اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

تجربة الكاتب المسرحي‮ ..‬ معضلة الشكل المسرحي

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

‮ ‬نعود الآن إلي‮ ‬معضلة الشكل المسرحي‮ ‬فيما‮ ‬يخص تجربتي‮ ‬الشخصية في‮ ‬الكتابة المسرحية‮. ‬أذكر حين قرأت النصوص المسرحية في‮ ‬تاريخ المسرح وجدت أن هناك اختلافات واجتهادات عديدة في‮ ‬أشكال الكتابة المسرحية فالشكل الإغريقي‮ ‬كان‮ ‬يعتمد علي‮ ‬أسلوب الجوقة بأدائها الغنائي،‮ ‬وشكل الأسطورة في‮ ‬أبعادها الميتافيزيقية عن الآلهة وصراع البشر مع الأقدار العليا،‮ ‬وكلاهما أي‮ ‬الجوقة والأسطورة‮ ‬يمثلان عنصر الجذب الجماهيري‮ ‬في‮ ‬زمنهما،‮ ‬فإذا جئنا للعصر الشيكسبيري‮ ‬نجد أنه استغني‮ ‬عن عنصر الجوقة وعنصر الأسطورة ويستبدلهما بعنصر الحكايات التاريخية والتراثية مع تطعيمهما بأبعاد ميتافزيقية خرافية كالأشباح والساحرات،‮ ‬وهذه أيضا كانت من عناصر الجذب الجماهيري،‮ ‬ثم نأتي‮ ‬لمرحلة ثالثة تمثلت في‮ ‬الشكل الكلاسيكي‮ ‬الفرنسي‮ ‬عند كورني‮ ‬وراسين في‮ ‬استخدامهما لشكل الصراع بين كل من العاطفة والواجب بدلا من أشكال العناصر السابقة،‮ ‬ثم نصل إلي‮ ‬مرحلة رابعة من حيث تطور الشكل المسرحي‮ ‬بعد الشكل الإغريقي‮ ‬والشكل الشيكسبيري‮ ‬والشكل الكلاسيكي‮ ‬ونصل إلي‮ ‬الشكل المعاصر والحديث والواقعي‮ ‬الذي‮ ‬بدأ مع إبسن وتشيكوف حيث استبدلت عناصر الجوقة والأسطورة والتاريخ والخرافة والعاطفة بعنصر الصراع الواقعي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬بين البشر مع تطعيمه بأبعاد نفسية ووجودية فلسفية وسياسية،‮ ‬ولكن لم‮ ‬يكن هذا استغناء تماما عن بقية الأشكال الثلاثة السابقة،‮ ‬بل استطاع المسرح الواقعي‮ ‬المعاصر أن‮ ‬يستفيد بها في‮ ‬أساليب التقنيات الفنية الحديثة بما‮ ‬يعني‮ ‬أن منجزات الفن المسرحي‮ ‬وأشكاله المتعددة لا‮ ‬يمكن أن تموت أو تندثر،‮ ‬وتظل عونا وذخيرة وإلهاما لتطوير الأشكال المسرحية الحديثة،‮ ‬فمثلا فإن روح التراجيديا الإغريقية القديمة‮ ‬يمكن أن نجدها سارية في‮ ‬كثير من الأعمال المسرحية الواقعية الحديثة كما أن روح الخرافة الشيكسبيرية نجدها أيضا تتسلل إلي‮ ‬أعماق هذه الأعمال فضلا عن الصراع الكلاسيكي‮ ‬بين العاطفة والواجب وصراعات القيم والمثل والأفكار‮. ‬هذه المراحل الأربعة التي‮ ‬أراها من وجهة نظري‮ ‬هي‮ ‬أشكال مسرحية تهدف في‮ ‬الأساس إلي‮ ‬الجذب الجماهيري‮ ‬ومخاطبة مشاهديها وكل مرحلة من هذه المراحل كان لها جمهورها الذي‮ ‬يتفاعل معها ويعشقها ويلتف حولها،‮ ‬ومن هنا أستطيع أن التقط الخيط الذي‮ ‬أريد أن أوضحه فيما‮ ‬يخص تجربتي‮ ‬المسرحية التي‮ ‬أحاول أن أبحث لها عن الشكل المناسب للجذب الجماهيري‮ ‬في‮ ‬زمن امتلأ بوسائط جديدة لاستقطاب الجماهير‮.‬
