اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

توظيف التاريخ والأسطورة في‮ ‬مسرح بن زيدان نموذج زنوبيا في‮ ‬موكب الفينيق‮

قييم هذا الموضوع
(1 vote)

‎بجمهورية مصر العربية صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الشاعر سعد عبد الرحمن مسرحية‮ ( ‬زنوبيا في‮ ‬موكب الفينيق‮) ‬ـ في‮ ‬طبعة ثانية‮ ‬،‮ ‬كتب مقدمتها الناقد الدكتور عمرو دوارة،‮ ‬وهي‮ ‬من تأليف الدكتور عبد الرحمن بن زيدان،‮  ‬وذلك ضمن سلسلة‮ ( ‬نصوص مسرحية‮).‬وفيما‮ ‬يلي‮ ‬مقاربة نقدية لهذه المسرحية‮.‬
‎بعد الكتب النقدية والتنظيرية التي‮ ‬أسست للتأليف المسرحي‮ ‬علي‮ ‬مدار ما‮ ‬يربو علي‮ ‬الثلاثة عقود،‮ ‬نذكر منها‮: (‬من قضايا المسرح المغربي‮)‬،‮ ‬و‮ (‬المقاومة في‮ ‬المسرح المغربي‮)‬،‮ ‬و(التجريب في‮ ‬النقد والدراما‮)‬،‮ ‬و‮( ‬المسرح المغربي‮ ‬في‮ ‬مفترق القراءة‮)‬،‮ ‬و‮( ‬التفكير بصوت مسموع في‮ ‬معني‮ ‬المسرح العربي‮)‬،‮ ‬و‮ (‬الثقافة المغربية علامات بعد علامات‮)‬،‮ ‬واللائحة تطول،‮ ‬راح الناقد عبد الرحمن بن زيدان‮ ‬يجرب في‮ ‬التأليف المسرحي‮ ‬مادام الهمّ‮ ‬الأساس عنده‮ ‬يدور حول أبو الفنون نقداً،‮  ‬وتأليفاً،‮ ‬ومادام الانجذاب والشغف نحوهما‮ ‬يشكلان مصدرإلهام لهذا الناقد الذي‮ ‬تشبع بتيارات المسرح بمشاربها المختلفة،‮ ‬وانبري‮ ‬بعزمه الوثاب‮ ‬يشكل رؤية مسرحية عربية تتبدي‮ ‬من خلال هذا التراكم الإبداعي‮ ‬الطويل‮ ‬،‮ ‬والذي‮ ‬غدا مرجعا أساسا‮ ‬يمكن انتهاجه كنظرية‮ (‬نموذج‮) ‬لمسرحنا العربي‮. ‬فكانت هاته المسرحية‮ ‬،‮ ‬نصا تجريبيا وسماه بعنوان‮ : (‬زنوبيا في‮ ‬موكب الفينيق‮).‬
‎تمتح المسرحية من نفس درامي‮ ‬،‮ ‬يذكرنا بقوة المسرح حين‮ ‬يتماهي‮ ‬مع لغة الشعر،‮ ‬فشعرنة الخطاب المسرحي‮ ‬هو ما أمدها بالقوة الدلالية اللازمة‮ ‬،‮ ‬وأحالها نصا مسرحيا متماسكا،‮ ‬نستحضر معه ذلك القران التاريخي‮ ‬بين الشعر والمسرح في‮ ‬القرون الأولي‮ ‬قبل الميلاد،‮ ‬حينما كانت القصائد الشعرية المسماة بـ"الديثرامب‮" ‬هي‮ ‬النص الذي‮ ‬يجعل المسرحية حبلي‮ ‬بالمعاني‮ ‬الشعرية التي‮ ‬تولي‮ ‬الكهنة تجسيدها في‮ ‬المعابد الإغريقية‮.‬
‎هذا النفس المسرحي‮ ‬التراجيدي‮ ‬أرخي‮ ‬بظلاله علي‮ ‬موضوع المسرحية‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬أراده المؤلف أن‮ ‬يتأسس علي‮ ‬مرجعية فكرية تنهل من الأسطورة،‮ ‬والتاريخ معا‮. ‬وجعلهما‮ ‬يحضران بيقينية التاريخ الممهور بمتخيل الواقع،‮ ‬الذي‮ ‬يمور بالأحداث،‮ ‬والوقائع،‮ ‬والشخصيات‮ ‬،‮ ‬التي‮ ‬قد تتشابه مع نظيراتها في‮ ‬الموروث القديم‮. ‬مما‮ ‬يجعلنا نقول إن التاريخ والأسطورة قد أسعفا المؤلف علي‮ ‬بلوغ‮ ‬الهدف المنشود،‮ ‬وأحالا خطابه المسرحي‮ ‬من مجرد لغة مباشرة إلي‮ ‬لغة إيحائية رمزية،‮ ‬يمكن تأويلها بقراءات عديدة تجعل من النص المسرحي‮ ‬نصا‮ ‬غنيا بالدلالات‮.‬
