في‮ ‬التأسيس عبر الحضارتين الفرعونية والعربية القديمة‮ ‬،‮ ‬ومنها المنجز المسرحي‮ ‬،‮ ‬ساعين لنقله للتعرف علي‮ ‬ماهيته وخصائصه‮  ‬،‮ ‬ثم الانتقال من النقل إلي‮ ‬التقليد لنماذج من إبداعاته‮ ‬،‮ ‬ومن التقليد للاقتباس والإضافة الحذرة‮ ‬،‮ ‬للإبداع والإنجاز الكامل الذي‮ ‬يمنح الذات العربية حق التجاور والتماثل مع الآخر المنتصر‮ ‬،‮ ‬أملا في‮ ‬التفوق المتماثل‮ ‬،‮ ‬بعد أن امتلكت الذات عناصر النصر والتفوق‮ .‬
وكما أن المبدع العربي‮ ‬حينما بدأ في‮ ‬صياغة مسرحه الحديث وفق البنية الأوروبية‮ ‬،‮ ‬لم‮ ‬يستطع الانفصال عن تراثه الإبداعي‮ ‬،‮ ‬فصاغ‮ "‬مارون النقاش‮" ‬أول مسرحية عربية‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬مسرحية‮ (‬البخيل‮) ‬1847‮ ‬ إعدادا عن موليير‮ ‬،‮ ‬ولكن في‮ ‬صيغة عربية ملحنة ومغناة‮ ‬،‮ ‬ثم صاغ‮ ‬مسرحيته التالية بعنوان‮ (‬أبو الحسن المغفل‮ .. ‬أو هارون الرشيد‮) ‬ 1849  تحوي‮ ‬داخل بنائها الأوروبي‮ ‬مادة عربية مستمدة من ألف ليلة وليلة‮ ‬،‮ ‬وتتداخل بين أعطافها المظاهر الشعبية المتمسرحة ذات الجذور في‮ ‬البيئة العربية وتراثها‮ . ‬بدأ الناقد العربي‮ ‬أيضا فيما بعد‮ ‬،‮ ‬يتعرض للمادة الإبداعية المتوجه لنقدها‮ ‬،‮ ‬مع تنوع أجناس تلك المادة الإبداعية من شعر‮ ‬غنائي‮ ‬ودراما مسرحية ورواية وليدة‮ ‬،‮ ‬دون أن‮ ‬يمتلك القدرة علي‮ ‬الانفصال عن تراثه النقدي‮ ‬العربي‮ ‬،‮ ‬المؤسس لعقليته‮ ‬،‮ ‬كما لم‮ ‬يكن قادرا علي‮ ‬الوقوف بمنأي‮ ‬عن التراث النقدي‮ ‬الغربي‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬توقفنا عند أبرز مدارسه في‮ ‬مقالاتنا السابقة هنا‮ ‬،‮ ‬وتفاعله الحي‮ ‬مع المواد الإبداعية المطروحة وقتذاك خاصة مع الاحتكاك الفكري‮ ‬بالتراث الغربي‮ ‬في‮ ‬النقد والإبداع معا‮ ‬،‮ ‬ومن ثم كان المشكل النقدي‮ ‬أمام ذلك الناقد الجديد هو كيفية صياغة رؤية نقدية معاصرة من المرتكزات الثلاثة التالية‮ :‬
تراث نقدي‮ ‬وإبداع حي
1‮ - ‬تراث نقدي‮ ‬عربي‮ : ‬قام في‮ ‬الأساس علي‮ ‬فن الشعر الغنائي‮ ‬وحده بأبنيته الدلالية والموسيقية‮ ‬،‮ ‬وتبلور في‮ ‬القرنين الثالث والرابع الهجريين‮ - ‬التاسع والعاشر الميلاديين‮ - ‬وطرح مفاهيم ومواقف نقدية‮ ‬،‮ ‬ظلت تتفاعل مع الواقع الحضاري‮ ‬العربي‮ ‬حتي‮ ‬بدأت في‮ ‬التعثر بداية من القرن العاشر الهجري‮ - ‬السادس عشر الميلادي‮ - ‬مع تحلل الحضارة العربية وانكسارها‮ ‬،‮ ‬والدخول في‮ ‬الليل العثماني‮ ‬الطويل‮ ‬،‮ ‬ليعاد بعث ذلك التراث النقدي‮ ‬العربي‮ ‬مع عصر النهضة العربية في‮ ‬القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين‮ ‬،‮ ‬بعد أن فقد استمراريته نحو ثلاثة قرون كاملة‮ .‬
