اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

تجربة الكاتب المسرحي (١٥) ‮ ‬أهمية الفلسفة للمسرح

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

لا أدري‮ ‬لماذا ارتبط لدي‮ ‬فن الكتابة المسرحية بالرغبة في‮ ‬دراسة الفكر الفلسفي،‮ ‬وكل ما أعيه هو أن هناك علاقة وثيقة بينهما،‮ ‬ولكن كيف نشأت،‮ ‬هذا ما أحاول أن أجيب عليه من خلال ذكرياتي‮ ‬عن كل منهما في‮ ‬الفترة المبكرة من حياتي،‮ ‬أذكر مثلا أنني‮ ‬حين قرأت المحاورات الأفلاطونية علي‮ ‬لسان سقراط التي‮ ‬تتناول بعض القضايا والأفكار السياسية والأخلاقية والاجتماعية وجدت أنها كانت تمثل بالنسبة لي‮ ‬أحد أهم مصادر القوة عند كتابة الحوار المسرحي،‮ ‬ورأيت أنه كلما كان الحوار مليئا بالأفكار الفلسفية كلما ساعدني‮ ‬علي‮ ‬تخليق الدراما المسرحية،‮ ‬فلم‮ ‬يكن اهتمامي‮ ‬بالأفكار والقضايا ذات البعد الفكري‮ ‬والفلسفي‮ ‬ليبعدني‮ ‬عن الفعل الدرامي‮ ‬والصراع ليس بين الأفكار بل بين الشخصيات والمواقف والأحداث،‮ ‬وعلي‮ ‬عكس ما كان‮ ‬يعتقد البعض من أن الأفكار الفلسفية تطغي‮ ‬علي‮ ‬الدراما وربما تفسدها كنت أراها داعمة للدراما ودافعة لتطوير أحداثها وتأجيج الصراع داخل المسرحية،‮ ‬والذي‮ ‬يؤكد ذلك هو ما وجدته متحققًا حينما قرأت كلاسيكيات الأعمال المسرحية وتراثها منذ الأغريق وحتي‮ ‬الآن،‮ ‬لقد وجدت أنها تقوم علي‮ ‬أفكار فلسفية عميقة وليست بسيطة،‮ ‬بل إن قيمتها وجلال أحداثها وعظمة تأثيرها تعود إلي‮ ‬أن أساسها‮ ‬يستند علي‮ ‬الفكر الفلسفي‮ ‬العميق وأن معظم القضايا التي‮ ‬تناولتها هذه المسرحيات هي‮ ‬في‮ ‬الأساس مبنية علي‮ ‬أفكار فلسفية مثل صراع الإنسان مع الأقدار سواء مع القوي‮ ‬الغيبية أو القوي‮ ‬المقدسة أو قوي‮ ‬المجتمع وقوانينه الصارمة أو قوي‮ ‬الإنسان مع ذاته أو مع الآخرين،‮ ‬هذا ما وجدته في‮ ‬المسرحيات الإغريقية‮: ‬أوديب،‮ ‬إليكترا،‮ ‬أنتيجون،‮ ‬أو مسرحيات شكسبير‮: ‬هاملت،‮ ‬ماكبث،‮ ‬عطيل،‮ ‬لير،‮ ‬أو المسرحيات الكلاسيكية الفرنسية عند كورني‮ ‬دراسين والصراع بين العاطفة والواجب،‮ ‬كما أن المسرح الواقعي‮ ‬الذي‮ ‬بدأ مع إبسن واسترندبرج نجده‮ ‬يقوم علي‮ ‬الأفكار الفلسفية،‮ ‬وكذلك مسرح برناردشو الفكري‮ ‬ومسرح سارتر وكامي‮ ‬الوجودي‮ ‬ومسرح‮ ‬يونسكو وبيكيت الذي‮ ‬يقوم علي‮ ‬فلسفة العبث واللامعقول ومسرح بريخت الملحمي‮ ‬القائم علي‮ ‬الفلسفة الجدلية المادية والمسرح التسجيلي‮ ‬عند بيتر فايس القائم علي‮ ‬الأفكار السياسية وحقوق الإنسان في‮ ‬الحرية والعدل،‮ ‬ولم‮ ‬يكن‮ ‬غريبا أو عجيبًا أن رائد المسرح المصري‮ ‬توفيق الحكيم‮ ‬يدعي‮ ‬أنه‮ ‬يكتب مسرحا فلسفيا ويطلق عليه صفة مسرحيات ذهنية للقراءة وليست للعرض هربا من محنته التي‮ ‬تعرض لها مع جمهور لم‮ ‬يتعود علي‮ ‬مشاهدة المسرحيات ذات الأبعاد الفلسفية والفكرية‮. ‬لقد أصيب توفيق