‎فإذا كانت‮ (‬ثيمة)الخير والشر‮ ‬،‮ ‬كوجهي‮ ‬نقيض،‮ ‬ثيمة قديمة قدم الكائن البشري‮ ‬نفسه،‮ ‬فلأنها تحضر في‮ ‬كل زمان ومكان،‮ ‬مادامت النفس البشرية أمارة بالسوء،‮ ‬ولايكبح جماحها إلا إيمان راسخ لا‮ ‬يقبل الهدنة والفتور‮. ‬فشخصيتا‮ (‬الفينيق‮)‬،‮ ‬الطائر الأسطوري‮ ‬الذي‮ ‬ينبعث من رماده،‮ ‬وكذا‮ (‬زنوبيا‮) ‬ملكة تدمر،تجسدان الخير،‮ ‬أما شخصية(الدمية‮) ‬فهي‮ ‬الخصم،‮ ‬الذي‮ ‬يحارب هذا الخير بشتي‮ ‬ألوان الشر‮. ‬وفي‮ ‬هذا الصراع الأبدي‮ ‬يحضر المكر،‮ ‬والخداع،‮ ‬والنفاق،‮ ‬واللامسئولية،‮ ‬وفي‮ ‬المقابل‮ ‬يحضر التحدي،‮ ‬والإيمان بالمصير،والإخلاص للمبادئ والقيم‮...‬وفي‮ ‬النهاية تؤول الغلبة للأقوي‮.‬
‎ليس في‮ ‬مسرحية‮ (‬زنوبيا في‮ ‬موكب الفينيق‮). ‬زمن محدد،‮ ‬مادام الزمن قابلا للتجدد‮ ‬،‮ ‬فالزمن ـ هنا ـ هو كل الأزمنة التي‮ ‬بها خلل،‮ ‬أما المكان‮ ‬،‮ ‬فهو كل المدن والحواضر التي‮ ‬تعرف الحصار والاستيلاب بشتي‮ ‬أنواعهما‮.‬
‎ويمكن أن نناقش هذا النص المسرحي،‮ ‬بالاعتماد علي‮ ‬بؤرة دلالية كبري،‮ ‬هي‮ ‬ما سيدلنا علي‮ ‬بعض المعاني‮ ‬المساعدة،‮ ‬وفهم دلالاتها ـ لاشك ـ سيضع المتلقي‮ ‬وجها لوجه أمام جملة من المضامين والمعاني‮ ‬التي‮ ‬يحويها النص،‮ ‬والتي‮ ‬تأتي‮ ‬متقلبة بين البوح والتلميح،‮ ‬وبين لغة المباشرة والرمز‮..‬لكي‮ ‬تصبغ‮ ‬بذلك فنية خاصة علي‮ ‬هذا النص التراجيدي،‮ ‬الذي‮ ‬أراده الكاتب عبد الرحمن بن زيدان،‮ ‬أن‮ ‬يكشف واقعا مترهلا،‮ ‬وأن‮ ‬يعري‮ ‬أنساقا اجتماعية‮ ‬يعتورها الخلل،‮ ‬ويطفو علي‮ ‬سطحها الفساد بشتي‮ ‬أشكاله،‮ ‬مما‮ ‬يعرض المدينة،‮ ‬أو المدن،‮ ‬إلي‮ ‬الموت،‮ ‬وحضور الموت ـ هنا ـ رمزي‮ ‬بإيحاءات متعددة‮.‬
‎هاته الأعطاب التي‮ ‬تنوس بها المدينة،‮ ‬في‮ ‬واقع‮ ‬غدا فيه المسئول مشبوهاً،‮ ‬وأصبحت فيه الأدوار مرتجلة،‮ ‬يتم توزيعها بشكل مقلوب لايراعي‮ ‬مقومات الجدارة،‮ ‬والاستحقاق،‮ ‬والإخلاص للمدينة ولمواطنيها،‮ ‬جعل المؤلف‮ ‬يستحضر من ذاكرته المثقفة رموزا تسعفه بتفعيل درامية نصه المسرحي،‮ ‬ومده بالنفس التراجيدي‮ ‬القمين بجعله‮ ‬يتوصل من خلال صراع الشخصيات الرئيسة‮ (‬الدمية،‮ ‬العراف‮ / ‬الفينيق،‮ ‬زنوبيا‮ ) ‬إلي‮ ‬بث خطابات ذات مضامين تفاؤلية تنتصر لقوي‮ ‬الخير‮.‬
‎هاته البؤرة الدلالية التي‮ ‬تشكل لغز هذا النص المسرحي‮ ‬،تتمثل في‮ (‬مفاتيح المدينة‮) ‬التي‮ ‬يسيطر عليها الساسة‮ ‬،‮ ‬ويتطلعون من خلالها إلي‮ ‬آفاق الثراء الفاحش،‮ ‬عبر طرق شتي‮ : ‬الكسب اللامشروع،‮ ‬وعدم توزيع الخيرات بكيفية عادلة بين المواطنين‮ ‬،وكذا التمسك بالسلطة‮ ‬،وهو ما كشف عنه الحوار الدائر بين الدمية والعراف‮:‬
‎‮(‬الدمية‮ : ‬إذا أعطيناه المفاتيح‮ .. ‬سنفقد سيطرتنا علي‮ ‬المدينة،‮ ‬نفقد بيت المال والغبرة التي‮ ‬تصير مالا و سلطة‮.‬
‎العراف‮ : ‬نفقد آبار الذهب الأسود ومعامل تكرير وتصفية الذهب‮ ‬
‎الدمية‮ : ‬والثروة السمكية‮...)‬1
