اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

الورشة التطبيقية في‮ ‬الإخراج المسرحي (١٦) .. الصورة المسرحية وتمازج القيم

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

 تتكامل عناصر الصورة المسرحية بحيث تكون كلاً‮ ‬منسجماً‮ ‬يؤدي‮ ‬دوراً‮ ‬واحداً‮ ‬يتماس والرسالة التي‮ ‬يسعي‮ ‬العرض المسرحي‮ ‬لإيصالها وفقاً‮ ‬لمتطلبات الرؤية الإخراجية‮. ‬وذلك من خلال طرح نوعين من القيم؛ هما‮ : ‬القيم الدرامية وهي‮ ‬التي‮ ‬تحدد المعني‮ ‬المراد طرحه متوافقاً‮ ‬مع رؤية المخرج المترجمة للنص،‮ ‬أو المفسرة له،‮ ‬أو حتي‮ ‬المتعارضة معه‮. ‬والقيم الجمالية التي‮ ‬تعني‮ ‬بالشكل الذي‮ ‬يتم به تقديم أفكار العرض،‮ ‬وهو ما‮ ‬يتماس مع رأي‮ ‬هيجل الذي‮ ‬يري‮ ‬أن العمل الفني‮ ‬له‮ "‬وجهان‮: ‬وجه المضمون والغاية والمعني،‮ ‬ثم وجه التعبير والتجلي‮ ‬والواقع الخارجي‮. ‬وبين هذين الوجهين تداخل بحيث إن المظهر الخارجي‮ ‬لا سبب له إلا التعبير عن الباطن‮"‬،‮ ‬وتنبع أهمية احتواء العرض علي‮ ‬النوعين من القيم من أن القيم الدرامية تهتم بالتواصل الفكري‮ ‬مع جمهور العرض من خلال القضية الرئيسية التي‮ ‬يطرحها العرض،‮ ‬أما القيم الجمالية فهي‮ ‬الشكل الذي‮ ‬تقدم فيه الأفكار‮.‬
إن ارتباط القيم الجمالية بالقيم الدرامية هو السبب الرئيسي‮ ‬في‮ ‬وجود الفنون‮ ‬– ومنها المسرح‮ -  ‬ذلك لأن القيم الدرامية وما‮ ‬يرتبط بها من أفكار‮ ‬يمكن طرحها بصورة مباشرة من خلال الوسائل السمعية والمرئية المختلفة،‮ ‬خاصة أن معدل تنامي‮ ‬وسائل الاتصال المتزايد في‮ ‬العصر الحديث قد ساهم بشكل ملحوظ في‮ ‬تنشيط التفاعل الاتصالي‮ ‬بين مقدم القضية ومستقبلها،‮ ‬حيث تضخمت أعداد القنوات الفضائية،‮ ‬وتيسرت سبل الممارسات الإلكترونية عن طريق مواقع الشبكة العنكبوتية من خلال المواقع الافتراضية التي‮ ‬انتشرت انتشار النار في‮ ‬الهشيم‮.‬
وإذا كانت هذه الوسائل الحديثة‮ ‬– إضافة إلي‮ ‬الوسائل التقليدية مثل الكتب المطبوعة والصحف‮ ‬– تعتمد علي‮ ‬المباشرة في‮ ‬طرح الفكرة أو مناقشة القضية؛ فإن الفنون تسعي‮ ‬لإضافة الشكل الجمالي‮ ‬لتحقيق وسائل اتصال أكثر جاذبية مع متلقيها،‮ ‬فتتحسن سُبل الاتصال وتتسم بالمتعة،‮ ‬ويمكننا الاسترشاد في‮ ‬هذا المقام بمُنظِّر المسرح الأول‮ (‬أرسطو‮) ‬الذي‮ ‬يري‮ ‬أن‮ "‬الفنون تعمل