اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

بيان طنجة‮ .. ‬تكريم واحتفالية متجددة شرف الإنسان في‮ ‬معرفة نفسه

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

لقد تم تكريمي‮ ‬مؤخرا في‮ ‬مدينة طنجة،‮ ‬وأعلنت بالمناسبة هذه المدينة مدينة احتفالية،‮ ‬وأصدرت بمناسبة التكريم وثيقة هي‮ ‬عبارة عن بيان تاريخي‮ ‬يحمل اسم المدينة،‮ ‬ويؤرخ لمهرجان المسرحي‮ ‬الدولي‮ ‬في‮ ‬دورته الثالثة،‮ ‬والذي‮ ‬كان عيدا مسرحيا حقيقيا‮ ‬يليق بطنجة وبوجدانها وبذاكرتها وبعمقها الثقافي‮ ‬والحضاري،‮ ‬وأشهد أنني‮ ‬قد عثرت علي‮ ‬شيء كثير من روح الاحتفال الصادق والشفاف في‮ ‬هذه المدينة المفتوحة علي‮ ‬كل الدنيا،‮ ‬وأشهد أنني‮ ‬قد استعدت ثقتي‮ ‬بالناس من خلال نماذج طيبة ورائعة فيها،‮ ‬وإلي‮ ‬الصديق طارق الرامي‮ ‬ورفاقه في‮ ‬جمعية القنطرة،‮ ‬وإلي‮ ‬كل المثقفين والفنانين المبدعين في‮ ‬هذه المدينة الجديدة والمتجددة والمبدعة،‮ ‬أهدي‮ ‬هذا البيان الجديد عن الاحتفالية المتجددة،‮ ‬ولقد وجدت أن الشرفة التي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يطل منها هذا البيان علي‮ ‬الناس لا‮ ‬يمكن أن تكون إلا شرفة‮ ( ‬طنجة الأدبية‮) ‬التي‮ ‬كانت دائما شرفتي‮ ‬وشرفة كل الكتاب الصادقين،‮ ‬تماما كما كانت شرفة عالية في‮ ‬بيت الإبداع الأدبي‮ ‬والفكري‮ ‬والعلمي،‮ ‬عالية مثل أمها طنجة العالية،‮ ‬ولذلك فإنني‮ ‬سأقتطع من جسد هذا البيان فقرتين فقط،‮ ‬لأنشرهما في‮ ‬هذا الموعد الذي‮ ‬أسميته‮ ( ‬أنا الموقع أعلاه‮) ‬الذي‮ ‬هو مجرد ركن واحد من الأركان المتعددة في‮ ‬هذه الشرفة‮.   ‬
في‮ ‬النقد والنقاد ونقد النقاد
نعم،‮ ‬إنني‮ ‬أحب الجمال،‮ ‬وأهيم به عشقا،‮ ‬ولكن أي‮ ‬جمال؟ الجمال المكلل بالجلال وبالكمال بكل تأكيد،‮ ‬وأعشق السحر أيضا،‮ ‬وهو في‮ ‬درجة السحر الحلال،‮ ‬تماما كما أعشق المعرفة وهي‮ ‬في‮ ‬أعلي‮ ‬وأسمي‮ ‬درجاتها،‮ ‬التي‮ ‬هي‮ ‬درجة الحكمة،‮ ‬وإنني‮ ‬أقول دائما مع ابن عربي‮ (‬شرف الإنسان معرفته لنفسه‮) ‬وأقول مع صديقي‮ ‬بحر العلوم في‮ ‬تلك الاحتفالية المسرحية التي‮ ‬تحمل اسمه‮: ‬ما قيمة أن‮ ‬يعرف الإنسان أصعب المسائل وأخطرها في‮ ‬الوجود والحياة وأن‮ ‬يجهل أبسطها وأسهلها؟‮ ‬
