اشترك الآن في "مسرحنا" ويمكنك الحصول علي " جريدة مسرحنا " كل أسبوع أينما كنت أرسل حوالة بريدية الي مؤسسة الأهرام_شارع الجلاء_القاهرة_اشتراكات الاهرام/ جريدة مسرحنا .. سعر النسخة لمدة عام: 52 جنيها داخل مصر 65 دولارا للدول العربية 95 دولارا للدول الأجنبية

النهايات التراجيدية للمسرح المصري

قييم هذا الموضوع
(0 تقيم)

 

ربما‮ ‬يبدو الأمر مملاً‮ ‬بعض الشيء‮ .. ‬ففي‮ ‬العادة‮ ‬يفقد الكلام معناه مع تكراره،‮ ‬ويتحول إلي‮ ‬صدي‮ ‬بلا روح للصوت الذي‮ ‬انطلق أول مرة محملاً‮ ‬بالانفعال و الحياة و المعني‮. ‬ولكن دعونا نتحدي‮ ‬الممل قليلاًُ،‮ ‬ونعيد تكرار بعض الأفكار التي‮ ‬سبق أن طرحت حول السيناريوهات الأكثر مأساوية للمسرح المصري‮ ‬علنا نجد في‮ ‬تلك الإعادة ما‮ ‬يخفف عن اعناقنا بعضًا من مسئولية المشاركة في‮ ‬انهيار الظاهرة المسرحية‮  ‬تحت أقدام الهجوم المزدوج للقوي‮ ‬الدينية المحافظة و القوي‮ ‬الرأسمالية‮ . ‬
ربما كان أكثر السيناريوهات مأساوية هو ما‮ ‬يتحقق الآن،‮ ‬فالدولة شارفت علي‮ ‬إنهاء انسحابها البطيء من أداء أدوارها تجاه المجتمع‮ ‬– وهو الأمر الذي‮ ‬استغرق قرابة العشرين عاماً‮ -  ‬لكنها لم تستطع أن تتجنب الأعراض الانسحابية المتمثلة في‮ ‬انهيار سلطتها و صعود سلطات تقليدية ومحافظة داخل المجتمع لتقوم بسد الفراغ‮ ‬الذي‮ ‬تركته الدولة‮ ‬،‮ ‬فتحول المسجد من دار عبادة إلي‮ ‬مركز لفض المنازعات في‮ ‬ظل فساد جهاز الشرطة ومن ثم انهياره‮ ‬،‮ ‬كما تحول المسجد لمركز اجتماعي‮ ‬وثقافي‮ ‬عندما تآكل دور قصور الثقافة في‮ ‬المحافظات‮ ‬،‮ ‬ومع مرور الأيام أصبح لرجل الدين أدور سياسية و رقابية وهو ما‮ ‬يعكس ترديًا واضحًا لدور الدولة و‮ ‬غيابها‮ ‬،‮ ‬وبالتأكيد فإن الانهيار السريع لحكومة مبارك أدي‮ ‬لتسارع وتيرة عملية التفكك تلك‮ ‬،‮ ‬ليتحول الأمر في‮ ‬النهاية إلي‮ ‬نضال مقدس ضد الدولة القومية الحديثة وتأسيس دولة جديدة‮ - ‬بعقد اجتماعي‮ ‬جديد‮ - ‬قائمة علي‮ ‬تخلي‮ ‬الدولة عن أدوارها الحيوية والداعمة للطبقات الأكثر فقراً‮ ‬لصالح قوي‮ ‬المجتمع المدني‮ ‬التقليدية‮ ‬– والمحافظة‮-  ‬التي‮ ‬تسارع من خطواتها لسد الفراغات التي‮ ‬تنشاء عن تقاعس الدولة عن أداء أي‮ ‬من أدوارها في‮ ‬ظل تبني‮ ‬نموذج الليبراليين الجدد علي‮ ‬المستوي‮ ‬الاقتصادي‮.‬
