اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

دليل الناقد الذكي‮ ‬لمدارس ومناهج النقد المسرحي تحليل المضمون وتحليل الخطاب

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

انتشرت دراسات تحليل المضمون في‮ ‬كليات الإعلام‮ ‬،‮ ‬وتحكمت بصورة طاغية في‮ ‬أقسام الإعلام وبداخلها المسرح بكليات التربية النوعية‮ ‬،‮ ‬متوقفة عند الدراسة الكمية للنص المسرحي‮ ‬،‮ ‬مبتعدة كل البعد عن جماليات وتقنيات العرض المسرحي‮ ‬،‮ ‬ودائرة في‮ ‬فلك التصنيف الكمي‮ ‬والنوعي‮ ‬المعتمد علي‮ ‬رصد أهداف المرسل أو صاحب النص وقيمه التي‮ ‬يؤمن بها‮ ‬،‮ ‬محللا النص الدرامي‮ ‬تحليلا إحصائيا‮ ‬،‮ ‬تقوم به مكاتب متخصصة بعيدا عن الباحث نفسه‮ ‬،‮ ‬ويعرض لعدد فصول المسرحية‮ ‬،‮ ‬وعدد مشاهدها الداخلية‮ ‬،‮ ‬وعدد الشخصيات النسائية والذكورية فيها‮ ‬،‮ ‬وغيرها من العناصر البنائية‮ ‬،‮ ‬واصفا إياها وصفا موضوعيا وكميا بالأرقام‮ ‬،‮ ‬دون أي‮ ‬تحليل للعلاقات ا الفلسفية والاجتماعية والدرامية التي‮ ‬تجمع بين هذه العناصر الداخلية‮ ‬،‮ ‬وتخبئ بين ثناياها رسائلها المتعددة‮ .‬
والمدقق فيما‮ ‬يعرف بمنهج‮ »‬تحليل المضمون‮« ‬سيكتشف أنه ليس بمنهج‮ ‬،‮ ‬بل هو مجرد أداة مكملة ضمن أدوات أخري‮ ‬داخل المنهج المسحي‮ ‬المستخدم في‮ ‬استطلاعات الرأي‮ ‬أو الدراسات الاستقصائية الراصدة لما ورد من تكرار كلمات أو تعبيرات معينة في‮ ‬النص الدرامي‮ ‬،‮ ‬أو‮ ‬غيره‮ ‬،‮ ‬ومدي‮ ‬الترابط أو عدم الترابط بين هذه الجمل والتعبيرات داخل العمل‮ ‬،‮ ‬وعلاقتها بالرسالة الظاهرة الموجهة للجمهور المتلقي‮ ‬،‮ ‬مما‮ ‬يستدعي‮ ‬استخدام مناهج أخري‮ ‬في‮ ‬الدراسات النقدية والمسرحية‮ .‬
النص والسياق
هذا بينما‮ ‬يرتكز تحليل الخطاب عامة‮ ‬،‮ ‬والتحليل النقدي‮ ‬للخطاب خاصة في‮ ‬مجالنا الذي‮ ‬نستعرض داخله النظريات والمناهج المتعلقة بنقد العمل الإبداعي‮ ‬،‮ ‬ولاسيما المسرح،‮ ‬علي‮ ‬النظريات الاجتماعية والإنسانية‮ ‬،‮ ‬بهدف دراسة الآيديولوجيات المهيمنة التي‮ ‬يحتويها هذا الخطاب أو النص‮ / ‬العرض المسرحي‮ ‬،‮ ‬فهيمنة المركز علي‮ ‬الأطراف‮ ‬،‮ ‬أو هيمنة الذكورية علي‮ ‬الأنثوية‮ ‬،‮ ‬أو هيمنة الفكر الغربي‮ ‬علي‮ ‬العقلية العربية‮ ‬،‮ ‬ينبغي‮ ‬دراسته في‮ ‬النص الدرامي‮ ‬عبر اللغة الحاملة لآيديولوجيا كاتبه‮ ‬،‮ ‬والتي‮ ‬تشكل قوام بنيته الداخلية‮ ‬،‮ ‬ودراسة هذا النص داخل السياق المنتج داخله والمعبر عنه والمتوجه إليه‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يجعل‮ (‬الخطاب‮) ‬أكبر وأعمق من‮ (‬النص‮) ‬لأنه‮ ‬يتجاوز حدود النص المكتوب‮ ‬،‮ ‬للكشف عن علاقته بالسياق المجتمعي‮ ‬المتحرك داخله‮ ‬،‮ ‬مما‮ ‬يتطلب تحليلا للسياق المجتمعي‮ ‬جنبا إلي‮ ‬جنب تحليل سياق النص المنجز‮ ‬،‮ ‬والخطاب‮ ‬يعني‮ ‬في‮ ‬المجمل‮ »‬العملية الاجتماعية المتضمنة للنص‮« ‬،‮ ‬وتحليل هذا الأخير هو جزء من تحليل الخطاب‮ .‬