 -2تراث نقدي‮ ‬غربي‮ : ‬له جذوره التي‮ ‬تحدثنا عنها‮ ‬،‮ ‬وامتداداته في‮ ‬استمرارية تفاعلية مع الإبداع والواقع الحياتي‮ ‬بشكل دائم‮ ‬،‮ ‬وخلق نظريات متكاملة ومناهج واضحة مع كافة أشكال الإبداع‮ ‬،‮ ‬مما جعل تلك النظريات والمناهج أقرب إلي‮ ‬يد الناقد العربي‮ ‬في‮ ‬تعامله مع الإبداعات الجديدة‮ - ‬المسرحية مثالا‮ - ‬من تراثه النقدي‮ ‬الخاص‮ ‬،‮ ‬وإن طرح أمامه وجهاً‮ ‬آخر للمشكل النقدي‮ ‬يدور حول طبيعة هذه النظريات والمناهج‮ ‬غير العربية‮ ‬،‮ ‬فالنظريات كما أوضحنا هي‮ ‬وليدة جدل حي‮ ‬بين الرؤي‮ ‬النقدية والرؤي‮ ‬الإبداعية داخل سياق اجتماعي‮ ‬معين‮ ‬،‮ ‬ومن ثم فإن المناهج النقدية الأوربية الحديثة والحداثية هي‮ ‬جزء من الرؤية النظرية التي‮ ‬ابتدعتها العقلية الأوربية في‮ ‬عصرها الراهن لتحل بها مشكلة إبداعية داخل واقع اجتماعي‮ ‬معين‮ ‬ .وهو ما‮ ‬يختلف مع الواقع الاجتماعي‮ ‬العربي‮ ‬في‮ ‬النصف الأول من هذا القرن ومشكلاته الإبداعية‮ ‬،‮ ‬وما تلاه من عقود‮ .‬
 - 3مادة إبداعية‮ : ‬تنتمي‮ ‬لفن جديد علي‮ ‬ساحة الإبداع العربي‮ ‬،‮ ‬وهو فن الدراما‮ ‬غربي‮ ‬التكوين ذي‮ ‬البنية الخاصة الجديدة علي‮ ‬المجتمع العربي‮ ‬،‮ ‬والوجود المتحقق بفضاء مسرح‮ ‬يتطلب تفاعل رؤي‮ ‬أخري‮ ‬إلي‮ ‬جوار رؤية صاحب النص المكتوب كالرؤي‮ ‬الإخراجية والسينوجرافية والتمثيلية والتواصل الجمعي‮ ‬مع جمهوره‮.‬
وبالتالي‮ ‬فالمسرح‮ ‬ينتمي‮ ‬– ‮ ‬كنوع فني‮ - ‬للعقلية الغربية التي‮ ‬ابتدعته،‮ ‬ويتسق مع النظريات والمناهج النقدية التي‮ ‬ابتدعتها هذه العقلية للتعامل معه‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬حين‮ ‬ينتمي‮ ‬المسرح‮ - ‬كفعل مبتدع‮ - ‬إلي‮ ‬العقلية العربية ورؤيتها الخاصة لواقعها الحياتي‮ ‬،‮ ‬وتعبيرها عن تلك الرؤية الخاصة داخل بنية فنية ليست أصيلة في‮ ‬تراثها الإبداعي‮ ‬،‮ ‬مما‮ ‬يخلق مشكلا آخر أمام المبدع والناقد العربيين عن كيفية التوفيق بين المحتوي‮ ‬العربي‮ ‬والبنية الدرامية الغربية‮ ‬،‮ ‬مع الإشارة إلي‮ ‬صعوبة ذلك الفصل الآلي‮ ‬بين المحتوي‮ ‬والبنية الدرامية‮ ‬،‮ ‬فالبنية هي‮ ‬الصياغة التي‮ ‬يبرز عبرها المحتوي‮ ‬داخل رؤية واحدة متكاملة للحياة‮ .‬
انشطار الناقد العربي‮.‬
لقد انشطر الناقد العربي،‮ ‬ومعه هنا المبدع العربي‮ ‬،‮ ‬أمام ثنائية إبداعية‮ : ‬محتوي‮ ‬دلالي‮ ‬عربي‮ ‬،‮ ‬وبنية‮ ‬غربية مؤثرة علي‮ ‬المحتوي‮ ‬الدلالي‮ ‬مهما كانت رسائله المعلنة‮ ‬،‮ ‬كما انشطر بين تراثين نقديين‮ : ‬عربي‮ ‬ماضوي‮ ‬،‮ ‬ينتمي‮ ‬لوجوده وإبداعه الشعري‮ ‬ولا‮ ‬ينتمي‮ ‬لزمانيته‮ ‬،‮ ‬وغربي‮ ‬معاصر‮ ‬ينتمي‮ ‬لزمانيته‮ ‬،‮ ‬ولكنه‮ ‬يفصل وجوده عن هويته‮ ‬،‮ ‬كل ذلك داخل واقع عربي‮ ‬فوار بالحركة وصراع الهوية الثقافية‮ .‬