علي‮ ‬تطهير النفس من الانفعالات،‮ ‬وتأمين العقل من الخطأ،‮ ‬وحماية النفس من الكدر،‮ ‬وهو وإن كان‮ ‬يري‮ ‬أن الفنان‮ ‬يستمد أصول عمله من الواقع؛ إلا أنه‮ ‬يسعي‮ ‬جاهداً‮ ‬لتعديله وتحسينه حتي‮ ‬يسمو فوق مستوي‮ ‬هذا الواقع،‮ ‬وهو ما‮ ‬يؤكده أرسطو بقوله إننا لا نقصد النافع الضروري‮ ‬إلا من أجل الجمال‮". ‬ويكمن الفرق بين النوعين من القيم في‮ ‬أن القيم الدرامية تواجه العقل فتتحاور معه،‮ ‬ومن ثم‮ ‬يكون للجمهور المستقبل رأي‮ ‬فيها‮ - ‬سواء أكان هذا الرأي‮ ‬بالاتفاق أو الاختلاف‮ - ‬في‮ ‬حين تتحاور القيم الجمالية مع العاطفة التي‮ ‬تثور لحظة الإدراك الجمالي‮ ‬والحكم علي‮ ‬الرسالة موضوع الاتصال الفني،‮ ‬لكن عملية الاستقبال لا تتم مجزأة بين النوعين من القيم،‮ ‬فالتلقي‮ ‬يتم دفعة واحدة متضمناً‮ ‬المزيج بين النوعين،‮ ‬وقد‮ ‬يكون لأحد النوعين الغلبة علي‮ ‬الآخر،‮ ‬كأن‮ ‬يكون المشهد المسرحي‮ ‬معتمداً‮ ‬علي‮ ‬الكلمة حين‮ ‬يعرض لقضية سياسية أو اجتماعية صرفة،‮ ‬وقد‮ ‬يتم التعبير عن القضية ذاتها بتخفيف حدة الجمود الذي‮ ‬يعتري‮ ‬الكلمة بإضافة عناصر للصورة‮  ‬المسرحية تتميز بعلو قيمتها الجمالية،‮ ‬إذن فنحن بصدد تفاعل متقد بين العقل والعاطفة،‮ ‬بين الفكرة وطريقة تقديمها،‮ ‬بين المضمون والشكل،‮ ‬هذا التفاعل‮ ‬يحدد مكوناته ومقاديرها المخرج المسرحي‮ ‬من خلال رؤيته الإخراجية للعرض،‮ ‬لأنه هو الذي‮ ‬يحدد طريقة تناول النص،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يضع مؤلفه بين سطوره طريقة تقديمه،‮ ‬وحتي‮ ‬تلك الإرشادات التي‮ ‬يدونها المؤلف في‮ ‬متن نصه،‮ ‬فإن المخرج‮ ‬غير ملتزم بالتمسك الحرفي‮ ‬بها،‮ ‬إنها لا تعدو مجرد ملاحظات‮ ‬يمكن للمخرج أن‮ ‬يسعي‮ ‬في‮ ‬طريقه بها أو بدونها،‮ ‬وهو ما‮ ‬يخلق التباين والاختلاف في‮ ‬أساليب تناول النص الواحد من مخرج لآخر،‮ ‬ففي‮ ‬المسرح الإغريقي‮ ‬كان المتفرج‮ ‬يذهب إلي‮ ‬المسرح لا ليعرف الموضوع الذي‮ ‬يتناوله العرض،‮ ‬فهذا المتفرج‮ ‬يعلم سلفاً‮ ‬حبكة المسرحية وأشخاصها،‮ ‬ويدرك كذلك طبيعة أفعالهم،‮ ‬وأسبابها،‮ ‬بل إنه‮ ‬يعلم أيضاً‮ ‬المصير الذي‮ ‬سيؤول إليه كل منهم،‮  ‬إنه‮ ‬يذهب لمشاهدة الطريقة التي‮ ‬يتناول بها الشاعر هذه الحكاية بالذات،‮ ‬وبمعني‮ ‬آخر‮ ‬يذهب لاكتشاف‮  ‬معالجة جديدة لحكاية قديمة،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعتمد علي‮ ‬القيم الجمالية التي‮ ‬تتفاعل مع القيم الدرامية فتبرزها وتؤكدها‮.‬