وما معني‮ ‬أن‮ ‬يدرك منتهي‮ ‬الأشياء وأن‮ ‬يضيع مبتدأها ومنطلقها؟‮ ‬
وما قيمة أن‮ ‬يحيط بكل شيء علما وهو‮ ‬يجهل نفسه وذاته؟
وإنني‮ ‬أستغرب لمن‮ ‬يشتغل بالنقد،‮ ‬ويسعي‮ ‬لأن بعرف الشعراء وشعرهم،‮ ‬وأن‮ ‬يفك شفرة الكتابة وشفرة الكتاب،‮ ‬من‮ ‬غير أن‮ ‬يعرف نفسه أولا،‮ ‬ومن‮ ‬غير أن‮ ‬يعرف بها ثانيا،‮ ‬وأعتقد أن فاقد الشيء لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعطي‮ ‬أي‮ ‬شيء،‮ ‬ولعل هذا هو السر في‮ ‬أن‮ ‬يتحول كثير من النقد إلي‮ ‬الوصف وإلي‮ ‬الأحكام العامة وإلي‮ ‬ترديد الكليشيهات النقدية الجاهزة،‮ ‬التي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تخرج عن شيئين اثنين لا ثالث لهما،‮ ‬أي‮ ‬المدح المجاني‮ ‬أو الهجاء العدواني‮ ‬ولا شيء سوي‮ ‬ذلك،‮ ‬ولهذا فإنني‮ ‬أقول لكل أصدقائي‮ ‬النقاد الكلمة التالية‮ ( ‬اعرفوا أنفسكم أولا،‮ ‬وتأكدوا بأن من لا‮ ‬يعرف نفسه لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعرف أي‮ ‬أحد من الناس،‮ ‬وابحثوا عن الجمال في‮ ‬أنفسكم أولا،‮ ‬وتأكدوا مع الشاعر إيليا أبي‮ ‬ماضي‮ ‬بأنه لا مهرب من الحقيقة التالية،‮ ‬التي‮ ‬هي‮: (‬والذي‮ ‬نفسه بغير جمال لا‮  ‬يري‮ ‬في‮ ‬الوجود شيئا جميلا‮)‬
نعم إنني‮ ‬أسافر،‮ ‬بحثا عني‮ ‬أولا،‮ ‬وبحثا عن الجمال والجلال ثانيا،‮ ‬وبحثا عن المعرفة أيضا،‮ ‬وأعتبر أن المعرفة لا تكون صادقة إلا إذا كانت في‮ ‬درجة الحكمة،‮ ‬وإنني‮ ‬أقول مع الشيخ ابن عربي‮ ( ‬شرف الإنسان معرفة نفسه‮) ‬،‮ ‬وأي‮ ‬ناقد‮ ‬يقول لنا‮ (‬إنني‮ ‬أري‮) ‬فإنه لابد أن نقول له‮ :‬
ــ‮ ( ‬كيف تري‮ ‬ما تراه ونحن لا نراك؟‮)‬
اعرف نفسك أولا،‮ ‬وعرف بها ثانيا،‮ ‬وإذا عرفت نفسك عرفت كل الناس،‮ ‬وإذا جهلتها جهلت كل الناس،‮ ‬وهذه هي‮ ‬مأساة بعض النقاد اليوم،‮ ‬لقد كتبوا علي‮ ‬نفسهم أن‮ ‬يكونوا خارج أنفسهم،‮ ‬وأن‮ ‬يعيشوا علي‮ ‬هامش الجياة،‮ ‬وعلي‮ ‬أن‮ ‬يتحركوا علي‮ ‬هامش الإبداع والمبدعين،‮ ‬وعلي‮ ‬أن‮ ‬يكتفوا بوصف الوقائع والحالات بدل أن‮ ‬يعيشوها أولا‮.‬
