اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

تجربة الكاتب المسرحي ‮ ‬محاولات البحث عن الشكل المسرحي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

جاءت التجربة الثانية بعد مسرحية‮ »‬حكاية ليلة القدر‮« ‬أو‮ »‬حلم ليلة حرب‮« ‬في‮ ‬البحث عن شكل مسرحي‮ ‬الجذب الجماهيري‮ ‬الذي‮ ‬أراه الهدف الأسمي‮ ‬لأي‮ ‬كاتب مسرحي،‮ ‬فكانت مسرحية‮ »‬الحريق‮« ‬وهي‮ ‬مسرحية استوحيتها من طقس شعبي‮ ‬كانت تمارسه الطبقات الشعبية في‮ ‬منطقة القناة والمناطق القريبة منها في‮ ‬شمال وشرق الدلتا‮. ‬وهذا الطقس‮ ‬يدور حول‮ »‬دمية الألنبي‮« ‬حيث‮ ‬يقوم شباب وصبية الحي‮ ‬أو القرية بصنع دمية في‮ ‬صورة حجم إنسان مستخدمين في‮ ‬ذلك الأقمشة القديمة وحشوها بالقش والفضلات القابلة للاشتعال ثم وضعها في‮ ‬ميدان عام أو ساحة واسعة ويضرمون فيها النيران في‮ ‬احتفالية وهم‮ ‬ينشدون ويغنون أغنية شعبية تقول‮: »‬يا ألنبي‮ ‬يا ابن ألنبوحة‮.. ‬مين قالك تتجوز توحة‮.. ‬ومراتك قحبة وشرشوحة‮« ‬وهذا الطقس‮ ‬يتم في‮ ‬فجر ليلة الخماسين أو شم النسيم من كل عام‮. ‬وقد تعودت في‮ ‬هذه الليلة في‮ ‬صباي‮ ‬أن أصحو فجرا لأشاهد هذا الطقس مع شباب وصبية حي‮ ‬المنشية الذي‮ ‬كنت أقطنه في‮ ‬فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي‮. ‬هذا الطقس ترسب في‮ ‬أعماقي‮ ‬إلي‮ ‬أن تبلور في‮ ‬صورة مسرحية كتبتها ضمن تجاربي‮ ‬في‮ ‬فترة الستينيات‮. ‬وبالرجوع إلي‮ ‬أصل هذا الطقس عرفت أنه نشأ في‮ ‬فترة العشرينيات وأثناء الحرب العالمية الأولي‮ ‬التي‮ ‬ذقنا مرارتها هنا في‮ ‬مصر تحت الاحتلال البريطاني‮ ‬رغم أنه لم‮ ‬يكن لنا فيها ناقة ولا جمل،‮ ‬فقد استغلت السلطة الإنجليزية كافة إمكانيات الدولة المصرية في‮ ‬الحرب خصوصا تسخير مواردها من مواصلات ومواد تموينية وقوي‮ ‬بشرية بل وحيوانية لدرجة أنهم كانوا‮ ‬يصادرون الحمير والبغال في‮ ‬المجهود الحربي‮ ‬البريطاني‮ ‬لنقل البضائع والأسلحة والجنود،‮ ‬ولعلنا نذكر في‮ ‬هذه المناسبة أغنية سيد درويش التي‮ ‬تعبر عن هذا الحال المؤلم الذي‮ ‬أصاب الشعب المصري‮ ‬بلا جريرة وهي‮ ‬أغنية‮ »‬يا عزيز عيني‮ ‬والسلطة خدت ولدي‮ - ‬بلدي‮ ‬يا بلدي‮ ‬وأنا بدي‮ ‬أروح بلدي‮« ‬تعبيرا عما عاناه الشعب المصري‮ ‬من التجنيد الإجباري‮ ‬للشباب المصري‮ ‬خصوصا أبناء الفلاحين في‮ ‬أعمال هذه الحرب‮.‬
وكان‮ ‬يقود هذه الحرب في‮ ‬مصر المندوب السامي‮ ‬البريطاني‮ ‬الجنرال اللورد اللنبي‮ ‬والذي‮ ‬استطاع أن‮ ‬يدخل فلسطين ويضعها تحت الانتداب البريطاني‮ ‬ليسلمها لليهود طبقا لوعد بلفور المشئوم سنة‮ ‬1917‮. ‬