‎وهناك بؤرة أخري‮ ‬يدور هذا النص المسرحي‮ ‬حولها هي‮ ‬قوة المال مما‮ ‬يؤكد جبروت الحكام‮ ‬،‮ ‬فالمال عصب السلطة وصمام أمانها،‮ ‬وهو ما جاء علي‮ ‬لسان الفينيق حين‮ ‬يفضح أسرار هذه البؤرة قائلا‮:‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬ماذا تعبدون؟ ومن‮ ‬يكون معبودكم ؟
‎الدمية‮ : ‬أتباعنا من كل الألوان والأمصار‮ ‬يأتون لأخذ نصيبهم من الغنائم إلا أنت‮....‬
‎بمالي‮ ‬أغير عالمك‮) ‬2
‎ويزيد قائلا‮:‬
‎‮(‬لنا مفاتيح مدينة تدمر وبغداد والقاهرة ومكناس وفاس ومراكش والقدس وطرابلس‮) ‬3
‎وتصبح دلالة المفاتيح ـ هنا ـ لا تخص مدينة بعينها بل تهم كل المدن والأمصار العربية المعلنة منها وغير المعلنة‮ ‬،‮ ‬مادام عصب المال،‮ ‬وعقلية الساسة قواسم مشتركة بينها جميعا،‮ ‬حيث التلذذ بالثراء الفاحش الذي‮ ‬يصل إلي‮ ‬حد العبادة‮ ‬،فهذه السيطرة المستبدة للساسة بحكم تملكهم‮ (‬مفاتيح المدينة‮) ‬تجعلهم لكي‮ ‬يضمنوا سيادتهم المطلقة علي‮ ‬شؤون المدينة‮ ‬،‮ ‬يقومون ببث القمع بأشكاله المختلفة،من خلال كبح الحريات العامة‮ ‬،‮ ‬وتطهير المدينة من المفكرين والمثقفين وعناصر التغيير والتجديد،‮ ‬وهي‮ ‬الحالات التي‮ ‬قدمت المسرحية صورها في‮ ‬الخطاب الذي‮ ‬جعل الدمية،‮ ‬والعراف أدوات فاعلة في‮ ‬هذا التلذذ‮: ‬
‎‮(‬الدمية‮ : ‬لا تخف لقد جعلنا لكل جدران المدينة آذانا‮......‬
‎العراف‮ : ‬وبدأنا في‮ ‬تعطيل العقول والكفاءات‮ (‬مكملا‮) ‬دون ألسنة
‎الدمية‮ : ‬ودون عقل‮) ‬4
‎هؤلاء المتحكمون في‮ ‬مفاتيح المدينة لا‮ ‬يستصيغون حرية الاختلاف الحزبي‮ ‬والمذهبي‮....‬والخارج عن حزبهم‮ ‬يكون ألد أعدائهم‮:‬
‎‮(‬العراف‮ : ‬زعيم التحريض المذهبي‮ ‬زادت شعبيته‮ ‬
‎الدمية‮ : ‬وزادت كراهيته لنا‮ ‬
‎العراف‮ : ‬وما العمل ؟
‎الدمية‮ : ‬نلقي‮ ‬القبض علي‮ ‬هذا الزعيم‮)‬5
‎إن محاربة الفكر المختلف،‮ ‬له طرق شتي‮ ‬يحسن إتقانها كل من‮ ‬يتولي‮ ‬مسئولية تسيير شؤون المدينة‮ ‬،ومن تكون لهم الغلبة في‮ ‬سياستها وتدبير مطالبها‮ ‬،‮ ‬وفق منطق أحادي‮ ‬مستبد‮:‬
‎الدمية‮ : ‬أحسن عقاب هو إخراسه بعد الكلام‮ ‬
‎العراف‮ : ‬لنزرع في‮ ‬ذاكرته فيروسا‮ ‬يخرب كل معلوماته
‎الدمية‮ : ‬لأن كلامه‮ ‬يزعجنا‮ )‬6
‎إن الكلمة ـ هناـ رمز لحرية التعبير‮ ‬،‮ ‬المنبعث من التأمل والتفكر‮ ‬،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فهي‮ ‬قد تشكل سلاحا قاتلا‮ ‬يزرع الرعب في‮ ‬المسئولين‮ ‬،مما‮ ‬يدفعهم لسلك سبيل المساومة،وتمثل الدمية الوكيل الحقيقي‮ ‬الذي‮ ‬يمارس هذه المساومة،‮ ‬للقضاء علي‮ ‬الفينيق،‮ ‬بالترغيب تارة‮ ‬،‮ ‬وبالترهيب تارة أخري‮:‬
‎‮(‬الدمية‮ : ‬إذا أعطيتنا صمتك سنعطيك عفوا كاملا‮. ‬
‎الفنيق‮ : ‬وإذا تكلمت؟
‎الدمية‮ : ‬أصمت وسنعفو عنك‮) ‬7
‎إن رفض الفينيق لكل أشكال المساومة،‮ ‬جعل منه رمزا للحياة المتجددة‮ ‬،‮ ‬و جعله الكاتب‮ ‬يحضر في‮ ‬المسرحية بمنطق المفكر،‮ ‬والتفكير في‮ ‬المفهوم‮ (‬الديكارتي‮)‬،‮ ‬معناه الوجود‮ (‬أنا أفكر إذن أنا موجد‮)‬،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فالفكر كوسيلة‮ ‬يدل علي‮ ‬الحياة‮ ‬،‮ ‬والصمت‮ ‬يعني‮ ‬الموت‮:‬