وإذا كنا قد تعرفنا علي‮ ‬نظريات ومناهج النقد الغربي‮ ‬علي‮ ‬امتداد تاريخه عبر عدة مقالات هنا‮ ‬،‮ ‬فإن الفحص المتعمق لتراث النقد العربي‮ ‬القديم‮ ‬،‮ ‬يضع بين أيدينا القاعدة الأساسية التي‮ ‬قام عليها هذا النقد وكانت عمدته وهي‮ ‬قاعدة‮ (‬الذوق‮) ‬الفطري‮ ‬والمكتسب‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يتفق مع مفهوم النقد‮ ‬،‮ ‬حين ظهوره في‮ ‬القرنين الثالث والرابع الهجريين‮ ‬،‮ ‬للجمال من حيث هو مدرك حسي‮ ‬،‮ ‬وللأدب من حيث هو تجسيد للأفكار في‮ ‬صياغة شكلية تدرك بالحواس أولاً‮ ‬،‮ ‬ومن ثم أصبح العمل الإبداعي‮ ‬يقوم علي‮ (‬الصنعة‮) ‬،‮ ‬كما أعلن الجاحظ‮ ‬،‮ ‬قبل أن‮ ‬يكون تجربة ورؤية في‮ ‬الحياة‮ ‬،‮ ‬وبالتالي‮ ‬غابت عن النقد العربي‮ ‬القديم المعايير الأخلاقية والدينية‮ ‬،‮ ‬رغم أهميتها في‮ ‬الحياة العامة‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬حقل الفلسفة الإسلامية‮ ‬،‮ ‬أما في‮ ‬النقد فقد سادته النزعة الموضوعية الجمالية‮ ‬،‮ ‬المرتكزة علي‮ ‬البناء الشعري‮ ‬،‮ ‬والمتجهة نحو البحث عن العناصر البنائية والقوانين المتحكمة في‮ ‬بنيته الداخلية‮ . ‬وإن لم‮ ‬يعدم النقد الأدبي‮ ‬العربي‮ ‬القديم ظهور معايير منهجية ترتكز علي‮ ‬مدي‮ ‬حركة الزمن وتفاعلات الواقع الحضارية،‮ ‬فيظهر معيار‮ (‬زمانية‮) ‬العمل الإبداعي‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬جاء به علماء اللغة‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬يستخدمه الناقد في‮ ‬تقييم المبدع‮ ‬،‮ ‬بابتعاده عن النماذج المتكاملة في‮ ‬الماضي‮ ‬،‮ ‬أو عبر زمانيته المعيشة‮ ‬،‮ ‬إلي‮ ‬جانب معيار‮ (‬المكان‮) ‬الذي‮ ‬بدأ‮ ‬يلعب أيضا دوراً‮ ‬في‮ ‬النشاط النقدي‮ ‬العربي‮ ‬وقد جاء نتيجة لتركيز الجهد النقدي‮ ‬العربي‮ ‬علي‮ ‬استقراء النماذج الجاهلية في‮ ‬منطقة واحدة والإعلاء من شأنها‮ ‬،‮ ‬وظهور مناطق وبلدان ومجتمعات جديدة دخلت الوجود المكاني‮ ‬العربي‮ ‬الحضاري‮ ‬،‮ ‬فخلقت وجودا إبداعيا جديدا‮ ‬،‮ ‬استلزم معه عدم الاكتفاء بتقسيم الشعراء إلي‮ ‬طبقات‮ ‬،‮ ‬بشكل زمني‮ ‬،‮ ‬بين الجاهلية والإسلام‮ ‬،‮ ‬وإنما إلي‮ ‬وجودهم البيئي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬،‮ ‬فبدأ ظهور تقسيمات واضحة لشعراء البادية وشعراء الحاضرة وشعراء القري‮ ‬،‮ ‬ثم بعد ذلك أدب البيئة الواحدة‮ ‬،‮ ‬كشعراء مصر وشعراء الشام وشعراء العراق‮ ‬،‮ ‬وإن كان انحصار المعايير الزمانية والمكانية البيئية والاجتماعية داخل منظومة المفاهيم الجمالية التي‮ ‬تحكم النقد العربي‮ ‬،‮ ‬قد جعلها مجرد معايير خافتة الصوت علي‮ ‬طريق النقد العربي‮ ‬،‮ ‬وإن كانت ذات تأثير ما‮ ‬،‮ ‬خاصة بالنسبة لناقد النصف الأول من القرن العشرين‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬آل إليه أمر ذلك النقد العربي‮ ‬بكل تراثه فالإطار اللغوي‮ ‬يحكمه والأرضية التذوقية توجهه‮ ‬،‮ ‬والصنعة الفنية أو الصياغة الشكلية هي‮ ‬صميم عمله‮ .‬
د.حسن عطية

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٤

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here