لا‮ ‬يقف تحليل الخطاب إذن عند البنية السطحية للنصوص‮ ‬،‮ ‬ولا عند رسائلها الظاهرة‮ ‬،‮ ‬بل‮ ‬يسعي‮ ‬لقراءة تأويلية للنص تفسر الرموز والعلامات المعبر عنها في‮ ‬النص‮ ‬،‮ ‬أو الساكت عنها‮ ‬،‮ ‬فغياب النسوة في‮ ‬العروض المسرحية لفرقة ما‮ ‬يعني‮ ‬هيمنة الرؤية الذكورية علي‮ ‬العقل الحاكم لأعمال هذه الفرقة‮ ‬،‮ ‬ويسمح بدراسة نصوصها وفقا لهذا السياق المتحركة داخله‮ ‬،‮ ‬وحضور الطفل بطلا في‮ ‬المسرحيات المدرسية أو الطفولية‮ ‬،‮ ‬وتميزه بالجرأة والإقدام والقدرة علي‮ ‬الدفاع عن زميلاته أو شقيقاته البنات‮ ‬،‮ ‬تدعم قيمة تربوية تختلف عن القيمة التي‮ ‬يقدمها نص‮ ‬يدفع بالبنات والأولاد معا للدفاع عن أنفسهم وبيتهم ووطنهم‮ .‬
الإحباط والثورية
عندما‮ ‬يتعرض التحليل النقدي‮ ‬للخطاب المسرحي‮ ‬،‮ ‬بدءا من سياقه المجتمعي‮ ‬،‮ ‬لا بد أن‮ ‬يقف علي‮ ‬سبيل المثال عند إعلان البيت الفني‮ ‬المسرح مؤخرا عن أحد عروضه قائلا‮  "‬إنه‮ ‬يتحدث عن الأحلام المحطمة للإنسان المصري‮ ‬والعربي‮ ‬،‮ ‬وكيف أن‮  ‬كل ما حاول تحقيقه فشل دون أن‮ ‬يفهم ما هو السبب‮"‬،‮ ‬فإنه‮ ‬يفرض تأويلا أوليا علي‮ ‬متلقي‮ ‬العرض المسرحي‮ ‬،‮ ‬ويخلق ارتباطا مجتمعيا بين العرض والسياق الاجتماعي‮ ‬والسياسي‮ ‬المتقدم فيه‮ ‬،‮ ‬وتسير رسالة المسرحية‮ "‬الأحلام المحبطة للشباب‮" ‬في‮ ‬نهر الإحباط المهيمن علي‮ ‬نصوص وعروض المسرح المصري‮ ‬منذ تسعينيات القرن الماضي‮ ‬،‮ ‬وبصورة خاصة خلال السنوات الأربع الأخيرة‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬يثير الدهشة ويتطلب الدراسة المعمقة للخطاب المسرحي‮ ‬ككل‮ ‬،‮ ‬هو أنه قبل الانتفاضات الثورية الأخيرة نجح تيار داخل مجري‮ ‬هذا النهر في‮ ‬التصدي‮ ‬للإحباط بعروض مسرحية متفائلة ومبهجة لا تتخيل فقط أن ثمة ضوءا في‮ ‬نهاية النفق المظلم‮ ‬،‮ ‬بل تعمل علي‮ ‬خلق هذا الضوء بوعيها وعملها‮ ‬،‮ ‬ثم فجأة‮ ‬غاب هذا التيار تحت التدفق الجارف لتيارات الهزيمة والإحباط والعزلة والظلمة‮  ‬،‮ ‬مما خلق داخل الخطاب المسرحي‮ ‬تخلخلا بين النص‮ / ‬العرض والسياق الاجتماعي‮ ‬والسياسي‮ ‬المتحرك داخله‮ ‬،‮ ‬ومال بالصراع بين المبدع والسلطة‮  ‬،‮ ‬علي‮ ‬مستوي‮ ‬اللغة المنطوقة والحركة المرئية والرسالة المستهدفة‮ ‬،‮ ‬لصالح السلطة بتعدد مستوياتها،‮ ‬وإن بدا الأمر في‮ ‬الظاهر عكس ذلك‮ ‬،‮ ‬وهو صراع طبيعي‮ ‬أن‮ ‬يحدث،‮ ‬لكن من‮ ‬غير الطبيعي‮ ‬الجهر بهزيمة المبدع أمام