وعلي‮ ‬الجانب الآخر فإن عدم الاهتمام بهذا المزيج بين قدر الفكر والجمال في‮ ‬العرض المسرحي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يؤدي‮ ‬إلي‮ ‬تشويش عملية الاتصال بين مقدمي‮ ‬العرض والجمهور،‮ ‬ويبلغ‮ ‬التشويش أقصاه عندما‮ "‬يكتفي‮ ‬بعض المسرحيين بالبعد الجمالي،‮ ‬فيسقط في‮ ‬الشكلانية،‮ ‬أو‮ ‬يكتفي‮ ‬البعض الآخر بالبعد الفعلي،‮ ‬فيسقط في‮ ‬التعليمية والدعائية الأيدلوجية‮"‬،‮ ‬فالفريق الأول لا‮ ‬يدرك أن الجمال هو سبب وجود الفنون،‮ ‬والمتلقي‮ ‬الذي‮ ‬يتلقي‮ ‬عرضاً‮ ‬خطابياً‮ ‬جامداً‮ ‬من الأفضل له ألا‮ ‬يتحمل مشقة الذهاب إلي‮ ‬المسرح،‮ ‬وليجلس مسترخياً‮ ‬علي‮ ‬أريكته ممسكاً‮ ‬بجريدة تطرح هذه الأفكار البراقة،‮ ‬أو متلقياً‮ ‬إياها من خلال جهاز تلفاز‮ ‬يستطيع التنقل بين قنواته بحرية كاملة،‮ ‬كما‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يسدل ستاره فقط بضغطة زر،‮ ‬إذن‮ ‬يذهب الناس إلي‮ ‬المسرح من أجل المتعة التي‮ ‬لن تتحقق بمعزل عن الشكل الذي‮ ‬يتمسك بأهداب الجمال‮.‬
أما الفريق الثاني‮ ‬فتتسم أعمالهم بالخواء الفكري،‮ ‬فهم شكلانيون‮ ‬يهتمون بالشكل دون الجوهر و"تتلخص أفكارهم في‮ ‬القول بأن الفن هو الأسلوب،‮ ‬والأسلوب هو التناسق المعياري،‮ ‬وهو التكنيك،‮ ‬وهو الصنعة الفنية،‮ ‬وأن التكنيك ليس مجرد صياغة العمل الفني،‮ ‬وإنما هو مساوٍ‮ ‬لقدر العمليات التي‮ ‬استخدمت لصنعه علي‮ ‬حد قول شكلوفسكي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ "‬نظرية النثر‮"‬،‮ ‬وقد شاركه في‮ ‬كتابة نظرية الشكلانية كل من جيرموفسكي،‮ ‬وايخنباوم وجروسمان،‮ ‬وقد ازدهرت هذه المدرسة في‮ ‬وطنها الأول روسيا السوفيتية حتي‮ ‬عام1927 حين بدت ملائمة للأيدلوجية الماركسية بنظرتها للفنان باعتباره حرفياً‮ ‬صنعته الكلمات،‮ ‬أي‮ ‬عاملاً‮ ‬ينتج كلاماً‮ ‬مصاغاً‮ ‬في‮ ‬شكل‮ ‬يعكس شكل الواقع الخارجي‮".‬