لقد حاولت في‮ ‬بداية تجربتي‮ ‬مع الكتابة المسرحية أن اقتفي‮ ‬أثر للأشكال السابقة في‮ ‬المسرح العالمي‮ ‬وكانت كلها تجارب في‮ ‬إطار هدف امتلاك أدوات الكتابة واكتساب الخبرة والمهارة والحرفية باعتبار أن الفن المسرحي‮ ‬فن وارد لنا وليس من صلب تراثنا الأدبي‮ ‬الذي‮ ‬يعتمد أساسا علي‮ ‬فن الشعر‮. ‬وأقول إن ثقافتنا الأدبية والفنية هي‮ ‬في‮ ‬حقيقتها ثقافة قول لا ثقافة عرض وشتان ما بين النوعين،‮ ‬فثقافة القول تعتمد علي‮ ‬السمع أكثر مما تعتمد علي‮ ‬البصر،‮ ‬فنحن نطرب كثيرا لفنون الشعر والغناء والطرب والحكي‮ ‬والحكمة والنادرة،‮ ‬أما فنون العرض فهي‮ ‬الأقل أهمية بالنسبة لفنون القول،‮ ‬كما أن فنون القول هي‮ ‬الأقرب للنخبة ولذلك حازت علي‮ ‬الاهتمام والرواج والانتشار في‮ ‬التشجيع في‮ ‬قصور الخلفاء والأمراء والأغنياء والأعيان وعلية القوم،‮ ‬أما فنون العرض فلم تحظ بالاهتمام أو الرواج إلا في‮ ‬الأوساط الشعبية والفقيرة فقرا مدقعا كفنون الخواة والمحبظين والعوالم والموالد‮... ‬إلخ‮. ‬وكان‮ ‬ينظر إلي‮ ‬فنون العرض هذه نظرة متدنية تحتقرها وتحرمها وتفرض عليها قيودا من قبل السلطة بحجة أنها بدع‮ ‬يقوم بها الحرافيش والغوغاء وسفلة المجتمع‮. ‬أتذكر مثلا أن‮ »‬ابن دانيال‮« ‬وهو في‮ ‬حقيقته شاعر وكان من الممكن أن‮ ‬يحظي‮ ‬بالحفاوة من قبل النخبة وعلية القوم إلا أنه حين قدم باباته كفن من فنون العرض وليس فنون القول كانت النتيجة أن حرمت أعماله وأغلقت باباته وتوقفت عروضه بأمر من السلطان المملوكي‮ ‬الظاهر بيبرس‮. ‬كما أن محمد علي‮ ‬باشا أمر بمنح فرقة من المحبظين كانت تقدم عروض شعبية بحجة أنها تنتقد السلطة وأغلق فرقة أخري‮ ‬كانت تلعب لعبة النحل بحجة أنها ضد الآداب العامة‮.‬
كذلك فإن الخديوي‮ ‬إسماعيل الذي‮ ‬كان‮ ‬يفتخر بكونه‮ ‬يحاكي‮ ‬حكام أوروبا في‮ ‬اهتمامهم بفنون العرض كالأوبرا إلا أنه كان‮ ‬يحتقر العروض الشعبية المصرية التي‮ ‬قدمها مسرح‮ ‬يعقوب صنوع وأغلقه ونفي‮ ‬صاحبه بحجة أنه‮ ‬ينتقد السلطة،‮ ‬فضلا عن أن علي‮ ‬مبارك باشا الذي‮ ‬نحترمه باعتباره أبو التعليم في‮ ‬مصر كان قد أوقف‮ ‬يعقوب صنوع عن التدريس في‮ ‬المهندسخانة نظرا لاشتغاله بالتمثيل بفن الحرافيش‮. ‬