ولا‮ ‬ينسي‮ ‬الناس حينها مقولته الشامتة والسادية حينما دخل مدينة القدس التي‮ ‬سبق وأن حررها صلاح الدين الأيوبي‮ ‬من أمراء وملوك أوروبا الصليبيين وقال وهو‮ ‬يضع قدمه في‮ ‬بيت المقدس متكبرا ومتجبرا‮ »‬ها قد عدنا‮ ‬يا صلاح الدين‮«. ‬كل هذا في‮ ‬اعتقادي‮ ‬كان المبرر الأول لنشأة هذا الطقس الذي‮ ‬أوحي‮ ‬للشعب المصري‮ ‬خصوصا في‮ ‬منطقة القناة التي‮ ‬عانت الكثير من بطش جنود الاحتلال بأن‮ ‬يتخذوا هذه الدمية رمزًا لهذا القائد الإنجليزي‮ ‬المتعجرف ويوقدون نارا حامية‮ ‬يلقون فيها بهذا الرمز المكروه ويحرقونه وهم‮ ‬يحتفلون بليلة شم النسيم وهو عيد قومي‮ ‬مصري‮ ‬منذ الفراعنة‮ ‬يشترك فيه جميع أبناء الشعب المصري‮ ‬بعنصرية المسلم والقبطي‮ ‬ردا علي‮ ‬ما كان‮ ‬يريد أن‮ ‬يوحي‮ ‬به اللورد اللنبي‮ ‬بأنه دخل بيت المقدس في‮ ‬صورة قائد صليبي‮ ‬يشمت في‮ ‬القائد المسلم صلاح الدين،‮ ‬فكان رد المصريين مسلمين وأقباط هو إحراقه في‮ ‬عيدهم القومي‮ ‬الذي‮ ‬يعبر عن وحدة الشعب المصري‮ ‬ضد الاحتلال والذي‮ ‬تبلور فيما بعد في‮ ‬ثورة‮ ‬1919‮ ‬حين خرجت جموع المصريين من الجوامع والكنائس حاملين شعار الوحدة الوطنية‮ »‬الهلال والصليب‮«.‬
ومن الجدير بالذكر أن حرق دمية اللنبي‮ ‬تكرر في‮ ‬أثناء حرب‮ ‬56،‮ ‬67‮ ‬حينما تحولت الدمي‮ ‬إلي‮ ‬صورة‮ »‬أنطوني‮ ‬إيدن‮« ‬و»حي‮ ‬موليه‮« ‬و»بن جوريون‮« ‬و»موشي‮ ‬ديان‮« ‬و»جولدا مائير‮«. ‬هذه الأحداث كلها استطاع الشعب المصري‮ ‬بعبقريته أن‮ ‬يجسدها في‮ ‬هذه الصورة الرمزية التي‮ ‬تمثلت في‮ ‬حرق أعدائه،‮ ‬وقد وجدتها ملهمة لي‮ ‬في‮ ‬كتابة مسرحية‮ »‬الحريق‮« ‬واعتبرتها شكلا مناسبا لمسرحية شعبية أستطيع من خلالها إبراز عبقرية الشعب المصري‮ ‬في‮ ‬ظروفه الصعبة وإمكانياته الضعيفة وفقره المدقع وحاجته إلي‮ ‬الإنصاف والعدالة الاجتماعية،‮ ‬وكان أن تخلفت أحداث المسرحية من خلال مجموعة من شباب الفلاحين الأجراء في‮ ‬إحدي‮ ‬قري‮ ‬الدلتا الشمالية التي‮ ‬تعاني‮ ‬من مشاكلها الاجتماعية والسياسية حين حاول الباشا أحد أعيان القرية أن‮ ‬يرفه عن زوجته الأجنبية التي‮ ‬تزوجها بعد قصة حب في‮ ‬ملهي‮ ‬من الملاهي‮ ‬حيث كانت تعمل راقصة،‮ ‬فيستدعي‮ ‬لها هذه المجموعة من الشباب بالإضافة إلي‮ ‬مجموعة من بنات القرية وذلك لإقامة احتفالية في‮ ‬ليلة شم النسيم‮ ‬يتم فيها إعداد دمية الألنبي‮ ‬إعدادًا جيدًا لحرقها في‮ ‬ساحة القصر وسط‮ ‬غنائهم ورقصاتهم في‮ ‬استعراض تشاركهم فيه الزوجة التي‮ ‬سبق وأن استهواها هذا الطقس خلال وجودها في‮ ‬ملاهي‮ ‬حي‮ ‬الإفرنج في‮ ‬مدينة بورسعيد‮.‬
ويشعر الشباب والفتيات الذين تم استدعاؤهم بأسلوب السخرة للقيام بهذه المهمة الاحتفالية في‮ ‬قصر الباشا أنهم مجرد أدوات حقيرة لأداء مهمة مهينة،‮ ‬إلا أن عراف القرية وساحرها‮ ‬يوحي‮ ‬لهم بقلب الأحداث رأسا علي‮ ‬عقب وبدلا من أن‮ ‬يكونوا مجرد أداة للترفيه عن الباشا وزوجته التي‮ ‬كانت تشعر بنشوة جنسية عارمة وبنزعة سادية تجاه الحرمان الذي‮ ‬يشعر به الفلاحون والفلاحات‮ ‬يتحولون هم للاستمتاع بالانتقام منهما وذلك عن طريق صنع دميتينا إحداهما‮  ‬بملابس الباشا والأخري‮ ‬لزوجته بملابسها التي‮ ‬يحصلون عليها بطريقة التحايل ويقومون بحرقهما أمامهما وهم في‮ ‬حالة من السعادة وهم‮ ‬يغنون‮ »‬يا ألنبي‮ ‬يا ابن ألنبوحة‮« ‬بل وتنتابهم هم أيضا حالة من النشوة الجنسية العارمة أثناء الحرق وكأنهم بذلك‮ ‬يردون عليهما الصاع صاعين‮.‬