الحكيم بأزمة نفسية صعبة عقب عرض مسرحية‮ »‬أهل الكهف‮« ‬عند افتتاح المسرحي‮ ‬القومي‮ ‬1935‮ ‬التي‮ ‬تتناول قضية الصراع بين الإنسان والزمن والتي‮ ‬سقطت سقوطا جماهيريا قاسيا جعله‮ ‬يحجم فيما بعد أن‮ ‬يعرض مسرحياته ذات البعد الفلسفي‮ ‬خوفا من أن‮ ‬يتعرض لتجربة قاسية أخري،‮ ‬وأعلن صراحة أنه‮ ‬يكتب بعيدا في‮ ‬برجه العاجي‮ ‬الذي‮ ‬أصبح شائعا عنه،‮ ‬ومع ذلك للحق والحقيقة فإن مسرحياته هذه وأفضل المسرحيات للكتاب المصريين كانت ذات الأبعاد الفكرية والفلسفية كما في‮ ‬بعض أعمال ألفريد فرج ومحمود دياب وميخائيل رومان وعبد الرحمن الشرقاوي‮ ‬وصلاح عبد الصبور‮.‬
أريد من هذا أن أقول علي‮ ‬عكس ما‮ ‬يري‮ ‬البعض إن المسرح في‮ ‬حقيقته‮ ‬يستند علي‮ ‬بعد فلسفي‮ ‬عميق حتي‮ ‬يصبح مسرحا إنسانيا عظيما ويأخذ مكانه وسط عيون المسرحيات العظيمة التي‮ ‬كتبها كتاب مسرحيون عظام،‮ ‬إلا أنني‮ ‬استدرك وأقول إنني‮ ‬لا أعني‮ ‬من هذا أنني‮ ‬ضد آراء أخري‮ ‬تعظم من شأن تقنيات المسرح الحديث التي‮ ‬تعتمد علي‮ ‬فنون وأساليب العرض أكثر من اعتمادها علي‮ ‬متون النص المسرحي،‮ ‬فليكن هذا تيارا من ضمن التيارات الجديدة والحديثة والتجريبية التي‮ ‬تري‮ ‬أن النص أصبح هامشيا بالنسبة لها وربما وصل الأمر ببعضها إلي‮ ‬الاستغناء عن النص تماما وإعلان موت المؤلف المسرحي‮.‬
أنا لست ضد هذا ولا أريد أن أكون في‮ ‬موقف الإقصاء للآخر،‮ ‬إلا أنه أيضا لا أريد من أحد أن‮ ‬يتخذ موقف الإقصاء من دعوانا التي‮ ‬تعظم من شأن النص وأهمية أن‮ ‬يعتمد علي‮ ‬الفكر الفلسفي،‮ ‬بل أكاد أقول إنني‮ ‬بالفعل في‮ ‬حاجة إلي‮ ‬المسرح في‮ ‬صورته الأولي‮ ‬التي‮ ‬تقوم علي‮ ‬الصراع الفكري‮ ‬والفلسفي‮ ‬لبعض قضايانا السياسية والاجتماعية والثقافية التي‮ ‬نحن في‮ ‬أشد الحاجة إليها للارتقاء بوعي‮ ‬وفهم ومشاعر وفكر الجماهير‮.‬
ودعونا نتأمل مثلا رجلا مثل أرسطو طاليس الذي‮ ‬يعتبر‮ »‬أبو الفلسفة‮« ‬ومؤسس أعمدة الفكر الفلسفي‮ ‬علي‮ ‬مستوي‮ ‬العالم،‮ ‬هذا الفيلسوف الكبير أعتقد أنه حين كتب كتابه المتخصص في‮ ‬فن المسرح بعنوان‮ »‬فن الشعر‮« ‬إنما هو في‮ ‬الحقيقة‮ ‬يكتب في‮ ‬تخصصه الأصلي‮ ‬وهو الفلسفة،‮ ‬وإلا ما الذي‮ ‬يدفعه ليكتب عن شيء ليس له علاقة بالفلسفة التي‮ ‬هي‮ ‬أساس فكره وتخصصه وفي‮ ‬صلب حرفته ومهنته،‮ ‬لقد أدرك أرسطو بحدسه الفلسفي‮ ‬الأصيل أن فن المسرح هو فن وثيق الصلة بالفكر الفلسفي‮ ‬النابع من العلاقة الدرامية بين الإنسان والوجود وصراعه الدائم ضد قوي‮ ‬متعددة فيزيقية وميتافيزيقية،‮ ‬بل إن الدراما نفسها تعتبر فكرة فلسفية في‮ ‬أساسها ومعناها ومؤداها لأنها تعبر عن الصراع الأبدي‮ ‬في‮ ‬الحياة وعلي‮ ‬جميع المستويات وفي‮ ‬كل زمان ومكان منذ أن خلق الإنسان وإلي‮ ‬أن‮ ‬يغني‮ ‬الوجود والزمان‮.‬