إن هذا المزيج بين النوعين من القيم‮ ‬يتوقف بشكل كبير علي‮ ‬أسلوب إخراج العرض،‮ ‬وزمن تقديمه،‮ "‬ففي‮ ‬المسرح اليوناني‮ ‬كانت العروض المسرحية تقدم في‮ ‬الهواء الطلق،‮ ‬وكان الممثلون‮ ‬يلبسون ثياباً‮ ‬مخصصة لكل دور درامي،‮ ‬ويضعون علي‮ ‬وجوههم أقنعة،‮ ‬وكانوا‮ ‬يقدمون الحركة والغناء والرقص والشعر‮"‬،‮ ‬وقد أدي‮ ‬ذلك إلي‮ ‬أن تصبح القيم الدرامية‮ - ‬التي‮ ‬كانت تعتمد بصورة كلية علي‮ ‬ما في‮ ‬الشعر اليوناني‮ ‬من رصانة وجلال‮ -  ‬متفاعلةً‮ ‬في‮ ‬حيوية بالغة مع القيم الجمالية التي‮ ‬تمثلت في‮ ‬الاهتمام بالمنظر الخلفي،‮ ‬وكذلك بحركة الممثلين ورقصاتهم التي‮ ‬كانت تصبغ‮ ‬العرض بصبغات جمالية‮. "‬أما في‮ ‬العصور الوسطي‮ ‬فلم‮ ‬يخرج المسرح عن الفضاءات الدينية ذات الديكور الإنجيلي‮ ‬الذي‮ ‬يجسد ثنائية الجنة والجحيم،‮ ‬والأهواء،‮ ‬وخطاب المعجزات،‮ ‬والمقدسات الدينية،‮ ‬وهو ما‮ ‬يعني‮ ‬علو القيم الدرامية التي‮ ‬تمثلت أساساً‮ ‬في‮ ‬ترسيخ الأفكار،‮ ‬والقيم الدينية علي‮ ‬القيم الجمالية التي‮ ‬توارت في‮ ‬الخلفية قليلاً،‮ ‬وإن كانت قد تجلت‮  -‬علي‮ ‬استحياء‮-  ‬في‮ ‬الجو العام الذي‮ ‬يحتوي‮ ‬العرض داخل الكنيسة،‮ ‬وفي‮ ‬عصر النهضة أثرت ثورة الإصلاح الديني‮ ‬البروتستانتي‮ ‬بقيادة مارتن لوثر في‮ ‬المسرح،‮ ‬فأخرجه من طابعه المقدس إلي‮ ‬طابع دنيوي،‮ ‬فأصبح البحث الدرامي‮ ‬بحثا جماليا،‮ ‬وبلاغيا خالصا،‮ ‬وترسخت المحاكاة الحرفية للواقع،‮ ‬ورفض الوهم،‮ ‬واللاواقع،‮ ‬والتركيز علي‮ ‬المثال الأخلاقي‮ ‬والصرامة الجمالية‮. ‬ومع ظهور المدارس الفنية الحديثة اختلف مزيج القيم الدرامية والجمالية في‮ ‬العرض المسرحي،‮ ‬فقد آمن الرومانسيون‮ "‬بحرية الإبداع؛ وتكسير الوحدات الثلاث؛ والخلط بين الأجناس الأدبية،‮ ‬وتوحيدها في‮ ‬بوتقة واحدة،‮ ‬ومحاكاة الطبيعة،‮ ‬أما الطبيعيون فقد لجأوا للنقل الحرفي‮ ‬من الواقع،‮ ‬في‮ ‬حين اهتمت المدرسة الرمزية بالتركيز علي‮ ‬استعمال الصور الرمزية والإيحاءات،‮ ‬أما المدرسة السريالية‮: ‬فقد اعتبرت الفن نابعا من الفوضي‮ ‬والهذيان ولجأت إلي‮ ‬تداعي‮ ‬المعاني‮ ‬تداعيا حرا من دون رقابة أو محاسبة عقلية واعية من قبل الأنا الأعلي،‮ ‬وظهرت المستقبلية بصفتها مدرسة جمالية‮"‬،‮ ‬في‮ ‬حين اهتمت المدرسة الملحمية بإعمال عقل المتفرج فطغت القيم الدرامية علي‮ ‬القيم الجمالية،‮ ‬في‮ ‬حين جاء مسرح العبث ليلغي‮ ‬كل ما‮ ‬يمت للقواعد بصلة واختلف التعامل معه باختلاف مخرجيه‮.‬

جمال ياقوت

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٨٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here