‎‮(‬الدمية‮ : ‬لماذا تضحك ؟
‎الفينيق‮ : ‬أنا سعيد لأنكم تكرهونني‮ ‬وتخافون مني‮ ‬وتهابونني‮ ‬وأنا أفكر حتي‮ ‬في‮ ‬وحدتي‮ ‬وعزلتي‮ ‬في‮ ‬صمتي‮ ...‬
‎الدمية‮ : ‬أحقنوه بالصمت‮ ..‬بنجوه‮.) ‬8
‎وأمام قوة التحدي‮ ‬والإصرار‮ ‬،تنمحي‮ ‬المخاوف،‮ ‬سيما إذا كان هذا التحدي‮ ‬مدعوما بالتضامن‮ ‬،‮ ‬والاتحاد بين شخصيتي‮(‬الفينيق‮)‬،‮ ‬و(زنوبيا‮): ‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬لكني‮ ‬أعلمهم كيف‮ ‬يقفون‮..‬
‎زنوبيا‮ : ‬أما أنا فأعلمهم كيف لا‮ ‬يركعون‮..) ‬9
‎فرمز‮( ‬المثقف و المفكر‮) ‬يشكل نقطة سوداء بالنسبة للساسة الذين‮ ‬يعولون علي‮ ‬المال لتغطية ضعفهم‮ ‬،‮ ‬هذا‮ (‬المفكر‮) ‬الذي‮ ‬يصبح‮ (‬فزاعة‮) ‬تقض مضجعهم‮ ‬،‮ ‬وتنغص عليهم إمكانية التلذذ بالسيادة بشكل آمن ومطمئن‮:‬
‎‮(‬الدمية للفينيق‮: (‬بغضب‮) ‬أنت لا تري‮ ‬ولا تسمع‮.. ‬إني‮ ‬أحقد علي‮ ‬أمثالك من المفكرين‮) ‬10
‎وفي‮ ‬خضم هذه المواجهة اللامتكافئة بين الفكر والمال‮ ‬،تتبدي‮ ‬لغة الضعف‮ ‬،والشعور بالنقص لدي‮  ‬الساسة‮ ‬،‮ ‬الذين‮ ‬يلجؤون إلي‮ ‬لغات القمع لإرغام أهل الفكر علي‮ ‬الخضوع والاستسلام‮: ‬
‎‮(‬الدمية‮ : ‬استعملوا السلاح
‎العراف‮ : ‬ذخيرة التدريب‮ ‬
‎الدمية‮ : ‬لا‮ ‬يا مغفل‮ .. ‬ذخيرة القتال لمواجهة من‮ ‬يزرع الفوضي‮) ‬11
‎أمام هذا الجو القاتم الذي‮ ‬يخيم علي‮ ‬المدينة ويعرض خيراتها للسلب،‮ ‬وللنهب،‮ ‬ويسهل علي‮ ‬مترفيها التربع باستعلاء علي‮ ‬قمتها،‮ ‬تحضر شخصية‮ (‬الفينيق‮) ‬ذلك الطائر الخرافي‮ ‬الذي‮ ‬ينعبث من رماده،‮ ‬والذي‮ ‬يأتي‮ ‬لبث الروح في‮ ‬المدينة بعد موات طويل‮ ‬،ليكتشف موت الإنسان فيها أيضا،‮ ‬ومن طبيعة الفينيق أنه ثائر علي‮ ‬الموت‮ ‬،‮ ‬محب للحياة،‮ ‬وثورته ـ هاته ـ تتبدي‮ ‬في‮ ‬المسرحية من خلال فكره المعادي‮ ‬للساسة،‮ ‬وتأمله المغرق في‮ ‬شؤون المدينة،‮ ‬في‮ ‬بحث عن الحلول الكفيلة باستنهاضها من جديد،‮ ‬ومن ثم فهو‮ ‬يمقت الصمت،‮ ‬ويكره السكون المراوغ،‮ ‬وينتقد ساكنة المدينة علي‮ ‬تواطؤها‮ ‬غير المباشر مع الساسة الفاسدين‮.‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬الخلاص‮ ‬،اللعنة،‮ ‬لماذا لاتتكلمون؟
‎اللعنة علي‮ ‬هذا الصمت المريب‮) ‬12
‎من هنا فالدعوة إلي‮ ‬الحرية،‮ ‬واستشراف حياة أفضل،‮ ‬هو مسعي‮ ‬يتوحد فيه كل من‮ (‬زنوبيا‮)‬،‮ ‬و‮ (‬الفينيق‮) ‬في‮ ‬عدم ارتكانهما للخضوع والاستسلام،‮ ‬رغم المكابدات والخناق المضروب عليهما‮.‬
‎‮(‬زنوبيا‮ : ‬أريدك أن تحيا‮ ‬،‮ ‬هذا زمن ليس مناسبا للموت‮.‬
‎الفينيق‮ : ‬صحيح إنه عمر مناسب للحياة،‮ ‬للحرية،‮ ‬لكسر الأغلال والقيود،‮ ‬الخلاص أمامنا‮... ‬الخلاص أمامنا‮) ‬13
