اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

تجربة الكاتب المسرحي بين فنون القول وفنون العرض

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

جاءت مسرحية‮ »‬رواية النديم عن هوجة الزعيم‮« ‬بمثابة التجربة الثالثة والأهم التي‮ ‬اكتملت فيها رغبتي‮ ‬واجتهادي‮ ‬في‮ ‬الوصول إلي‮ ‬شكل مسرحي‮ ‬مصري‮ ‬أصيل‮ ‬يعتمد علي‮ ‬التراث الشعبي‮ ‬ويحقق المعادلة الصعبة للجمع بين فنون القول النخبوية وفنون العرش الشعبية‮. ‬في‮ ‬تلك الفترة كانت أحداث النكسة قد أصابتنا جميعا بصدمة عنيفة أفقدت البعض منا صوابه ورؤيته فانقلب علي‮ ‬عقبيه وقد كفر بكل ما أنجزته ثورة‮ ‬يوليو واتهمها بالاستبداد والعسكرية،‮ ‬كما انتهزتها القوي‮ ‬الرجعية والفاشية الدينية فرصة للطعن فيها واتهامها بالخروج عن الدين والملة مما أدي‮ ‬إلي‮ ‬النكسة،‮ ‬وكان ذلك بداية تراجع المجتمع المصري‮ ‬بحجة العودة إلي‮ ‬أحضان الدين،‮ ‬وصوروا الفترة الناصرية بالجاهلية مروجين فكر جماعة الإخوان ومقولات سيد قطب عن جاهلية المجتمع وتكفيره‮. ‬أما البعض الآخر ومنهم معظم النخبة أصبحوا في‮ ‬حالة حزن وبكاء وعويل وكأن العالم قد انتهي‮ ‬وقامت قيامته‮. ‬من ضمن هؤلاء كان بعض كتاب المسرح الذين حولوا المسارح إلي‮ ‬دور عزاء لتقبل المعزين وليس المشاهدين كبكائيات نجيب سرور وليلة مصرع جيفارا وسبع سواقي‮ ‬والمسامير والدخان وغيرها مما لا تسعفني‮ ‬الذاكرة بذكرها‮. ‬ونسوا هؤلاء أن هناك نكسات حدثت لكثير من الدول ولكنها لم تثبط الهمم ولا أصابت الناس باليأس والإحباط،‮ ‬فهاهي‮ ‬ذي‮ ‬فرنسا قد سقطت في‮ ‬أيدي‮ ‬النازي‮ ‬واليابان استسلمت بعد قنبلة هيروشيما ونجازاكي‮ ‬وألمانيا هزمت هزيمة منكرة وتسمت،‮ ‬وانهزمت إيطاليا وتركيا وغيرها من دول المحور،‮ ‬ومع ذلك لم‮ ‬يحدث لها ما حدث عندنا من عويل وبكاء،‮ ‬بل استعادت قوتها واشتد بأسها بعد سنوات قليلة من نكساتها وانهزامها،‮ ‬وعادت تأخذ مكانها وسط بقية الدول المنتصرة وكأنها لم تهزم قط ولا أصابتها النكسات،‮ ‬فلماذا نحن من دون العالم نظل نبكي‮ ‬علي‮ ‬حالنا سنوات وصلت حتي‮ ‬الآن ما‮ ‬يقرب من نصف قرن آخرها ما شاهدت في‮ ‬العام الماضي‮ ‬إحدي‮ ‬مسرحيات البيت الفني‮ ‬للمسرح مازالت تعبر عن مأساة بطلتها بعد النكسة،‮ ‬الأدهي‮ ‬من ذلك أنها رشحت للسفر للعرض في‮ ‬بعض الدول العربية‮.‬
إن فرنسا في‮ ‬عز نكستها كانت تعرض مسرحية‮ »‬الذباب‮« ‬لسارتر لمقاومة النازي‮ ‬بل إن سارتر نفسه كان‮ ‬يشارك هو وبعض كتاب فرنسا في‮ ‬المقاومة السرية ضد الألمان،‮ ‬كذلك كان ألبير كامي‮ ‬ولوركاد بريخت وكثير من كتاب وفنانين في‮ ‬أوروبا،‮ ‬هذه الأفكار كلها كانت تراودني‮ ‬وأنا أفكر في‮ ‬كتابة مسرحية‮ »‬رواية النديم عن هوجة الزعيم‮« ‬وهي‮ ‬عن فترة الثورة العرابية التي‮ ‬انتكست بالاحتلال البريطاني‮ ‬لأكثر من سبعين عاما،‮ ‬ومع ذلك كان‮ ‬يوجد عنصر المقاومة متمثلا في‮ ‬شخص عبد الله النديم خطيب الثورة ومثقفيها والذي‮ ‬كان مطاردا من قبل قوات الاحتلال،‮ ‬ومن هنا جاء الإطار أو الشكل الذي‮ ‬ألهمني‮ ‬بكتابة هذا النص الذي‮ ‬يعتبر من أعمال المقاومة واستنهاض الهمم في‮ ‬أوقات النكسات‮.‬