السلطة‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يمنح هذه السلطة حق الهيمنة خارج وداخل العرض المسرحي‮ ‬،‮ ‬ويمنحها حرية التغول‮ . ‬بينما رفض الهزيمة‮ ‬،‮ ‬وخلع ثوب الإحباط،‮ ‬والعمل علي‮ ‬طرح الأفكار الثورية‮ ‬،‮ ‬خارج الصناديق المتصارع عليها اليوم‮ ‬،‮ ‬والمزيفة لوعي‮ ‬المسرحيين والسينمائيين وأيضا الإعلاميين والسياسيين‮ ‬،‮ ‬يؤدي‮ ‬بالضرورة لتغيير كفة ميزان الصراع بين النص والسلطة لصالح الخطاب الثوري‮ ‬الداعم لوعي‮ ‬الجماهير والدافع لها للحركة المغيرة للأوضاع المنهارة‮ .‬    
الخطاب إذن ليس هو اللغة مجردة بل هو استخدام هذه اللغة في‮ ‬سياق معين‮ ‬،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فهو‮ ‬يعني‮ ‬مستوي‮ ‬التعبير للعمل الإبداعي‮ ‬وليس مضمونه فقط‮ ‬،‮ ‬فهو في‮ ‬الرواية‮ »‬عملية السرد لا موضوعه‮«‬،‮ ‬وفي‮ ‬المسرح هو‮ »‬عملية المسرحة أو صيغة بناء الرسالة نصا أو عرضا‮«‬،‮ ‬فلا‮ ‬يكفي‮ ‬أن نتحمس لمسرحية تنادي‮ ‬إحدي‮ ‬شخصياتها بالثورة‮ ‬،‮ ‬دون فحص لبنية نصها‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬قد تكون معادية للثورة‮ ‬،‮ ‬أو نفاجأ ببطلها الداعي‮ ‬في‮ ‬ختام العرض المسرحي‮ ‬بضرورة رفض الديكتاتورية‮ ‬،‮ ‬وهو‮ ‬يمارس طوال الوقت‮ ‬،‮ ‬داخل مجتمع النص‮ ‬،‮ ‬الديكتاتورية علي‮ ‬بقية شخصيات المسرحية‮ ‬،‮ ‬وخارج مجتمع النص‮ ‬،‮ ‬علي‮ ‬أعضاء فرقته من الفنانين والفنيين‮ ‬،‮ ‬وتحليل الخطاب هنا‮ ‬يعني‮ »‬دراسة‮ (‬الحوار‮) ‬المستخدم كلغة‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬سياق العرض كبنية جمالية تتضمن حدثا متطورا ومغيرا لمصائر الشخصيات المتعلقة به‮ ‬،‮ ‬والمتصارعة حوله‮ ‬،‮ ‬وفي‮ ‬سياق المجتمع المحيط به كوجود فاعل‮ ‬يمتلك المرجعية التي‮ ‬تفسر بها لغة العرض المسرحي‮ ‬الحوارية والبنائية والمرئية‮«.‬
    اعتماد بعض النقاد في‮ ‬مقالاتهم أو دراساتهم علي‮ ‬إيراد عبارات تقولها الشخصيات بصورة مباشرة‮ ‬،‮ ‬لاستخراج رسائل المسرحية الظاهرة منها‮ ‬،‮ ‬يدفعه نحو دراسات تحليل المضمون‮ ‬،‮ ‬أما تحليل الخطاب فهو لا‮ ‬يقف عند ما تقوله الشخصيات عن نفسها‮ ‬،‮ ‬أو ما تقوله الشخصيات الأخري‮ ‬عنها‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬حضورها وغيابها‮ ‬،‮ ‬بل بما تفعله هذه الشخصيات في‮ ‬سياق الدراما وتؤثر في‮ ‬حركتها‮ ‬،‮ ‬وما‮ ‬يتم تأويله لأفعالها هذه في‮ ‬سياق المجتمع الذي‮ ‬تتوجه إليه‮ ‬،‮ ‬ويكشف في‮ ‬النهاية عن الآيديولوجية‮ ‬الحاكمة لها‮ .‬

د. حسن عطية

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٢

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here