‎ونظرا لاستفحال وضع المدينة عندما تفشت فيها ألوان الفساد،‮ ‬والقمع،‮ ‬والاستبداد،‮ ‬والثراء الفاحش،‮ ‬واللامساواة،‮ ‬والظلم،‮ ‬كان من الصعب أن تتم إعادة ترتيبها وفق سيادة القانون‮ ‬،‮ ‬واستتباب الأمن‮ ‬،‮ ‬ومنح الحريات،‮ ‬ومعاقبة الجناة والمفسدين،‮ ‬وبالتالي‮ ‬كان من الواجب أن‮ ‬يتم توحد شخصيتي‮ ‬زنوبيا والفينيق،‮ ‬في‮ ‬محاولة لإعادة الروح إلي‮ ‬المدينة،‮ ‬وانتشال أنقاضها،‮ ‬وإشاعة الأمل في‮ ‬مواطنيها من جديد‮.‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬تمازجت روحي‮ ‬في‮ ‬روحك‮ ‬يا زنوبيا
‎زنوبيا‮ : ‬نحن روحان حللنا بدنا‮)‬14
‎هذا الصراع‮ ‬يعزي‮ ‬للتراكم الطويل الذي‮ ‬أصبحت تعيشه المدينة،‮ ‬في‮ ‬شتي‮ ‬الأمراض الاجتماعية التي‮ ‬أصبحت صورة مألوفة لدي‮ ‬الجميع،‮ ‬وهي‮ ‬بذلك لا تخدم سوي‮ ‬مصالح طبقة بعينها،‮ ‬تسعي‮ ‬بواسطة نفوذها إلي‮ ‬بث الرعب في‮ ‬النفوس،‮ ‬والبطش بكل من أراد التغيير،‮ ‬أو ثار علي‮ ‬الأوضاع‮. ‬ولعل أبرز تلك الأمراض التي‮ ‬ساهمت في‮ ‬انتكاسة المدينة وبوارها،‮ ‬نذكر‮: ‬آفة الرشوة‮.‬
‎‮(‬الدمية‮ : ‬قبل أن نصدر حكمنا النهائي‮ ‬علينا بإغرائه
‎العراف‮ : ‬هل تريد شراء شرف معتزل؟
‎الدمية    : إنكم تخافون من طموحه
‎العراف‮ : ‬طموحه تجاوز حده
‎الدمية‮ : ‬لنلفق له مجموعة من التهم‮) ‬15
‎لكن‮ ‬يصعب استمالة الكل،‮ ‬ولاسيما أولئك الذين‮ ‬يحملون مشروعا مجتمعيا،‮ ‬وهمّا إنسانيا بعيدا عن المصالح الفردية الرخيصة،‮ ‬ماداموا‮ ‬يبتغون الصالح العام،‮ ‬ومن هؤلاء نذكر‮: ( ‬الفينيق‮)‬
‎‮(‬الدمية‮ : ‬لا تحلم وسأعطيك من المال ما‮ ‬يكفيك‮ ) ‬16
‎وبذلك شكل الفينيق،‮ ‬مصدر إزعاج مستمر للمسئولين الفاسدين،‮ ‬المتورطين في‮ ‬خراب المدينة،‮ ‬لأنه‮ ‬يعي‮ ‬ألاعيبهم،‮ ‬ويدرك خبثهم،‮ ‬وما‮ ‬يبثونه من سموم في‮ ‬جسم المدينة ومواطنيها،‮ ‬سعيا للحفاظ علي‮ ‬المصالح الشخصية‮ ‬،‮ ‬ومن ثم نجد الفينيق‮ ‬يكشف الواقع الفاسد لهؤلاء الساسة‮ .‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬معكم صار الأمر مخيفا،‮ ‬كل واحد منكم‮ ‬يدير المدينة لمصلحته بالمضاربات،‮ ‬بالرشاوي،‮ ‬باستغلال النفوذ،‮ ‬بالاتجار في‮ ‬الممنوعات،‮ ‬بتخفيض الضرائب لمصلحة طبقته،‮ ‬وبتمتيع المخبرين والقوادين بالمتيازات والإغراءات‮) ‬17
‎أكيد أن للمدينة قانونها،‮ ‬لكن ليس ذلك القانون المتعارف عليه،‮ ‬الذي‮ ‬ينبثق من الشعب،‮ ‬بل نجده في‮ ‬المسرحية قانونا علي‮ ‬مقاس الساسة؛ متخذين منه أداة لحفظ سيطرتهم ونفوذهم،‮ ‬وتكفل لهم الثروة،‮ ‬والسيادة المزعومة،‮ ‬وكل من خرج عن هذا القانون‮ (‬الجائر‮) ‬عُدّ‮ ‬زنديقا،‮ ‬كافرا وجب التنكيل به‮ ‬،‮ ‬فالظلم أيضا علامة علي‮ ‬الموت‮ (‬موت‮) ‬القيم،‮ ‬والأخلاق،‮ ‬والمساواة،‮ ‬موت المسئول العادل‮.‬
‎‮(‬الفينيق‮ :  ‬اليوم سأحكي‮ ‬عن مدينتي‮ ‬التي‮ ‬صارت تابوتا‮ ‬يدفن فيه الأبرياء باسم قانون المدينة‮) ‬18
‎من تفضح المسرحية تفشي‮ ‬الظلم،‮ ‬وتقدم معانيه في‮ ‬حضور لغات القمع التي‮ ‬تنتهجها سلطة المدينة لكل من ثار ضد قانونها الأوحد‮.‬
‎‮(‬الدمية‮ : ‬الحقنة‮...‬لقد زادت حدة هذيانه‮...)‬19