في‮ ‬هذه الفترة التي‮ ‬أعقبت النكسة كنت معنيا بقضية صيغة المسرح المصري‮ ‬التي‮ ‬أثارها‮ ‬يوسف إدريس عن مسرح السامر ودعوة توفيق الحكيم في‮ ‬كتاب قالبنا المسرحي‮ ‬ومذكرات إدوارد لين عن مسرح المحبظين دبابات خيال دبابات خيال الظل لابن داينال،‮ ‬وكذلك ما أورده الدكتور علي‮ ‬الراعي‮ ‬في‮ ‬كتابه عن الكوميديا المرتجلة ثم فنون الكوميديا ومسرح الدم والدموع التي‮ ‬جمعها فيما بعد في‮ ‬كتابه عن‮ »‬مسرح الشعب‮«‬،‮ ‬بالإضافة إلي‮ ‬معاشرتي‮ ‬للفنون الشعبية التي‮ ‬كنت أشاهدها منذ طفولتي‮ ‬في‮ ‬مولد‮ »‬أبو المعاطي‮« ‬بمدينة دمياط،‮ ‬وكما أشرت سابقا أنني‮ ‬كنت أحاول الجمع بين فنون القول وهو التراث الأدبي‮ ‬الذي‮ ‬ورثناه من ثقافتنا العربية لدي‮ ‬النخبة وفنون العرض التي‮ ‬عايشتها في‮ ‬الفنون الشعبية عند البسطاء من عامة الشعب المصري،‮ ‬ومن المدهش حقا والغريب أيضا أن الدكتور علي‮ ‬الراعي‮ ‬في‮ ‬تقديمه لكتاب مسرح الشعب فيما أسماه كشف حساب قال إنه حينما ظهرت الكتب الثلاثة أحدث ظهورها ضجة كبري‮ ‬بدأت بالاحتجاج المعلن من الدكتور لويس عوض والاحتجاج المضمر من توفيق الحكيم والاحتجاج المهموس من نعمان عاشور بحجة أن ما كتبه علي‮ ‬الراعي‮ ‬يسحب البساط من تحت قدمي‮ ‬المؤلف ويقدمه هدية‮ ‬غير مستحقة للممثل،‮ ‬ولعمري‮ ‬وكأن علي‮ ‬الراعي‮ ‬يشخص ما أوضحته من اختلاف وفروق بين ما أراه في‮ ‬فنون القول عبر النخبة وفنون العرض عند العامة،‮ ‬ولعل علي‮ ‬الراعي‮ ‬كان‮ ‬يسعي‮ ‬للجمع بينهما وليس لحساب أحدهما ضد الآخر،‮ ‬ولكن‮ ‬يبدو أن منطق النخبة الذي‮ ‬يغلب ثقافة القول علي‮ ‬ثقافة العرض هو الذي‮ ‬دفعهم لهذا الاحتجاج وهو ما أراه امتدادًا طبيعيًا للثقافة السائدة في‮ ‬تاريخنا الأدبي‮ ‬الذي‮ ‬جعله لا‮ ‬يعرف فن المسرح نظرا لاحتقاره لفنون العرض التي‮ ‬هي‮ ‬فنون الشعب التي‮ ‬تعتمد في‮ ‬الأساس علي‮ ‬أداء الممثل والمغني‮ ‬والمهرج والمقلد والراقص‮.‬
أعود إلي‮ ‬مسرحية‮ »‬رواية النديم عن هوجة الزعيم‮«‬،‮ ‬وبداية أود أن ألفت النظر إلي‮ ‬عنوان المسرحية الذي‮ ‬للأسف الشديد لم‮ ‬يستوعبه الكثيرون من المخرجين باعتباره اسما تراثيا‮ ‬يوحي‮ ‬بالمرجعية الشعبية،‮ ‬فالبعض كان‮ ‬يعرض المسرحية تحت اسم‮ »‬النديم في‮ ‬هوجة الزعيم‮« ‬والبعض الآخر‮ ‬يعرضها باسم‮ »‬النديم‮« ‬فقط،‮ ‬والبعض الثالث‮ ‬يعرضها باسم‮ »‬راجل من هرية رزنة‮« ‬إشارة إلي‮ ‬قرية عرابي‮ ‬قائد الثورة،‮ ‬ومن نوادر الاسم أيضا أن الهيئة العامة للكتاب عندما نشرت المسرحية في‮ ‬أوائل الثمانينيات أدخلته ضمن سلسلة إبداعات الرواية وليس المسرح ظنا منها أنها رواية أدبية وحينما احتججت