هنا قد‮ ‬يتبادر سؤال قد‮ ‬يسأله البعض عن مسألة الشكل،‮ ‬وهو هل ما عرضته حول هذه المسرحية‮ »‬الحريق‮« ‬والمسرحية السابقة‮ »‬حلم ليلة حرب‮« ‬أليس ما أعنيه بالشكل هنا هو في‮ ‬حقيقته مضمون وليس شكلا‮. ‬أليست حكاية‮ »‬بغلة العشر‮« ‬وحكاية‮ »‬الألنبي‮« ‬هي‮ ‬مجرد مضمون داخل المسرحية فأين هنا قضية الشكل التي‮ ‬أعنيها؟ هذا سؤال منطقي‮ ‬لو أننا نظرنا إلي‮ ‬هاتين الحكايتين باعتبارهما من حواديت الراوي‮ ‬أو القاص أو الحكاواتي،‮ ‬ولكني‮ ‬أقصد هنا التجسيد الشكلي‮ ‬لهاتين الحكايتين ووضعهما في‮ ‬إطار فنون العرض الشعبية وليس العرض التقليدي‮ ‬الذي‮ ‬يقدم داخل خشبة مسرح العلبة الإيطالية‮.‬
هاتان المسرحيتان بالذات‮ ‬يجب تقديمهما في‮ ‬الساحات الشعبية وفي‮ ‬مسرح الأماكن المفتوحة،‮ ‬في‮ ‬هذه الحالة‮ ‬يتحقق الشكل المسرحي‮ ‬الذي‮ ‬أعنيه من تقديم هاتين المسرحيتين،‮ ‬ويخطئ من‮ ‬يظن أن هاتين المسرحيتين‮ ‬يمكن تقديمهما علي‮ ‬خشبة المسرح التقليدي،‮ ‬إذ إنه بذلك‮ ‬يخرجهما من الشكل الأنسب لهما ولعلنا نذكر في‮ ‬المسرحية الأولي‮ ‬أن الأحداث تدور فوق سطح إحدي‮ ‬المنازل الشعبية،‮ ‬وهذا‮ ‬يؤكد ضرورة أن‮ ‬يكون المكان مفتوحا علي‮ ‬السماء حتي‮ ‬يتحقق الشكل المطلوب،‮ ‬كذلك الحال في‮ ‬المسرحية الثانية فهي‮ ‬تدور أحداثها في‮ ‬ساحة قصر الباشا ليمكن حرق الدمية وهو أيضا‮ ‬يعتبر مكانا مفتوحا،‮ ‬فضلا عن أن الحكاية الشعبية كعنصر من عناصر الجذب المسرحي‮ ‬يتحقق الهدف منها عندما تقدم بالصورة المعروفة لدي‮ ‬الشعب المصري‮ ‬حيث تقدم السير الشعبية والحكايات ليس داخل البيوت المغلقة بل في‮ ‬الساحات والمصاطب والمقاهي‮ ‬والأجران وحلقات السامر الشعبي‮ ‬ودائرة الحاوي‮ ‬والمحبظين التي‮ ‬يلتف حلولها جمهور المشاهدين‮.‬
هذه المسرحية كانت أولي‮ ‬المسرحيات الطويلة التي‮ ‬نشرتها عن طريق سلسلة الكتاب الأول الذي‮ ‬يصدر عن المجلس الأعلي‮ ‬للفنون والآداب والذي‮ ‬تسلمها مني‮ ‬الناقد الكبير‮ »‬صبري‮ ‬حافظ‮« ‬حينما كان مسئولا بهذا المجلس ليدخلها إلي‮ ‬اللجنة المختصة‮. ‬
أذكر أيضا أن‮ »‬فاروق عبد القادر‮« ‬الناقد الكبير علق عليها في‮ ‬مجلة روزاليوسف في‮ ‬20‮ ‬ديسمبر‮ ‬1971‮ ‬قائلا‮: »‬يربط الكاتب ربطا جيدا بين هذا الطقس والتوق العارم عند هؤلاء المسحوقين الذين بلا حق في‮ ‬لقمة العيش أو في‮ ‬كلمة الحب لأن‮ ‬يرفعوا عن أعناقهم بالقوة ولو مرة واحدة الظلم الواقع عليهم،‮ ‬لهذا ألا نفاجأ حين‮ ‬يكون قصر الإقطاعي‮ ‬أول شيء‮ ‬يحترق وسط هذا اللهب فينفك السحر الذي‮ ‬يقعد بهمم الرجال ويحول بينهم وبين انتزاع حقوقهم عنوة من مغتصبيهم‮. ‬
نري‮ ‬في‮ ‬المسرحية مزجا رقيقا بين الطقس البدائي‮ ‬والثورة وبين لقمة العيش وكلمة الحب وقدرة علي‮ ‬تصوير الواقع وتحديد ملامح الشخصيات‮.‬

محمد ابو العلا السلاموني

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here