‎ومادامت هذه المعاملات اللاإنسانية حاضرة في‮ ‬المدينة،‮ ‬فهي‮ ‬تتبدي‮ ‬في‮ ‬مواقع حساسة،‮ ‬في‮ ‬البرلمان مثلا،‮ ‬حيث تسود لغة الكذب والمراوغة،‮ ‬والنفاق السياسي،‮ ‬الذي‮ ‬ينوم العقول الساذجة،‮ ‬ويبقي‮ ‬علي‮ ‬الأوضاع وفق ما تشتهيه السلطة الحاكمة‮.‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬هل تعرفين أيتها الدمية الميتة؟ معذرة أنت لا تعرفين أنك ميتة،‮ ‬لأنك محشوة بغباوة الأغبياء‮ ‬،‮ ‬دعيني‮ ‬أقول لك إنه كل‮ ‬يوم تمتلئ مقاعد مجلس اللوردات عندنا،‮ ‬وتمتلئ المقاهي‮ ‬والأرصفة‮ ..‬وتكثف بتجاعيدها الملتوية علي‮ ‬الأزمنة الضائعة منها لتعيد الكلام نفسه،‮ ‬والأسئلة الشفوية والكتابية نفسها،‮ ‬لاشيء تحمله معها‮) ‬20
‎إن انتقاد المدينة،‮ ‬وتعريتها،‮ ‬وفضح مترفيها هو السبيل الممهد لإعادة إحيائها،‮ ‬وإصلاح ما فسد منها،‮ ‬وسن أسلوب التجديد والتغيير فيها،‮ ‬حتي‮ ‬تتبدي‮ ‬صورة للمدينة الحالمة التي‮ ‬يأمل تحقيقيها كل من‮ ‬يحمل بذرة خير،‮ ‬ورسالة هادفة تخدم الصالح العام‮ .‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬أريد أن أتكلم‮.. ‬وأطوي‮ ‬الصمت،‮ ‬فلا أستنشق سوي‮ ‬نصيبي‮ ‬من دخان المدينة الملوثة‮.. ‬ولا أشم‮ ‬غير قسطي‮ ‬من دخان السجائر المهربة،‮ ‬والأفكار المخدرة الممزوجة بسواد الحافلات المتهالكة‮...)‬21
‎كثيرة هي‮ ‬البؤر السوداء التي‮ ‬تشكل وصمة عار في‮ ‬جبين كل‮ ‬غيور علي‮ ‬المدينة وفضاءاتها المختلفة،‮ ‬فالعيش فيها لاشك بحاجة إلي‮ ‬رؤية مغايرة،‮ ‬تري‮ ‬بعين الجمال كل تفاصيلها المتكاملة‮. ‬فإصلاح المدينة عملية كبري‮ ‬متناسقة لا تقبل التفكيك أو التجزيئ‮ .‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬لقد كنت أتكلم عن امتلاء المقاهي‮ ‬المخلطة بدخان الشيشة‮..‬وكنت أتحدث عن الشوارع الشاحبة والحدائق الضائعة بضياع خضرتها ونظافتها‮..‬وأتحدث عن امتلاء الخمارات ولا أجد إلا الشباب الضائعين بالحبات المهلوسة ولاأجد إلاساحات الاحتفالات والسرد الجميل وقد تحولت إلي‮ ‬معرض لمأكولات خفيفة تعود المعدة علي‮ ‬استهلاك كل أكل مسموم‮) ‬22
‎هذه الرؤية المتكاملة لاشك أن تضع في‮ ‬حساباتها،‮ ‬الاهتمام بالجوانب الثقافية والفكرية والفنية،‮ ‬فمدينة تفتقد إلي‮ ‬هاته الفضاءات،‮ ‬لاشك أنها مدينة جاهلة،‮ ‬ومن ثم فمن الرسائل المنوطة بكل مغير،‮ ‬أن‮ ‬يبادر إلي‮ ‬استنهاض هذه الحياة المغذية للعقل والمهذبة للجوارح‮.‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬دورك هو هدم كل بناء‮ ‬
‎الدمية‮ :‬أنت تبالغ
‎الفينيق‮ : ‬تعميم الجهل في‮ ‬المدينة أنت المسئول عنه‮. ‬
‎من جعل المكتبات تتحول إلي‮ ‬مقاه وحانات؟ ومن هدم قاعات المسرح والسينما وحولها إلي‮ ‬عمارات شاهقة؟‮ ‬
‎من حول الرياضات الأصيلة إلي‮ ‬فضاءات للسياحة الجنسية ؟‮) ‬23
‎كل ذلك منبن علي‮ ‬ثروة بشرية لابد من تقويتها‮ ‬،‮ ‬وإعادة الثقة إليها من جديد‮ ‬،‮ ‬وخاصة فئة الشباب التي‮ ‬تعول عليه المدينة ضمانا لاستمراريتها،ولكي‮ ‬يتحقق ذلك لابد من توفير شغل‮ ‬يتناسب ومؤهلات الشباب،‮ ‬حتي‮ ‬يكفوا عن الاحتجاج والتظاهر‮.‬