علي‮ ‬ذلك وذهبت إلي‮ ‬الدكتور عز الدين إسماعيل رئيس الهيئة حينذاك أراد أن‮ ‬يخفف عني‮ ‬قائلا إن من تقاليد تراث المسرح المصري‮ ‬منذ العشرينيات كانت المسرحيات تسمي‮ ‬روايات‮. ‬أقول حينما اخترت هذا الاسم فقد كان في‮ ‬مخيلتي‮ ‬أنني‮ ‬اختار شكلا من أشكال العرض المسرحي،‮ ‬لأن العرض‮ ‬يحكي‮ ‬عن أن عبد الله النديم‮ ‬يروي‮ ‬ما حدث للثورة العرابية من أحداث،‮ ‬فالرواية هنا تعني‮ ‬أسلوب العرض وليس نوع النص أو المتن،‮ ‬وهو ما كنت أريد أن أؤكده من الشق الثاني‮ ‬الخاص بفنون العرض عند العامة وليس فنون القول عند النخبة،‮ ‬صحيح أنني‮ ‬كتبت النص الأدبي‮ ‬كفن من فنون القول،‮ ‬ولكن لأضعه في‮ ‬شكل من فنون العرض حيث وجدت أن أنسب شكل لهذا النص ليس أسلوب الجوقة أو الأسطورة أو الخرافة أو حتي‮ ‬الشكل التاريخي‮ ‬التقليدي‮ ‬رغم أن موضوعه في‮ ‬الأساس‮ ‬يعتمد علي‮ ‬وقائع تاريخية وأحداث حقيقية وإنما هو شكل اللعبة المسرحية أو ما‮ ‬يسمي‮ ‬عند الأكاديميين بـ»الميتاتياترو‮« ‬أو المسرح داخل المسرح،‮ ‬وأفضل أنا أن أسميه‮ »‬اللعبة المسرحية‮« ‬التي‮ ‬منشؤها ليس ما جاءنا عن طريق المسرح العالمي‮ ‬بل ما وجدناه في‮ ‬تراث فنون العرض الشعبي‮ ‬في‮ ‬بلادنا كالسامر والحكاواتي‮ ‬والمحبظين وخيال الظل وغيرها،‮ ‬كل هذه استخدمتها في‮ ‬هذا العرض المسرحي‮ ‬حيث‮ ‬يقوم عبد الله النديم أثناء مطاردة الإنجليز له في‮ ‬القري‮ ‬المصرية بالتنكر في‮ ‬زي‮ ‬لاعب خيال الظل أو مشخصاتي‮ ‬السامر الشعبي‮ ‬أو المحبظين وينصب أدواته أمام جماهير القرية الذين‮ ‬يمثلون جنود عرابي‮ ‬والذين تم تسريحهم بعد فشل الثورة،‮ ‬كما‮ ‬يشرك الأغا التركي‮ ‬والمأمور الإنجليزي‮ ‬والعمدة وأعيان القرية في‮ ‬القيام بأدوار الخديو والقنصل الإنجليزي‮ ‬والوزراء والباشوات،‮ ‬ويقوم عبد الله النديم نفسه بدور عرابي‮ ‬حتي‮ ‬إذا ما أثار الروح الوطنية في‮ ‬نفوس أهل القرية وحفزهم للمقاومة وتصبح القرية علي‮ ‬وشك هوجة ثانية‮ ‬ينسحب عبد الله النديم مع تابعه ليعيد السيرة ذاتها في‮ ‬قرية أخري‮ ‬وهكذا‮. ‬هذه المسرحية كتبت حوارها علي‮ ‬مستويين‮.. ‬مستوي‮ ‬الحوار النثري‮ ‬في‮ ‬مجملها ومستوي‮ ‬الحوار الشعري‮ ‬في‮ ‬مشاهد المسرح داخل المسرح أو التشخيص،‮ ‬وهذان المستويان‮ ‬يتيحان الفرصة لتحقق كل من فنون القول والغناء وفنون التشخيص والأداء والرقص والتعبيري‮ ‬والكوميدي‮ ‬مما‮ ‬يحقق الهدف الذي‮ ‬نسعي‮ ‬إليه وهو الجذب الجماهيري،‮ ‬وهذا الأمر قد تحقق فيما بعد في‮ ‬مسرحيات تاريخية كتبتها لاحقا مثل‮ »‬رجل في‮ ‬القلعة‮« ‬عن تاريخ محمد علي‮ ‬باشا و»مآذن المحروسة‮« ‬عن الحملة الفرنسية،‮ ‬وأخيرا‮ »‬المحروسة والمحروس‮« ‬عن شجرة الدر وسقوط الخلافة العباسية‮.‬

محمد ابو العلا السلاموني

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : 383

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here