ربما تبدو الصورة التي‮ ‬نطرحها هنا شديدة التعقيد و التداخل‮ ‬،‮ ‬فلقد أصبح من الطبيعي‮ ‬التفكير أن العلاقة بين الإسلام السياسي‮ ‬و النظام الرأسمالي‮ ‬متوترة وقلقة‮ ‬،‮ ‬خاصة إذا ما وضعنا في‮ ‬اعتبارنا الفتاوي‮ ‬المحرمة للنظام البنكي‮ ‬،‮ ‬والتحايل علي‮ ‬النظام الليبرالي‮ ‬ونعته بالكفر والانتماء للغرب‮ .‬
ولكن أليس من المثير للدهشة أن تستمر الدولة في‮ ‬انتهاج ذات الخيارات الاقتصادية في‮ ‬ظل ثورة كانت ترفع شعارات ذات صبغة‮ ‬يسارية‮ (‬عيش،‮ ‬حرية،‮ ‬عدالة اجتماعية‮) ‬؟ أوليس من المثير أن‮ ‬يتحول ذلك الشعار وتظهر صياغات بديلة وموازية مثل‮ (‬عيش‮ - ‬حرية‮ - ‬كرامة إنسانية‮) ‬و‮ (‬تغيير‮ ‬– حرية‮ ‬– كرامة إنسانية‮) ‬كما لو أن هناك رغبة في‮ ‬القضاء علي‮ ‬أي‮ ‬ملمح لانعدام المساواة الاقتصادية بين الطبقات؟
أوليس من المثير للدهشة أن تتعالي‮ ‬أصوات من التيار الإسلامي‮ ‬و الليبرالي‮ ‬في‮ ‬ذات الوقت بإلغاء وزارة الثقافة ودفع مستحقاتها إلي‮ ‬القطاع الصحي‮ ‬أو التعليمي‮ ‬بينما علي‮ ‬أرض الواقع لا توجد قوي‮ ‬مدنية قادرة علي‮ ‬القيام بدورها من جهة وتخلي‮ ‬الدولة التدريجي‮ ‬عن الدعم لكافة القطاعات بما فيها قطاعات التعليم والصحة للحد الذي‮ ‬يصل لحد اعتياد المواطن علي‮ ‬فكرة أن التبرعات والصدقات هي‮ ‬السبيل الأول والوحيد لتوفير رعاية صحية للفقراء ؟
بالتأكيد إن تلك الملاحظات وغيرها تبدو‮ ‬غير ذات معني‮ ‬في‮ ‬ظل عدم الربط بينها‮ ‬،‮ ‬لكنها‮ ‬يمكن أن تصبح ذات معني‮ ‬عندما نضيف إليها خبراتنا بالمؤسسات المسرحية المدعومة من قبل الدولة،‮ ‬فخلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية بدأ مسرح الدولة في‮ ‬حصد نتائج عمليات التخريب المنظمة التي‮  ‬قادتها الدولة منذ عصر الرئيس الراحل أنور السادات‮ ‬،‮ ‬فالمؤسسات المسرحية أصبحت متخمة بعمالة تفيض عن حاجتها وفي‮ ‬المقابل تم تفريغ‮ ‬تلك المؤسسات من دورها الاجتماعي‮ ‬وعزلها عبر الجمود الإداري‮ ‬والتشويه الإعلامي‮ ‬وإفساد الفنانين بالمرتبات الحكومية التي‮ ‬لا تطلب عمل في‮ ‬المقابل‮ ‬،‮ ‬وقبل كل ذلك‮ ‬غلق الأبواب دون المواهب الجيدة وانعدام التدريب وتردي‮ ‬المنتج الفني‮ ‬وتدهور أحوال دور العرض سواء قبل حريق بني‮ ‬سويف أو بعده‮ .‬