‎‮(‬العراف‮ : ‬لقد احتل المتظاهرون الشارع الرئيسي‮ ‬في‮ ‬العاصمة،‮ ‬والمعطلون‮ ‬يريدون إضرام النار في‮ ‬أجسادهم‮)‬24
‎إنها حالات قاتمة‮ ‬،‮ ‬وصور سوداوية تعرفها المدينة في‮ ‬كل مجالات حياتها،‮ ‬هاته الصور تجعل من إمكانية إصلاحها أمرا عسيرا‮.‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬عالم‮ ‬يحيا فيه الناس البسطاء،‮ ‬أزمنة الفقر والجوع والعري‮ ‬والمرض والتجهيل،‮ ‬ويعيش فيه أثرياء الحرب مع مقاولي‮ ‬الانتخابات المزورة‮ ‬يقامرون بأصوات الأحياء والأموات ويسمسر معهم السياسيون الفرصويون بآخر فرصهم في‮ ‬المزايدات،‮ ‬وفرصهم في‮ ‬توسيع مملكة الثراء والنعيم‮...)‬25
‎هنا تفضح المسرحية المسئولين علي‮ ‬مدينة ميتة،‮ ‬لاشك أنهم موتي‮ ‬وإن كانوا أحياء،‮ ‬مرضي‮ ‬أطماعهم وجشعهم ونزواتهم اللامحدودة،‮ ‬والمسئول المريض الذي‮ ‬ليست له القدرة علي‮ ‬تدبير المدينة وفق القانون،‮ ‬لاشك منعدم الرجولة،‮ ‬رجولته تنحدر إلي‮ ‬حد التخنث‮.‬
‎‮(‬الدمية‮ : ‬أنا منجذب إليك‮..‬
‎الفينيق‮ : (‬بحزم‮) ‬اللعنة عليك أيها الوضيع،‮ ‬معكم نلت نصيبي‮ ‬من الكوابيس وحاصرتني‮ ‬رغباتكم المخنثة‮) ‬26
‎إن انخراط المدينة في‮ ‬الحداثة،‮ ‬مسألة محمودة إذا ما راعت أصالة المدينة،‮ ‬وموروثها العريق‮. ‬فالانفتاح ـ لاشك ـ‮ ‬يفك عن المدينة عزلتها،‮ ‬ويجعلها مزدوجة بين الأصالة والمعاصرة‮.‬
‎‮(‬زنوبيا‮ : ‬لماذا هذا العشق المجنون الولهان بالمدينة‮ ‬يا فينيق؟
‎الفينيق‮ : ‬مدينتي‮ ‬لا تحب الفراغ‮..‬مدينتي‮ ‬تحب الأنس اللذيذ‮ ..‬والنور‮...‬مدينة تحب أن تكسر أصفاد العزلة التي‮ ‬طوقت حداثتها‮..‬
‎زنوبيا‮ : ‬من‮ ‬يهدينا إلي‮ ‬الرشد؟
‎الفينيق‮ : ‬يهدينا الإيمان إلي‮ ‬الإيمان‮) ‬27
‎هنا تدعو مسرحية‮ (‬زنوبيا في‮ ‬موكب الفينيق‮).‬إلي‮ ‬أن تتحرر المدينة من هذه المثبطات،‮ ‬وهذا‮  ‬لاشك سيجعلها تستنشق هواء نقيا،‮ ‬تستحضر معه أمجادا‮ ‬غابرة لمدن وأمصار أخري،‮ ‬قاومت استعمارها بفضل فكر‮ ‬يتوق إلي‮ ‬التغيير،‮ ‬فكر ثائر‮ ‬يري‮ ‬في‮ ‬مصلحة الجماعة خلاصا،‮ ‬فتكون المبادرة فردية في‮ ‬البدء‮.‬
‎‮(‬زنوبيا‮ : ‬تاريخي‮ ‬هو حلم متجدد بالحلم بالتحرر من الروم
‎الفينيق‮ : ‬أنت التي‮ ‬فتحت مصر وآسيا الصغري
‎زنوبيا    : حصنت مدينة تدمر من الغزاة‮) ‬28
‎وهذه الثورة ضد الموت،‮ ‬وضد الاستعمار المباشر وغير المباشر،‮ ‬جعلت الفينيق وزنوبيا‮ ‬يتوحدان ماداما‮ ‬يحملان هما مشتركا‮.‬
‎‮(‬زنوبيا‮ : ‬كلانا في‮ ‬هذا الوضع سواء‮) ‬29
‎إنه الحلم الجماعي‮ ‬الذي‮ ‬يوحّد ولا‮ ‬يفرق،‮ ‬هو ذاك الحلم الذي‮ ‬يتخلص من نرجسية‮" ‬الأنا‮" ‬التي‮ ‬جعلت المدينة مستعمرة،‮ ‬وضربت عليها حصارا حصينا‮ ‬يصعب تفكيكه بدون اتحاد‮.‬
‎‮(‬الفينيق‮ : ‬حلمي‮ ‬حلم جماعي‮...)‬30