من هنا لا أري‮ ‬مناصا لأي‮ ‬كاتب مسرحي‮ ‬من أن‮ ‬يقرأ ويدرس ويمارس الفلسفة بكل جوانبها وجميع تياراتها لأنها الزاد الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬يقتاب عليه الكاتب المسرحي‮ ‬الجاد في‮ ‬عرضه للقضايا الاجتماعية والسياسية والوجودية والثقافية والعلمية،‮ ‬شرط أن‮ ‬يستثمر موهبته الفنية التي‮ ‬خصه الله بها في‮ ‬مجال الإبداع والخلق الفني‮ ‬الذي‮ ‬يعطيه‮ ‬غطاء فنيا راقيا لتقديم فكره الفلسفي‮ ‬الإنساني‮ ‬علي‮ ‬خشبة المسرح‮. ‬أي‮ ‬إن أفكاره الفلسفية لن تجديه في‮ ‬شيء ما لم‮ ‬يضعها في‮ ‬إطارها الفني‮ ‬أو شكلها المسرحي‮ ‬المتكامل الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يجذب إليه جماهير المشاهدين قدر الإمكان،‮ ‬وهذه هي‮ ‬القضية الحقيقية التي‮ ‬تؤرقني‮ ‬أنا شخصيا،‮ ‬إذ إنني‮ ‬لا أريد ولا أتمني‮ ‬أن أكرر تجربة توفيق الحكيم في‮ »‬أهل الكهف‮« ‬التي‮ ‬لم تجذب جماهير المشاهدين وأصابته بأزمته المعروفة بإعلانه أنه كاتب ذهني،‮ ‬يعيش في‮ ‬البرج العاجي‮ ‬وحيدا‮ ‬يبتلع آلامه بينه وبين نفسه‮.‬
وإذن فما هو الحل لهذه المعضلة الصعبة؟ معضلة التوفيق بين الأبعاد الفكرية والفلسفية في‮ ‬النص المسرحي‮ ‬وبين جاذبية العرض الذي‮ ‬يستوعب هذه الأبعاد دون أن تشعر الجماهير بالغربة أو النفور أو مقاطعة العرض؟
أعتقد أن توفيق الحكيم قد حاول حل هذه المعضلة أو هذه المعادلة خصوصا وأنه صاحب نظرية التعادلية التي‮ ‬توفق بين الأضداد وذلك حين كتب رائعته‮ »‬السلطان الحائر‮«.‬
لقد حاولت أنا أيضا في‮ ‬تجربتي‮ ‬المسرحية أن أحقق هذه المعادلة أو المعضلة الصعبة،‮ ‬ولقد اجتهدت كثيرا في‮ ‬هذا السبيل،‮ ‬ولعلي‮ ‬أكون قد نجحت أو وفقت إلي‮ ‬حلها،‮ ‬وهذا ما سوف أحاول أن أوضحه في‮ ‬المقالات التالية‮.‬
كما أظنني‮ ‬لو لم أكن كاتبا مسرحيا لربما سلكت طريق الفلسفة البحتة،‮ ‬الذي‮ ‬يؤكد ذلك أنني‮ ‬في‮ ‬مقتبل حياتي‮ ‬أو في‮ ‬سن العشرين كنت مهووسا بقراءة أعمال الفلاسفة ونظرياتهم،‮ ‬وقدمت ملخصات لأفكارهم في‮ ‬ندوات عديدة في‮ ‬مركز الثقافة في‮ ‬دمياط أذكر منها ندوة عن فلسفة شوبنهور وفلسفة نيتشه وفلسفة سارتر،‮ ‬كما أنه كانت لي‮ ‬محاولات لكتابة نظرية فلسفية كان عنوانها‮ »‬البعد الميتافيزيقي‮ ‬في‮ ‬الإنسان‮« ‬وأعتقد أنني‮ ‬لو بحثت في‮ ‬الأضابير لوجدت أنني‮ ‬مازلت أحتفظ ببعض الأوراق التي‮ ‬كتبتها عن هذه النظرية،‮ ‬وربما كان ذلك هو الدافع لمواصلة الدراسة العليا بعد تخرجي‮ ‬من معهد المعلمين العام لأرجع إلي‮ ‬المربع الأول في‮ ‬التعليم وأبدأ بدراسة الإعدادية نظام الأربع سنوات ثم الثانوية لمدة ثلاث سنوات حتي‮ ‬أحصل علي‮ ‬الشهادة الثانوية التي‮ ‬تؤهلني‮ ‬لدخول كلية الآداب جامعة القاهرة قسم الفلسفة سنة‮ ‬1964‮.‬

محمد أبو العلا السلاموني

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٧٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here