اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

نجم والفاجومي‮ ‬والشاعر الضرورة‮ ‬

قييم هذا الموضوع
(1 vote)

 

 

كانت لشاعرنا الراحل الكبير مجموعة خصومات وخلافات واحتكاكات ببعض المثقفين‮ ‬،وكانت هذه الخلافات كانت تجر عليه وابلا وفي‮ ‬بعض الأحيان تشكك في‮ ‬ثقافته‮ ‬،وتصوره بأنه كان شاعرا شعبويا‮ ‬،وكانوا‮ ‬يستندون في‮ ‬ذلك إلي‮ ‬قصيدته التي‮ ‬غناها وأنشدها الشيخ إمام وهي‮ ‬قصيدة‮ "‬يعيش أهل بلدي‮"‬،والتي‮ ‬قال فيها‮ : (‬يعيش المثقف علي‮ ‬مقهي‮ ‬يعيش‮ ‬يعيش‮ ‬يعيش عديم الممارسة عدو الزحام محفلط مزفلط كتير الكلام بكام كلمة فاضية وكام اصطلاح‮ ‬يفبرك حلول المسائل قوام‮ ‬يعيش‮ ‬يعيش‮ ‬يعيش‮) ‬وسرت القصيدة مثلما تسري‮ ‬النار في‮ ‬الهشيم كما‮ ‬يقولون،‮ ‬ورغم أن كثيرا من هؤلاء المحفلطين والمزفلطين وكثيري‮ ‬الكلام انتقدوا نجما،‮ ‬واعتبروه خارجا عن المثقفين،‮ ‬إلا أن خلفية أحمد فؤاد نجم،‮ ‬تفوق الكثيرين،‮ ‬وهذا‮ ‬يبدو في‮ ‬إمكانياته اللغوية والفنية التي‮ ‬كانت تتجلي‮ ‬في‮ ‬قدرته علي‮ ‬استخدم مفردات وتركيبات فنية تبدو أنها بسيطة،‮ ‬ولكن استخدامها‮ ‬يعني‮ ‬أنه كان جسورا في‮ ‬تطعيم قصائده بهذه المفردات‮: (‬زي‮ ‬النهاردة من زمان من كام سنة مافيش لزوم للعد أو للحسبنة أصل الحكاية عد عمرك‮ ‬ياجحا قال‮ ‬يوم فلس وخمسة ستة عكننة فلس فلس‮ ‬يحيا الفلس‮.. ‬والجدعنة زي‮ ‬النهاردة الست‮ "‬هانم‮" ‬والدتي‮ ‬حزقت وقالت بالقليل‮ .. ‬يادهوتي‮ ‬واتجمعوا نسوان حارتنا‮ ‬يسمعوا صرخة قدومي‮ ‬ويستباركوا بطلعتي‮ ‬لا والمصيبة إن الجماعة ماشاورنيش ولا حد قال لي‮ ‬إن كنت آجي‮ ‬أو ماجيش قال ليه وليه بابايا ناغش والدتي‮ ‬قام شيء حصل بعد المناغشة مايتحكيش وابن العرب في‮ ‬الشيء دا فن وحرفنة ليلتها كان الحظ آخر نعنشة وكلمتين في‮ ‬ضحكتين بعد العشا كان القدر جاهز مجهز خبطته خبط عيط شوفوا العجينة المدهشة سنين عذاب تعملها لحظة سلطنة‮). ‬هذا هو المفتتح الذي‮ ‬كتبه نجم لسيرته الذاتية الساخرة‮ "‬الفاجومي‮"‬،‮ ‬وأستطيع أن أضع هذه السيرة بكل ماجاء فيها،‮ ‬بجوار السير التي‮ ‬كتبها عمالقة من طراز طه حسين وأحمد أمين ولويس عوض،‮ ‬ولكنها لم تجد من‮ ‬يسوقون لها ويروجون لقيمتها،‮ ‬وربما لم‮ ‬يتح لهذه السيرة أن تقرأعلي‮ ‬نحو واسع،‮ ‬وذلك لأنها لم تنشر في‮ ‬مؤسسة واسعة الانتشار،‮ ‬وليت الهيئة العامة للكتاب أن تنشر هذه السيرة كمافعلت مع أعماله الكاملة،‮ ‬إنها سيرة خاصة جدا،‮ ‬تكشف عن طفولة نجم الشقية،‮ ‬والغريبة،‮ ‬وعن السمات التي‮ ‬اكتسبها من والديه،‮ ‬فأبوه ضابط البوليس العايق والمعجباني‮ ‬والذي‮ ‬يحب النساء،‮ ‬ترك في‮ ‬نجم عدة صفات،‮ ‬أبرز هذه الصفات هي‮ ‬الاعتداد بالنفس واحترامها‮ ‬،كذلك كان والد نجم‮ ‬يعمل بقانون‮ "‬اصرف ما في‮ ‬الجيب،‮ ‬يأتيك ما في‮ ‬الغيب‮"‬،‮ ‬وعندما توفي‮ ‬لم‮ ‬يترك سوي‮ ‬ثلاثة جنيهات فقط،‮ ‬مما اضطر العائلة أن تلحق أبا النجوم بملجأ الأيتام،‮ ‬أما والدته فقد أورثته كما‮ ‬يقول اللماضة وسرعة البديهة وطولة اللسان وخفة الدم،‮ ‬والذي‮ ‬رافق نجما وعرفه عن قرب،‮ ‬سيدرك فورا أنه بصحبة منظومة قيم شعبية مصرية،‮ ‬مبنية بشكل محكم،‮ ‬هذه المنظومة لم تكن ترسل الشعر فقط،‮ ‬بل كان أبو النجوم قائدا لفرقته الفنية،‮ ‬وقادرا علي‮ ‬منحها قدرا كبيرا جدا من الشرعية والشعبية والرواج بشكل طبيعي،‮ ‬لأن ظهور نجم ذاته كان ظهور‮ "‬الشاعر الضرورة‮"‬،‮ ‬هذا الشاعر الذي‮ ‬لا تستطيع أن تتخيل تاريخ مصر الوطني‮ ‬بعد كارثة1967 ‮ ‬دونه،‮ ‬منذ أن قدم مرثيته وهجائيته للحدث،‮ ‬ولم‮ ‬يكن‮ ‬يندب مثل شعراء آخرين،‮ ‬بل كان‮ ‬يناشد الشعب العامل والفلاح والمثقف الحقيقي‮ ‬والجنود من أجل النهوض بهذا الوطن الذي‮ ‬حلت به الكارثة‮ ‬،ولم‮ ‬يكن نجم‮ ‬يضع الأمل علي‮ ‬الطبقات المترفة،‮ ‬بل كان دوما حادا في‮ ‬انتقادها‮: (‬جاتكوا فضيحة‮ ‬ياطبقة فضيحة وعاملة فصيحة وجايبة العار شماشيرجية وكلامنجية وسمسار دار‮) ‬وفي‮ "‬يعيش أهل بلدي‮" ‬يقول‮: (‬يعيش التنابلة في‮ ‬حي‮ ‬الزمالك وحي‮ ‬الزمالك مسالك‮) ‬وكان دوما‮ ‬يلقي‮ ‬بمحاولة تغيير هذا الوطن وتقدمه ورفعته واستقلاله علي‮ ‬هذه الطبقات الشعبية،‮ ‬والتي‮ ‬كان‮ ‬يحرضها في‮ ‬مرثيته‮ "‬جيفارا مات‮" ‬،ويقول في‮ ‬نهايتها‮: (‬ياتجهزوا جيش الخلاص‮ ‬ياتقولوا ع العالم خلاص‮) ‬ولا تنطبق مقولة الشاعر الضرورة علي‮ ‬شاعر بشكل كامل‮ ‬،‮ ‬مثلما تنطبق علي‮ ‬الشاعر أحمد فؤاد نجم‮ ‬،فهو دائما كان كاشفا لكافة العورات التي‮ ‬كان‮ ‬يمر بها الوطن منذ1967 حتي‮ ‬رحيله،‮ ‬فمثلما كان‮ ‬يغني‮ ‬لجيفارا وهوشي‮ ‬منة،‮ ‬وكان منتصرا أيما انتصار لكفاحهما العظيم،‮ ‬وقد حررا أوطانهما بما بذلاه وقدماه من تضحيات كبيرة‮ ‬،تضحيات مصحوبة بعبقريات نضالية فريدة،‮ ‬فمثلما‮ ‬غني‮ ‬لهما،‮ ‬هاجم بسخريته المعهودة حكاما طغاة في‮ ‬الخارج والداخل،‮ ‬وكتب ساخرا لاذعا عند زيارة‮ "‬ريتشارد نيكسون‮" ‬عام‮ ‬1974،‮ ‬ونصب له أصحاب السلطنة استقبالا حافلا‮ ‬،واستخدموا فيه كل المطبلاتية والمزغراطية‮ ‬،‮ ‬فكتب بسخرية وربما مرارة‮: (‬شرفت‮ ‬يانيكسون بابا‮ ‬يابتاع الووترجيت عملولك سيما وقيمة سلاطين الفول والزيت فرشولك أوسع سكة من راس التين علي‮ ‬عكا وهناك تنفد علي‮ ‬مكة ويقولوا عليك حجيت أهو مولد ساير دايؤ شالله‮ ‬يا اصحاب البيت‮) ‬وكذلك كتب عندما كانت القيادة تضحك علي‮ ‬الشعب بأن رحلة جيسكار ديستان رئيس فرنسا إلي‮ ‬مصر‮ ‬،سوف تحل لنا مشاكلنا الاقتصادية فكتب‮ : (‬فارليج جيسكار ديسكن والست بتاعه كمان هيجيبوا الديب من ديله ويشبعوا كل جعان‮) ‬والقصيدة أعتقد أنها شائعة ومعروفة ومحفوظة في‮ ‬قلوب المصريين،‮ ‬قبل أن تتردد علي‮ ‬ألسنتهم‮. ‬ولا مجال هنا لاستعراض كافة ماكتبه نجم‮ ‬،واستطاع به أن‮ ‬يواكب كل مايحدث علي‮ ‬المستوي‮ ‬السياسي‮ ‬والاقتصادي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬،وكان‮ ‬يلهب ظهور الحكام بكتاباته،‮ ‬للدرجة التي‮ ‬كان أول شاعر‮ ‬يقدم للمحاكمة العسكرية في‮ ‬العصر الحديث‮ ‬،أي‮ ‬بعد‮ ‬1952،‮ ‬بعد ما كتب قصيدته بيان هام‮ ‬،وألقاها في‮ ‬مختلف المحافل الجماهيرية والشعبية‮ ‬،وخاصة كلية الهندسة بجامعة عين شمس،‮ ‬وكان في‮ ‬هذه القصيدة‮ ‬يسخر من الحاكم محمد أنور السادات،‮ ‬وكان‮ ‬يقلده أثناء إلقائه للقصيدة،‮ ‬والمفارقة أن الإعلام الرسمي‮ ‬كان لا‮ ‬يكف عن وصف هذا الحاكم بأنه‮ "‬بطل الحرب والسلام‮"‬،‮ ‬ويأتي‮ ‬شاعر مثل الفاجومي‮ ‬ليسخر منه في‮ ‬كل مكان،‮ ‬وهنا كان نجم‮ ‬يحد بل‮ ‬يكسر‮ ‬غطرسة الحاكم الجبار المتجبر الأوحد،‮ ‬هذا الحاكم الذي‮ ‬أطربت سمعه عبارات المديح الزائفة والكذابة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬كان نجم لا‮ ‬يصمت عن هؤلاء الكذابين المنافقين،‮ ‬فكتب لهم قصيدته التي‮ ‬يقول فيها‮: (‬حلاوله‮ ‬ياحلاوله‮ ‬ياخسارة‮ ‬ياحولا الله الثوري‮ ‬النوري‮ ‬الكلمنجي‮ ‬هلاب الدين الشفطنجي‮ ‬قاعد في‮ ‬الصف الكلانجي‮ ‬شاكلاطة وكارميللا‮) ‬لذلك كان نجم وقصائده وألحان الشيخ إمام،‮ ‬تلاحق كافة الظواهر العامة والخاصة التي‮ ‬تحدث في‮ ‬المجتمع،‮ ‬وبالتأكيد نحن نفتقد هذا الشاعر العظيم،‮ ‬لأنه منذ أن داهمته الشيخوخة‮ ‬،وهو قد كف عن هذه الملاحقة والمتابعة والاشتباك،‮ ‬وكذلك لم‮ ‬يوجد من في‮ ‬قدرته ووعيه وحسه الحاد المصري‮ ‬العبقري،‮ ‬فكم نحن نفتقد هذه البديهة الشعرية الفائقة‮ ‬،والتي‮ ‬لم نعرفها إلا في‮ ‬عبدالله النديم وبيرم التونسي‮ ‬،إنهم لم‮ ‬يكونوا شعراء فقط‮ ‬،بل كانوا شعراء فوق العادة‮ ‬،وقادرين علي‮ ‬الرؤية والمجابهة التي‮ ‬تخرق عين الحاكم والظالم والطاغي‮ ‬والمستبد بشكل شبه شخصي‮ ‬أحيانا‮ ‬،وبعيدا عن المجازات والرمز المقيت‮ ‬،لذلك كان هؤلاء الحكام‮ ‬يقفون بالمرصاد لنجم‮ ‬،فلم‮ ‬يقف نجم علي‮ ‬منصات رسمية كبيرة مثل الأوبرا المصرية‮ ‬،ولكنه وقف علي‮ ‬منصات الشعب جميعا‮ ‬،لم‮ ‬يعش الحياة المترفة التي‮ ‬عاشها شعراء آخرون‮ ‬،باختصار كان شاعرا‮ ‬يقف في‮ ‬ميدان الشعب طوال حياته‮ ‬،ولم‮ ‬يلق بسلاحه مطلقا‮ ‬،هذا السلاح الذي‮ ‬نشعر بأننا فقدناه في‮ ‬لحظة نحتاجه فيها بقوة‮ ‬،لحظة نحتاج إلي‮ ‬شجاعته وقوة وسلامة تعبيره‮ ‬،ولكن العزاء الأكبر لنا أن كلماته وقصائده ومواقفه وروحه ستظل مرفرفة علي‮ ‬حياتنا مهما حيينا،‮ ‬لا أقول وداعا أيها الشاعر العظيم‮ ‬،ولكنني‮ ‬أقول لك‮ :‬إلي‮ ‬اللقاء‮.

شعبان‮ ‬يوسف‬

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٣٤٠

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here