ولكن بعد الثورة تم تسريع عملية الانهيار تلك‮  ‬لنجد أصواتًا مختلة بين المثقفين تطالب بإلغاء وزارة الثقافة وفتح المجال أمام المجتمع المدني‮ ‬ودور النشر الخاصة و الفرق المستقلة‮ ..‬الخ وهو ما تلاقي‮ ‬مع دعاوي‮ ‬التيارات الدينية التي‮ ‬تمتلك ذات التوجه وإن كانت علي‮ ‬وعي‮ ‬بأن التخلص من وزارة الثقافة‮ ‬يسمح لهم بمد نفوذهم إلي‮ ‬نهايته‮. ‬فلا‮ ‬يوجد ذلك المجتمع المدني‮ ‬الذي‮ ‬يحلم به المثقفون خارج القاهرة والإسكندرية ويعتمد علي‮ ‬تمويلات من جهات أجنبية‮ ‬يمكن التخلص منها بسهولة‮ .‬
ويصل الأمر إلي‮ ‬نهايته مع إيقاف ميزانيات البيت الفني‮ ‬للمسرح ومخصصاته من وزارة المالية لنصل إلي‮ ‬ذروة جديدة‮ ‬،‮ ‬لكنها لن تكون الأخيرة أو القصوي‮ ‬،‮ ‬فالحصار‮ ‬يفرض وتشتد قبضته وأصبح الفنان الشاب الذي‮ ‬يعمل بمسرح الدولة بلا عمل بعد إيقاف الميزانيات‮ ‬،‮ ‬وبأجر شهري‮ ‬أقل من‮ ‬500 جنية شهرياً‮ ‬–  المرتب والحوافز‮ .. ‬الخ‮ - ‬في‮ ‬ظل عدم صرف الزيادات التي‮ ‬حظي‮ ‬بها كافة العاملين بالدولة‮.‬
هل‮ ‬يبدو ذلك الكلام مملاً‮ ‬كالعادة ؟‮!  ‬أظن أنه كذلك‮ .. ‬فالجميع لم‮ ‬يزل‮ ‬يحمل ذلك الوهم القائل أن أحداً‮ ‬لن‮ ‬يستطيع الاقتراب من مسارح الدولة‮ .. ‬ثم أن الدولة نفسها تتخلي‮ ‬عن المسرح وتلفظه عبر إيقاف ميزانياته‮ ‬،‮ ‬وعبر القيادات الحالية والمستقبلية التي‮ ‬لم تزل ترغب في‮ ‬ممارسة القيادة عبر الخطط الجزئية والمحدودة الأفق التي‮ ‬تتوقف عند حدود تغييرات تكتيكية علي‮ ‬ظاهرة في‮ ‬طور الاحتضار مثل اختزال مستويات فرق الثقافة الجماهيرية‮  ‬وتطبيق نظام التجارب‮ ! ‬أو الاهتمام بدعم العاملين في‮ ‬البيت الفني‮ ‬و حماية حقوقهم المالية في‮ ‬ظل عدم وجود ميزانيات لإنتاج المسرح أصلاً‮.‬
ولكن لنترك كل ذلك جانباً‮... ‬فالملل‮ ‬يتسرب من جديد وصرخات التحذير من المستقبل لم تعد ذات معني‮ ‬بعدما بدأ ذلك المستقبل في‮ ‬مداهمته الواقع من جديد‮. ‬
في‮ ‬النهاية لن تصبح لهذا المقال أهمية طالما سوف‮ ‬يذهب لينضم لمئات المقالات والندوات والأحاديث الشخصية التي‮ ‬ظلت تحذر من الانهيار منذ السبعينيات دون مجيب‮.‬

 

محمد مسعد

معلومات أضافية

  • منشور في جريدة مسرحنا العدد رقم : ٢٧٦

تعليقاتكم

تأكد من مليء جميع الحقول المشار اليها بعلامة (*)

You are here