وحينما شاهد السلطان حسين كامل مسرحية‮ »‬عزة بنت الخليفة‮« ‬وأعجب بها في‮ ‬إطار أنه عرض‮ ‬يشاهده النخبة،‮ ‬فإنه حين علم بأن محمد تيمور‮ ‬يقوم فيها بالتمثيل استدعي‮ ‬والده الباشا وعنفه علي‮ ‬أنه سمح لابنه ابن الذوات ليمارس عرضا‮ ‬يقوم به الحرافيش والعامة والغوغاء‮. ‬بل إن توفيق الحكيم كان‮ ‬يكتب المسرح في‮ ‬بداية حياته دون أن‮ ‬يذكر اسمه أو باسم مستعار حتي‮ ‬لا‮ ‬يعرف والده أنه‮ ‬يمارس هذه المهنة الحقيرة،‮ ‬كذلك بديع خيري‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يذكر اسمه حتي‮ ‬لا‮ ‬يعاقب بالطرد من جهة عمله أو وظيفته‮. ‬كما أننا حتي‮ ‬هذا اليوم إذا فكر طالب أن‮ ‬يدخل معهد المسرح أو الباليه‮ ‬يواجه باستنكار من أهله وذويه‮. ‬هذا هو تراث الكراهية لفنون العرض الذي‮ ‬يسري‮ ‬في‮ ‬شرايين مجتمعنا مقابل فنون القول التي‮ ‬تحظي‮ ‬بكل احترام وتقدير‮. ‬من هنا‮  ‬تمثلت لدي‮ ‬ضرورة مواجهة هذه الفجوة بين فنون القول وفنون العرض،‮ ‬أو بمعني‮ ‬آخر فنون النخبة وفنون الشعب،‮ ‬ومن ثم جاءت معضلة الشكل المسرحي‮ ‬للتوفيق بين هذين النقيضين‮. ‬أنا شخصيا كان من طبيعتي‮ ‬الميل لفنون القول باعتبارها التراث الأدبي‮ ‬والفني‮ ‬الذي‮ ‬تشربته من قراءاتي‮ ‬في‮ ‬الأدب العربي‮ ‬والأدب الأوروبي‮ ‬ونصوص المسرح العالمي‮ ‬التي‮ ‬قرأتها ولم أشاهدها وكلها تعتبر من فنون القول والسمع خصوصا حين كنت اسمعها في‮ ‬البرنامج الثاني‮. ‬
كنت أستمع إلي‮ ‬روائع المسرحيات العالمية من هذا البرنامج الذي‮ ‬شكل في‮ ‬داخلي‮ ‬ذخيرة مهمة من تجربتي‮ ‬في‮ ‬الكتابة المسرحية‮. ‬إلا أن معاشرتي‮ ‬في‮ ‬مدينتي‮ ‬دمياط قرب مولد أبي‮ ‬المعاطي‮ ‬الذي‮ ‬يقام سنويا هو الذي‮ ‬أصل في‮ ‬داخلي‮ ‬النقيض الثاني‮ ‬للقضية أي‮ ‬فنون العرض التي‮ ‬كنت أشاهدها في‮ ‬هذا المولد،‮ ‬وجدت فيما‮ ‬يشبه الحدس أن فنون العرض الشعبية هي‮ ‬المخرج الوحيد لمعضلة الجذب الجماهيري‮ ‬وأنه لا بد من التوفيق بين فنون القول أو فنون النخبة من ناحية وفنون العرض أي‮ ‬فنون الشعب من ناحية أخري،‮ ‬ولذلك وجدتني‮ ‬علي‮ ‬سبيل المثال أكتب مسرحية‮ »‬رجل في‮ ‬القلعة‮« ‬باللغة العربية الفصحي‮ ‬بل وبالنظم الشعري‮ ‬وهي‮ ‬لغة النخبة أصحاب فنون القول،‮ ‬أكتبها ولكن في‮ ‬إطار لعبة السامر الشعبي‮ ‬والمحبظين والاحتفالية الشعبية وحلقة الزار وكلها تعتبر من فنون العرض التي‮ ‬ابتكرها ويؤديها العامة والفقراء وبسطاء الناس‮

محمد ابو العلا السلاموني

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here