‎هذا الحلم الجماعي‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬ينطلق من الذات الفردية،‮ ‬نجده محملا بالقيم الجميلة التي‮ ‬تنأي‮ ‬عن المساومات،‮ ‬والتي‮ ‬تتمسك بالوطن حينما تكون مشبعة بحب المدينة،‮ ‬وبالوفاء لهذا الحب حتي‮ ‬ولو تطلب ذلك موتا محققا‮.‬
‎‮(‬الدمية‮ : ‬نعطيك فرصة أخري‮ ‬للخروج من المدينة
‎الفينيق‮: ‬أنا مقتنع أن قطران بلادي‮ ‬خير من ألف رحيق معلب بالمصلحة‮ )‬31
‎وبواقعية الناقد،‮ ‬وبمتخيل المؤلف المسرحي‮ ‬إذا،‮ ‬راهن الدكتور عبد الرحمن بن زيدان علي‮ ‬تأسيس خطابات مسرحيته‮: ( ‬زنوبيا في‮ ‬موكب الفينيق‮) ‬معولا علي‮ ‬تجربة نقدية وتنظيرية‮ ‬غنية بمواقفها،‮ ‬وتصوراتها‮ ‬،‮ ‬ومستلهما من موهبته في‮ ‬الكتابة والمساءلة الإطار العام الذي‮ ‬تولد فيه هذا النص التجريبي‮ .‬منها أن مسرحية‮ ( ‬زنوبيا في‮ ‬موكب الفينيق‮) ‬نص مسرحي‮ ‬تجريبي‮ ‬برموزه،‮ ‬و إيحاءاته،‮ ‬وتجريبيته هاته تستمد فرادتها من خلال عناصر عديدة،‮ ‬أذكر منها‮: ‬
‎أولا‮ : ‬النفس النقدي‮ ‬الذي‮ ‬يشكل روح المسرحية،‮ ‬وعليه تنبني‮ ‬قوتها الدلالية‮.‬
‎ثانيا    : تواشج الرؤية النقدية للناقد مع ثقافة المؤلف عبد الرحمن بن زيدان أسعف علي‮ ‬ولادة مسرحية فكرية نقدية‮ ‬،‮ ‬مما‮ ‬يجعلنا ننعتها بالمسرحية النقدية أو الناقدة‮ .‬
‎ثالثا    : فكر الناقد في‮ ‬المسرحية‮ ‬يستمد قوته من مرجعية أسطورية وتاريخية،‮ ‬شكلت وعاء معرفيا شعرن خطابات المسرحية‮ ‬،‮ ‬وجعل دلالاتها أكثر خصوبة،‮ ‬وأكثر عمقا علي‮ ‬مستوي‮ ‬ما تقدمه من مواقف جريئة قناعها.هوالتراث الذي‮ ‬اعتمدت عليه لعصرنة رؤيتها التراجيدية للعالم‮.‬
‎رابعا    : صوغ‮ ‬المسرحية ـ كما جاء علي‮ ‬لسان المؤلف في‮ ‬المدخل-ـ علي‮ ‬أنها عمل لم‮ ‬يتقولب في‮ ‬نمط تقليدي‮ ‬يحاكي‮ ‬بقية التجارب السابقة،‮ ‬ولم‮ ‬يخضع لتراتبية زمنية صارمة،‮ ‬كما أنه لم‮ ‬يحتمل وحدة المكان،‮ ‬بل كانت التعددية والانفتاح علي‮ ‬الأمكنة،‮ ‬وعلي‮ ‬الأزمنة،‮ ‬سمته البارزة‮.‬
‎بناء عليه،‮ ‬يمكن أن نتلمس بعضا من أوجه تجريبية هاته المسرحية؛ فضلا عن عناصر أخري‮ ‬ساهمت في‮ ‬إرساء هاته التجربة وإخراجها إلي‮ ‬حيز الوجود‮. ‬وفي‮ ‬هذا السياق‮ ‬يقول الدكتور بن زيدان في‮ ‬مدخل هذه المسرحية‮: ( ‬من الرغبة في‮ ‬تحقيق المختلف المتناغم مع نفسه،‮ ‬ومع سياقه،‮ ‬ومن الحلم في‮ ‬إنجاز هذا الشكل الجديد للكتابة الدرامية،‮ ‬جاء المعني‮ ‬الأول لكتابة نص مسرحي‮ ‬يحمل عنوان‮ (‬زنوبيا في‮ ‬موكب الفينيق‮)‬32
‎هذا‮ ‬يعني‮ ‬أن بحث المؤلف عن كتابة مغايرة،‮ ‬قد شكل هاجسه الأول؛ باعتبار قيمة الرجل في‮ ‬الحركية النقدية وطنيا وعربيا،‮ ‬وكذا تمرسه علي‮ ‬قراءة وتفهم التراث العربي‮ ‬والإنساني‮ ‬،‮ ‬إن علي‮ ‬مستوي‮ ‬الأسطورة‮ ‬،‮ ‬أو التاريخ،كل هذا أسعفه علي‮ ‬صوغ‮ ‬مادة إبداعه في‮ ‬هذا النص‮ ‬،‮ ‬الذي‮ ‬يصعب تجنيسه كما جاء علي‮ ‬لسان المؤلف نفسه،‮ ‬وصعوبة تجنيسه ـ باعتقادي‮

 

‎الدكتور نور الدين الخديري


باحث وناقد

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٩

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here