حقا،‮ ‬لقد صدقت‮ ‬يا شيخنا،‮ ‬إن‮ ( ‬شرف الإنسان معرفة نفسه‮) ‬ومعرفة الذات أولي‮ ‬من معرفة أي‮ ‬موضوع،‮ ‬كيفما كانت خطورة هذا الموضوع،‮ ‬وعليه فإنني‮ ‬أنصح كل النقاد أن‮ ‬يكونوا أكثر من مجرد تقنيين،‮ ‬وأكبر من مجرد حرفيين،‮ ‬وأكبر من مجرد كتاب تقارير،‮ ‬وأن‮ ‬يهتموا بفقه النقد أولا،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تكون له قائمة إلا مع وجود رؤية جمالية وفكرية وأخلاقية ثابتة،‮ ‬فما أسهل لعبة إطلاق الأحكام المزاجية والعشوائية،‮ ‬وما أصعب الطريق إلي‮ ‬المعرفة والحكمة‮.     ‬
أنا ما أردت أن‮ ‬يكون لي‮ ‬مذهب من بين المذاهب،‮ ‬ولا سعيت لأن‮ ‬يكون لي‮ ‬مسرح مختلف من بين المسارح،‮ ‬ولا عملت من أجل أن أكون في‮ ‬جهة من الجهات،‮ ‬ولقد اعتبرت دائما أن الكلية‮ (‬مذهبي‮) ‬وأن الشمول منهجي،‮ ‬وأن الوحدة‮ ( ‬ديني‮) ‬وأن كل هذا الكوكب الأرضي‮ ‬وطني،‮ ‬وأن كل هذه اللغات لغاتي،‮ ‬وأن كل الناس إخوتي،‮ ‬وأن كل هذه المسارح مسرحي،‮ ‬وأن كل الطرق التي‮ ‬تؤدي‮ ‬إلي‮ ‬الحق والحقيقة،‮ ‬وإلي‮ ‬الجلال والجلال،‮ ‬هي‮ ‬طرقي،‮ ‬وأن كل الذين‮ ‬يمشون معي‮ ‬في‮ ‬نفس الطريق هم أصحابي‮ ‬وأحبابي،‮ ‬وهم‮  ‬بالضرورة رفاق الطريق،‮ ‬وإيمانا مني‮ ‬بأنه لا‮ ‬يمكنني‮ ‬أن أمشي‮ ‬في‮ ‬هذه الطريق وحدي،‮ ‬فقد أسست مع رفاقي‮ ‬جماعة المسرح الاحتفالي‮ ‬وبنفس روح الجماعة مازلت أمشي‮ ‬في‮ ‬نفس الطريق‮.‬
في‮ ‬الحقيقة والحرس والعسس
أنا لا شيء‮ ‬يزعجني‮ ‬أكثر من وجود شيء،‮ ‬أو من وجود شخص،‮ ‬أو من وجود جهة توقفني‮ ‬عند حد معين،‮ ‬وتقول لي‮ ( ‬من تعدي‮ ‬حدودي‮ ‬فقد ظلم نفسه‮) ‬لأنني‮ ‬مقتنع بأن الحقيقة ليس لها حدود،‮ ‬وبأن الجمال ليس له حدود،‮ ‬وبأن العبقرية الإنسانية ليس لها حدود،‮ ‬وإن من الغباء أن نجد من‮ ‬ينصب نفسه دركيا في‮ ‬الفكر والفن،‮ ‬ومن‮ ‬يريد أن‮ ‬يكون وصيا علي‮ ‬العقول المفكرة،‮ ‬وعلي‮ ‬النفوس الصادقة،‮ ‬وعلي‮ ‬الأرواح الحرة‮.‬
ولا شيء‮ ‬يضحكني‮ ‬أكثر،‮ ‬من وجود خيالات وأشباح وصور مشوهة،‮ ‬تريد أن تخيفني‮ ‬وترعبني،‮ ‬وأن تحاول أن تقنعني‮ ‬بوجود أجساد وغيلان وأرواح وهمية لا وجود لها إلا في‮ ‬الخيالات المريضة‮.‬
إنني‮ ‬أعرف أن الحقيقة موجودة،‮ ‬ولكن في‮ ‬جهة خارج كل الجهات،‮ ‬وفي‮ ‬مكان خارج المكان،‮ ‬وفي‮ ‬زمن خارج كل الأزمان،‮ ‬وأعرف أن إدراك هذه الحقيقة‮ ‬غير ممكن،‮ ‬ولكن هذا لا‮ ‬يمنعني‮ ‬من أن أعشق هذه الحقيقة،‮ ‬وأن أبحث عنها،‮ ‬وأن أنفق كل أيام عمري‮ ‬في‮ ‬طلبها والكتابة عنها‮.‬
لحد الآن لم أصل،‮ ‬ولم أدرك شيئا مما أريد وأبتغي‮ ‬الوصول إليه،‮ ‬ولي‮ ‬اليقين بأنني‮ ‬لن أصله في‮ ‬يوم من الأيام،‮ ‬أو في‮ ‬عام من الأعوام،‮ ‬ولكنني‮ ‬مع ذلك لا أكف عن الطلب،‮ ‬ولا أكف عن السؤال،‮ ‬ولن‮ (‬أتوب‮) ‬أبدا عن ممارسة حقي‮ ‬الشرعي‮ ‬في‮ ‬الشغب،‮ ‬ولن أتوقف لحظة عن حمل الصخرة السيزيفية إلي‮ ‬الأبعد والأعلي،‮ ‬وما‮ ‬يهمني‮ ‬هو أن أمشي‮ ‬وأمشي،‮ ‬إلي‮ ‬الأمام والأسمي‮ ‬دائما،‮ ‬وأن أترك في‮ ‬الطريق كتابات وعلامات صادقة وناطقة وبلاغية،‮ ‬ليعلم أحبابي‮ ‬وأصحابي‮ ‬وتلامذتي‮ ‬أنني‮ ‬قد مررت من هنا،‮ ‬وأنني‮ ‬قد كنت فعلا هنا،‮ ‬وهذا هو أنا،‮ ‬لقد كتب علي‮ ‬في‮ ‬أسفار الوجود أن أكون مشاء،‮ ‬وأن أجد متعتي‮ ‬ولذتي‮ ‬في‮ ‬المشي،‮ ‬وأن أبحث عن معني‮ ‬وجودي‮ ‬وحياتي‮ ‬في‮ ‬هذا المشي‮.‬
فأنا المسافر بلا حقيبة،‮ ‬لأني‮ ‬أصدق أن كل الأسفار هي‮ ‬أسفاري‮ ‬التي‮ ‬كانت نحو نفسي،‮ ‬وفي‮ ‬نفسي‮ ‬وجدت قارات جديدة،‮  ‬ووصلت إلي‮ ‬جزر وخلجان بعيدة،‮ ‬وقطعت صحاري‮ ‬بها واحات ساحرة،‮ ‬وقطعت بحورا ومحيطات بعدد لا محدود‮.‬
لدي‮ ‬مساهمات كثيرة في‮ ‬عالم المسرح،‮ ‬قد تكون كبيرة نسبيا،‮ ‬تماما كما‮ ‬يمكن أن تكون‮  ‬صغيرة نسبيا،‮ ‬وأعرف أنها قد لا تكون جميلة بشكل كامل،‮ ‬ولكن هذا لا‮ ‬يمنعني‮ ‬من أقول بأنني‮ ‬فعلا أعشق الجمال البهي،‮ ‬وإن كان هذا الجمال لا‮ ‬يعشقني‮ ‬فتلك مسألة أخري،‮ ‬وما حيلتي‮ ‬إذا كان الحب من طرف واحد معذبا وقاسيا ومدمرا؟
أكتفي‮ ‬بهذا،‮ ‬والبيان الذي‮ ‬نشره المهرجان في‮ ‬كراسة أنيقة مازال طويلا‮.‬

عبد الكريم برشيد

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨١

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here